شروط موسكو تستبق ضمانات الغرب لأوكرانيا... الحياد أو سحب الاعتراف

أصرت على مبدأي التنازل عن الأراضي وتقويض الأسباب الجذرية للصراع

وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي 15 أغسطس (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي 15 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

شروط موسكو تستبق ضمانات الغرب لأوكرانيا... الحياد أو سحب الاعتراف

وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي 15 أغسطس (أ.ف.ب)
وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي 15 أغسطس (أ.ف.ب)

تتابع موسكو عن كثب نتائج اللقاء الذي جمع في البيت الأبيض الاثنين الرئيس دونالد ترمب مع القادة الأوروبيين بحضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ومع تواصل الاجتماعات في إطار «تحالف الراغبين» لبحث ملف الضمانات الأمنية الغربية التي يمكن أن تقدم لكييف، بدا أن موسكو تسابق التطورات لتخفيض السقف المتوقع، ومنع تحول الضمانات إلى إقرار بحق كييف في تطوير تحالفات عسكرية وأمنية تقوض فكرة الحياد.

الرئيسان ترمب وبوتين خلال قمة ألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وكان زيلينسكي قال في واشنطن، إن كييف تعمل على محتوى الضمانات الأمنية التي تسعى بلاده إلى الحصول عليها من الحلفاء، وإن المحادثات تستمر بين القادة (الثلاثاء). وأضاف أن «مستشاري الأمن القومي أيضاً على اتصال دائم الآن. ستكون هناك ضمانات أمنية».

ويبحث قادة «تحالف الراغبين» الداعم لكييف الخطوات المقبلة بشأن أوكرانيا، غداة استضافة الرئيس الأميركي زيلينسكي وقادة أوروبيين في واشنطن. وأعلن ترمب، الاثنين، أنه بدأ ترتيبات لعقد قمة سلام ثنائية تجمع زيلينسكي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على أن تتبعها قمة ثلاثية يشارك فيها هو نفسه.

وأكد ترمب بعد المحادثات مع زعماء أوروبيين أن أوروبا يمكن أن تقدم بالتنسيق مع الولايات المتحدة ضمانات أمنية لأوكرانيا ضمن اتفاق سلام مع روسيا. وكتب في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «ناقشنا خلال الاجتماع ضمانات أمنية لأوكرانيا، سيقدّمها مختلف الدول الأوروبية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة». لكن موسكو التي تعارض منح كييف ضمانات واسعة، حذرت من أن تحول الوضع إلى انتهاك لمبدأ حياد أوكرانيا قد يسفر عن تقويض الاعتراف بالدولة الأوكرانية.

وكشف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف جانباً من تفاصيل المكالمة الهاتفية التي جرت الاثنين بين بوتين وترمب بعد لقاء الأخير مع زيلينسكي والقادة الأوروبيين. وقال إن الرئيسين أكدا التزامهما بالتفاهم الذي تم التوصل إليه خلال قمة آلاسكا حول ضرورة «حل النزاع في أوكرانيا بطريقة تضمن عدم تكرار الأزمة».

Russia's President Vladimir Putin, right, sits next to his delegation, including Russia's Foreign Minister Sergei Lavrov while meeting with President Donald Trump, Friday, Aug. 15, 2025, at Joint Base Elmendorf-Richardson, Alaska. (AP)

وأكد مجدداً أن قمة ألاسكا «أظهرت اهتمام الإدارة الأميركية الصادق بهذه التسوية، ليس بهدف تهيئة أوكرانيا للحرب مجدداً، كما حدث بعد اتفاقيات مينسك، بل لضمان عدم تكرار هذه الأزمة، وضمان الحقوق المشروعة لجميع الدول في هذا الجزء من العالم وجميع شعوب هذه الدول».

وحذر لافروف من عواقب تراجع كييف عن مبدأ الحياد في إطار الحديث عن الضمانات الغربية، التي نظر بعضها في وضع آلية تعادل البند الخامس من ميثاق حلف الأطلسي (الذي ينص على التدخل لحماية بلد يتعرض لاعتداء) وقال لافروف خلال مقابلة تلفزيونية بثت الثلاثاء: «إذا رفضت كييف الحياد وعدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن الأحكام التي تُشكل أساس الاعتراف باستقلال أوكرانيا ستختفي». وذكّر بأن إعلان السيادة الوطنية ينص بوضوح على وضع الدولة الأوكرانية غير النووي والمحايد وغير المنحاز.

وأشار الوزير إلى أن هذا الالتزام هو ما شكّل أساس الاعتراف الدولي بأوكرانيا بصفتها دولة مستقلة. و«إذا تخلى نظام زيلينسكي الآن عن كل هذه السمات، وتحدث عن الأسلحة النووية، وعن الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وعن التخلي عن الحياد، فإن الأحكام التي شكلت أساس الاعتراف بأوكرانيا بصفتها دولة مستقلة ستزول».

وتطرق إلى ملف التنازل عن الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، وهو مطلب ما زالت كييف ترفض الانصياع له، وقال الوزير: «كثيراً ما تُشكل التغييرات الإقليمية جزءاً لا يتجزأ من التوصل إلى اتفاقيات».

وعلق على كلمات الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب حول الاتفاقيات بين الاتحاد السوفياتي وفنلندا عام 1944، مشيراً إلى أن فنلندا آنذاك، «التي كانت تقاتل إلى جانب ألمانيا النازية، وقّعت الاتفاقيات المقابلة مع الاتحاد السوفياتي». وأوضح الوزير: «أعرفه جيداً، كان وزيراً للخارجية. وقّعوا معاهدة تنص على الحياد الأبدي، وبأنه لن ينضم أي طرف - لا الاتحاد السوفياتي ولا فنلندا - أبداً إلى هياكل موجهة ضد الطرف المتعاقد الآخر. أين كل هذا؟ الآن انضموا إلى الهيكل الذي يعد روسيا عدواً. لذا، إذا كان يشير إلى التغييرات الإقليمية التي حدثت نتيجة للحرب العالمية الثانية، فنعم، هذه إحدى نتائجها. غالباً ما تكون التغييرات الإقليمية جزءاً لا يتجزأ من التوصل إلى اتفاقيات. وهناك كثير من الأمثلة على ذلك».

وفي مقابل تكرار الإشادة بالموقف الأميركي «الملتزم بإيجاد تسوية مستدامة تراعي مصالح كل الأطراف» هاجم لافروف بقوة القادة الأوروبيين، الذين اجتمعوا في اليوم السابق مع ترمب. وقال إنه «لم يتطرق أي زعيم أوروبي حتى الآن إلى مسألة أمن روسيا». وزاد: «عندما تحدث هؤلاء المسؤولون في واشنطن عن ضرورة البدء بوضع ضمانات أمنية لأوكرانيا، وفي الوقت نفسه ضمانات أمنية لأوروبا، تحدث ستارمر، ورئيس الوزراء البريطاني، وآخرون عن هذا، بينما لم يتطرق أحد إلى أمن روسيا ولو لمرة واحدة».

وأشار لافروف في الوقت نفسه إلى أن وثيقة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي تم الاستشهاد بها خلال لقاء البيت الأبيض «تتطلب توفير الأمن بشكل يناسب الجميع». ورأى الوزير أنه «حتى الآن، يُمكن لمس موقف متغطرس تجاه القانون الدولي، تجاه تلك الوعود التي غالباً ما تُقدم زوراً وتُوثق على الورق، في تعامل هؤلاء القادة مع الأزمة الأوكرانية الحالية».

وجدد التأكيد على الشروط الروسية لتحقيق تقدم في مسار التسوية. ومع الإشارة إلى مبدأي الإقرار بسيطرة موسكو على مناطق في أوكرانيا وتقويض الأسباب الجذرية للصراع، قال الوزير إنه «من دون احترام أمن روسيا، ودون الاحترام الكامل لحقوق الروس والمواطنين الناطقين بالروسية المقيمين في أوكرانيا، لا يمكن الحديث عن أي اتفاقيات طويلة الأمد»، مشدداً على أنه «يجب إزالة هذه الأسباب بشكل عاجل في سياق التسوية». وأضاف أن قمة ألاسكا أظهرت اهتمام الإدارة الأميركية الصادق بتسوية الأزمة الأوكرانية، ليس من أجل تهيئة أوكرانيا للحرب، بل لضمان عدم تكرار هذه الأزمة.

في سياق متصل، قال لافروف إن مسألة العقوبات المفروضة على روسيا لم تُناقش في القمة الروسية الأميركية في ألاسكا. وزاد أن بلاده ليست متعجلة في هذا الأمر.

وأوضح: «لم نناقش العقوبات. ليس فقط عدة خبراء، بل أيضاً السياسيون والمسؤولون، كرروا مراراً وتكراراً أن رفع العقوبات قد يكون له دور سلبي. لأن هذا قد يُرسخ في بعض قطاعات اقتصادنا وهماً بأننا سنتغلب على جميع المشاكل بالعودة إلى الخطط التي وُضعت وطُبقت في التسعينات وأوائل الألفية الثانية». وتطرق مسؤول روسي آخر، هو مساعد الرئيس يوري أوشاكوف إلى جانب آخر تمت مناقشته خلال مكالمة ترمب وبوتين الاثنين، يتعلق باتفاق على رفع مستوى تمثيل الوفود المفاوضة من الطرفين الروسي والأوكراني عند عقد لقاءات أو جولات تفاوض جديدة.

واللافت أنه في وقت يركز ترمب على جهود ترتيب لقاء ثنائي يجمع بوتين وزيلينسكي ويسبق لقاء ثلاثياً يشارك به الرئيس الأميركي، فإن تعليقات الكرملين والمسؤولين الروس على الاتصالات الجارية في واشنطن لم تشر إلى موقف موسكو من ترتيب قمة روسية أوكرانية لإنهاء الصراع. وكان بوتين قال في وقت سابق إنه لا يمانع اللقاء مع زيلينسكي، لكنه رأى أن ترتيب لقاء من هذا النوع يتطلب تحضيرات جيدة على مستوى الخبراء والوفود المفاوضة.


مقالات ذات صلة

أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
TT

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)
ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

حذرت روسيا، الخميس، من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً ​لهجمات قوات موسكو في حالة نشوب صراع.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مارس (آذار)، عن خطط لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وقال إن فرنسا قد تسمح لشركائها الأوروبيين باستضافة طائراتها ذات القدرات النووية في عمليات نشر مؤقتة.

وقال ألكسندر غروشكو، نائب وزير الخارجية الروسي، في مقابلة نشرت، الخميس، إن هذا جزء من «توسع غير منضبط» للقدرات النووية ‌لحلف شمال الأطلسي، مما ‌يشكل تهديداً استراتيجياً لروسيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وشدد على ​قلق ‌موسكو إزاء ​عمليات النشر النووي الفرنسية المحتملة في دول أوروبية أخرى. وقال ماكرون إن باريس تناقش مثل هذه الترتيبات مع بريطانيا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا واليونان والسويد والدنمارك.

وقال غروشكو، لشبكة «روسيا اليوم» الإعلامية الحكومية: «من الواضح أن جيشنا سيضطر إلى إيلاء اهتمام بالغ لهذه المسألة في سياق تحديث قائمة الأهداف ذات الأولوية في حالة نشوب صراع كبير... ونتيجة لذلك، فبدلاً من ‌تعزيز فرنسا المعلن للدفاع ‌عن حلفائها الذين لا تقدم لهم، بالمناسبة، أي ​ضمانات قاطعة، فإن أمن هذه ‌البلدان يضعف في الواقع».

وتأتي مبادرة ماكرون في إطار حملة ‌يقودها الأعضاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتحمل المزيد من المسؤولية عن دفاعهم، بعد الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحلف، وفي ضوء تهديداته بالسيطرة على غرينلاند من الدنمارك، العضو في ‌حلف شمال الأطلسي.

وأدى انتهاء صلاحية آخر معاهدة متبقية للحد من حجم الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأميركية في فبراير (شباط) إلى خلق فراغ في مجال الحد من التسلح العالمي، في وقت يبلغ فيه التوتر الدولي أعلى مستوياته منذ عقود بسبب حربي أوكرانيا وإيران.

وقال غروشكو إن أي حوار مستقبلي حول الأسلحة النووية يجب أن يأخذ في الاعتبار القدرات المشتركة لحلف شمال الأطلسي، بما في ذلك الترسانات الفرنسية والبريطانية، بالإضافة إلى الترسانة الأميركية.

وانتقد الحلف، هذا الأسبوع، روسيا والصين بسبب سياساتهما المتعلقة بالأسلحة النووية، وحثت البلدين على العمل مع الولايات المتحدة لتحقيق مزيد ​من الاستقرار والشفافية في ​مؤتمر يفتتح في الأمم المتحدة بنيويورك، الأسبوع المقبل، لمراجعة سير عمل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.


ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
TT

ملك بريطانيا في مهمة لأميركا لتعزيز العلاقة مع ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) والملك تشارلز الثالث يحضران حفل استقبال رسمي في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

يتوجه الملك تشارلز ملك بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأسبوع ‌المقبل في مهمة تهدف إلى تعزيز مستقبل «العلاقة الخاصة» بين البلدين الحليفين، التي دفعتها الحرب مع إيران إلى أدنى مستوياتها منذ 70 عاماً.

وتتزامن هذه الزيارة الرسمية مع الذكرى الـ250 لإعلان استقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، حين قررت المستعمرات الأميركية الثلاث عشرة آنذاك الانفصال عن الملك ​جورج الثالث، جد تشارلز.

وبالنسبة لتشارلز، ستكون هذه الزيارة فرصة للتفكير في كيفية توطيد العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة منذ ذلك الحين وبناء بعض من أقوى الروابط الأمنية والعسكرية والاقتصادية في العالم، بينما ستكون بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب فرصة أخرى للتعبير عن حبه للعائلة الملكية البريطانية.

الملك تشارلز الثالث ملك بريطانيا والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في أثناء تفقدهما حرس الشرف خلال مراسم استقبال رسمية في ساحة قلعة وندسور ببريطانيا 17 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أسوأ أزمة منذ أزمة السويس

تأتي هذه الزيارة أيضاً في ظل أسوأ توتر في العلاقات بين البلدين منذ أزمة السويس عام 1956، في ظل انتقادات ترمب المتكررة لرئيس الوزراء كير ستارمر بسبب رفضه الانضمام إلى الهجوم على إيران وتقليله من شأن القدرات العسكرية البريطانية.

ورداً على سؤال من «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) عما إذا كانت زيارة الملك ستساعد في إصلاح العلاقة، قال ترمب: «بالتأكيد، الإجابة هي نعم».

وقال ‌في مقابلة هاتفية ‌أجرتها معه «بي بي سي»: «أنا أعرفه جيداً، أعرفه منذ سنوات... إنه رجل شجاع، ورجل عظيم».

وعلّق ترمب على مواقف حلفاء بلاده، بما في ذلك بريطانيا، من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قائلاً: «كان ينبغي أن يشاركوا»، قبل أن يضيف: «لكنني لم أكن بحاجة إليهم».

وقال ​نايجل ‌شينوالد سفير بريطانيا ​في واشنطن من 2007 إلى 2012، إن الزيارة لا يمكنها، ولا تهدف إلى، إصلاح أي خلافات حالية بين الحكومتين، لكنها ستُظهر روابط أعمق بكثير من أي أفراد.

وقال شينوالد، لوكالة «رويترز»: «هذه الزيارة تتعلق أكثر من أي زيارة أخرى بالمستقبل البعيد. إنها تتعلق بجوهر العلاقة بين شعبينا وبلدينا... إنها لا تتعلق بما يحدث اليوم».

وسيبدأ تشارلز، برفقة زوجته الملكة كاميلا، رحلته التي تستغرق أربعة أيام، يوم الاثنين، باحتساء الشاي على انفراد مع ترمب ثم يلقي كلمة أمام الكونغرس ويحضر مأدبة عشاء رسمية ويقوم بزيارة نيويورك وفرجينيا.

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

وأعلن قصر بكنغهام أنه لن يلتقي بأي من ضحايا الراحل جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية. وكان أندرو مونتباتن-وندسور الشقيق الأصغر للملك تشارلز قد اعتقل في فبراير (شباط) للاشتباه ‌في تسريبه وثائق حكومية إلى إبستين. ونفى الأمير أندرو السابق ارتكاب أي ‌مخالفة.

وفي بريطانيا، قال بعض السياسيين والمعلقين إنه كان يتعين إلغاء الزيارة بالنظر إلى ​بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ترمب. وهناك مخاوف ‌أيضاً من أن يستغل الرئيس الأميركي، المعروف بتقلباته، هذه المناسبة لتوجيه المزيد من الانتقادات، مما قد يحرج الملك.

وقال ‌شينوالد والسفير الأميركي الحالي في لندن وارن ستيفنز إن ذلك سيكون له أثر سلبي. ويقول مستشارون للعائلة الملكية في أحاديث غير رسمية إن ترمب، الذي يصف الملك بأنه «رجل عظيم»، تصرف بشكل مثالي خلال زيارتيه الرسميتين غير المسبوقتين إلى بريطانيا في عام 2019 وفي العام الماضي.

وقال كاتب السيرة الملكية روبرت هاردمان، لوكالة «رويترز»: «إنه (ترمب) من أشد المؤيدين للملكية».

وأضاف: «لديه موقف واحد تجاه الحكومة البريطانية، ‌لكن الملكية البريطانية كيان منفصل تماماً، وهو من أشد المعجبين بها. وكان معجباً بالملكة الراحلة، وهو من أشد المعجبين بالملك. وبالنسبة له، هذه لحظة مهمة».

هل تعيد هذه الزيارة أصداء عام 1957؟

من بعض النواحي، تحمل زيارة تشارلز أصداء الزيارة التي قامت بها والدته الملكة إليزابيث في عام 1957، بعد عام من أزمة السويس التي تسببت في اضطرابات في الشرق الأوسط، حيث اضطرت القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية إلى إنهاء هجومها على مصر بعد ضغوط من الولايات المتحدة.

ونجحت زيارتها آنذاك في كسب تأييد الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور وتهدئة العلاقات بين الحلفاء.

دونالد وميلانيا ترمب مقابل تشارلز وكاميلا وتنسيق الإطلالتين في «قصر وندسور» (رويترز)

وقال أيزنهاور: «إن الاحترام الذي نكنه لبريطانيا يتجسد في المودة التي نكنها للعائلة الملكية، التي شرفتنا كثيراً بزيارتها لبلادنا».

وهذه ما يطلق عليها «القوة الناعمة» التي سيسعى تشارلز، الذي صقل مهاراته الدبلوماسية على مدى نصف قرن، إلى استخدامها مرة أخرى.

ويتمتع تشارلز بتأثير كبير على الرئيس لدرجة أن هاردمان قال إنه يعلم أن ترمب تراجع عن تعليقاته التي أدلى بها بشأن بقاء القوات البريطانية وقوات حلف شمال الأطلسي الأخرى بعيداً عن الخطوط الأمامية في أفغانستان بعد أن تلقى رسائل خاصة من الملك تفيد بأنه مخطئ.

ويقول دبلوماسيون إن تشارلز سيتمكن مرة أخرى من التحدث ​بصراحة في اجتماعهما الخاص، لكن هاردمان قال إن ​الملك لن يكون هناك «لانتقاد سياسات الرئيس ترمب».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطاباً بينما يستمع إليه الملك تشارلز وكيت أميرة ويلز خلال مأدبة في قلعة وندسور بإنجلترا (أ.ب)

وأضاف: «هذا ببساطة ليس دور الملك، وهو بالتأكيد ليس الغرض من الزيارة الرسمية... سيكون الهدف من هذه الزيارة استعراض جميع تلك الجهود المشتركة بين حليفين عظيمين والتطلع إلى الأمام».


ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.