شيكاغو هدفاً جديداً لوكالة «أيس»

انتهاء صلاحيات ترمب الطارئة في واشنطن... ولكن السيطرة الفيدرالية لم تنتهِ بعد

مبنى الكونغرس الأميركي في العاصمة واشنطن (أ.ب)
مبنى الكونغرس الأميركي في العاصمة واشنطن (أ.ب)
TT

شيكاغو هدفاً جديداً لوكالة «أيس»

مبنى الكونغرس الأميركي في العاصمة واشنطن (أ.ب)
مبنى الكونغرس الأميركي في العاصمة واشنطن (أ.ب)

مع حلول منتصف ليل الأربعاء، انتهت الصلاحية القانونية المؤقتة التي استخدمها الرئيس دونالد ترمب لفرض سيطرته على شرطة العاصمة، لكنّ مظاهر التدخل الفيدرالي ما زالت حاضرة بقوة. قبل شهر، أعلن ترمب حالة طوارئ في واشنطن، واصفاً المدينة بأنها «في فوضى تامة»، في خطوة مثيرة للجدل أفضت إلى ما وصفه مراقبون بأنه أخطر تدخل في حكم العاصمة الذاتي منذ عقود.

وبموجب قانون الحكم الذاتي لعام 1973، يُسمح للرئيس بتولي بعض سلطات الأمن الداخلي في واشنطن لمدة 30 يوماً دون موافقة الكونغرس، وهو ما فعله ترمب.

لكن رغم انتهاء التفويض الرئاسي المباشر، فإن كثيراً من آثار هذا التدخل لا يزال قائماً، من بينه بقاء آلاف من عناصر الحرس الوطني وضباط إنفاذ القانون الفيدراليين في المدينة، إضافة إلى استمرار عمليات الهجرة التي تُنفّذها وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية المعروفة اختصاراً بـ«أيس».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

جاء نشر القوات في واشنطن بوقت كانت فيه جرائم العنف في تراجع مستمر بالعاصمة. ومع ذلك، زعم ترمب أن الوضع الأمني يستدعي «فرض النظام»، مما أتاح له توجيه أوامر للشرطة المحلية، بشكل عدّه كثيرون غير قانوني.

وعلى الرغم من حديث البيت الأبيض عن «السيطرة على الشرطة»، فإن إدارة شرطة العاصمة بقيت فعلياً تحت قيادة رئيسة الشرطة، باميلا سميث، بينما اقتصرت سلطة البيت الأبيض على توجيه رئيسة البلدية لتقديم خدمات معينة متعلقة بإنفاذ القانون الفيدرالي. ورفع المدعي العام للعاصمة، برايان شوالب، دعوى قضائية ضد الإدارة، مؤكّداً أن القانون لا يمنح الرئيس سلطة السيطرة الكاملة على شرطة المدينة. وفي نهاية المطاف، اضطرت وزارة العدل للتراجع عن تفسيرها الموسَّع، وأصدرت أمراً يحدد الخدمات المطلوبة، ومعظمها متصل بتنفيذ قوانين الهجرة.

وعلى الرغم من انتهاء المهلة، لا يتوقع سكان العاصمة ومسؤولوها أي تغيير جذري في الواقع الأمني اليومي. فرئيسة الشرطة لم تسحب بعد توجيهاتها المتعلقة بالتعاون مع «إيس»، والمتحدث باسم الشرطة أكد استمرار تنفيذ الأوامر الحالية.

وقال رئيس مجلس المدينة، فيل مندلسون، إن «الانتقال سيكون تدريجياً، وليس فورياً»، في حين عبّر ناشطون في مجتمع المهاجرين عن خيبة أملهم من التعاون غير المسبوق بين الشرطة المحلية ووكالة «أيس»؛ ما أضعف الثقة التي بُنيت على مدار سنوات. وقال أبيل نونيز، المدير التنفيذي لمنظمة خدمات المهاجرين (كاريسين): «سيستغرق الأمر سنوات لإعادة بناء الثقة التي تهدمت في الأسابيع الأخيرة».

رئيس مجلس النواب مايك جونسون يتحدث مع الصحافيين - 8 سبتمبر 2025 (أ.ب)

الكونغرس يستعد لإجراءات جديدة

في الوقت نفسه، يناقش الكونغرس، بقيادة الجمهوريين، تشريعات جديدة تهدف إلى تقويض المزيد من سلطات الحكم الذاتي للعاصمة. من بين المقترحات المطروحة: تمديد فترة مراجعة القوانين المحلية من 30 إلى 60 يوماً، وإلغاء بعض المناصب المنتخبة، إضافة إلى دعم حملة «تجميل المدينة» التي أطلقها ترمب.

رئيس لجنة الرقابة في مجلس النواب، جيمس كومر، قال إن هذه الإجراءات تهدف إلى «استعادة الأمن في العاصمة»، وأشاد «بالتعاون المثالي» بين البيت الأبيض ورئيسة البلدية موريل باوزر.

وفيما لم تُبدِ باوزر اعتراضاً صريحاً على العديد من الإجراءات، يصفها منتقدوها بأنها تتعامل بـ«استراتيجية حذرة» لتجنُّب استفزاز البيت الأبيض، على حساب الدفاع الصريح عن استقلالية المدينة.

ومع بقاء الحرس الوطني في العاصمة، وتواصل عمليات الهجرة، واستمرار النقاش في الكونغرس حول تقليص استقلالية المدينة، لا يرى كثير من المسؤولين أن الأزمة قد انتهت. وقالت العمدة باوزر: «ينصب تركيزي الآن على الخروج من حالة الطوارئ»، في موقف اعتبره منتقدوها غير كافٍ.

المتحدثة باسم البيت الابيض كارولين ليفات خلال مؤتمر صحفي في غرفة الإحاطة بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة الأمريكية - 9 سبتمبر 2025 (إ.ب.أ)

يرى بعض الخبراء أن تأثير تدخل ترمب في خفض الجريمة لا يمكن قياسه بدقة، لأن الاتجاه الهبوطي للجريمة كان قائماً مسبقاً. فوفقاً لبيانات شرطة العاصمة، انخفضت جرائم العنف بنسبة 27 في المائة هذا العام مقارنة بالعام الماضي، بما في ذلك انخفاض في جرائم القتل بنسبة 17 في المائة، والسرقة بنسبة 32 في المائة.

خبراء أمنيون عدوا أن الأمر ليس تعاوناً أمنياً تقليدياً، بل استعراض سياسي للسلطة، وأن الانتشار الواسع للقوات لم يكن مركّزاً على المناطق أو الأشخاص الأكثر خطراً. ورغم التشكيك في فعالية الحملة، احتفى البيت الأبيض بها كـ«نموذج يُحتذى به». وأعلنت كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن أكثر من 2000 شخص تم اعتقالهم منذ انطلاق العملية، ودعت المدن الأخرى إلى الاقتداء بتجربة واشنطن، وهو ما قد يكون على وشك الحصول؛ حيث إن ترمب كان قد هدد بتعميم التجربة على مدن أميركية أخرى، خصوصاً تلك التي يسيطر عليها الديمقراطيون. وبعد عمليات مماثلة في لوس أنجليس، تستعد السلطات لتنفيذ عملية في مدينة شيكاغو بولاية إلينوي، رغم اعتراضات حاكم الولاية. ومع ذلك، بدأت وكالة «أيس» حملة مكثفة أُطلق عليها «عملية ميدواي بليتز»، استهدفت مجتمعات المهاجرين تحت شعار مكافحة الجريمة.

وتعرضت هذه الحملات لانتقادات حادة، سواء من القادة المحليين أو منظمات حقوق الإنسان، التي وصفتها بأنها «تسييس للأمن» واستهداف ممنهج للمدن التي يقودها ديمقراطيون. كما عبر مسؤولو الحرس الوطني في وثائق داخلية، حصلت عليها صحيفة «واشنطن بوست»، عن «قلقهم من فقدان ثقة الأميركيين في الجيش»، مشيرين إلى أن المهمة الأخيرة في واشنطن أثارت مشاعر «العار» بين الجنود بسبب طبيعتها السياسية.


مقالات ذات صلة

ترمب: أبلغت الصين وروسيا بأننا لا نريدهما في فنزويلا

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستمع إلى وزير خارجيته ماركو روبيو ويبدو دارن وودز الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل النفطية في اجتماع البيت الأبيض (أ.ف.ب)

ترمب: أبلغت الصين وروسيا بأننا لا نريدهما في فنزويلا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمعة إن إدارته ستُقرر أياً من شركات النفط ستعمل في فنزويلا بعد اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تقرير: تأجيل قمة «جي 7» بسبب إقامة مباريات فنون قتالية احتفالاً بعيد ميلاد ترمب

أعلنت فرنسا تأجيل قمة «مجموعة السبع» لتجنب تعارضها مع مباراة الفنون القتالية المختلطة «يو إف سي» النهائية، التي تقام في البيت الأبيض للاحتفال بعيد ميلاد ترمب.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

باريس تؤكد حقها في «قول لا» لواشنطن

أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الجمعة، أنّ لدى باريس الحق في أن تقول «لا» للولايات المتحدة عندما تتصرف بطريقة غير مقبولة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا صورة جماعية للوزير بارو وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية وبدا في الصورة بعض السفراء - 9 يناير (إ.ب.أ)

وزير خارجية فرنسا: الحضارة الأوروبية ليست على طريق الزوال

لا يتردد الأوروبيون، وعلى رأسهم فرنسا، في توجيه انتقادات شديدة اللهجة لواشنطن بسبب سياساتها، التي تعدّها باريس خروجاً عن قواعد التعامل بين الحلفاء.

ميشال أبونجم (باريس)
أميركا اللاتينية الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم (رويترز) play-circle

المكسيك تعمل على «تعزيز التنسيق» الأمني مع الولايات المتحدة

أعلنت الرئيسة المكسيكية، الجمعة، أن حكومتها تعمل على «تعزيز التنسيق» الأمني مع أميركا، غداة تصريحات ترمب التي قال فيها إنه يريد شن ضربات ضد عصابات المخدرات.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)

روسيا تقصف أوكرانيا بصاروخ فرط صوتي

صورة وزعتها خدمات الأمن الأوكراني تظهر بقايا من الصاروخ الروسي (أ.ف.ب)
صورة وزعتها خدمات الأمن الأوكراني تظهر بقايا من الصاروخ الروسي (أ.ف.ب)
TT

روسيا تقصف أوكرانيا بصاروخ فرط صوتي

صورة وزعتها خدمات الأمن الأوكراني تظهر بقايا من الصاروخ الروسي (أ.ف.ب)
صورة وزعتها خدمات الأمن الأوكراني تظهر بقايا من الصاروخ الروسي (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي واشنطن إلى اتخاذ رد فعل على استخدام روسيا صاروخاً باليستياً متوسط المدى قادراً على حمل رأس نووي في هجمات جديدة على أوكرانيا.

وأكدت موسكو أنها استخدمت للمرة الثانية صاروخ «أوريشنيك» الفرط صوتي خلال قصفها الليلي المكثف على أوكرانيا الذي أسفر عن مقتل 4 أشخاص على الأقل في كييف. واعتبرت أوكرانيا أن هذه الضربات تشكّل «تهديداً خطيراً» لأوروبا و«اختباراً» للغرب.

وندّدت مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس بالضربة الروسية، وقالت إن الرئيس بوتين لا يريد السلام، وإن موسكو ترد على الدبلوماسية بمزيد من الصواريخ والدمار.

وحذرت كالاس من أن استخدام روسيا صواريخ «أوريشنيك» يمثل تصعيداً واضحاً ضد أوكرانيا وتحذيراً لأوروبا وأميركا.

وطالبت كالاس الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي بتعزيز مخزوناتها من أنظمة الدفاع الجوي.


باريس تؤكد حقها في «قول لا» لواشنطن

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
TT

باريس تؤكد حقها في «قول لا» لواشنطن

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

أكّد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الجمعة، أنّ لدى باريس الحق في أن تقول «لا» للولايات المتحدة عندما تتصرف بطريقة غير مقبولة، محذراً من أن النظام السياسي الأوروبي «في خطر»، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي خطابه السنوي أمام السفراء الفرنسيين، حذّر بارو من أن الاتحاد الأوروبي مهدد من قبل خصوم من الخارج، منتقداً في الوقت ذاته التصريحات الصادرة عن واشنطن بأن أوروبا تواجه خطر «زوال حضارتها».

وتسعى القوى الأوروبية إلى التوصل للتوفيق بين أولوياتها في ظل الحرب الروسية المستمرة منذ نحو 4 سنوات في أوكرانيا، وتنسيق ردّها على السياسة الخارجية الأميركية في نصف الكرة الغربي، وذلك عقب اعتقال واشنطن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو، وإعلان دونالد ترمب أنه عازم على ضم جزيرة غرينلاند الدنماركية.

وقال بارو: «في غضون أشهر، قررت الإدارة الأميركية، وهذا حقها، إعادة التفكير في الروابط التي تجمعنا».

وأضاف «من حقنا أيضاً أن نقول لا لحليف تاريخي، مهما كانت أهميته التاريخية، عندما يكون اقتراحه غير مقبول، وعندما يتعيّن علينا أن نقول لا».

وأشار إلى أنّ الاتحاد الأوروبي «مهدد من الخارج من خصوم يُحاولون تفكيك روابط التضامن التي توحّدنا... ومن الداخل بسبب الإنهاك الذي أصاب الديمقراطية».

وتابع: «لنكن واضحين، لا يوجد ما يضمن اليوم أننا سنظل نعيش داخل الاتحاد الأوروبي كما نعرفه، بعد 10 سنوات».

وتأتي تصريحات بارو غداة تحذير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن الولايات المتحدة «تتخلى تدريجياً» عن حلفائها، و«تتجاهل القواعد الدولية»، متحدثاً عن «عدوانية استعمارية جديدة» متنامية في العلاقات الدبلوماسية.


وزير خارجية فرنسا: الحضارة الأوروبية ليست على طريق الزوال

صورة جماعية للوزير بارو وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية وبدا في الصورة بعض السفراء - 9 يناير (إ.ب.أ)
صورة جماعية للوزير بارو وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية وبدا في الصورة بعض السفراء - 9 يناير (إ.ب.أ)
TT

وزير خارجية فرنسا: الحضارة الأوروبية ليست على طريق الزوال

صورة جماعية للوزير بارو وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية وبدا في الصورة بعض السفراء - 9 يناير (إ.ب.أ)
صورة جماعية للوزير بارو وكبار المسؤولين في وزارة الخارجية وبدا في الصورة بعض السفراء - 9 يناير (إ.ب.أ)

تعيش أوروبا، وعلى رأسها فرنسا، راهناً، حالة من «انفصام الشخصية السياسية» في علاقاتها مع الولايات المتحدة. فهي، من جهة، تحتاج إليها بشكل أساسي في ملف الحرب الأوكرانية باعتبارها الطرف الوحيد القادر على «ردع» روسيا من معاودة استهداف كييف عقب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار أو اتفاقية سلام.

وقد رحب الأوروبيون، وعلى رأسهم الرئيس إيمانويل ماكرون، بمناسبة انعقاد قمة «تحالف الراغبين» الذي التأم، الثلاثاء، في قصر الإليزيه، بالتزام إدارة الرئيس دونالد ترمب بتوفير «ضمانات أمنية» لأوكرانيا. ولم يتردد ماكرون في كيل المديح للمسار الجديد للحليف الأميركي.

ومن جهة ثانية، لا يتردد الأوروبيون، وعلى رأسهم فرنسا، في توجيه انتقادات شديدة اللهجة لواشنطن بسبب سياساتها، التي تعدّها باريس خروجاً عن قواعد التعامل بين الدول وبين الحلفاء في إطار النادي الأطلسي، لدرجة أن ثمة سياسيين يتساءلون حول ما إذا ما زالت واشنطن حليفاً موثوقاً لهم.

خلال يومين متتالين، وبمناسبة مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم، الخميس والجمعة، برز هذا الانفصام على حقيقته المفجعة؛ فماكرون ووزير خارجيته تقاسما الأدوار في توجيه الانتقادات للمسارات الجديدة التي تسلكها واشنطن.

الأول يوم الخميس، والثاني في اليوم التالي؛ جان نويل بارو، المشرف على الدبلوماسية الفرنسية، لم يكن أقل عنفاً من رئيسه في خطاب دام ساعة كاملة، ألقاه صباح 9 يناير (كانون الثاني) في مقر وزارة الخارجية؛ إذ لم يكتف بانتقاد العملية الأميركية التي أفضت إلى أسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أو التنديد بالأطماع الأميركية بالسيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية من غير استبعاد اللجوء إلى القوة العسكرية، بل عاد إلى انتقاد مضمون وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي نشرت، الشهر الماضي، والتي تتطلع إلى أوروبا بنظرة فوقية، وتُنبّه الأوروبيين من أن حضارتهم سائرة إلى الزوال بسبب سياسات الهجرة وتراجع القيم التقليدية.

بارو: أوروبا ليست إلى زوال

لم يتردد بارو في الرد مباشرة على المزاعم الأميركية، حيث قال: «لا، أوروبا ليست على حافة الزوال الحضاري. والأصوات المتعجرفة التي تدّعي ذلك يجدر بها أن تحذر من زوالها هي نفسها».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (يسار) مع وزير الداخلية لوران نونيز الجمعة في مقر الخارجية بمناسبة اجتماع سفراء فرنسا عبر العالم يوم 9 يناير (إ.ب.أ)

بالمقابل، حذر بارو من المخاطر المُحدقة بالبناء الأوروبي من الخارج والداخل؛ فهو «مُهدّد من الخارج من قبل خصوم يحاولون تفكيك روابط التضامن التي تُوحّدنا» في إشارة واضحة للولايات المتحدة وروسيا والصين. كما أنّه «مُهدّد من الداخل بسبب الإرهاق الديمقراطي».

وأضاف الوزير الفرنسي: «لنكن واضحين: لا شيء يضمن اليوم أننا سنظل نعيش داخل الاتحاد الأوروبي كما نعرفه بعد عشر سنوات».

وختم قائلاً: «نعم، نظامنا السياسي اليوم في خطر، على الرغم من استقراره الثمين في عالم غير متوقع، وعلى الرغم من ثروته العلمية والتكنولوجية والثقافية والمالية الهائلة».

قال بارو مهاجماً الولايات المتحدة وروسيا والصين: «إنهم يحلمون باستغلال انقساماتنا مرة أخرى، كما فعلوا على مدى قرون. وقد بدأوا بالفعل باختبار قوة اتحادنا من خلال التهديدات والإكراه، كما يتضح من التوغلات الإقليمية على جناحنا الشرقي (أوكرانيا)، والابتزاز التجاري، والمطالبات بغرينلاند (الولايات المتحدة) التي ليست للبيع». واستطرد قائلاً إن «العالم قد يتحوّل إلى وكْر للصوص، حيث يسطو عديم الضمير على كل ما يريده».

أوروبا يتيمة؟

تكمن المشكلة الأولى لفرنسا، ومعها الاتحاد الأوروبي، في التغير الذي يلف العالم الغربي الذي عاش، منذ خمسينات القرن الماضي، في ظل منظمة الحلف الأطلسي.

ماكرون متوسّطاً ستارمر وزيلينسكي بعد اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس يوم 6 يناير (إ.ب.أ)

والحال أن الصورة اليوم تغيرت، وأوروبا قد تجد نفسها «يتيمة» بعد أن يكون قد هجرها الحليف الأميركي الذي تضغط عليه عقيدة «أميركا أولاً»، التي ركب دونالد ترمب موجتها للعودة إلى البيت الأبيض. من هنا جاء كلام بارو الذي وصف الولايات المتحدة بأنها «حليف، لسنا دائماً على توافق معه». وأضاف: «في غضون أشهر، قررت الإدارة الأميركية الجديدة، وهذا من حقها، إعادة التفكير في الروابط التي تجمعنا. ومن حقنا أيضاً أن نقول (لا) لحليف تاريخي، مهما كان تاريخياً، عندما يكون اقتراحه غير مقبول».

إذا كانت بريطانيا تعدّ أن «علاقة خاصة» تربطها بالولايات المتحدة، فإن فرنسا تغتنم كل مناسبة للتذكير بالدور الذي لعبه الكونت لافاييت، بأمر من الملك لويس الرابع عشر، لمساعدة «الثوار» الأميركيين المنتفضين على المستعمر الإنجليزي. ولم يشذ بارو عن القاعدة بقوله إن «بيننا وبين الولايات المتحدة، وهي شعب لنا معه، نحن الأوروبيين وبشكل أخص نحن الفرنسيين، تاريخ طويل وفريد، صيغ عبر الحروب والثورات المشتركة». لذا، فإن «الخيانة» الأميركية تبدو أكثر مرارة.

خصوم الخارج والداخل

لا تريد باريس أن تكتفي بالنقد واللوم، بل تريد المواجهة مع الأطراف الساعية إلى «تقويض ثقة الفرنسيين بمؤسساتهم، وتقويض التوافق الوطني، وتقويض الوحدة الأوروبية». أما لماذا يستشعر الفرنسيون بأن بلادهم مهددة، فلأنها «تُزعج المستبدين والأنظمة المسماة ليبرالية. وتزعج الأوليغارشيات الفاسدة، والتحريفيين، وأصحاب نظريات المؤامرة من كل الأطياف الذين أعلنوا علينا الحرب في ميدان الإدراك والتأثير»، في إشارة إلى الحملات الإعلامية والآيديولوجية التي تستهدف باريس كما العديد من العواصم الأوروبية، والتي تمتدّ من الكرملين إلى دائرة منظري «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» المحيطة بالرئيس الأميركي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

كذلك، فإن باريس لم تستسغ الدعم السياسي الذي يوفره ترمب وفريقه للأحزاب اليمينية المتطرفة؛ أكان في فرنسا مع حزب «التجمع الوطني»، أم في ألمانيا مع «حزب البديل»، أم «حزب الإصلاح» في بريطانيا. والسلطات السياسية في البلدان الثلاثة المذكورة ترى في الدعم الأميركي تقويضاً لمقوماتها، وتهديداً لمستقبلها، فضلاً عن أنّه تدخل في شؤونها الداخلية.

وتُراهن «الاستراتيجية الأميركية» على هذه الأحزاب لكي تستعيد أوروبا دورها و«تنعش حضارتها مجدداً». إنه امتحان صعب لفرنسا وأوروبا. ومع التطورات المستجدة، تشتد الدعوة إلى بناء «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا. لكن بين الدعوة والواقع هوة كبيرة تحتاج لعقود من العمل الجاد، وغياب الانقسامات المستحكمة بين الأوروبيين حتى تتحول، يوماً ما، إلى واقع.