ماكرون محذراً الأوروبيين: التهديد الروسي على الأبواب

«الوثيقة الاستراتيجية الفرنسية الجديدة» ترسم صورة شاملة عن المخاطر المحدقة

الرئيس الفرنسي ورئيس أركان الجيش الفرنسي ينزلان جادة الشانزليزيه بمناسبة العرض العسكري التقليدي يوم 14 يوليو (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي ورئيس أركان الجيش الفرنسي ينزلان جادة الشانزليزيه بمناسبة العرض العسكري التقليدي يوم 14 يوليو (أ.ف.ب)
TT

ماكرون محذراً الأوروبيين: التهديد الروسي على الأبواب

الرئيس الفرنسي ورئيس أركان الجيش الفرنسي ينزلان جادة الشانزليزيه بمناسبة العرض العسكري التقليدي يوم 14 يوليو (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي ورئيس أركان الجيش الفرنسي ينزلان جادة الشانزليزيه بمناسبة العرض العسكري التقليدي يوم 14 يوليو (أ.ف.ب)

ما بين خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «التعبوي» مساء الأحد أمام أركان الدولة الفرنسية من عسكريين ومدنيين في حدائق وزارة الدفاع بمناسبة العيد الوطني ونشر «الوثيقة الاستراتيجية الوطنية» في اليوم التالي ثم الاستعراض العسكري الكبير في جادة الشانزليزيه والحديث الرئاسي عن القوات المسلحة الفرنسية «الجاهزة للذهاب إلى ساحة المعركة»، خيمت على فرنسا أجواء التعبئة العسكرية حتى كاد يتخيل البعض أن الحرب قادمة أو أن الدبابات الروسية قد وصلت إلى الحدود الفرنسية التي تبعد 2000 كلم عن روسيا.

ولاحظ مراقبون أن ثمة حملة تعبوية معدة بشكل جيد انطلقت منذ منتصف الأسبوع الماضي عبر مستشاري الإليزيه ومن خلال المؤتمر الصحافي «الاستثنائي» لرئيس الأركان الجنرال تييري بروكهارد الذي خصصه للحديث عن الأخطار والتهديدات التي تحيق بفرنسا ومعها بالقارة الأوروبية، وكل ذلك من أجل تهيئة الأجواء لما كان الرئيس ماكرون يتحضر لإعلانه من مقررات من شأنها «حماية فرنسا من الأخطار الوجودية» التي تهددها. وقبل ذلك، اصطبغت زيارة الدولة التي قام بها ماكرون لبريطانيا بطابع عسكري بارز من خلال توافق الطرفين على العمل معا وتنسيق جهودهما الدفاعية، بما في ذلك استخدام قوتهما النووية وتوفير «مظلة نووية» لأوروبا تكون بديلا عن المظلة الأميركية ــ الأطلسية إذا قررت إدارة الرئيس دونالد ترمب ترك أوروبا لمصيرها.

الخطر الروسي القادم

في بداية يناير (كانون الثاني) الماضي، طلب ماكرون تقريرا جديدا من وزارة الدفاع عن الوضع الاستراتيجي لفرنسا وعما يتعين عليها القيام بها لدرء المخاطر التي استجدت منذ عام 2022، أي منذ انطلاق الحرب الروسية على أوكرانيا التي تعدها باريس «علامة فارقة» في النقلة الاستراتيجية التي استجدت، والتي تتحكم إلى حد كبير بمستقبل البلاد لا بل بمصيرها. وتعكس مقدمة الوثيقة الحالة الذهنية العامة التي تهيمن راهنا على الأجواء في فرنسا. وجاء في مقدمة «الوثيقة» الموسعة (90 صفحة) أن «تسارع تدهور البيئة الأمنية الدولية بسبب تزامن النزاعات وتسارعها وتداخلها، كما في أوكرانيا والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، وبسبب التزامن غير المسبوق للتهديدات العابرة للحدود كالإرهاب والجريمة المنظمة وتداخل التحديات المتمثلة بأزمات الهجرات والأزمات المناخية وفي قطاعي الطاقة والتجارة العالمية».

بيد أن التهديد الأهم، بحسب القراءة الفرنسية، تمثله روسيا التي تقول عنها الوثيقة إنها تعد «التهديد الأكثر مباشرة اليوم وفي السنوات القادمة للمصالح الفرنسية ولشركائها وحلفائها وللاستقرار في الفضاء الأوروبي والأوروبي ــ الأطلسي». وتضيف «الوثيقة» أن موسكو «تواصل حربا من غير وازع تسببت بمقتل وجرح حوالي مليون شخص واستعانت بقوات من كوريا الشمالية للمحاربة على الأرض الأوروبية واعتمدت على إيران للتزود بالعتاد العسكري، كما أنها تلجأ للتهديد باستخدام السلاح النووي بشكل غير مسؤول ومن دون ضوابط». وتشير الوثيقة إلى أن موسكو تواصل تعزيز جيشها وتطور قدرات عسكرية إضافية في إطار أفق زمني قريب لا يتعدى عام 2030. وتستكمل «الوثيقة مضبطة الاتهامات» بحق روسيا التي تعمل على تغيير النظام العالمي الراهن ونسف النموذج الديمقراطي الغربي الليبرالي والإنسانوي من خلال «هجمة آيديولوجية شاملة».

وبشأن إيران، تقول «الوثيقة» إن ممارسات طهران «المزعزعة للاستقرار توفر الظروف لقيام حرب شاملة في الشرقين الأدنى والأوسط» فيما الصين تخطط للتحول لأول قوة عالمية بحلول عام 2050، وهي بذلك تساهم في إحداث تغييرات رئيسية في البيئة الجيوــسياسية والتكنولوجية العالمية». ولأن الوضع على هذه الحال، فإن باريس ترى أن العالم يدخل في عصر جديد حيث «اندلاع حرب واسعة خارج التراب الوطني الفرنسي ولكن في أوروبا، ومن شأنها أن تجر إليها فرنسا وشركاءها الأوروبيين بحلول عام 2030».

صورة للعرض العسكري وتظهر فيها خيالة الحرس الجمهوري بباريس الاثنين (أ.ف.ب)

الاستعداد لحرب قادمة

وإزاء هذا الوضع، ترى فرنسا أنه «من الضروري التحضر لهذه الحرب ويتعين على الأوروبيين أن يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم وردع أي اعتداء روسي على قارتهم». والطريق إلى ذلك، فرنسيا، يمر عبر تعظيم قدرات الجيوش الفرنسية وقاعدة الصناعات الدفاعية والتكنولوجية على المستويين الوطني والأوروبي، بحيث نحدث ثورة حقيقية، إن على صعيد الإنتاج أو على صعيد التمويل. وتعد «الوثيقة» أن الوصول إلى هذا الهدف «يتطلب تعبئة كاملة للأمة بأسرها» لتدارك تبعات أي نزاع يحصل على الأراضي الأوروبية على فرنسا. ومن جانب آخر، تعتبر الوثيقة أن تركيز السياسة الأميركية على الصين وما يعنيه من «التخلي» عن أوروبا هو بمثابة «تحد استراتيجي حقيقي» للقارة القديمة لأن من شأنه أن يوجد «حالة من انعدام اليقين»، وهو ما تعكسه تحولات المواقف الأميركية من حرب أوكرانيا. وخلاصة «الوثيقة» أن أوروبا تقف اليوم على «مفترق تاريخي رئيسي»، إذ تقع عليهم مسؤولية الدفاع عن أمن القارة وردع أي اعتداء {روسي} جديد مهما تكن التحولات الأميركية. وتشدد «الوثيقة» على أهمية بناء الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي والارتقاء بزيادة المخصصات الدفاعية وتعزيز قاعدتها الصناعية وكذلك التضامن والتكافل بين الأوروبيين.

وفي خطابه مساء الأحد، انطلق الرئيس ماكرون من الرؤية الشاملة التي توفرها «الوثيقة» ليقنع الفرنسيين بأن عليهم مواجهة الخطر القادم وعدم التردد في بذل التضحيات «دفاعا عن حريتهم» في كافة المجالات. وبنظره، فإن «حريات الشعوب تهاجمها (الدول ذات النزعات) الإمبريالية وتلك الساعية لضم أراضي (الآخرين، فيما قواعد الحرب يتم محوها بالقفز فوق القانون الدولي والقضاء على آمال السلام في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا...». وتوجه ماكرون إلى الأوروبيين قائلا: «لنكن واضحين: يتعين علينا نحن الأوروبيين، من الآن فصاعدا، أن نضمن أمننا بأنفسنا». ومفهوم الأمن، وفق ماكرون، مأخوذ بمعناه الشامل: السياسي، النظامي، الديمقراطي، القيمي، الاقتصادي... كذلك، فإنه يستخدم التهديد بالحرب بمعناه الواسع بحيث يضم الحرب بالمفهوم الكلاسيكي والأخرى الهجينة والدعائية والآيديولوجية وحرب المعلومات والشائعات. بيد أنه يركز على «التهديد الروسي على حدود أوروبا ومن القوقاز وحتى القطب الشمالي، وهو تهديد جاهز ومنظم ودائم ويجب أن نكون قادرين على التعامل معه لأنه يحدد مستقبلنا الأوروبي مع الحاجة إلى تنظيم أنفسنا للرد عليه وردعه من أجل الحفاظ على السلام». ولا ينسى ماكرون تهديد السباق التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية وحرب الفضاء وقعر المحيطات، وكلها تشكل تحديات رئيسية بالنسبة لفرنسا ومعها لأوروبا.

الرئيس الفرنسي يلقي خطاباً بحضور رئيس الحكومة ووزير الدفاع في باريس بمناسبة العيد الوطني (أ.ف.ب)

وإزاء هذا المشهد، يؤكد ماكرون أنه يتعين على فرنسا أن تكون قوية وهي قادرة على ذلك. وقال: «إذا أردت أن تكون حرا في هذا العالم، فعليك أن تكون مهابا. ولكي تكون مهابا، عليك أن تكون قويا». ولكي تكون فرنسا حرة، فإنه يتعين عليها اتخاذ «قرارات تاريخية لمواجهة التهديدات الوجودية ولدرء المخاطر التي تهدد حريتها وحرية مواطنيها». والطريق إلى ذلك تمر عبر «التعبئة العامة» التي تعني أن «تقوم الأمة بكاملها بجهد من أجل الدفاع عن جميع الفرنسيين»، مذكرا بما يتوجب على كل قطاع {عسكري وسياسي واقتصادي ومجتمعي ورسمي وخاص} مع لحظ دور خاص لشريحة الشباب في الدفاع عن الوطن مصالح الأمة.

بيد أن ذلك كله يحتاج إلى تمويلات إضافية. وحرص ماكرون على التذكير بأن الميزانية الدفاعية التي كانت بحدود 32 مليار يورو في عام 2017، أي سنة وصوله إلى قصر الإليزيه، سوف تتضاعف قيمتها مع خروجه منه في عام 2027 بحيث تصل إلى 64 مليار يورو وهي السقف الذي كان مقررا سابقا لعام 2030. لكن ماكرون قرر تسريع الهدف من خلال تخصيص مبلغ إضافي من 3.5 مليار يورو لميزانية الدفاع في عام 2026 و3 مليارات للعام التالي. لكن السؤال يبقى: كيف الحصول على هذه المبالغ فيما الحكومة برئاسة فرنسوا بايرو تجهد للحصول على توفير 40 مليار يورو من ميزانية العام المقبل؟

دبابات «لوكلير» في العرض العسكري (أ.ف.ب)

السؤال يثير الحيرة. فماكرون يرفض الاستدانة ويراهن على النمو الاقتصادي لزيادة مداخل الدولة. وإذا كان يتحاشى الحديث المباشر عن فرض ضرائب جديدة، إلا أنه يوحي بذلك من خلال قوله إنه «مطلوب من الجميع جهد محدود ومؤقت للمحافظة على أمننا واستقلالنا»، ما يوحي بأنه يتحدث عن ضرائب إضافية سيتم فرضها.

هل نجح ماكرون في إقناع مواطنيه؟ السؤال مطروح. والإجابة تختلف من جهة إلى أخرى. لكن الثابت أن ماكرون يجهد ليزرع في أذهان مواطنيه أن زمن السلام المؤكد الذي عرفته أوروبا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية قد اندثر بلا رجعة وأنه يتعين التكيف مع المعطيات الجديدة. ولذا ثمة ثمن يجب أن يدفع وواجب الجميع أن يساهم فيه.


مقالات ذات صلة

الشرع يبحث في اتصالين مع إردوغان وماكرون مستجدات الأوضاع في حلب

العالم العربي 
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)

الشرع يبحث في اتصالين مع إردوغان وماكرون مستجدات الأوضاع في حلب

ذكرت الرئاسة السورية أن الرئيس أحمد الشرع بحث في اتصالين هاتفيين مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون مستجدات الأوضاع في حلب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
تحليل إخباري الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)

تحليل إخباري ماكرون يرفض «الانهزامية» و«الاستعمار الجديد»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هاجم الرئيس دونالد ترمب من غير أن يسميه، واستخدم لغة حادّة ترفض «الانهزامية» و«التبعية» و«الاستعمار الجديد» و«تقاسم العالم».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً أمام السفراء الفرنسيين في قصر الإليزيه بباريس 8 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ماكرون: أميركا «تتخلى تدريجياً» عن حلفاء... و«تتجاهل القواعد الدولية»

أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، عن أسفه لأن الولايات المتحدة «تتخلى تدريجياً» عن حلفاء لها، و«تتجاهل القواعد الدولية».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (إ.ب.أ)

ماكرون: التوصل إلى بيان أمني يصادق عليه حلفاء أوكرانيا بما فيهم أميركا «خطوة مهمة»

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن التوصل إلى بيان أمني يصادق عليه حلفاء أوكرانيا، بما فيهم الولايات المتحدة، يمثل «خطوة مهمة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال خطابه بمناسبة العام الجديد (رويترز)

ماكرون يتعهّد العمل حتى «آخر ثانية» من ولايته

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، إنه سيبقى في المنصب حتى «آخر ثانية» من ولايته الثانية، في خضم أزمة سياسية داخلية مستمرة تخلّلتها دعوات لاستقالته.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مقتل شخصين وإصابة آخرين في ضربات روسية على كييف

رجال إطفاء في موقع تعرض لغارة روسية بطائرة مسيرة في كييف (رويترز)
رجال إطفاء في موقع تعرض لغارة روسية بطائرة مسيرة في كييف (رويترز)
TT

مقتل شخصين وإصابة آخرين في ضربات روسية على كييف

رجال إطفاء في موقع تعرض لغارة روسية بطائرة مسيرة في كييف (رويترز)
رجال إطفاء في موقع تعرض لغارة روسية بطائرة مسيرة في كييف (رويترز)

أسفرت ضربات روسية على كييف، ليل الخميس-الجمعة، عن مقتل شخصين وإصابة خمسة آخرين، وفق ما أعلن رئيس بلدية العاصمة الأوكرانية فيتالي كليتشكو.

أناس يحتمون في المترو أثناء الهجوم الروسي على كييف (رويترز)

وأفاد كليتشكو على «تلغرام» عن «مقتل شخصين في العاصمة وإصابة خمسة آخرين». وأعلن سلاح الجو حالة التأهب القصوى في كل أنحاء البلاد تحسبا لهجوم صاروخي روسي، مشيراً إلى أن هذه الصواريخ كانت متجهة تحديدا نحو العاصمة.

دخان يتصاعد من مبنى سكني في كييف بعد غارة روسية (رويترز)

من جهته، صرح رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية ميكولا كالاتشنيك، بأن «العدو يشن هجوماً مكثفاً على كييف باستخدام مسيّرات متفجرة».

وفي الغرب، كانت لفيف هدفاً لـ«ضربة صاروخية» خلال الليل، وفق ما قال رئيس إدارة المدينة ماكسيم كوزيتسكي دون الإبلاغ عن أي إصابات.

وبحسب رئيس بلدية المدينة أندري سادوفي، تضررت «بنية تحتية حيوية» لم يحددها.


ماكرون ينتقد تخلّي الولايات المتحدة عن حلفائها... ويرفض «الانهزامية» و«الاستعمار الجديد»

الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)
TT

ماكرون ينتقد تخلّي الولايات المتحدة عن حلفائها... ويرفض «الانهزامية» و«الاستعمار الجديد»

الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)

قاتمة الصورة التي رسمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ظهر الخميس، في الكلمة التي ألقاها أمام سفراء بلاده عبر العالم، بمناسبة مؤتمرهم الثلاثين الذي حلّ في قصر الإليزيه. قاعة الأعياد التي تقع في الطابق الأرضي للقصر الرئاسي كانت ممتلئة تماماً بالوزراء وبعدد من النواب، وخصوصاً بسفراء فرنسا الذين يشكّلون، وفق وزارة الخارجية، ثاني أكبر شبكة دبلوماسية في العالم بعد الولايات المتحدة.

وبعكس ما درج عليه منذ وصوله إلى الرئاسة ربيع عام 2017، امتنع ماكرون عن تناول أزمات العالم، واحدة بعد الأخرى، مُفضّلاً التطرّق لما يعتبره التحديات الكبرى التي تواجهها بلاده ومعها الاتحاد الأوروبي في عالم «خطير ومتحول»، إلا أن ماكرون لم يبخل في توجيه الثّناء للعمل الذي يقوم به ممثلو فرنسا في الخارج، وفي التعبير عن ارتياحه للدور الذي تلعبه على المسرح الدولي، متوقفاً عند النجاحات التي حققتها، وبشكل خاص عند النتائج التي أفرزتها قمة «تحالف الراغبين» الداعم لأوكرانيا التي استضافها الإليزيه، وعند المبادرات الكثيرة التي أطلقتها أو دعمتها، إن كان في إطار الاتحاد الأوروبي - كالدفع باتجاه استراتيجية دفاعية واستقلالية استراتيجية - أو الأمم المتحدة - كالاعتراف بدولة فلسطين - أو بشأن البيئة ومصير المحيطات وتمويل الدول الفقيرة، وخصوصاً الأفريقية.

صورة جماعية للقادة وممثلي الدول الأعضاء في «تحالف الراغبين» الداعم لأوكرانيا الذي التأم في باريس الثلاثاء الماضي (رويترز)

ثمة هاجس يسيطر على الرئيس الفرنسي وعلى الكثيرين من قادة العالم غرباً وشرقاً، اسمه دونالد ترمب، والسياسات التي يمارسها، والأطماع التي لا يخفيها. من هنا، أهمية الانتقادات التي وجّهها الرئيس الفرنسي للولايات المتحدة، من غير أن يسمي نظيره الأميركي بالاسم. والخوف الأكبر الذي يسكن ماكرون عنوانه تهميش أوروبا، وفرنسا في قلبها، وتفكّك الحلف الأطلسي، ونسف المنظمات الدولية، وتقاسم النفوذ في العالم بين قطبين هما الولايات المتحدة والصين، وعودة الأطماع الإمبريالية إلى الواجهة، أكانت روسية (في أوكرانيا)، أم أميركية (في فنزويلا وغرينلاند)، أم صينية (في تايوان).

هل ما زالت واشنطن حليفاً؟

بيد أن سهام ماكرون الأكثر شحذاً وجّهها الرئيس الفرنسي للحليف الأميركي. وما ذكره يشكّل مضبطة اتهام بحق واشنطن والرئيس ترمب.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون في شرم الشيخ يوم 13 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

فالولايات المتحدة، في نظره، قوة «تنصرف تدريجياً عن بعض حلفائها، وتتحرر من القواعد الدولية التي كانت تروّج لها حتى وقت قريب». كذلك، فإن إدارة ترمب تمارس سياسة يصح توصيفها بـ«العدوانية الاستعمارية الجديدة»، ملمّحاً إلى ما قامت به في فنزويلا، وما تنوي تنفيذه في الدنمارك. ولا ينسى ماكرون التنديد بتخلّي واشنطن عن المنظمات الدولية، وعن «التعددية الفعّالة» في إدارة شؤون العالم، وتفضيلها أنانية المصالح الخاصة. وفي رأي ماكرون، فإن «أداء المؤسسات متعددة الأطراف يتراجع بشكل مطّرد؛ إذ نحن نعيش في عالم قوى عظمى لها رغبة حقيقية في تقاسم العالم في ما بينها»، مستهدفاً بكلامه الولايات المتحدة بالطبع، ولكن أيضاً الصين وروسيا.

في خطاب له في بودابست في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024، بمناسبة قمة «المجموعة السياسية الأوروبية»، قال ماكرون ما حرفيته أن «العالم يتكون من فئتين: أكلة اللحوم من جهة، وأكلة الأعشاب من جهة أخرى. وإذا كان قرارنا البقاء كأكلة الأعشاب، فسوف يلتهمنا أكلة اللحوم؛ لذا فمن الأفضل لنا أن نكون (في الوقت عينه) من أكلة الأعشاب وأكلة اللحوم». ويبدو أن ماكرون ما زال عند هذا الرأي، بقوله الخميس: «نحن نرفض الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة، لكننا في المقابل نرفض أيضاً التبعية والانهزامية».

عالم مهزوز

تُبيّن رؤية ماكرون «عالماً يختل نظامه» بسبب امتناع قوى رئيسية فاعلة عن احترام الأسس التي ينهض عليها البناء الدولي القويم. فمقابل الولايات المتحدة التي تحرر رئيسها من قيود القوانين الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول، هناك روسيا التي تشكّل «قوة لزعزعة الاستقرار»، وهناك الصين التي يشكو من سياستَيها الاقتصادية والتجارية. ولخّص الوضع بالتالي: «لدينا (إضافة لروسيا) مشكلة مزدوجة: العدوانية الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية»؛ لذا فإن «وجود الأمرين معاً يعد مشكلة كبيرة».

ماكرون متوسّطاً ستارمر وزيلينسكي في قصر الإليزيه يوم 6 يناير (إ.ب.أ)

للخروج من هذه الصورة المعتمة، ولأنه يرفض الانهزامية والوقوف موقف المتفرج أمام عالم يتداعى؛ فإن الرئيس الفرنسي يقترح مجموعة من الخطوات الضرورية على ثلاثة مستويات: الوطني الفرنسي، والأوروبي، والدولي. ففي ما خصّ المستوى الأول، يؤكد ماكرون أن «الموقف الوحيد المقبول في عالم يفقد القواعد، ويغلب عليه قانون الأقوى، هو أن نؤمن بأننا أقوياء، وأن نحافظ على وحدتنا، وأن نعمل على زيادة مناعتنا، وأن نوسّع دائرة تأثيرنا».

ويضيف الرئيس الفرنسي: «لسنا هنا للنحيب والبكاء على مصير العالم، بل لنعمل ونتحرك»، مُذكّراً بأن فرنسا تتمتع بـ«الاستقلالية الاستراتيجية»، ومُلمّحاً إلى قدراتها النووية، وأنها نجحت في التأثير على الأجندة الأوروبية. وفي نظره، يتعين العمل بشكل «براغماتي»، والدفاع عن المصالح الفرنسية، وتوسيع دائرة التأثير الفرنسي، ورفض التبعية مهما تكن ولأي جهة كانت. وخلاصته أن «ما نجحنا في تحقيقه لفرنسا وفي أوروبا يسير في الاتجاه الصحيح»، لجهة الدفع باتجاه تعزيز القدرات الدفاعية الفرنسية والأوروبية، بما فيها البرامج الصناعية الدفاعية، و«تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية» في مواجهة الولايات المتحدة والصين، سواء في المجال التجاري أو الأمني.

وأكثر من مرة، أراد ماكرون أن يبرز معالم القوة لفرنسا والاتحاد الأوروبي، مذكّراً بأنه يتشكّل من 450 مليون مواطن ومستهلك، وأنه قوة اقتصادية وتجارية قائمة وساعية لتكون قوة استراتيجية.

طموحات ماكرونية

أعرب الرئيس الفرنسي عن طموحاته للاستفادة من ترؤس بلاده «مجموعة السبع» بدءاً من أول يناير (كانون الثاني)، مؤكداً رغبته في جعله محطّة لمكافحة «الاختلالات العالمية» بطريقة «تعاونية»، ولا سيما مع الصين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

وحذّر من أن «مجموعة السبع» يجب ألا تتحول إطلاقاً إلى «نادٍ مناهض لدول (بريكس)»، وهو تكتل آخر يضم «الدول الصاعدة الكبرى» مثل البرازيل وروسيا والهند والصين. ولخّص ما سبق بالقول: «ما تمكنّا من تحقيقه لفرنسا وأوروبا يسير في الاتجاه الصحيح: مزيد من الاستقلال الاستراتيجي، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين». لكن الحقيقة لا تبدو زهرية لهذا الحد، وقد اتّضحت حاجة أوروبا للدور الأميركي عسكرياً واستراتيجياً في أوكرانيا، فضلاً عن ضعفها في وجه الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، والعقوبات التي يهدد بها الأوروبيين في حال أعاقوا عمل الشركات الأميركية الكبرى في المجالات التكنولوجية المتقدمة.

ويسعى ماكرون إلى إصلاح نظام «التعددية الفعّالة» التي يرفضها ترمب تماماً، كما يرفض المنظمات الدولية التي خرج من العديد منها كـ«اليونيسكو» ومنظمة الصحة الدولية، ومن الاتفاقيات الخاصة بالمناخ كاتفاقية باريس لعام 2015. كذلك يريد ماكرون إصلاح عمل الأمم المتحدة والحوكمة العالمية.

إنها، من غير شك، طموحات مشروعة، لكن هل هي قابلة أن تتحول إلى واقع؟ السؤال مطروح، وعلامات الاستفهام عديدة إذا التفتنا إلى أوضاع فرنسا على المستويين السياسي والاقتصادي، وأن البلاد ما زالت متشظية سياسياً، ومنهكة اقتصادياً، ومتوترة اجتماعياً.


موسكو تتوعد باستهداف أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وخلفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وخلفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز)
TT

موسكو تتوعد باستهداف أي قوات غربية يتم نشرها في أوكرانيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وخلفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وخلفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (رويترز)

وصفت موسكو، الخميس، كييف والعواصم الأوروبية الداعمة لها بـ«محور الحرب»، مؤكدة عدم قبولها بالاتفاق بين هذه الدول على نشر قوة حفظ سلام أوروبية في أوكرانيا.

وهددت بأنها ستتعامل بشكل حازم عند ظهور أي قوات تابعة لبلدان حلف شمال الأطلسي على الأراضي الأوكرانية.

ونددت وزارة الخارجية الروسية بإعلان «تحالف الراغبين» عن نيته نشر قوات فصل بعد إبرام اتفاقية سلام في أوكرانيا. وقالت إن الخطوة سوف تشكل «تدخلاً عسكرياً أجنبياً يهدد الأمن الروسي»، متوعدة بالتعامل مع الوحدات أو المنشآت الغربية المنويّ نشرها كـ«أهداف قتالية مشروعة».

صورة تظهر جانباً من قمة «تحالف الراغبين» التي انعقدت الثلاثاء في قصر الإليزيه والهدف منها توفير الدعم لأوكرانيا (رويترز)

وحذرت الناطقة باسم الخارجية، ماريا زاخاروفا، من عواقب القرارات التي تم اتخاذها خلال اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس. وقالت إن التكتل (يضم عشرات البلدان التي تدعم أوكرانيا) يعمل على تأجيج الصراع، بدلاً من السعي إلى معالجة الأسباب الجذرية له، والتعامل مع الأمر الواقع القائم ميدانياً.

وحذرت الدبلوماسية الروسية من أن القرار المتعلق بـ«نشر وحدات عسكرية ومنشآت ومستودعات وغيرها من البنى التحتية التابعة للدول الغربية على الأراضي الأوكرانية يعد تدخلاً عسكرياً أجنبياً مباشراً، يُشكل تهديداً لأمن روسيا ودول أوروبية أخرى». وقالت إن بلادها سوف «تتعامل مع جميع هذه الوحدات والمنشآت كأهداف قتالية مشروعة».

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

وكان رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، قد أعلن، الثلاثاء، أن «تحالف الراغبين» قد اعتمد إعلاناً بشأن نشر القوات فور تحقيق السلام. وأكد أنه في حال وقف إطلاق النار، ستقوم بريطانيا وفرنسا بإنشاء قواعد عسكرية في جميع أنحاء البلاد، وبناء مستودعات للمعدات للقوات المسلحة الأوكرانية.

وشددت زاخاروفا على أن هذه الوثيقة تهدف إلى «زيادة عسكرة أوكرانيا، وتصعيد القتال وتوسيع نطاقه». وشددت على موقف موسكو المعلن بأنه «لا يمكن حل النزاع إلا بعد معالجة أسبابه الجذرية، وعودة الدولة المجاورة إلى وضع عدم الانحياز، والاعتراف بالواقع الإقليمي الجديد». وأضافت الناطقة الروسية أن تلك الأهداف «سوف يتم تحقيقها كاملة؛ إما عبر الدبلوماسية وإما من خلال العمليات العسكرية».

وكانت موسكو أكدت التزامها بدعم المسار السياسي الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها أبدت تحفظات كثيرة على خطة السلام المقترحة، ونددت بما وصفته «تعديلات أوروبية وأوكرانية عليها هدفت إلى تقويض فرص السلام».

ورفضت موسكو خلال جولات الحوار مع الجانب الأميركي أي إشارات إلى دور محتمل لأوروبا في نشر قوات فصل بعد إنجاز اتفاقية سلام مع أوكرانيا. ونددت بمطالب الأوروبيين المتعلقة بالضمانات الأمنية لأوكرانيا في المستقبل.

رغم ذلك أفادت تقارير بعد جولات مفاوضات أميركية - أوكرانية في برلين الشهر الماضي، بأن الدول الغربية وافقت على تقديم ضمانات أمنية لكييف مماثلة للمادة 5 من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو).

من اليمين: ستارمر وماكرون وزيلينسكي (إ.ب.أ)

ولم يتم التطرق إلى أي تفاصيل محددة عن القوة وخطة عملها. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنه لم يتلقَّ بعد إجابة «قاطعة» بشأن الإجراءات التي ستُتّخذ في حال شنّت روسيا هجوماً جديداً. وأكدت أوكرانيا أن أصعب مسألتين في أي اتفاق محتمل لإنهاء الصراع، وهما السيطرة على منطقة دونباس الشرقية ومستقبل محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا، لا تزالان من دون حل.

وأعلن زيلينسكي، الخميس، عبر منصة «إكس» أن «الوثيقة الثنائية المتعلقة بالضمانات الأمنية لأوكرانيا باتت جاهزة عملياً لوضع اللمسات الأخيرة عليها على أعلى مستوى مع رئيس الولايات المتحدة».

جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

وفي أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أجرى ترمب محادثات مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا. وأعلن بعدها بأن الجانبين توصلا إلى تفاهم بشأن 95 في المائة من القضايا.

وأبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعمه لحزمة عقوبات مشددة تهدف إلى شل الاقتصاد الروسي، في وقت تواصل فيه إدارته التفاوض للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ضد أوكرانيا.

وقال ليندسي غراهام، السيناتور الجمهوري عن ولاية ساوث كارولاينا، إنه التقى ترمب في البيت الأبيض، الأربعاء، حيث أعطى الرئيس «الضوء الأخضر» لمشروع قانون العقوبات على روسيا الذي يجري العمل عليه منذ أشهر. كما أكد مسؤول في البيت الأبيض لوكالة «أسوشييتد برس»، الأربعاء، أن الرئيس يدعم بالفعل تشريع العقوبات. ويتيح مشروع القانون، الذي صاغه بشكل رئيسي غراهام والسيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال عن ولاية كونيتيكت، للإدارة الأميركية فرض رسوم جمركية وعقوبات ثانوية على الدول التي تشتري النفط والغاز واليورانيوم الروسي وغيرها من الصادرات، في خطوة تهدف إلى قطع مصادر تمويل جزء كبير من العمليات العسكرية الروسية.

صورة في البيت الأبيض تضم الرئيسين دونالد ترمب وزيلينسكي وقادة أوروبيين 18 أغسطس 2025 بمناسبة محادثات حول أوكرانيا (رويترز)

وكان البيت الأبيض أصر في السابق على إدخال بعض التعديلات، ومنح ترمب قدراً من المرونة في حزمة العقوبات، إلا أن المسؤول لم يوضح، الأربعاء، ما إذا كان قد تم التوصل إلى أي تغييرات في هذا الشأن.

وقال ​المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الخميس، إن على أوروبا أن ترفع ‌ثمن الحرب ‌في ‌أوكرانيا ⁠لإجبار ​روسيا ‌على قبول وقف إطلاق النار.

وأضاف ميرتس بعد محادثات في مؤتمر حزبي: «⁠لا يزال ‌وقف إطلاق النار غير مطروح على جدول الأعمال، وهذا واضح تماماً؛ لأن روسيا ​لا تريده». وتابع: «لذلك سيتعين علينا الاستمرار في ⁠رفع ثمن هذه الحرب، ويجب أن تدرك روسيا أنه لا جدوى من استمرارها».

وميدانياً، ذكرت وكالات أنباء روسية، الخميس، نقلاً عن وزارة الدفاع، أن ‌القوات الروسية ‌نفذت ضربات ‌على ⁠منشآت ​للطاقة ‌وبنية تحتية لموانٍ يستخدمها الجيش الأوكراني. وأضافت الوكالات أن القوات الروسية سيطرت ⁠على قرية ‌براتسكي في منطقة دنيبروبيتروفسك الأوكرانية. وقالت أوكرانيا إن الضربات ⁠الروسية أغرقت منطقتين في جنوب شرقي البلاد في ظلام شبه تام خلال الليل.

ملف أوكرانيا يثير خلافات أميركية - أوروبية (أ.ب)

وذكرت وزارة الطاقة الأوكرانية، الخميس، أن منطقتي دنيبروبيتروفسك وزابوريجيا انقطعت عنهما الكهرباء بشكل شبه كامل، حيث لا يزال نحو 800 ألف شخص دون كهرباء في منطقة دنيبروبيتروفسك، صباح الخميس. وقالت الوزارة إن أعمال الإصلاح جارية لإعادة ربط المناطق بشبكة الكهرباء لتوفير الإنارة والتدفئة. ووفقاً للسلطات، فقد تمت إعادة التيار الكهربائي والتدفئة في منطقة زابوريجيا. ووصف الحاكم إيفان فيدوروف ما حدث بأنه أول انقطاع كامل للكهرباء يشمل المنطقة بأكملها منذ سنوات.

وكتب زيلينسكي، في منشور على منصة «إكس»: «لا ⁠يوجد أي مبرر ‌عسكري على الإطلاق لمثل هذه الضربات على قطاع الطاقة والبنية التحتية التي تترك الناس دون كهرباء ​وتدفئة في فصل الشتاء». وأضاف زيلينسكي ⁠أن العملية الدبلوماسية الجارية لإنهاء الحرب يجب ألا تؤثر على توريد أنظمة الدفاع الجوي والمعدات إلى أوكرانيا.

وذكر إشعار صادر عن شركة «لويدز ليست إنتليجنس» ومصدر منفصل في قطاع الأمن البحري، ​الخميس، أن ناقلة نفط كانت في طريقها إلى روسيا تعرضت لهجوم بمسيرات في البحر الأسود، الأربعاء، مما دفع الناقلة إلى طلب المساعدة من خفر السواحل التركي وتحويل مسارها.

وقالت شركة «لويدز ليست إنتليجنس» المتخصصة في بيانات الملاحة البحرية، إن السفينة إلبوس «تعرضت ‌لهجوم بزورق صغير مسير وطائرة ‌مسيرة»، ⁠استهدف ​غرفة ‌المحركات. وأضافت أن الواقعة لم تسفر عن الإبلاغ عن وقوع أي إصابات بين أفراد الطاقم البالغ عددهم 25 فرداً، ولا عن أي تلوث. ووصف المصدر الأمني استناداً إلى تقييم مبدئي الهجوم بأنه هجوم بمسيرات، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

على صعيد آخر، وصفت الخارجية الروسية احتجاز ناقلة النفط «مارينر»، الأربعاء، من قبل الجيش الأميركي بأنه انتهاك خطير للقانون البحري الدولي.

وجاء في بيان نشرته الوزارة على موقعها الإلكتروني أنه «لا يمكن تفسير صعود أفراد الجيش الأميركي إلى سفينة سلمية في أعالي البحار، واحتجازها فعلياً، وأسر طاقمها، إلا على أنه انتهاك صارخ للمبادئ والقواعد الأساسية للقانون البحري الدولي، فضلاً عن حرية الملاحة. وهذا يُعدّ تعدياً جسيماً على الحقوق والمصالح المشروعة لمالك السفينة».

وأكدت الوزارة أن الولايات المتحدة «تلقت مراراً وتكراراً معلومات تفيد بأن الناقلة روسية الأصل، وأنها مدنية».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً الأمين العام للحلف الأطلسي مارك روته على مدخل القصر الرئاسي (رويترز)

وطالبت السلطات الأميركية بضمان معاملة المواطنين الروس على متنها معاملة كريمة، وعدم عرقلة عودتهم إلى وطنهم. كما دعت إلى العودة إلى مبادئ الملاحة البحرية، والوقف الفوري للأعمال غير القانونية ضد «مارينر». وحذرت من أن «استعداد واشنطن لإثارة أزمات دولية حادة، بما في ذلك ما يتعلق بالعلاقات الروسية - الأميركية، المتوترة أصلاً بسبب الخلافات خلال السنوات القليلة الماضية، أمر مؤسف ومثير للقلق».

وفي السياق ذاته، لفتت زاخاروفا إلى أن «حادثة ناقلة النفط (مارينر) قد تؤدي إلى تصعيد إضافي للتوترات العسكرية والسياسية في منطقة أوروبا الأطلسية».

ورأت أن الخطوة الأميركية باحتجاز الناقلة قد تفتح على تدابير مماثلة من جانب بلدان أخرى، وزادت: «قد تستلهم دول أخرى من النموذج الأميركي مع (مارينيرا)، بريطانيا على وجه الخصوص المشحونة بأفكار خبيثة».

ماكرون مع كوستا (أ.ب)

وقالت زاخاروفا إن تهديدات الولايات المتحدة بمقاضاة طاقم ناقلة النفط غير مقبولة على الإطلاق. وزادت أن بلادها قدمت احتجاجاً رسمياً للولايات المتحدة في هذا الشأن.

وفي وقت سابق، ذكرت وزارة النقل الروسية، في بيان، أن «قوات البحرية الأميركية صعدت، الأربعاء، نحو الساعة الثالثة مساء بتوقيت موسكو، على متن السفينة في عرض البحر خارج المياه الإقليمية لأي دولة، وانقطع الاتصال بها»، مشيرة إلى أنه وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، تسري حرية الملاحة في البحار، ولا يحق لأي دولة استخدام القوة ضد السفن المسجلة رسمياً في المياه الإقليمية لدول أخرى. وأشارت وزارة الخارجية الروسية إلى أن «مارينر» كانت تعمل في المياه الدولية لشمال المحيط الأطلسي وفقاً للقانون البحري. كما لفتت الانتباه إلى «المراقبة الدقيقة غير المبررة التي خضعت لها السفينة من قبل أفراد عسكريين أميركيين وعسكريين من حلف شمال الأطلسي».

في المقابل، أشارت معطيات غربية إلى أن السفينة احتُجزت لانتهاكها عقوبات أميركية مفروضة. وفي تعليقه على الحادث، صرّح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأن الحصار المفروض على النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات لا يزال سارياً في جميع أنحاء العالم. ووفقاً للمتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، قد يواجه طاقم الناقلة اتهامات جنائية.