إضرابات ومظاهرات فرنسا عملية «ليّ ذراع» بين المنظمين والسلطات

النقابات تتحدث عن مظاهرة مليونية غاضبة تتحدى وزير الداخلية المتهم بـ«صب الزيت على النار»

الشرطة الفرنسية سعت الخميس في باريس لاحتواء المتظاهرين في يوم الإضرابات والاحتجاجات على مستوى البلاد رافعة مطالب معيشية بالدرجة الأولى (رويترز)
الشرطة الفرنسية سعت الخميس في باريس لاحتواء المتظاهرين في يوم الإضرابات والاحتجاجات على مستوى البلاد رافعة مطالب معيشية بالدرجة الأولى (رويترز)
TT

إضرابات ومظاهرات فرنسا عملية «ليّ ذراع» بين المنظمين والسلطات

الشرطة الفرنسية سعت الخميس في باريس لاحتواء المتظاهرين في يوم الإضرابات والاحتجاجات على مستوى البلاد رافعة مطالب معيشية بالدرجة الأولى (رويترز)
الشرطة الفرنسية سعت الخميس في باريس لاحتواء المتظاهرين في يوم الإضرابات والاحتجاجات على مستوى البلاد رافعة مطالب معيشية بالدرجة الأولى (رويترز)

بعد الأزمتين المالية والسياسية اللتين عرفتهما فرنسا في الأسابيع الأخيرة مع استقالة حكومة فرنسوا بايرو، وتفجر أزمة المديونية المتفاقمة، وتدهور سمعة البلاد لدى المؤسسات المالية الدولية ولدى شريكات فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي، جاء دور الأزمة الاجتماعية التي تفجرت أمس مع الإضرابات والمظاهرات التي دعت إليها ثماني نقابات مجتمعة وتُرجمت بنزول مئات الآلاف من المحتجين في العاصمة باريس والعديد من المدن الكبرى والمتوسطة.

متظاهرون يفترشون الأرض في مدينة «ليل» شمال البلاد أمام مبنى المحافظة في سياق الدعوة إلى إضرابات ومظاهرات عامة في كل أنحاء فرنسا (أ.ف.ب)

ووسط انتشار أمني واسع النطاق تمثل بقيام وزارة الداخلية بتعبئة قوة من 80 ألف رجل شرطة ودرك وأمن مدعومة بمركبة مدرعة تابعة للدرك الوطني من طراز «سنتور»، ومسيرات لمراقبة تقدم المظاهرات، وعشرات الآليات ترش المياه لتفريق المتظاهرين، شهدت البلاد تعبئة نقابية واجتماعية واسعة، رأى فيها الكثير من المراقبين استعادة لما عرفته فرنسا، لأشهر، قبل عامين ونصف عام، بمناسبة تغيير قانون سن التقاعد.

وتجدر الإشارة إلى أن الدعوة لتجميده أو للتراجع عنه، شكلت أحد المطالب الرئيسية ليوم الخميس الذي وصفه وزير المواصلات، بـ«الخميس الأسود».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال استقبال رسمي أمام قصر الإليزيه في باريس 16 سبتمبر 2025 (رويترز)

إعادة التوازن

يوم الخميس، بدت النقابات أكثر تصميماً من أي وقت مضى على الدخول في عملية «لي ذراع» مع السلطات، والغرض المحدد منها الضغط على سيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة المكلف الداخل في مفاوضات شاقة مع الكتل البرلمانية ذات المطالب المتناقضة، للتراجع عن صورة الميزانية لعام 2026 التي بلورها خلفه بايرو والتي أسقط بسببها في البرلمان.

والسلاح الأمضى بأيدي النقابات يكمن في نجاحها في توحيد مطالبها ورؤيتها. ومن ناحية المطالب، فإن النقابات المستندة إلى تأييد يتجاوز نطاق الموظفين والعمال، عبرت عن طموح واسع؛ إذ إنها تريد، وفق ماريليز ليون، الأمينة العامة للاتحاد الديمقراطي للعمال، تخلي الحكومة العتيدة عن سياسة التقشف، وتطمح بالمزيد من الموارد للمؤسسات وللخدمات العامة، وتصر على تحقيق العدالة الضريبية بفرض ضرائب على كبريات الثروات، فضلاً عن التخلي عن قانون التقاعد في سن 64 عاماً، ومراجعة قانون تعويض العاطلين عن العمل، إلخ. ثم هناك مطالب قطاعية كالصيادلة والمعلمين والموظفين.

جانب من المناوشات التي جرت في باريس ويظهر في الصورة استخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع في مسعاها لتفريق المتظاهرين (أ.ف.ب)

وزير الداخلية في مرمى النقابات واليسار

لم يتأخر اندلاع جدل عنيف بين روتايو، وزير الداخلية وقادة نقابيين وسياسيين أخذوا على الأول سعيه لـ«كهربة» المسيرات الشعبية، حيث تحدث يومي الأربعاء والخميس عن آلاف المشاغبين الذين يمكن أن ينضموا إلى صفوف المتظاهرين، وإمكانية لجوئهم إلى العنف.

وليس سراً أن روتايو الذي يرأس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي والطامح للترشح لرئاسة الجمهورية في انتخابات عام 2027، منذ أن عُين في منصبه قبل عام، يحرص على الظهور بمظهر الرجل القوي الحازم الساعي لقمع الفوضى وفرض النظام العام مهما كان الثمن، كما أنه يدافع عن مواقف بالغة التشدد في ملف الهجرات واللجوء.

ومنذ الأربعاء، حذر الوزير المستقيل من «أخطار كبيرة للإخلال بالنظام العام، بسبب وجود جماعات من اليسار المتطرف ستحاول التسلل إلى المسيرات الرسمية»، وعاود التحذير، الخميس، حين تحدث عن محاولة «تخريب» لشبكة مياه في «المارتينيك»، لكن «تم إحباطها»، وهو ما نفته وزارة الداخلية بسرعة.

كذلك شدد على أنه سيكون «صارماً للغاية» في حال حدوث أي تجاوزات، وأنه أعطى تعليمات واضحة للقوى الأمنية التي عليها «التدخل الفوري لتوقيف الأفراد» المشاغبين «وتقديمهم إلى العدالة». أما محافظ شرطة باريس، لوران نونييز، فقد عبر، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عن «قلقه الشديد» من وجود عدد كبير من مثيري الشغب وسط المسيرات النقابية في باريس.

كانت صوفي بينيه، الأمينة العامة للاتحاد العام للعمال، أول من هاجم روتايو. فقد نددت، في حديث لقناة «فرانس إنفو» الإخبارية بكيفية تعاطي رجال الأمن مع المتظاهرين، وقالت: «منذ صباح اليوم، هناك متظاهرات ومتظاهرون يتعرضون للغاز» المسيل للدموع «والعنف رغم أنهم سلميون». وأضافت بينيه: «في العاشر من سبتمبر (أيلول)، لم تكن هناك أعمال عنف تُذكر» بمناسبة حراك «لنشل كل شيء»، «واليوم أيضاً لن تكون هناك أعمال عنف، باستثناء تلك التي تنتج عن استراتيجية الحفاظ على النظام التي ينفذها وزير الداخلية».

جانب من المناوشات التي جرت في باريس ويظهر في الصورة استخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع في مسعاها لتفريق المتظاهرين (أ.ف.ب)

وحثت بينيه الفرنسيين على النزول إلى الشوارع بقوة، وتجاوز محاولات التخويف. وفي السياق عينه، هاجمت مارين توندولييه، الأمينة الوطنية لحزب «البيئيين»، الوزير المستقيل، معتبرة أنه «لا ينتظر سوى حدوث أعمال عنف»، وأنه «بنفسه سبب كافٍ لحجب الثقة عنه» في حال بقائه وزيراً للداخلية.

وأدلى جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد بدلوه، في كلمة له في مدينة مرسيليا الساحلية، لدى انطلاق المظاهرة فيها، داعياً المتظاهرين لتجنب العنف؛ «لأنه لا يخدم سوى شخص واحد هو روتايو، الذي يحتاج إلى العنف، ويحتاج إلى حاويات القمامة المشتعلة، ويحتاج إلى كل هذه الفوضى ليظهر بدور المنقذ أو شيء من هذا القبيل»، مضيفاً: «هذا الرجل يُعدّ استفزازاً متنقلاً، وعلى رئيس الجمهورية أن يُعيده إلى جادة الصواب».

أكثر من مليون متظاهر

ترى النقابات أن يوم التعبئة حقق نجاحاً فائقاً؛ إذ إنه أنزل إلى الشوارع ما لا يقل عن مليون شخص، وفق الاتحاد العام للعمال القريب من اليسار، وتحديداً من الحزب الشيوعي. وهذه الأرقام أعلى بكثير من الأرقام الرسمية؛ إذ إن وزارة الداخلية أحصت، بعد الظهر، 282 ألف متظاهر، باستثناء باريس حيث انطلقت المظاهرة من ساحة الباستيل بعد الظهر.

واللافت أن ما يزيد على 90 في المائة من الصيدليات أقفلت أبوابها. وأحصت القوى الأمنية 476 عملاً احتجاجياً. وكالعادة تسببت حركة الإضرابات بإرباك قطاع النقل؛ سواء القطارات أو حافلات المترو أو غيرها من وسائل النقل العمومية. كذلك، فإن القطاع التعليمي أصيب بقوة؛ إذ أشارت أقوى نقابات الأساتذة والمعلمين إلى أن «تعبئة القطاع كانت قوية خصوصاً في التعليم الثانوي حيث بلغت نسبة المضربين 45 في المائة».

الشطة تطلق الغاز المسيل للدموع على متظاهرين في باريس (رويترز)

وأفادت وزارة التعليم بإغلاق 23 مدرسة ثانوية بالكامل، كما تم وضع حواجز أمام 52 مدرسة أخرى. ووفق وزارة الداخلية، فقد ألقي عن القبض على 140 شخصاً، أُودع منهم 75 ناشطاً السجن.

وفي مرسيليا، سارت مظاهرة ضمت 15 ألف شخص، وأفضت مناوشات بين المتظاهرين والأمن إلى جرح سبعة رجال شرطة. وشوهد رجل شرطة يركل، عدة مرات، متظاهرة وقعت أرضاً. وفي أكثر من مظاهرة، ظهر أشخاص يرتدون الملابس السوداء ويخفون ملامحهم وينتمون، بشكل عام، إلى تنظيم يساري متشدد يسمى «بلاك بلوك».

متظاهر مقنّع يلقي مقذوفاً في أحد شوارع باريس (رويترز)

وسعى المتظاهرون، بعضهم كان يحمل لافتات تطالب بوقف مد إسرائيل بالسلاح، إلى سد مداخل مؤسسة عسكرية يظن أنها تصدّر أسلحة لإسرائيل. وفي باريس شوهد أشخاص يلبسون الكوفيات ورفعت يافطات تندد بمجازر غزة، وأخرى تدعو لرحيل ماكرون. وعلى مسار مظاهرة باريس، عمد العديد من المؤسسات التجارية إلى إغلاق أبوابها خوفاً من التكسير، فيما عمدت أخرى إلى رفع ألواح خشبية لحماية واجهاتها.

وفي مدينة ليون، ثاني كبرى الدن الفرنسية، كما في مدينة نانت غرب البلاد، كانت الأجواء مشحونة بين المتظاهرين والأمن. أظهرت بيانات صادرة عن «شركة كهرباء فرنسا» أن إنتاجها من المفاعلات النووية انخفض بمقدار 1.1 غيغاوات، الخميس، بعدما قلص العمال إنتاج الطاقة في «مفاعل فلامونفيل 1». ويبلغ حجم الطاقة النووية في فرنسا 57 غيغاوات تنتج نحو 70 في المائة من الطاقة الكهربائية في البلاد، وهي النسبة الأعلى في أوروبا.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: الأرقاء السابقون ينتقدون تقلص منسوب الحريات

استنكر الميثاق من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للحراطين، وهم الأرقاء السابقون في موريتانيا، منع السلطات لهم من تنظيم مسيرتهم السنوية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
العالم أشخاص يتظاهرون أمام مقر التلفزيون الحكومي في بلغراد بصربيا في 28 أبريل 2026 احتجاجاً على مشاركة إسرائيل في مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (أ.ب)

متظاهرون صرب يطالبون بمقاطعة مسابقة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

تجمّع متظاهرون أمام هيئة الإذاعة والتلفزيون الصربية الحكومية، الثلاثاء، للمطالبة بانسحاب صربيا من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
شؤون إقليمية امرأة تغادر متجراً بعد التسوق في طهران يوم 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

نساء من دون حجاب في إيران... رغم استمرار القيود الصارمة

تنتشر في الآونة الأخيرة في طهران مشاهد نساء يتنزّهن في الشوارع أو يجلسن في المقاهي من دون حجاب، في تحدٍّ لقواعد اللباس الصارمة في إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية عمال مناجم مضربون عن الطعام في تركيا في أثناء محاولة تجاوز حاجز للشرطة للوصول إلى مبنى وزارة الطاقة للمطالبة بحقوقهم (رويترز)

تركيا: اعتقالات بعد منع عمال مناجم مُضربين عن الطعام من التظاهر

منعت الشرطة التركية عشرات من عمال المناجم المضربين عن الطعام من تنظيم مسيرة إلى مبنى وزارة الطاقة في أنقرة، واعتقلت عشرات العمال في فعالية بإسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» يواصل الضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة (حساب الحزب في إكس)

تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

تواصل المعارضة التركية تصعيد ضغوطها للتوجه إلى انتخابات مبكرة، بينما يعارض الحزب الحاكم إجراءها قبل خريف 2027

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تشارلز يدافع عن العلاقات عبر الأطلسي

الملك تشارلز أثناء خطابه أمام الكونغرس(رويترز)
الملك تشارلز أثناء خطابه أمام الكونغرس(رويترز)
TT

تشارلز يدافع عن العلاقات عبر الأطلسي

الملك تشارلز أثناء خطابه أمام الكونغرس(رويترز)
الملك تشارلز أثناء خطابه أمام الكونغرس(رويترز)

دافع ملك بريطانيا تشارلز الثالث من الولايات المتّحدة عن العلاقات عبر الأطلسي والقيم الغربية «المشتركة»، ضمن زيارة دولة تهدف إلى تجاوز التوتر بين البلدين على خلفية حرب إيران.

وقال تشارلز في خطاب تاريخي أمام جلسة مشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب، إن «التحديات التي نواجهها أكبر من أن تتحملها أي دولة بمفردها»، داعياً الشركاء إلى الدفاع عن القيم المشتركة. وأضاف: «مهما كانت خلافاتنا، نحن نقف متحدين في التزامنا دعم الديمقراطية».

وبعد واشنطن، وصل الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى نيويورك، أمس، لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات الإرهابية التي استهدفت المدينة في 11 سبتمبر (أيلول) 2001.


زيلينسكي: واشنطن تدعم إصلاح مفاعل تشرنوبل بـ100 مليون دولار

يُظهر منظر عام هيكل الاحتواء الآمن الجديد (NSC) فوق التابوت القديم الذي يغطي المفاعل الرابع التالف بمحطة تشرنوبل للطاقة النووية (أرشيفية - رويترز)
يُظهر منظر عام هيكل الاحتواء الآمن الجديد (NSC) فوق التابوت القديم الذي يغطي المفاعل الرابع التالف بمحطة تشرنوبل للطاقة النووية (أرشيفية - رويترز)
TT

زيلينسكي: واشنطن تدعم إصلاح مفاعل تشرنوبل بـ100 مليون دولار

يُظهر منظر عام هيكل الاحتواء الآمن الجديد (NSC) فوق التابوت القديم الذي يغطي المفاعل الرابع التالف بمحطة تشرنوبل للطاقة النووية (أرشيفية - رويترز)
يُظهر منظر عام هيكل الاحتواء الآمن الجديد (NSC) فوق التابوت القديم الذي يغطي المفاعل الرابع التالف بمحطة تشرنوبل للطاقة النووية (أرشيفية - رويترز)

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأربعاء أن الولايات المتحدة ستسهم بمبلغ 100 مليون دولار لإصلاح الهيكل الواقي فوق المفاعل المتضرر في محطة محطة تشرنوبل للطاقة النووية.

ووصف زيلينسكي في منشور على منصة إكس هذا التعهد بأنه خطوة مهمة من الدعم الأميركي، معربا عن امتنانه حيال ذلك. وقال إن أكثر من 500 مليون يورو (583 مليون دولار) ستكون مطلوبة لإجراء الإصلاحات، بعد أن تسببت طائرة مسيرة روسية في إلحاق أضرار بالقوس الفولاذي الذي يغطي المفاعل العام الماضي. وأضاف أن أوكرانيا تعمل مع شركائها لتأمين التمويل اللازم، مؤكدا أن كل مساهمة تقرب من تحقيق هذا الهدف.

وتم إحياء الذكرى الأربعين لكارثة تشرنوبل يوم الأحد، فيما تفرض الحرب الروسية المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات في أوكرانيا مخاطر جديدة على الموقع.


سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
TT

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)

للمرة الثانية على التوالي، تغادر ممثلة واشنطن لدى كييف منصبها الدبلوماسي بسبب خلافات مع الإدارة الأميركية حول الملف الأوكراني، ووعود الرئيس دونالد ترمب بإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس بغزو روسي في عام 2022، وفشله في التوصل إلى سلام، في حين يضغط ترمب على كييف من أجل التوصل إلى اتفاق مع روسيا.

وستغادر السفيرة جولي ⁠ديفيس ⁠​لدى أوكرانيا منصبها، الذي عينت فيه قبل أقل من عام، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الثلاثاء، بسبب ‌خلافات ‌مع ​الرئيس ‌الأميركي، حسب تقارير إعلامية.

ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية اليومية، عن مصادر لم تسمّها، أن جولي ديفيس تشعر بإحباط متزايد بسبب عدم دعم إدارة ترمب لأوكرانيا. لكن وزارة الخارجية نفت وجود أي خلاف، وأشارت إلى أن ديفيس ستتقاعد.

صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

وعيّنت إدارة ترمب ديفيس التي لا تحمل رتبة سفيرة معتمدة من مجلس الشيوخ، في مايو (أيار) العام الماضي، بعد استقالة بريدجيت برينك التي كانت قد احتجت على ما اعتبرته «سياسة استرضاء» ينتهجها ترمب تجاه روسيا. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت: «من الخطأ التلميح إلى أن السفيرة ديفيس ستستقيل بسبب خلافات مع دونالد ترمب»، مضيفاً أنها «ستواصل بكل فخر الترويج لسياسات الرئيس ترمب حتى مغادرتها كييف رسمياً في يونيو (حزيران) 2026 وتقاعدها».

واشتكى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تزايد الهجمات الأوكرانية على مواقع مدنية داخل روسيا، مشيراً إلى ضربات حديثة استهدفت منشآت لتخزين النفط في مدينة توابسي المطلة على البحر الأسود. وقال بوتين، الثلاثاء، خلال اجتماع حول قضايا الأمن قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر (أيلول)، إن «هجمات الطائرات المسيرة تنفذ بشكل متزايد ضد البنية التحتية المدنية».

وأعلنت أوكرانيا أنها استخدمت أنظمة اعتراض لإسقاط أكثر من 33 ألف طائرة مسيرة روسية بمختلف أنواعها خلال شهر مارس (آذار)، في رقم قياسي شهري منذ بدء الحرب، بحسب ما أفاد به وزير الدفاع الأوكراني ميخايلوف يدوروف.

وشنت أوكرانيا ثلاث هجمات كبيرة على توابسي خلال الأسبوعين الماضيين. وبعد أحدث هجوم، وقع فجر الثلاثاء، اندلعت حرائق كبيرة مجدداً، ما دفع السلطات إلى إخلاء شوارع قريبة لأول مرة. وتحدث بوتين عن «عواقب محتملة خطيرة» على البيئة، لكنه نفى وجود خطر جدي حالياً على السكان، مؤكداً أن السلطات تسيطر على الوضع بعد اتصاله بحاكم إقليم كراسنودار فينيامين كوندراتيف.

وطورت أوكرانيا تكنولوجيا متقدمة للطائرات المسيرة أثبتت فاعليتها في ساحة المعركة، وأسهمت في صد الجيش الروسي الأكبر حجماً، كما أثارت اهتماماً عسكرياً من دول عدة حول العالم.

وبحسب مسؤولين أوكرانيين، تسعى دول في الشرق الأوسط والخليج إلى الحصول على طائرات اعتراض مسيرة كجزء من أنظمة دفاع جوي متكاملة، في ظل تداعيات الحرب مع إيران. وقال فيدوروف في منشور على تطبيق «تلغرام» إن أوكرانيا تعمل على زيادة إمدادات طائرات الاعتراض المسيرة للتصدي للهجمات الجوية الروسية، كما أن الجيش أنشأ قيادة جديدة ضمن سلاح الجو لتعزيز قدراته الدفاعية.

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده تستعد لتصدير الأسلحة إلى الخارج، في ظل إنتاج يفوق احتياجات قواتها المسلحة. وقال زيلينسكي في خطابه المسائي، الثلاثاء: «في بعض مجالات الإنتاج لدينا حالياً فائض يصل إلى 50 في المائة من القدرة الإنتاجية». وأضاف أن «تصدير الأسلحة الأوكرانية سيصبح واقعاً، لكن الجيش الأوكراني سيبقى دائماً له الأولوية في الحصول على ما يحتاج إليه، بينما يذهب الفائض إلى التصدير».

مسيّرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

وأشار زيلينسكي إلى أن أوكرانيا تعمل بالفعل مع دول في الشرق الأوسط وأوروبا والقوقاز ضمن صيغة تعاون خاصة تعرف باسم «صفقات الطائرات المسيرة».

كما لفت إلى أن «ثمة اقتراحاً مطروحاً أيضاً على شركائنا الأميركيين»، موضحاً أن الاتفاقات المحتملة قد تشمل تصدير طائرات مسيرة وأنظمة دفاع وأنواع أخرى من الأسلحة، بما يسهم في تحسين الوضع المالي للبلاد. وأكد أن شروط هذه الصفقات يجب أن تكون «مفيدة لأوكرانيا مع وجود رقابة واضحة، وأن تستخدم العائدات لتعزيز دفاعاتها». وتشهد أوكرانيا توسعاً كبيراً في إنتاج الأسلحة منذ بدء الحرب الروسية واسعة النطاق قبل أكثر من أربع سنوات.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، في بيان، في وقت متأخر من الثلاثاء، أن العرض التقليدي الذي تنظمه روسيا بمناسبة الذكرى الـ81 لهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، ستجري دون معدات عسكرية. وهذه ستكون أول مرة منذ أن شنت موسكو غزواً شاملاً على أوكرانيا في عام 2022، لا توجد معدات عسكرية في المسيرة التي تجوب الميدان الأحمر في موسكو في التاسع من مايو المقبل، وهو اليوم الذي تحتفل فيه روسيا بأهم أعيادها وتظهر قدرتها العسكرية.

جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب)

من جانب آخر، يدرس الاتحاد الأوروبي فرض شروط أكثر صرامة لقرض قدمته لأوكرانيا وتمت المصادقة عليه رسمياً في قمة قبرص، الأسبوع الماضي، قيمته ‌90 مليار ​يورو (105.35 ‌مليار ⁠دولار)، ​ويشترط الاتحاد ربط بعض دفعات القرض بتعديل ضريبي ⁠على الشركات، لكن الاقتراح لا يحظى بقبول ​كبير.

وقال ‌تقرير «بلومبيرغ نيوز»، نقلاً ​عن مصادر مطلعة، الأربعاء، إن الخطة ستؤثر على ما قيمته 8.4 مليار ‌يورو مما يسمى بالمساعدة المالية الكلية ⁠من ⁠المتوقع منحها هذا العام في إطار البرنامج.