في سابقة فرنسية... محكمة تقضي بسجن نيكولا ساركوزي 5 سنوات

الرئيس الأسبق تمسّك ببراءته وأبدى استعداده للنوم في محبسه «مرفوع الرأس»

ساركوزي وعقيلته يصلان إلى قاعة المحكمة في باريس يوم 25 سبتمبر (أ.ب)
ساركوزي وعقيلته يصلان إلى قاعة المحكمة في باريس يوم 25 سبتمبر (أ.ب)
TT

في سابقة فرنسية... محكمة تقضي بسجن نيكولا ساركوزي 5 سنوات

ساركوزي وعقيلته يصلان إلى قاعة المحكمة في باريس يوم 25 سبتمبر (أ.ب)
ساركوزي وعقيلته يصلان إلى قاعة المحكمة في باريس يوم 25 سبتمبر (أ.ب)

كالصاعقة وقع الحكم غير المسبوق في الجمهورية الخامسة، الذي نطقت به رئيسة المحكمة الجنائية في باريس، ناتالي غافارينو، القاضي بإرسال نيكولا ساركوزي، رئيس الجمهورية الأسبق (2007 ــ 2012) إلى السجن لمدة خمس سنوات، مع مذكرة إيداع في السجن بمفعول فوري ولكن مؤجل لأسباب لوجيستية.

كما قضى الحكم بحرمان ساركوزي من حقوقه المدنية والعائلية، ومنعه من الترشح أو تسلم أي منصب لمدة خمس سنوات، وإلزامه بغرامة مالية قيمتها 100 ألف يورو. ويعني «المفعول الفوري» أن ساركوزي سيذهب حُكماً إلى السجن رغم تأكيده، بعد خروجه من المحكمة، أنه سيطعن بالحكم وسيقدم عبر محاميه استئنافاً بهذا الشأن.

والتأجيل الذي طلبته المحكمة ذو صلة بصفته السابقة رئيساً للجمهورية، والحاجة إلى سجن يمكن أن يوفر له الأمن والسلامة لكونه ليس سجيناً عادياً. ويعد طلب التنفيذ الفوري استثنائياً وهو، بعكس الأحكام العادية، غير مرهون باستنفاد كل السبل القانونية كالذهاب إلى محكمة الاستئناف، وبعدها إلى محكمة التمييز، وكلها تجمد الأحكام بانتظار صدور الحكم النهائي.

الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي متحدثاً للصحافة وإلى جانبه زوجته ومحاموه بعد انتهاء جلسة إصدار الحكم في باريس يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)

وسبق لمحكمة أن أصدرت حكما مماثلاً بحق مارين لوبن، زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف والمرشحة الرئاسية السابقة، ولكن من غير إرسالها إلى السجن، بعد إدانتها ومجموعة من مسؤولي الحزب المقربين منها. وأصدرت المحكمة آنذاك حكماً يحرمها من حقوقها المدنية، بما فيها الترشح لأي منصب انتخابي فيما تحضر نفسها للانتخابات الرئاسية القادمة.

وبررت القاضية ناتالي غافارنو الحكم المتشدد بحق ساركوزي بحديثها عن انخراطه في «وقائع على درجة استثنائية من الخطورة، من شأنها تقويض ثقة المواطنين في ممثليهم». وبعكس ما طلبته النيابة العامة المالية، فإن المحكمة برّأت ساركوزي من ثلاث تُهم تشمل الفساد السلبي، وتمويل حملته الرئاسية لعام 2007 التي قادته إلى رئاسة الجمهورية من طرف نظام العقيد معمر القذافي بصورة غير قانونية، والتستر على اختلاس أموال عامة.

«صفقة» القذافي

في المقابل، فإن المحكمة أدانت الرئيس الأسبق بـ«الضلوع في تكوين جمعية أشرار»، أي أنه كان عملياً على صلة بمجموعة رتبت وسعت للحصول على تمويل ليبي يمنعه القانون. ويعني «تكوين جمعية أشرار»، وفق تعريف القانون «كل مجموعة مشكّلة أو اتفاق تم التوصل إليه بهدف التحضير، المثبت بأفعال مادية واحدة أو أكثر، لارتكاب جريمة أو جنحة أو أكثر يعاقب عليها بالسجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات»، بغض النظر عما إذا كان الجرم قد تمّ ارتكابه أم لا، أو أنه أفضى إلى نتيجة ما من عدمها.

وإذ رأت المحكمة أن لا أدلة لديها لتأكيد أن ساركوزي عقد «صفقة» مع القذافي للحصول على تمويل مقابل توفير امتيازات سياسية أو دبلوماسية أو غيرها للقذافي، فإنها عدّت انخراطه في «جمعية الأشرار» أمراً محسوماً.

كلود غيان وزير الداخلية الأسبق يصل إلى المحكمة في باريس يوم 25 سبتمبر (أ.ب)

بيد أن مساعدين لساركوزي، كمدير مكتبه كلود غيان، عندما كان وزيراً للداخلية، والذي عينه لاحقاً أميناً عاماً للرئاسة، ثم وزيراً للداخلية، أو بريس أورتفو، المقرب من ساركوزي الذي شغل لاحقاً المنصب الوزاري المذكور، أدينا بتهم نجا منها ساركوزي. وحُكم على الأول بالسجن لست سنوات وغرامة مالية من 250 ألف يورو. وبالنظر لحالته الصحية، لم تصدر بحقه مذكرة إيداعه بالسجن.

أما الثاني، فحُكم عليه بالسجن لعامين مع التنفيذ الفوري، وحرمانه من الحقوق المدنية والعائلية والسياسية لخمس سنوات، وتغريمه بدفع 50 ألف يورو. بيد أن المحكمة لحظت إمكانية استبدال إلباسه سواراً إلكترونياً للمدة نفسها بإرساله إلى السجن، مع فرض مجموعة من القيود على تحركاته. وسبق أن خضع ساركوزي لعقوبة مماثلة في قضية سابقة.

بريس هورتفو صديق مقرب من ساركوزي ووزيره للداخلية لاحقاً حكم عليه بالسجن لعامين سيتم استبدال إلباسه سواراً إلكترونياً بهما (إ.ب.أ)

والمساعدان سافرا إلى ليبيا، والتقيا في 2005، وما بعدها بعبد الله السنوسي، صهر القذافي والمسؤول، وفق القضاء الفرنسي عن اعتداءات «لوكربي» (إسقاط طائرة تجارية ذهب ضحيته 270 قتيلاً عام 1988)، وطائرة «يو تي آي» (170 قتيلاً بينهم 54 فرنسياً عام 1989). ووفر التحقيق عناصر عدة توضح حقيقة الصفقة بين ليبيا القذافي وجماعة ساركوزي. وأحد أمثلتها أن غيان عمد إلى استئجار خزينة كبرى في بنك يقع قرب مبنى أوبرا باريس لغرض «تخزين خطابات ساركوزي». كذلك، لم ينجح غيان في تبرير حصوله على 500 ألف يورو استخدمها لشراء شقة في باريس، وزعم أنها نتيجة بيع لوحتين فنيتين لا تتجاوز قيمتهما عشر المبلغ المذكور.

سلسلة فضائح

لم يعرف أي رئيس سابق هذا الكم من الفضائح التي لحقت بساركوزي بعد خروجه من الإليزيه ربيع عام 2017. وإزاء كل التهم التي وُجّهت له، كان يدّعي دوماً البراءة ويعمل مع محاميه على تأجيل صدور الأحكام النهائية. والفضيحة الأخيرة التي أدين بها الخميس انطلقت قبل 13 عاماً. وسارع الرئيس الأسبق إلى إطلاق حملة شعواء ضد القضاة، مؤكّداً أنه ضحية «ظلم مشين»، وأن «كراهية هؤلاء (أي القضاة ) لا حدود لها».

وإذ عدّ الحكم «يشكل تهديداً بالغ الخطورة على سيادة القانون»، فإنه، في مسعى واضح لاستجلاب عطف المواطنين لم يتردد في القول إنه «إذا أرادوني أن أنام في السجن، فسأفعل ذلك، لكن مرفوع الرأس لأنني بريء».

الرئيس الأسبق لدى وصوله صباح الخميس إلى قاعة المحكمة (إ.ب.أ)

حقيقة الأمر أن قضية التمويل الليبي بالغة التعقيد، وتتداخل فيها الاعتبارات السياسية والمالية والاستخبارية والضغوطات والتهديدات وتراجع بعض المعنيين عن شهاداتهم، مثل زياد تقي الدين، رجل الأعمال اللبناني الذي توفي الثلاثاء الماضي في بيروت والذي سبق له أن أكد قيامه بنقل حقائب مالية من ليبيا وتسليمها لغيان في وزارة الداخلية.

وثمة من «انتحر» مثل رئيس الوزراء الليبي الأسبق شكري غانم، الذي عُثر عليه ميتاً في نهر الدانوب قرب فيينا، وآخر (صالح بشير) تم إخراجه من ليبيا إلى باريس بفضل الأجهزة الاستخبارية الفرنسية، ثم من باريس إلى تونس بعد أن علم القضاء بوجوده في العاصمة الفرنسية، ما كان سيقود إلى استدعائه للتحقيق وكشف بعض الأسرار.

ثم تتعين الإشارة إلى أن سيف الإسلام القذافي قد اتهم ساركوزي بتلقي أموال ليبية، وطالبه باستردادها. ثم هناك عملاء لعبوا أدواراً مختلفة، مثل الصيرفي السويسري وهيب ناصر، والوسيط (بين ساركوزي والقذافي) ألكسندر جوهري، كلاهما اقتيد إلى السجن.

وتطول لائحة العملاء الذين لعبوا أدوراً في هذه الفضيحة المعقدة، كما لم تتبدد الإشاعة التي ربطت بين حماسة ساركوزي في الدفع باتجاه التدخل العسكري الغربي في ليبيا مارس (آذار) عام 2011، الذي أفضى إلى مقتل القذافي وسقوط نظامهـ، وفضيحة التمويل.

كذلك، لا بد من الإشارة إلى أمرين: الأول أن القذافي قبل وساطة ساركوزي للإفراج عن الممرضات البلغاريات اللائي كن مرميات في السجن في ليبيا بعد اتهامهن بنقل فيروس «الإيدز» إلى 400 طفل ليبي، وقد قبل القذافي تسليمهن إلى سيسيليا، زوجة ساركوزي التي تطلق منها لاحقاً. والثاني، أن القذافي قام بزيارة مطولة إلى باريس بدءاً من يوم 10 ديسمبر (كانون الأول) 2007، أي بعد 8 أشهر على رئاسة ساركوزي ولم يتردد في نصب خيمته في حديقة بيت الضيافة الذي وضع بتصرفه. وأسفرت الزيارة عن توثيق صلات ليبيا بفرنسا مع مبيعات عسكرية.

كثيرة الكتب التي سعت إلى تسليط أضواء كافية على فضيحة استثنائية. صحيح أن الحكم الأخير كشف بعضها، لكن ما زالت فيها مناطق غامضة قد لا تفك عقدها أبداً.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

شمال افريقيا مريم الشيخ وقامو عاشور تفقدان عضوية البرلمان الموريتاني بقرار من المحكمة العليا (إعلام محلي)

موريتانيا: المحكمة العليا تسقط عضوية برلمانيتين معارضتين

أصدرت المحكمة العليا الموريتانية قراراً نهائياً برفض الطعن المقدم من البرلمانيتين مريم الشيخ جنك وقامو عاشور سالم، وتأييد الحكم بحرمانهما من الحقوق السياسية.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا جندي فرنسي وصحافي ينظران إلى حطام طائرة الخطوط الجوية الجزائرية الرحلة AH 5017 المتناثرة في موقع التحطم في منطقة غوسي بمالي غرب مدينة غاو في 26 يوليو 2014 (أ.ف.ب)

محكمة فرنسية تدين شركة «سويفت إير» بتهمة القتل الخطأ بعد سقوط طائرة في مالي

أدانت محكمة فرنسية شركة «سويفت إير» الإسبانية بتهمة القتل الخطأ المؤسسي، وذلك بعد سقوط طائرة تابعة للخطوط الجوية الجزائرية في 2014، ما أودى بحياة 116 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم أقارب أحد الضحايا خلال جلسة محاكمة بائع السموم الكندي كينيث لو، الذي أقرّ بذنبه في 14 تهمة بالمساعدة على الانتحار بأونتاريو في كندا يوم 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

كندا تحاكم رجلاً باع سموماً عبر الإنترنت للمساعدة على الانتحار

تُستأنف محاكمة رجل كندي باع سموماً في دول عدة عبر الإنترنت للمساعدة على الانتحار في 27 نوفمبر، وفق ما أعلنت المحكمة التي تنظر في القضية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
شمال افريقيا وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة  العدل)

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

تعهد وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة بتوفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة لكل من يُتهم في جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)

انطلاق محاكمة حادثة تحطّم طائرة شرم الشيخ سنة 2004 أبريل المقبل في فرنسا

تنطلق محاكمة كارثة تحطّم طائرة شرم الشيخ في مصر أمام القضاء الفرنسي في 26 أبريل (نيسان)، وفق ما أفاد مصدر قضائي، الثلاثاء، بعد 23 عاماً على الحادث.

«الشرق الأوسط» (باريس)

وزير الخارجية الألماني يتوجه إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع بشأن غرب البلقان

 وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
TT

وزير الخارجية الألماني يتوجه إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع بشأن غرب البلقان

 وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)

يتوجّه وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم (الخميس)، إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع على مستوى وزراء الخارجية حول التوسع المزمع للاتحاد الأوروبي في منطقة غرب البلقان.

ويلتقي الساسة في العاصمة بودجوريتسا في إطار ما يعرف باسم «عملية برلين» التي انطلقت عام 2014. ويسعى المشاركون، من بين أمور أخرى، إلى تعزيز التعاون الإقليمي مع دول غرب البلقان الست. ومن المقرر أن يقدم فاديفول ونظيره المونتينيغري إرفين إبراهيموفيتش ومفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع مارتا كوس معلومات لاحقاً عن نتائج الاجتماع، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الألمانية.

وتشمل الدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في غرب البلقان مونتينيغرو وألبانيا وصربيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية. أمّا كوسوفو فهي مرشح محتمل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتسعى الدول الست جميعاً إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها تمر بمراحل مختلفة في هذا المسار.

وتُجرى مفاوضات الانضمام بين الاتحاد الأوروبي ومونتينيغرو وصربيا منذ عامي 2012 و2014 على التوالي. وبدأت عملية التفاوض مع ألبانيا ومقدونيا الشمالية عام 2022. وتحمل البوسنة والهرسك صفة دولة مرشحة للانضمام، لكنها لم تبدأ بعد مفاوضات الانضمام.

ووفقاً لأحدث تحليل أجرته المفوضية الأوروبية، قطعت مونتينيغرو أكبر شوط في عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وأكدت المفوضية مؤخراً أن البلاد يمكنها إتمام مفاوضات الانضمام بحلول نهاية عام 2026، إذا حافظت على وتيرة الإصلاحات الحالية.

ويعتزم فاديفول التوجه إلى إيطاليا في وقت لاحق اليوم للقاء نظيره الإيطالي أنطونيو تاجاني. ويعتزم الوزيران غرس شجرة بمناسبة مرور 75 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية الألمانية - الإيطالية. ومن المقرر بعد ذلك أن يشارك فاديفول وتاياني في العاصمة الإيطالية في احتفال بمناسبة يوم الوحدة الألمانية.


فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)

بين اقتصاد يكاد يتوقف عن النمو، ومالية عامة تستنزفها الديون، وشارع يستعيد لغة الاحتجاج، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فالحكومة مطالبة بتهدئة مطالب تتعلق بالأجور والقوة الشرائية والخدمات العامة، لكنها في الوقت نفسه تستعد لميزانية تقشفية يفترض أن تخفض الإنفاق بمليارات اليورو، فيما تقترب البلاد من استحقاق رئاسي سيزيد حساسية أي قرار اقتصادي.

وليس من السهل العثور على مؤشرات إيجابية عند مراجعة أداء الاقتصاد الفرنسي هذا العام، إذ تعكس الأرقام الرسمية حجم الضغوط التي تواجهها البلاد. وعلى الأرض، بدأت في 29 سبتمبر (أيلول) موجة جديدة من المظاهرات والإضرابات، بمسيرات وتجمعات لعناصر الإطفاء الذين لعبوا دوراً حاسماً في مكافحة حرائق الصيف الماضي، قبل أن ينضم إليهم موظفو القطاع العام استجابة لدعوات نقابية، ثم طلاب التعليم الثانوي الرسمي المطالبون بتحسين ظروف الدراسة. ولا تبدو قائمة المطالب مرشحة للتوقف عند هذا الحد.

وتخطط النقابات لتصعيد تحركها في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، في احتجاجات تشمل غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية، إلى جانب المطالبة بزيادة عامة في الأجور، ورفع موازنات المدارس والمستشفيات، وتوظيف مزيد من العاملين وتحسين ظروف العمل. وبالتوازي، يستعد ناشطون من حركة «السترات الصفراء» للعودة إلى الشوارع ومستديرات الطرق، احتجاجاً على ارتفاع أسعار مشتقات الطاقة، والمطالبة بتجميدها وفرض ضرائب أعلى على الشركات العاملة في القطاع.

هذا الحراك يعيد إلى الأذهان موجة الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا في 2018 و2019 تحت راية «السترات الصفراء»، والتي تحولت في مراحل منها إلى مواجهات وأعمال عنف وحرائق وتخريب للممتلكات واشتباكات مع قوات الأمن. ولا تزال تلك المشاهد حاضرة في الذاكرة الفرنسية، ما يضفي على عودة الاحتجاجات الحالية حساسية إضافية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد.

رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لو كورنو سيواجه صعوبات كبرى في إقرار موازنة عام 2027 (رويترز)

حكومة عاجزة

إزاء اتساع المطالب الاجتماعية، تجد حكومة سيباستيان لو كورنو نفسها أمام هامش ضيق للاستجابة، فيما تخشى أن تتقاطع موجة الاحتجاجات مع الاستنفار السياسي الذي يسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027.

ويأتي ذلك في وقت يستعيد فيه التضخم زخمه، إذ أعلن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية ارتفاع معدل التضخم في فرنسا من 2.6 في المائة في أغسطس (آب) إلى 3.4 في المائة في سبتمبر (أيلول). ويزيد ارتفاع الأسعار من الضغوط على الأسر، ولا سيما الشرائح الأقل دخلاً، مع تآكل قدرتها الشرائية.

وفي مواجهة ارتفاع أسعار الوقود، لجأت الحكومة إلى تقديم مساعدة مالية للمتضررين من زيادة أسعار البنزين والديزل، بينما استمرت الضغوط الناجمة عن أسعار الغاز والكهرباء.

وفي المقابل، تستعد الحكومة لعرض مشروع موازنة 2027، يوم الخميس، في وقت يتجه فيه إلى التقشف وخفض الإنفاق، ما يجعل من الصعب أن تلبي الإجراءات المالية الجديدة معظم المطالب التي يرفعها المحتجون.

وتستهدف الحكومة تحقيق وفر قدره 54 مليار يورو من خلال خفض الإنفاق وملاحقة البنود التي تعتبرها غير ضرورية، فيما تشمل إجراءاتها المقترحة المعاشات التقاعدية.

وتكشف احتياجات التمويل عن حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة الفرنسية؛ إذ تستعد باريس لاقتراض نحو 340 مليار يورو في 2027، بينما تقترب ديونها من 3.6 تريليون يورو، وفق مصادر حكومية، بزيادة نحو 60 مليار يورو عن مستواها في نهاية مارس (آذار).

ويضع هذا الوضع الحكومة أمام معادلة صعبة: احتواء الضغوط الاجتماعية في وقت تتطلب فيه أوضاع المالية العامة خفض الإنفاق، بينما يزيد اقتراب الانتخابات من حساسية القرارات المتعلقة بالأجور والخدمات والإنفاق الاجتماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال جلسة محادثات ثنائية الأربعاء (إ.ب.أ)

تكلفة الدين تضيق الخناق

ويزيد ضعف النمو وتدهور المالية العامة من كلفة اقتراض فرنسا من الأسواق، إذ تصل بعض عوائد سنداتها إلى نحو 4.8 في المائة. ويأتي ذلك في وقت يتوقع فيه أن يقتصر نمو الاقتصاد الفرنسي خلال 2026 على نحو 0.05 في المائة، وهو من أضعف معدلات النمو في الاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل، بلغت المديونية نحو 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة بفارق كبير السقف المحدد في قواعد الاتحاد الأوروبي عند 60 في المائة. كما تتزايد كلفة خدمة الدين، مع توقع وصول مدفوعات الفوائد إلى نحو 79 مليار يورو بنهاية العام الحالي.

وتبرز حدة التحول عند مقارنة الوضع الحالي بما كانت عليه أسواق الدين الفرنسية بين 2019 و2021، عندما تراجعت عوائد بعض السندات الحكومية إلى مستويات سالبة. وكانت تلك البيئة تسمح لباريس بالاقتراض بتكلفة شديدة الانخفاض، فيما قبل المستثمرون في بعض الحالات عائداً سالباً مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية.

أما اليوم، فقد ارتفعت تكلفة الاقتراض الفرنسية إلى مستويات تتجاوز تلك المسجلة في عدد من الاقتصادات الأوروبية التي كانت تواجه تقليدياً ضغوطاً أكبر في أسواق الدين، بينها اليونان وإسبانيا وإيطاليا. كما اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى أكثر من 1.2 نقطة مئوية، في مؤشر على ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون لتمويل فرنسا.

ومع استمرار ارتفاع الدين وضعف النمو، تزداد حساسية المالية العامة الفرنسية تجاه أسعار الفائدة؛ فكلما ارتفعت كلفة الاقتراض، اتسع الجزء من الموازنة المخصص لخدمة الدين، ما يضيّق المجال أمام الإنفاق على الخدمات العامة والسياسات الاجتماعية والاستثمار.

صعوبات إقرار موازنة عام 2027

لا يمكن فصل الضغوط التي تواجه الموازنة الفرنسية عن أزمة الطاقة، التي رفعت كلفتها بنحو 9 مليارات يورو في 2026، في وقت لا تبدو فيه مؤشرات على انحسار هذه الضغوط في المستقبل القريب. ومن المرجح أن يواجه رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو مهمة شاقة في تمرير مشروع موازنة 2027 أمام البرلمان، ولا سيما «الجمعية الوطنية»، في ظل اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية وما يرافقه من حسابات سياسية متزايدة.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، قد تجد الكتل السياسية نفسها أمام ضغوط متزايدة لمراعاة انعكاسات أي موازنة تقشفية على قواعدها الانتخابية، بما يفتح المجال أمام مفاوضات صعبة ومطالب برلمانية متعارضة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء تجربة العام الماضي، عندما سقطت حكومتان بعد إخفاقهما في تأمين الأغلبية اللازمة لتمرير موازنة 2026، ما دفع لو كورنو إلى تقديم تنازلات لنواب الحزب الاشتراكي سعياً إلى تأمين الدعم اللازم لإقرارها.

متظاهرون يشاركون في إضراب عام في باريس (إ.ب.أ)

اقتصاد كبير وثقل سياسي

ورغم الضغوط المالية، لا يزال الاقتصاد الفرنسي يحتفظ بثقل كبير على المستويين الأوروبي والعالمي. ووفق بيانات البنك الدولي لعام 2025، تحتل فرنسا المرتبة الثانية بين اقتصادات الاتحاد الأوروبي من حيث الناتج المحلي الإجمالي، بعد ألمانيا، إذ بلغ ناتجها نحو 3.366 تريليون دولار، مقابل 5.051 تريليون دولار لألمانيا. وعلى المستوى الأوروبي الأوسع، تأتي فرنسا في المرتبة الثالثة بعد ألمانيا وبريطانيا، التي بلغ ناتجها نحو 4.003 تريليون دولار.

وعالمياً، تحتل فرنسا المرتبة السابعة من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، وفق البيانات نفسها، خلف الولايات المتحدة والصين وألمانيا واليابان والهند وبريطانيا. ويمنحها ثقلها الاقتصادي، إلى جانب عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وقدراتها النووية، نفوذاً سياسياً يتجاوز الوزن الذي يعكسه حجم اقتصادها وحده.

لكن الضغوط المالية والاقتصادية الراهنة قد تزيد صعوبة الحفاظ على هذا الثقل داخل الاتحاد الأوروبي، حيث شكلت فرنسا وألمانيا لعقود محوراً رئيسياً في دفع عملية التكامل الأوروبي. ومع اقتراب نهاية الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون في ربيع 2027، تزداد أهمية الاستحقاق الرئاسي المقبل بالنسبة للسياسات الاقتصادية والمالية الفرنسية، في وقت يطرح فيه صعود اليمين القومي، وفي مقدمته حزب «التجمع الوطني»، احتمال حدوث تحولات في عدد من الملفات، بما فيها السياسة المالية والاقتصادية.


بكين ترفض تصنيف بريطانيا معهداً صينياً «واجهةً للتجسس»

المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)
المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)
TT

بكين ترفض تصنيف بريطانيا معهداً صينياً «واجهةً للتجسس»

المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)
المخابرات البريطانية حذَّرت جامعات المملكة المتحدة من التعامل مع معهد أبحاث صيني لأنه واجهة للتجسس (بيكسلز)

نفى متحدث باسم السفارة الصينية لدى المملكة المتحدة اتهامات الحكومة البريطانية لمعهد صيني بأنه واجهة للتجسُّس. ووصف المتحدث الاتهامات بأنها «خيالية، ومفبركة تماماً».

وأضاف المتحدث، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»: «نعارض بقوة مثل هذه الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة، وقدَّمنا احتجاجاً للجانب البريطاني».

كانت الحكومة البريطانية قد طالبت، أمس (الأربعاء)، جامعات المملكة المتحدة بالتوقف عن العمل مع معهد أبحاث صيني يقول جهاز الأمن البريطاني إنه واجهة للتجسُّس.

وقال وزير الأمن، دان غارفيس، إنه يتعيَّن على الأكاديميِّين البريطانيِّين «إنهاء جميع الترتيبات» مع معهد الصين العام لأبحاث التكنولوجيا.

وقالت وكالة الاستخبارات الداخلية البريطانية (إم آي 5) إن أكثر من 100 أكاديمي مرتبط بالمملكة المتحدة عملوا في مشروعات تمولها الاستخبارات الصينية سراً من خلال معهد الأبحاث. وتضمَّنت المشروعات العمل في مجال الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاتصالات السرية، وإخفاء المعلومات.

وقالت «إم آي 5» إن المعهد لديه «علاقات قوية للغاية مع وزارة أمن الدولة الصينية»، ويسعى إلى تمويل الأبحاث التي تعمل على تحسين «القدرة الفنية على التجسُّس» للدولة الصينية.

وأوضح المتحدث باسم السفارة الصينية أن التعاون بين الجامعات البريطانية والصين يتم على أساس طوعي، ووفقاً للقوانين والقواعد.

وأضاف: «مثل هذا التبادل والتعاون يعود بالنفع على الطرفين». وتابع: «نطالب الاستخبارات البريطانية بالتوقف عن نشر هذه الأكاذيب وتقويض التبادل التعليمي والتعاون البحثي بين الصين والمملكة المتحدة».