صعوبات شائكة تنتظر رئيس الحكومة الجديد في فرنسا منذ أول يوم

لوكورنو يعد بـ«القطيعة» مع الممارسات السابقة ويحذر من «الفجوة» بين عالم السياسيين وحياة الفرنسية «الواقعية»

رئيسا الحكومة سيباستيان لوكورنو الوافد (يمين) والخارج (فرنسوا بايرو) بمناسبة عملية التسلم والتسليم ظهر الأربعاء (رويترز)
رئيسا الحكومة سيباستيان لوكورنو الوافد (يمين) والخارج (فرنسوا بايرو) بمناسبة عملية التسلم والتسليم ظهر الأربعاء (رويترز)
TT

صعوبات شائكة تنتظر رئيس الحكومة الجديد في فرنسا منذ أول يوم

رئيسا الحكومة سيباستيان لوكورنو الوافد (يمين) والخارج (فرنسوا بايرو) بمناسبة عملية التسلم والتسليم ظهر الأربعاء (رويترز)
رئيسا الحكومة سيباستيان لوكورنو الوافد (يمين) والخارج (فرنسوا بايرو) بمناسبة عملية التسلم والتسليم ظهر الأربعاء (رويترز)

منذ مساء الثلاثاء ومع إعلان قصر الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون كلف سيباستيان لوكورنو، وزير دفاعه منذ عام 2022، تشكيل الحكومة الجديدة التي ستحل محل حكومة فرنسوا بايرو التي سقطت في البرلمان مساء الاثنين، تكاثرت التساؤلات والتحليلات التي جعلت ماكرون يكلف الوزير الأكثر التصاقاً به.

فصحيفة «لوبينيون» القريبة من عالم الأعمال، نشرت رسماً كاريكاتورياً في عددها ليوم الأربعاء يظهر ماكرون ولوكورنو جنباً إلى جنب ووراءهما ظلان لرئيس الجمهورية. والمعنى المقصود من ذلك: ماكرون نصب نفسه رئيساً للحكومة عبر تسمية لوكورنو وذلك بعد تجربتين فاشلتين مع ميشال بارنيه وفرنسوا بايرو، وكلاهما سقط بالضربة القاضية في البرلمان: الأول لأنه عجز عن تمرير مشروع ميزانية الرعاية الاجتماعية، والثاني لأنه لم يحصل على ثقة النواب للسير بخطته لميزانية عام 2026.

وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لوكورنو الذي عينه ماكرون رئيساً جديداً للوزراء (إ.ب.أ)

ليس سراً أن لوكورنو مقرب جداً من ماكرون. فهو السياسي الوحيد الذي شغل منصباً حكومياً منذ عام 2017، أي منذ وصول ماكرون إلى قصر الإليزيه وينظر إليه على أنه «الوزير الذي يهمس في أذن ماكرون». ووفق معلومات صحافية، فإن لوكورنو مقرب أيضاً من عقيلة رئيس الجمهورية الذي كان يرغب في تسميته رئيساً للحكومة نهاية العام الماضي بدلاً من بايرو. إلا أن الأخير «هدد» ماكرون بالافتراق عنه علماً أن الرئيس يدين لبايرو بوصوله إلى قصر الإليزيه في ولايته الأولى. ومعلوم في الوسطين السياسي والإعلامي أن بايرو لا يكن الكثير من الود لخلفه في رئاسة الحكومة ودرج على وصفه، في دائرته الضيقة بـ«المتزلف»، منتقداً قربه من رئيس الجمهورية.

بيد أن خيار لوكورنو ووجه بالانتقادات العنيفة من اليمين المتشدد ومن أوساط اليسار والبيئويين الذين رأوا فيه استمراراً للسياسات السابقة التي أثبتت فشلها، ولعجز من سبقوا رئيس الحكومة الجديد في توفير الاستقرار السياسي والاجتماعي وأيضاً المالي.

الوزيران جيرالد دارمانان (العدل - يسار الصورة) والدفاع سيباستيان لوكورنو كلاهما مقرب من الرئيس ماكرون ومرشح لاحتلال مقعد رئيس الحكومة بعد استقالة حكومة روسا بايرو (أ.ف.ب)

نهج القطيعة مع السابق

كان لافتاً مضمون البيان الرئاسي عقب تسمية لوكورنو، وقد جاء فيه ما حرفيته أن رئيس الجمهورية «كلف (لوكورنو) بالتشاور مع القوى السياسية الممثلة في البرلمان من أجل اعتماد ميزانية للأمة وبناء التوافقات الضرورية لاتخاذ القرارات خلال الأشهر المقبلة. وبعد هذه المشاورات، سيكون من مسؤولية رئيس الوزراء الجديد أن يقترح على رئيس الجمهورية تشكيلة الحكومة». وجاء في البيان أيضاً أن «ما سيوجه عمل رئيس الوزراء هو الدفاع عن استقلالنا وقوتنا، وخدمة الفرنسيين، وتحقيق الاستقرار السياسي والمؤسساتي من أجل وحدة البلاد». وأخيراً فإن ماكرون «مقتنع بأنه على هذه الأسس، من الممكن التوصل إلى تفاهم بين القوى السياسية مع احترام قناعات الجميع».

يلخص بيان الإليزيه الصعوبات الكبرى التي تواجهها فرنسا في الوقت الراهن، التي يتعين على لوكورنو أن يسعى لتفكيكها. وليس من نافل الأمور الإشارة إلى أن رئيس الجمهورية طلب من رئيس الحكومة المكلف التفرغ بداية «لبناء التوافقات» بين مختلف القوى السياسية الممثلة في البرلمان قبل أن يقدم له اقتراحاً بتشكيلته الوزارية. وهذا يعد أمراً طارئاً ومرده حرص ماكرون على التأكد من أن الصيغة الحكومية التي ستقترح عليه لن تسقط في البرلمان سريعاً، ما من شأنه أن يفاقم عدم الاستقرار السياسي والمالي والاجتماعي الذي تواجهه البلاد.

من هذه الزاوية يمكن الاكتفاء بما قاله لوكورنو خلال عملية التسلم والتسليم التي حصلت ظهر الأربعاء في مقر رئاسة الحكومة بعد اجتماع مغلق جمعه بسلفه وقد دام 45 دقيقة. وأعرب لوكرونو، بعد أن شكر بايرو على جهوده وعلى شجاعته، عن رغبته في ردم ما سماه الفجوة بين الحياة السياسية في البلاد والحياة الواقعية. مضيفاً أنه «لا يمكننا الاستمرار في هذه الفجوة إلى الأبد، لأنها ستلحق بنا في نهاية المطاف».

آلاف المتظاهرين متجمعون الأربعاء في «ساحة الجمهورية» (لا ريبوبليك) في باريس (أ.ف.ب)

وكان رئيس الحكومة الجديد يشير بذلك إلى التجمعات والمظاهرات والاشتباكات الدائرة في باريس على بعد مسافة قصيرة من القصر الحكومي بمناسبة الحراك الداعي لـ«شل البلاد». أما السبيل إلى ذلك فلخصه بقوله: «سيتعيّن علينا القيام بقطيعة، وليس فقط في الشكل أو المنهج (...) بل أيضاً في الجوهر». وبكلام آخر، فإن لوكورنو نبه السياسيين خارج البرلمان وداخله إلى أن النزاعات السياسية والمطالب المتناقضة التي أدخلت فرنسا في أزمة مالية عنوانها المديونية المتعاظمة (3415 مليار يورو)، وأزمة اجتماعية (المظاهرات والإضرابات والمطالب المتكاثرة)، ما ينعكس على حضور فرنسا وقدرتها التأثيرية في أوروبا وخارجها وفي زمن تتناسل فيه الأزمات، كل ذلك عدّه «مدعاة للقلق» و«لا يتعين أن يتواصل إلى الأبد وسط الإهانات والعنف».

جان لوك ميلونشون زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد يشارك في مظاهرة باريس وإلى جانبه أريك كوريل النائب عن الحزب المذكور ورئيس اللجنة المالية في البرلمان الفرنسي (أ.ف.ب)

مهمة تدوير الزوايا

حقيقة الأمر أن من جملة الأسباب التي دفعت ماكرون لاختيار لوكورنو لكونه «مفاوضاً بارعاً» وتجمعه علاقات غير عدائية مع جميع مكونات الطيف السياسي، أكان مع أطراف «الكتلة المركزية» التي تضم الأحزاب الثلاثة الداعمة لماكرون وحزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، أو اليسار المعتدل ممثلاً بالحزبين الاشتراكي والشيوعي، وصولاً إلى حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف وزعيمته مارين لوبن ورئيسه جوردان بارديلا.

مارين لوبن زعيمة اليمين المتطرف وجوردان باريلا رئيس حزب «التجمع الوطني» لدى وصولهما إلى البرلمان الثلاثاء للتصويت على الرقة بحكومة فرنوسا بايرو (د.ب.أ)

ورغم ذلك، فقد توقعت لوبن فشل لوكورنو الذي انتقدت تعيينه. وللتذكير، فإن بايرو سقط في البرلمان بسبب تصويت كتلتين لا يجمع بينهما، سياسياً، شيء؛ هما كتلة اليسار وكتلة اليمين المتطرف الذي يضم 120 نائباً، وهي أكبر كتلة حزبية في المجلس النيابي. من هنا، فائدة اختيار لوكورنو الذي عليه أن يتبع نهجاً سياسياً يتماشى مع توجهات الكتلة المركزية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً من غير أن ينفر اليسار أو اليمين المتطرف، علماً أن الأخير يدعو ويصر على إجراء انتخابات نيابية مبكرة، فيما اليسار المتشدد بزعامة جان لوك ميلونشون يدعو إلى إقالة ماكرون. وسيتقدم الخميس باقتراح إلى البرلمان بهذا الخصوص.

كما أنه هدد بحجب الثقة عنه إن لم يطلبها رئيس الوزراء الجديد من البرلمان. وليس واضحاً أن لوكورنو «المفاوض» قادر على تدوير الزوايا والضغط على الفريق الذي تشكلت منه حكومات ماكرون المتعاقبة - في الأعوام الثلاثة الأخيرة قبل بالتنازل عن بعض «الخطوط الحمراء» التي وضعها - أو أنه قادر على «إرضاء» الاشتراكيين بمنحهم بعض المكاسب لجهة فرض ضرائب على أصحاب الثروات والمرتبات الكبرى وهو ما ترفضه الكتلة المركزية واليمين المتطرف.

حريق في مطعم في حي «لي هال» الواقع في قلب باريس في إطار أعمال العنف التي شهدتها العاصمة الفرنسية الأربعاء بمناسبة حراك «شل العمل» في فرنسا (أ.ب)

أما الأخير فإنه يريد سياسة أكثر تشدداً في ملف الأمن والهجرات ورفض الضرائب الإضافية... وباختصار، فإن لوكورنو سيجد نفسه وسط مطالب متناقضة يصعب الجمع بينها، فيما تفتقر الحكومة العتيدة إلى دعم أكثرية نيابية. ولذا، فإنه لن يستطيع إنجاز مهمته إن لم يمكن يتمتع بهامش من حرية التحرك التي يجب أن تأتي بداية من الرئيس ماكرون نفسه. ومصلحة الأخير أن يوفر له هذا الهامش لأنه لم يعد أمامه وسائل سياسية إضافية لتجنب أزمة مؤسسات يمكن أن تنقلب سريعاً إلى أزمة النظام السياسي.

وما يزيد الوضع حرجاً تحرك الشارع، حيث شارك الآلاف من الفرنسيين في مسيّرات ومظاهرات في العاصمة باريس وفي عدد كبير من المدن الرئيسية احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية وعلى السياسات الحكومية التقشفية. وشهدت العديد من المدن، كما في باريس، مناوشات واشتباكات مع رجال الأمن واشتعال عدد من الحرائق وإغلاق العديد من المؤسسات بما فيها التعليمية، وعدد من الطرق السريعة، رغم نشر ما لا يقل عن 80 ألف رجل شرطة ودرك. وكان قطاع النقل والمواصلات الأكثر تأثراً كالعادة بهذا الحراك الاجتماعي. وما جرى الأربعاء يعد عينة مما ينتظر فرنسا يوم 18 الحالي، حيث هناك دعوة النقابات لإضرابات ومظاهرات شاملة.


مقالات ذات صلة

تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» يواصل الضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة (حساب الحزب في إكس)

تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

تواصل المعارضة التركية تصعيد ضغوطها للتوجه إلى انتخابات مبكرة، بينما يعارض الحزب الحاكم إجراءها قبل خريف 2027

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا من تظاهرة اليمين المتطرف في ميلانو (أ.ف.ب)

تجمع لليمين المتطرف الأوروبي في ميلانو بعد هزيمة أوربان (صور)

نظم اليمين المتطرف في أوروبا، السبت، تجمعاً في ميلانو ضمّ قادة من أحزابه من مختلف أنحاء القارة وحشد آلاف الأشخاص، وتناول قضايا الهجرة والأمن والبيروقراطية.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
آسيا تظاهر آلاف المعلمين في أنقرة الخميس مطالبين بوضع حد للعنف في المدارس واستقالة وزير التعليم التركي (أ.ف.ب)

تركيا: هجمات المدارس غير المسبوقة تفجر الحزن والغضب والاحتجاجات

وسط مشاعر مختلطة بين الحزن والغضب، شيعت تركيا جنازة ضحايا هجوم مسلح نفذه طالب يبلغ من العمر 14 عاماً داخل مدرسة إعدادية في كهرمان ماراش بجنوب البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن الموريتاني (أ.ف.ب)

موريتانيا: توقيف 40 ناشطاً خلال مسيرة منددة باعتقال حقوقيين

فرقت قوات مكافحة الشغب الموريتاني، اليوم الخميس، مسيرة احتجاجية لحركة انبعاث التيار الانعتاقي «إيرا» الحقوقية المناهضة للعبودية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
شؤون إقليمية مسعفون ينقلون القتلى والمصابين في هجوم على مدرسة في كهرمان ماراش بجنوب تركيا وسط انتشار للشرطة (إعلام تركي)

تركيا: مقتل وإصابة 24 شخصاً في هجوم على مدرسة إعدادية 

قتل 4 أشخاص وأصيب 20 آخرون على الأقل في هجوم مسلح على مدرسة إعدادية في ولاية كهرمان ماراش في جنوب تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».