توجيه اتهامات لمدير «إف بي آي» السابق جيمس كومي

ترمب يُنفذ تهديداته ويفتح معركة غير مسبوقة مع خصومه السياسيين

مدير الـ«إف بي آي» السابق جيمس كومي (أ.ف.ب)
مدير الـ«إف بي آي» السابق جيمس كومي (أ.ف.ب)
TT

توجيه اتهامات لمدير «إف بي آي» السابق جيمس كومي

مدير الـ«إف بي آي» السابق جيمس كومي (أ.ف.ب)
مدير الـ«إف بي آي» السابق جيمس كومي (أ.ف.ب)

في مشهد يُعيد خلط أوراق السياسة الأميركية، وجّهت هيئة محلفين كبرى في ولاية فرجينيا اتهامات إلى مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي، بتهمة الإدلاء بتصريحات كاذبة وعرقلة عمل الكونغرس، في خطوة وصفت بأنها بداية تنفيذ الرئيس دونالد ترمب لوعده القديم: الانتقام من خصومه السياسيين.

صدور اللائحة لم يكن حدثاً قضائياً عادياً، بل مؤشر على تحوّل عميق في العلاقة بين البيت الأبيض ووزارة العدل. فقد مضت المدعية العامة الجديدة، ليندسي هاليغان، وهي محامية سابقة لترمب، عُيّنت قبل أيام فقط في منصبها، في تقديم الملف رغم اعتراضات مدعين مهنيين وخبراء قانونيين حذّروا من هشاشة الأدلة. وقد رفضت هيئة المحلفين إحدى التهم الثلاث المقترحة، لكنّ التهمتين الباقيتين تكفيان لجرّ كومي إلى محاكمة قد تستمر لشهور.

المدير الحالي للـ«إف بي آي» كاش باتيل ووزيرة العدل بام بوندي (رويترز)

بالنسبة لترمب، الذي لم يُخفِ يوماً استياءه من كومي منذ إطلاق الأخير التحقيق في التدخل الروسي بانتخابات 2016، شكّل توجيه الاتهام لحظة انتصار طال انتظارها. ففي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ترمب عن كومي إنه «أحد أسوأ البشر الذين شهدتهم البلاد»، قبل أن يُعلن: «العدالة في أميركا!».

هذه اللغة تكشف أن القضية ليست مجرد نزاع قانوني، بل فصل جديد في حرب سياسية مفتوحة.

كان إصرار ترمب على المُضي قدماً واضحاً منذ أن أجبر البيت الأبيض المدعي العام السابق على الاستقالة بسبب رفضه رفع دعوى ضد كومي. جرى استبدال ليندسي هاليغان، بالمدعي العام السابق، وليندسي محامية سابقة لترمب، ولا تملك أي خبرة سابقة في الادعاء الفيدرالي، ولم تصدر أي قرار من قبل. هذا التدخل المباشر في عمل وزارة العدل كسر واحدة من أعرق القواعد غير المكتوبة في النظام الأميركي، وهي استقلالية التحقيقات الجنائية عن التأثيرات السياسية اليومية.

غادر عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي مكتب جون بولتون مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن (إ.ب.أ)

من جهته، أعلن كومي براءته، متعهداً بالمثول أمام المحكمة و«خوض المعركة حتى النهاية»، مشيراً إلى أن ما يواجهه ليس قضية قانونية فحسب، بل محاولة لإسكات الأصوات المعارضة.

وفي رسالة مصورة، قال إن شخصاً يحبه كثيراً قال أخيراً إن «الخوف أداة الطاغية»، في إشارة إلى رسالة كتبتها ابنته إلى زملائها بعد أن طردها مسؤولو إدارة ترمب من منصبها بصفتها مدعية عامة فيدرالية في مانهاتن هذا العام.

وقال كومي: «أنا وعائلتي نعلم منذ سنوات أن الوقوف في وجه دونالد ترمب مكلف، لكننا لا نتخيل أنفسنا نعيش حياة أخرى. لن نستسلم، وأنتم أيضاً يجب ألا تفعلوا ذلك».

واستقال صهر كومي، المشرف في مكتب المدعي العام نفسه الذي اتهمه يوم الخميس، من منصبه بعد لحظات من تقديم لائحة الاتهام. وقال في خطاب استقالته إنه استقال «للوفاء بقسمه على الدستور والبلاد».

وأعلن فريق دفاعه، بقيادة المدعي الفيدرالي السابق باتريك فيتزجيرالد، أنه يستعد لاستخدام تصريحات ترمب المتكررة أدلةً على الطابع الانتقامي للقضية، الأمر الذي قد يُضعف موقف الادعاء أمام القاضي وهيئة المحلفين.

مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) كاش باتيل (رويترز)

إضافة إلى ذلك، فإن السجل السابق يُظهر أن بعض المحققين لم يجدوا أدلة كافية لإدانة كومي، وهو ما قد يمنح الدفاع فرصة للطعن في مشروعية إعادة فتح الملف. ومع ذلك، حتى لو انتهت القضية بالبراءة، فإن مجرد الملاحقة تعني تكاليف مالية ضخمة، وضغطاً نفسياً هائلاً، وهي نتيجة قد تكون في حد ذاتها جزءاً من أهداف ترمب السياسية، حسب المنتقدين.

استهداف رموز أخرى

كومي ليس سوى البداية، فقد كشفت مصادر أن وزارة العدل تدرس ملفات تتعلق بالمدعية العامة في نيويورك ليتيتيا جيمس والسيناتور الديمقراطي آدم شيف، وهما من أبرز مناصري محاكمة ترمب سابقاً. مجرد ذكر اسميهما في هذا السياق يُثير مخاوف من أن القضاء الأميركي قد يتحوّل إلى أداة لتصفية الحسابات، وهو سيناريو يذكّر كثيرين بفضيحة «ووترغيت» في سبعينات القرن الماضي، عندما حاول الرئيس ريتشارد نيكسون استخدام أجهزة الدولة ضد معارضيه.

تشاك شومر خلال مؤتمر صحافي حول مشروع قانون ترمب للضرائب والإنفاق يونيو 2025 (رويترز)

غير أن الفارق، حسب مؤرخين، أن نيكسون كان على الأقل يسعى إلى إخفاء تدخله خلف واجهة قانونية. أما ترمب فيُعلن صراحة أن العدالة ليست عمياء، بل أداة بيد الرئيس لمعاقبة مَن يعدّهم خصوماً.

القضية ضد كومي تتجاوز شخصه لتطرح سؤالاً أوسع: هل لا تزال الديمقراطية الأميركية قادرة على حماية نفسها من تسييس العدالة؟ فقد حذّر خبراء من أن نجاح ترمب في دفع وزارة العدل نحو هذا المسار سيخلق مناخاً من الخوف لدى المسؤولين والمعارضين، وهو ما دفع البعض إلى التحذير من «أنه لا أحد يريد أن يعيش في بلد قد يقود فيه استياء الرئيس إلى السجن».

كما أن الطابع الرمزي للقضية يضاعف من خطورتها، فمحاكمة مدير سابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي، الجهاز الذي يُفترض أن يقف على مسافة واحدة من السياسيين، تُرسل إشارة مقلقة إلى الداخل والخارج حول هشاشة الضمانات المؤسسية الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء في البيت الأبيض بحضور مستشار الأمن القومي حينها جون بولتون يوم 22 مايو 2018 (أ.ب)

وبدا واضحاً أن ترمب يرى في هذه المحاكمات وسيلة لترسيخ سلطته، فمنذ بداية ولايته الثانية، اتخذ سلسلة خطوات لإقصاء المدعين العامين المخضرمين، وتعيين موالين يفتقرون للخبرة، لكنهم يتميزون بالولاء. ويرى العديد من المراقبين أن هذا التحول البنيوي داخل وزارة العدل، يُعيد صياغة الثقافة المؤسسية للوكالة؛ حيث يتقدم الولاء السياسي على المهنية القانونية.

لكن في نظر أنصار ترمب، فإن ما يجري هو تصحيح لمسار طويل من «تسليح العدالة» ضد ترمب نفسه، حسب الشعارات التي درج الجمهوريون على ترديدها. أما معارضوه فيعدّونه انزلاقاً خطيراً نحو تسييس القضاء على نحو يُهدد جوهر الديمقراطية الأميركية.

التمثال البرونزي يظهر ترمب وإبستين يبتسمان ابتسامة عريضة ويمسكان بأيدي بعضهما وكل منهما يركل قدمه للخلف بفرح (أ.ف.ب)

سواء نجحت المحاكمة أم لا، فإن القضية فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع السياسي. إذا تمكن ترمب من فرض محاكمة كومي فسيكون الطريق ممهداً لملاحقة خصوم آخرين، ما يعمّق الانقسام الحزبي، ويُضعف ثقة الأميركيين في حياد مؤسساتهم. وربما الأهم أن هذا التطور يختبر قدرة النظام الأميركي على الصمود أمام رئيس يرفض القيود التقليدية، ويحوّل وعود الانتقام إلى سياسة رسمية. ففي بلد بُني على فكرة «لا أحد فوق القانون»، يبدو أن القانون نفسه بات ميداناً للمعركة السياسية.


مقالات ذات صلة

الديمقراطيون يعززون فرصهم قبل أسبوعين من الانتخابات النصفية

الولايات المتحدة​ ناخبون ينتظرون في طابور للمشاركة في التصويت المبكر في أتلانتا - جورجيا (رويترز)

الديمقراطيون يعززون فرصهم قبل أسبوعين من الانتخابات النصفية

مع تراجع شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يبدو الديمقراطيون في موقع أفضل لتحدي سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب، ومعركة غير واضحة النتائج في الانتخابات.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ناخبون يستعدون للإدلاء بأصواتهم خلال اليوم الأول من التصويت المبكر بمركز اقتراع في «أوفرلاند بارك» بولاية كانساس يوم 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

الغلاء يدفع الناخبين الأميركيين المستقلين لإعادة حساباتهم ومعاقبة الجمهوريين

ينقل الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، معركة الدفاع عن الأغلبية الجمهورية في الكونغرس إلى ولاية كانساس، مساء الاثنين، مستهلاً أسبوعاً من التجمعات الانتخابية.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية جنديان إسرائيليان يتمركزان خلال عملية دهم في رفيديا بنابلس (إ.ب.أ)

الجيش الإسرائيلي يرفع حالة التأهب قبيل الانتخابات في 27 أكتوبر

أعلن الجيش الإسرائيلي، الاثنين، أنه رفع حالة التأهب وسط مخاوف أمنية قبيل الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر (تشرين الأول).

رياضة عالمية هل يقرر آرسين فينغر الترشح أمام إنفانتينو في انتخابات «فيفا»؟ (أ.ب)

فينغر الأمل الأخير لإزاحة إنفانتينو عن رئاسة «فيفا»

برز الفرنسي آرسين فينغر، المدرب التاريخي لآرسنال الإنجليزي ومدير تطوير كرة القدم العالمية في «الاتحاد الدولي لكرة القدم، مرشحاً محتملاً لمنافسة جياني إنفانتينو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ ترمب يتحدث للصحافيين وخلفه سوزي وايلز وسط تسريبات عن تحميله كبار مستشاريه مسؤولية تراجع حظوظ الحزب «الجمهوري» في الاحتفاظ بأغلبيته في الكونغرس (أ.ب)

شبح خسارة الكونغرس يشعل حرب الاتهامات بين ترمب ومساعديه

انتقلت أزمة الحزب «الجمهوري» من منافسة الديمقراطيين على مقاعد الكونغرس في الانتخابات النصفية الوشيكة إلى الدائرة الضيقة للرئيس دونالد ترمب.

هبة القدسي (واشنطن)

فرنسا تتجه لحظر التجول في بعض المدن

فرنسي يسير قرب صف من السيارات المحروقة في أحد شوارع باريس أمس (أ. ف. ب)
فرنسي يسير قرب صف من السيارات المحروقة في أحد شوارع باريس أمس (أ. ف. ب)
TT

فرنسا تتجه لحظر التجول في بعض المدن

فرنسي يسير قرب صف من السيارات المحروقة في أحد شوارع باريس أمس (أ. ف. ب)
فرنسي يسير قرب صف من السيارات المحروقة في أحد شوارع باريس أمس (أ. ف. ب)

طلبت الحكومة الفرنسية أمس (الاثنين) من السلطات المحلية في بعض المدن فرض حظر تجول بعد أعمال الشغب التي نتجت عن الاحتجاجات المناهضة للحكومة في أنحاء البلاد خلال الأيام الماضية.

ولم يستبعد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إعلان حالة الطوارئ، لكنه قال إنه من الأنسب في الوقت الحالي تطبيق حظر تجول جزئي ومحلي، من دون تقديم تفاصيل عن المدن التي ستشملها هذه الإجراءات.

بدورها، أعلنت «تنسيقية السترات الصفراء» عن يوم تعبئة جديد السبت المقبل، لمواصلة الضغط على الحكومة، التي بدت عاجزة في اليومين الأخيرين عن المحافظة على سلمية المظاهرات وحماية المؤسسات العامة والملكيات الخاصة، في العديد من المدن، من الحرائق والسلب والنهب.

كما عجّل التلامذة في الإعلان عن مواصلة حراكهم يوم 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، ما يعني أن رهان الحكومة على أسبوعي العطلة المدرسية (من 17 أكتوبر «تشرين الأول» - إلى 2 نوفمبر) لم يكن في مكانه.


استمرار تظاهرات لشبونة وبورتو احتجاجاً على ارتفاع تكاليف السكن بالبرتغال

خيَم اعتصام احتجاجاً على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات أمام مسرح دونا ماريا الثاني في لشبونة بالبرتغال يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
خيَم اعتصام احتجاجاً على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات أمام مسرح دونا ماريا الثاني في لشبونة بالبرتغال يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

استمرار تظاهرات لشبونة وبورتو احتجاجاً على ارتفاع تكاليف السكن بالبرتغال

خيَم اعتصام احتجاجاً على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات أمام مسرح دونا ماريا الثاني في لشبونة بالبرتغال يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
خيَم اعتصام احتجاجاً على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات أمام مسرح دونا ماريا الثاني في لشبونة بالبرتغال يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

رفض مئات المحتجين في لشبونة وبورتو البرتغاليتَين، الاثنين، تفكيك عشرات الخيَم التي نصبوها منذ السبت في وسط المدينتين احتجاجاً على ارتفاع تكاليف السكن، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم تشهد العاصمة لشبونة ومدينة بورتو أي اضطرابات خلال الليل، إلا أن المتظاهرين تمسكوا باستكمال حراكهم.

ورفض الناشطون إزالة خيَمهم على الرغم من تحذيرات السلطات من أن احتلال الأماكن العامة يتعارض مع القواعد، وأنهم يعرّضون أنفسهم لخطر الملاحقة القانونية بتهمة عصيان الأوامر في حال رفضوا فض الاحتجاجات.

خيمة تحمل لافتة تطالب بوقف عمليات الإخلاء خلال اعتصام احتجاجاً على أزمة السكن في لشبونة بالبرتغال يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وقال روبن ألكسندر (25 عاماً) الذي يعمل في محطة وقود في ضواحي العاصمة البرتغالية مقابل الحد الأدنى للأجور، لوكالة الصحافة الفرنسية خلال الاحتجاج: «أعمل منذ أن كنت في الثامنة عشرة من عمري، ومع ذلك لم أتمكن بعد من مغادرة منزل والديّ».

وفي بورتو، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات قبل نحو عشرة أيام، قالت ماريا جواو كاليستو، إحدى المتحدثات باسم الحراك لصحيفة «بوبليكو» إن السلطات تلقّت إشعاراً مسبقاً بشأن تنظيم التظاهرات خلال الفترة الممتدة من 21 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 31 ديسمبر (كانون الأول).

وأكد جواو فيلوزو، أحد المتحدثين باسم مخيم المحتجين في لشبونة، أنه رغم أن المحتجين لا يسعون إلى القيام بأعمال العنف كتلك التي شهدتها فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع، فإنّ الناشطين لن يفككوا المخيم.

وقال: «هدفنا هو البقاء هنا حتى يتم الاستماع إلى مطالبنا».

متظاهرون يطالبون بزيادة الأجور وتحسين المعاشات والخدمات العامة في لشبونة بالبرتغال يوم 17 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

ومن المتوقع أن يجتمع رئيس بلدية المدينة بيدرو دوارتي بالمتظاهرين، فيما لا تزال تفاصيل الاجتماع غير مكتملة.

ويريد المتظاهرون أن تمتد تظاهراتهم لتشمل شبه الجزيرة الإيبيرية، كما أعربوا عن رغبتهم في الانضمام إلى حراك قيد التحضير في إسبانيا مطالبين النقابات بالدعوة إلى إضراب عام في الحادي عشر من نوفمبر (تشرين الثاني).

ويتّهم المتظاهرون الحكومة بعدم اتخاذ إجراءات كافية للحد من أزمة السكن، والعمل في المقابل على تسهيل عمليات إخلاء المستأجرين في إطار الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة في سوق الإيجارات.

لافتات احتجاجية تغطي «نصب بيدرو الرابع» في ساحة روسيو بلشبونة في البرتغال يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وفي أواخر سبتمبر (أيلول)، وافق البرلمان البرتغالي على إجراء يهدف إلى تسريع عمليات إخلاء المستأجرين الذين يتخلفون عن سداد الأجور، بهدف المساهمة في تخفيف القيود عن سوق الإيجارات.

ويأتي التحرّك الاحتجاجي في البرتغال بالتزامن مع دخول احتجاجات أزمة السكن في إسبانيا أسبوعها الرابع، التي أفضت إلى الدعوة لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نوفمبر.

وارتفعت أسعار المساكن في البرتغال بنسبة 124 في المائة بين عامي 2015 و2024، أي نحو ضعف متوسط الارتفاع في الاتحاد الأوروبي، حسب البيانات الرسمية.

ويطول هذا الارتفاع الشباب بشكل خاص، وكذلك العاصمة لشبونة التي تضمّ مع ضواحيها نحو ربع سكان البرتغال، البالغ عددهم أكثر من 11 مليون نسمة.

أغطية وخيَم معتصمين احتجاجاً على أزمة السكن في ساحة «بويرتا ديل سول» بمدريد في إسبانيا يوم 16 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

اشتباكات مع الشرطة في مدريد

إضافة إلى ذلك، أدت احتجاجات المعلّمين المضربين عن العمل ضد سياسة التعليم للحكومة الإقليمية برئاسة إيزابيل دياز أيوسو إلى اشتباكات مع الشرطة في مدريد. وقام مئات المتظاهرين بسد مداخل قصر سانتونيا في وسط العاصمة الإسبانية، حيث كانت رئيسة الإقليم المحافظة تحضر فعالية اليوم الاثنين.

وتحرّكت الشرطة ضد المتظاهرين لتأمين طريق الوصول إلى المبنى. وبثت قناة «آر تي في إي» التلفزيونية صوراً لمعلمين كانوا يتظاهرون بشكل سلمي وهم يتعرضون للضرب بالهراوات والدفع إلى الخلف. واتهمت أيوسو رئيس وزراء إسبانيا الاشتراكي، بيدرو سانشيز، و«اليسار المناهض للديمقراطية» بتدبير «استراتيجية استهداف شخصية ومؤسسية» ضدها.


ما خريطة الاحتجاجات التي تضرب أوروبا؟

خريطة تظهر المدن الأوروبية التي شهدت احتجاجات في الأيام الأخيرة (الشرق الأوسط)
خريطة تظهر المدن الأوروبية التي شهدت احتجاجات في الأيام الأخيرة (الشرق الأوسط)
TT

ما خريطة الاحتجاجات التي تضرب أوروبا؟

خريطة تظهر المدن الأوروبية التي شهدت احتجاجات في الأيام الأخيرة (الشرق الأوسط)
خريطة تظهر المدن الأوروبية التي شهدت احتجاجات في الأيام الأخيرة (الشرق الأوسط)

شهدت دول أوروبية خلال الأيام الماضية احتجاجات تنوّعت أسبابها بين ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وتردّي الخدمات العامة والفساد. وتخللت بعض هذه التحركات مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب، بينما واصل محتجون اعتصاماتهم، في امتداد لتحركات بدأت قبل أسابيع في عدد من الدول.

وفي ما يلي أبرز هذه الاحتجاجات ومطالب المشاركين فيها في كل دولة.

حريق وعناصر من شرطة مكافحة الشغب خلال اضطرابات احتجاجاً على غلاء المعيشة في باريس بفرنسا يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

فرنسا

اتخذت الاحتجاجات المتواصلة منذ أسابيع في فرنسا منحى عنيفاً خلال الأيام الماضية، مع وقوع أعمال شغب في عدد من المدن. وأضرم متظاهرون، خلال العطلة الأسبوعية المنصرمة، النار في مبنى البلدية بمدينة ليموج وسط البلاد؛ ما أدى إلى انهياره. وأُصيب عدد كبير من الأشخاص، بينهم شبان، خلال اشتباكات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين، كما وقعت أعمال نهب.

وبدأت الاحتجاجات بخروج طلاب إلى الشوارع اعتراضاً على نقص المعلمين وسوء ظروف التعلّم، وإغلاقهم مدارس، لكن المظاهرات توسعت لاحقاً لتشمل أيضاً احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة وانتقادات للقيادة السياسية.

وقام شبان متطرفون خلال الاحتجاجات بتخريب المتاجر، وإضرام النيران في محطات النقل العام والمركبات، ومن جانبها، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع، والقنابل الصوتية، وخراطيم المياه لتفريق مثيري الشغب.

الشرطة تواجه متظاهرين في ميلانو بإيطاليا يوم 17 أكتوبر 2026 (أ.ب)

إيطاليا

وكانت مدينة ميلانو الإيطالية مسرحاً لاضطرابات، الأحد، لليوم الثاني من الاحتجاجات على تردّي الخدمات العامة وارتفاع تكلفة المعيشة، أعلنت الشرطة على أثرها، الاثنين، توقيف 271 شاباً.

وشهدت الاحتجاجات نشوب ‌اشتباكات بين ‌المتظاهرين وأفراد ​الشرطة، ونهباً ‌لمتاجر ⁠وتخريباً ​لممتلكات. وأظهرت لقطات ⁠تلفزيونية الشرطة في زي مكافحة الشغب وهي تطلق الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه، في وقت أشعل فيه مئات المتظاهرين النار في ⁠صناديق القمامة، ونهبوا ‌متاجر شهيرة ‌في وسط المدينة.

وقالت الشرطة ​إن 32 شخصاً من ‌بين من اقتيدوا لمراكز الشرطة تم اعتقالهم، بينهم 23 قاصراً و13 أجنبياً. وأحيل 28 شخصاً آخرون ‌إلى السلطات القضائية.

ونددت جورجيا ميلوني رئيسة الوزراء الإيطالية، التي ستخوض انتخابات العام المقبل، بأعمال الشغب، وأعلنت عن عقد اجتماع للحكومة، ​الاثنين، ​لمناقشة سبل معالجة الوضع.

البرتغال

وتصدّرت أزمة السكن مطالب المحتجين في البرتغال، حيث رفض المئات في لشبونة وبورتو، اليوم الاثنين، تفكيك عشرات الخيَم التي نصبوها منذ السبت في وسط المدينتين.

ورفض الناشطون إزالة خيَمهم على الرغم من تحذيرات السلطات من أن احتلال الأماكن العامة يتعارض مع القواعد، وأنهم يعرّضون أنفسهم لخطر الملاحقة القانونية بتهمة عصيان الأوامر في حال رفضوا فض الاحتجاجات.

خيَم اعتصام احتجاجاً على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وتدنّي الأجور في لشبونة بالبرتغال يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وفي بورتو، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات قبل نحو 10 أيام، قالت ماريا جواو كاليستو، إحدى المتحدثات باسم الحراك لصحيفة «بوبليكو» إن السلطات تلقت إشعاراً مسبقاً بالتظاهرات للفترة الممتدة من 21 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 31 ديسمبر (كانون الأول).

ويريد المتظاهرون أن تمتد تظاهراتهم لتشمل شبه الجزيرة الآيبيرية، كما أعربوا عن رغبتهم في الانضمام إلى حراك قيد التحضير في إسبانيا مطالبين النقابات بالدعوة إلى إضراب عام في الحادي عشر من نوفمبر (تشرين الثاني). ويتهم المتظاهرون الحكومة بعدم اتخاذ إجراءات كافية للحد من أزمة السكن، والعمل في المقابل على تسهيل عمليات إخلاء المستأجرين في إطار الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة في سوق الإيجارات.

إسبانيا

وعلى الجانب الآخر من الحدود، تتواصل في إسبانيا منذ أواخر سبتمبر (أيلول) احتجاجات واسعة على تكاليف السكن وعمليات الإخلاء القسري، وفق تقرير «وكالة الأنباء الألمانية».

وبذلك، تأتي التحركات الإسبانية ضمن احتجاجات ممتدة منذ أسابيع، وليست جميعها جزءاً من تظاهرات انطلقت خلال عطلة نهاية الأسبوع.

متظاهرون أمام وزارة التعليم الإقليمية خلال إضراب في قطاع التعليم العام في مدريد بإسبانيا يوم 19 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

بلجيكا

وامتد صدى الاحتجاجات الفرنسية ضد غلاء المعيشة إلى بلجيكا، حيث تظاهر المئات السبت في بروكسل ولييج، وتخللت بعض التجمعات أعمال تخريب حمّلت السلطات مسؤوليتها لـ«مثيري الشغب».

وفي بروكسل، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع عصراً أمام مبنى البورصة في وسط المدينة لتفريق مجموعة من الشباب كان بعضهم يلقي مقذوفات، وفق مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأُوقف نحو 10 أشخاص بتهمة الإخلال بالنظام العام، بحسب شرطة بروكسل.

وندّد وزير الداخلية البلجيكي برنار كوينتين بما وصفه بـ«العنف الواضح والمنظم والمتكرر لزعزعة استقرار مجتمعنا».

متظاهرون يتأثرون بالغاز المسيل للدموع خلال احتجاج طلابي في بروكسل ببلجيكا يوم 17 أكتوبر 2026 (رويترز)

ألبانيا

وقاد الطلاب في ألبانيا موجة احتجاجات اجتاحت وسط العاصمة تيرانا، وامتدت إلى مدن أخرى خلال الأسبوع الماضي، مدفوعة بالغضب من الفساد الحكومي، ونقص فرص العمل، وتردّي مستوى التعليم ورسوم التسجيل.

واستخدمت الشرطة الألبانية، الأحد، الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه في مواجهة مئات المتظاهرين في تيرانا، في سياق الاحتجاجات المتواصلة لليوم السادس للمطالبة بتنحي رئيس الوزراء، بحسب صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية»، بينما استبعد إيدي راما الاستقالة.

متظاهرون يرتدون أقنعة خلال احتجاج طلابي مناهض للحكومة في تيرانا بألبانيا يوم 19 أكتوبر 2026 (رويترز)

وتجمّع مئات المتظاهرين، ظهر الأحد، أمام وزارة التربية والتعليم، مطالبين رئيس الوزراء بالاستقالة. وبعد محاولة الشرطة تفريق الحشود، امتدت الاحتجاجات إلى أنحاء في وسط المدينة، وتحوّلت إلى مواجهات عنيفة استمرّت ساعات. وأضرم متظاهرون النار في حاويات قمامة في الشوارع، وحطموا نوافذ، بينها نوافذ مقر الحزب الاشتراكي الحاكم، وأشعلوا النار في مركز للشرطة ومدخل وزارة الداخلية.

واتسعت المواجهات التي سادتها الفوضى إلى الساحة الرئيسية، حيث رشق متظاهرون الشرطة بالحجارة والزجاجات الحارقة والمفرقعات، بينما ردّت الشرطة بالرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع، بحسب صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية». وأفادت وزارة الصحة بإصابة 16 شرطياً، بينهم 14 أُصيبوا عندما هاجم متظاهرون مركز الشرطة.