«الوضع أشبه بالفرن»... موجة حرارة غير مسبوقة في أوروبا (صور)

إغلاق مدارس ومعالم سياحية... والأمم المتحدة تصف الحر بـ«القاتل الصامت»

صبي يبرّد جسده في روما (رويترز)
صبي يبرّد جسده في روما (رويترز)
TT

«الوضع أشبه بالفرن»... موجة حرارة غير مسبوقة في أوروبا (صور)

صبي يبرّد جسده في روما (رويترز)
صبي يبرّد جسده في روما (رويترز)

تجتاح أوروبا موجة حرّ غير مسبوقة في بداية موسم صيف 2025، وتثير مخاوف واسعة وسط تحذيرات من السلطات الصحية والأرصاد الجوية في دول عدة. وسُجّلت درجات حرارة قياسية في إنجلترا، وإسبانيا، والبرتغال، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا؛ حيث بلغ متوسط الحرارة في بعض المناطق أكثر من 40 درجة مئوية، متجاوزة الأرقام القياسية السابقة لشهر يونيو (حزيران).

وتزامنت هذه الموجة مع حوادث مؤلمة، مثل وفاة شخصَيْن في فرنسا، وآخرَيْن بينهما طفل في إسبانيا، ووفاة امرأة في إيطاليا يُرجح أنها بسبب ضربة شمس. واندلعت حرائق غابات في كاتالونيا والبرتغال، وأُجبر آلاف السكان على ملازمة منازلهم. من جهتها، أعلنت فرنسا إغلاق أكثر من 1300 مدرسة كلياً أو جزئياً، وفرضت قيوداً على الحركة والنشاطات الخارجية.

وأُطلقت تنبيهات من الحرّ الشديد الذي وصفته الأمم المتحدة بـ«القاتل الصامت»، يوم الثلاثاء، في البرتغال واليونان وكرواتيا، وصولاً إلى ألمانيا والنمسا وسويسرا، بعد أن حطّم شهر يونيو الذي كان شديد الحرارة، الأرقام القياسية، متجاوزاً المتوسط الطبيعي ليوليو (تموز) وأغسطس (آب)، وكذلك الرقم القياسي السابق لشهر يونيو البالغ 22.8 درجة مئوية والمسجل عام 2017.

يظهر مقياس حرارة ضخم مثبت على جدار مقر اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ درجة حرارة 39 مئوية خلال موجة حر في جميع أنحاء أوروبا ببون في ألمانيا (رويترز)

وفي سياق متصل، ذكرت هيئة «كوبرنيكوس» المعنية بتغير المناخ والتابعة للاتحاد الأوروبي، أن أوروبا أسرع قارات العالم ارتفاعاً في درجات الحرارة؛ إذ ترتفع درجة حرارتها بمثلَي المتوسط العالمي، في حين تحدث موجات الحر الشديدة في وقت مبكر من العام وتستمر لأشهر لاحقة.

ظاهرة «القبة الحرارية»

تُعزى هذه الموجة الحادة إلى ظاهرة «القبة الحرارية» التي تحبس الهواء الساخن فوق القارة الأوروبية، وإلى ارتفاع درجات حرارة سطح البحر الأبيض المتوسط بشكل غير اعتيادي. وقد حذّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن هذه الظواهر ستصبح أكثر تواتراً وحدّة بفعل التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري، مما يستدعي التأهب والتكيّف طويل الأمد.

وأكد الخبير في علم المناخ بجامعة سانت أندروز في اسكوتلندا، مايكل بيرن، أن ظاهرة القباب الحرارية -عندما يُحبس الهواء الدافئ في الغلاف الجوي- ليست بالأمر الجديد. وأضاف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الجديد هو درجات الحرارة التي تُحدثها القباب الحرارية. فالحرارة في أوروبا أعلى بدرجتَيْن مئويتَيْن مما كانت عليه في العصر ما قبل الصناعي؛ لذا عندما تحدث قبة حرارية تتسبّب بموجة حر أشد».

رجل يساعد كلبه لتبريده بسبب درجات الحرارة المرتفعة في فيينا (أ.ف.ب)

ووسط هذه الظروف، شدّدت وكالات الأرصاد على أهمية التحذيرات المبكرة وخطط الطوارئ، في حين كثّفت فرق الإغاثة الأوروبية جهودها لمساعدة الفئات الأكثر هشاشة. ويجمع الخبراء على أن موجات الحر هذه تمثّل مؤشراً مقلقاً لتسارع التغير المناخي في القارة الأوروبية.

إنجلترا

شهدت إنجلترا شهر يونيو الأكثر حرّاً منذ بدء تدوين درجات الحرارة اليومية سنة 1884، مع متوسّط حرارة بلغ 34 درجة مئوية، بعد ربيع كان الأكثر دفئاً، وفق ما أعلنت هيئة الأرصاد الجوية أمس (الثلاثاء).

سيدة تتناول المثلجات في لندن (إ.ب.أ)

وجاء في بيان صادر عن الهيئة أن شهر يونيو الثاني الأكثر حرّاً في عموم بريطانيا منذ 2023 «مع موجتي حرّ وحرارة مرتفعة في نهاية الشهر».

صورة لدرجات الحرارة في إنجلترا كما نشرها مكتب الحكومة البريطانية

وواجهت معظم أنحاء إنجلترا تحذيرات من ارتفاع شديد في درجات الحرارة هذا الأسبوع؛ حيث شهد يوم الاثنين أعلى بداية مُسجّلة لبطولة ويمبلدون؛ إذ ارتفعت درجات الحرارة إلى 33.1 درجة مئوية في هيثرو، و32.9 درجة مئوية في حدائق كيو، وفق صحيفة «إندبندنت».

الحر يقتل في إسبانيا

وأعلنت فرق الإطفاء الإسبانية، أمس (الثلاثاء)، العثور على جثتَيْن إثر حريق اندلع في مقاطعة لاردا بإقليم كاتالونيا (شمال شرق) في خضمّ موجة حر شديدة تشهدها البلاد. وقالت خدمات الإطفاء والطوارئ، في بيان، إنّ «فرق الإطفاء عثرت على شخصَيْن ميتَيْن» بالقرب من بلدة كوسكو.

وفي منشور على منصة «إكس»، عبّر رئيس حكومة إقليم كاتالونيا، سلفادور إيلا، عن «استيائه» من مصرع هذَيْن الشخصَيْن.

وكان الإقليم شهد أيضاً وفاة طفل يبلغ من العمر عامَيْن، بعدما تُرك ساعات عدة في سيارة مركونة تحت أشعة الشمس في مدينة فالس، شمال تاراغونا. وأمرت سلطات الإقليم، الثلاثاء، نحو 14 ألف شخص بملازمة منازلهم بسبب هذا الحريق، وحريق آخر اندلع في الوقت نفسه تقريباً في مقاطعة لاردا.

وفي العاصمة الإسبانية مدريد، «الوضع أشبه بالفرن»، على حدّ قول الصحافية دانييلا دافيلا التي أصلها من أليكانتي.

البرتغال

سجلت البرتغال حراً قياسياً لشهر يونيو؛ إذ بلغت الحرارة 46.6 درجة مئوية في مورا، على بُعد نحو 100 كيلومتر شرق لشبونة، وفقاً لبيانات أعلنتها أمس (الثلاثاء) الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية.

وقال المعهد البرتغالي للبحار والغلاف الجوي، إن الرقم القياسي السابق سُجل عام 2017 في الكاسير دو سال (جنوب غرب)، مضيفاً أن 37 في المائة من محطات الأرصاد الجوية التابعة له سجلت درجات حرارة أعلى من 40 درجة مئوية يوم الأحد.

سائحون على شاطئ في مدينة لشبونة بالبرتغال (أ.ف.ب)

وُضعت مناطق عدة، بما في ذلك المناطق المحيطة بالعاصمة لشبونة، في حالة تأهب قصوى في اليومَيْن الماضيَيْن، بسبب موجة الحر التي اجتاحت معظم أنحاء أوروبا.

وظلّت ثماني مناطق داخلية لدى البرتغال في ثاني أعلى مستوى من التأهب، مع أعلى خطر لاندلاع حرائق غابات، خصوصاً مناطق الغابات في وسط البلاد وشمالها.

ألمانيا... أعلى درجة حرارة هذا العام

وفي ألمانيا، سجلت خدمة الأرصاد الجوية أعلى درجة حرارة في البلاد هذا العام حتى الآن؛ حيث بلغت 37.8 درجة مئوية مساء يوم الثلاثاء في مدينة كيتسينغن بولاية بافاريا، وفقاً لقياسات أولية، حسب ما صرح به متحدث باسم الهيئة. وبذلك تجاوزت هذه الدرجة الرقم القياسي السابق المسجل هذا العام في منطقة بورباخ بمدينة زاربروكن، الذي بلغ 36.2 درجة مئوية في 22 يونيو، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

يستخدم الناس مراوح يدوية في أثناء مرورهم أمام كاتدرائية كولونيا خلال يوم صيفي حار بكولونيا في ألمانيا (رويترز)

وأشار المتحدث إلى أن درجات الحرارة ستبقى مرتفعة في الوقت الحالي، مضيفاً أن الرقم القياسي المسجل في كيتسينغن قد يتم تجاوزه بالفعل اليوم (الأربعاء)؛ حيث يُتوقع أن ترتفع الحرارة أكثر قليلاً. وقال: «حينها سنصل إلى الذروة، ومن الممكن جداً أن نصل محلياً إلى نحو 40 درجة مئوية».

وحسب خدمة الأرصاد، من المتوقع أن تشهد بعض مناطق الجنوب بعد ظهر اليوم (الأربعاء) عواصف رعدية متفرقة، في حين ستتزايد العواصف الرعدية مصحوبة بأمطار غزيرة وبرد ورياح عاتية بدءاً من ساعات المساء في الشمال الغربي وبعض مناطق الشمال. ومن المتوقع أن تبدأ درجات الحرارة الانخفاض الطفيف بدءاً من يوم الخميس، مع تحذيرات محلية من سوء الأحوال الجوية، خصوصاً بسبب هطول أمطار غزيرة.

فرنسا... إغلاق المدارس وبرج إيفل

وفي فرنسا، تُوفي شخصان «نتيجة أمراض مرتبطة بالحر»، حسبما أفادت وزيرة الانتقال البيئي أنييس روناشير، يوم الأربعاء، وقالت روناشير: «تمّ نقل أكثر من 300 شخص إلى الرعاية الطارئة من قبل عناصر الإطفاء، وتُوفي اثنان نتيجة أمراض مرتبطة بالحر».

ومنذ ظهر أمس (الثلاثاء)، باتت باريس المعروفة بكثافتها الحضرية وقلّة المساحات الخضراء فيها في حالة تأهّب قصوى من الدرجة الحمراء، وذلك للمرّة الأولى منذ خمس سنوات. ومع حرارة متوقّعة بحدود 38 درجة، حُظر استخدام السيّارات الملوّثة، وأُغلق الجزء العلوي من برج إيفل، وباتت المتنزّهات مفتوحة في الليل أيضاً.

مواطنون يبرّدون أجسادهم بسبب موجة الحرارة غير المسبوقة في فرنسا (أ.ف.ب)

ولم تنخفض الحرارة، يوم الاثنين، دون 27 درجة في شوارع باريس، وذكرت هيئة الأرصاد الجوية (ميتيو فرانس) أنه من المتوقع أن تبلغ درجات الحرارة ذروتها، يوم الثلاثاء، إذ ستتراوح بين 40 و41 درجة مئوية في بعض المناطق وبين 36 و39 درجة مئوية في مناطق أخرى عديدة. وتتخذ 16 مقاطعة أعلى مستوى من التأهب ابتداء من الظهيرة، في حين تتخذ 68 مقاطعة ثاني أعلى مستوى.

وأعلنت وزارة التعليم الفرنسية أن نحو 1350 مدرسة ستُغلق كلياً أو جزئياً بسبب الحر، بزيادة ملحوظة عن نحو 200 مدرسة يوم الاثنين.

مواطنون يبرّدون أجسادهم أمام برج إيفل في فرنسا (إ.ب.أ)

وأُغلق الطابق العلوي من برج إيفل يوم الثلاثاء، وكذلك يوم الأربعاء، مع التنبيه على الزوار بشرب كميات كافية من المياه.

وأدت الحرارة الشديدة أيضاً إلى زيادة خطر اندلاع حرائق الحقول تزامناً مع حصاد المزارعين في فرنسا محصول هذا العام. وفرنسا أكبر منتج للحبوب في الاتحاد الأوروبي.

سائحة تستخدم قبعة شمسية صغيرة لحماية نفسها من الشمس خلال موجة حر في ساحة تروكاديرو قرب برج إيفل (أ.ف.ب)

ولتجنّب الحصاد خلال ذروة درجات الحرارة بعد الظهيرة، عمل الكثير من المزارعين طوال الليل. وحظرت السلطات العمل في الحقول بين الساعة الثانية ظهراً والسادسة مساء في منطقة إندر وسط فرنسا التي شهدت موجة من حرائق الحقول منذ أواخر يونيو.

إلى ذلك، قالت شركة السكك الحديدية الوطنية الفرنسية إن رحلات القطارات بين فرنسا وإيطاليا توقفت «لأيام عديدة على الأقل» بعد العواصف العنيفة أول من أمس (الاثنين)، حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

إيطاليا تقلص العمل في الخارج

حظرت مناطق إيطالية عدة العمل في الهواء الطلق خلال ساعات النهار الأشد حرارة، وفي الوقت نفسه، أصدرت إيطاليا تحذيرات من الموجة الحارة في 17 مدينة، من بينها ميلانو وروما.

عامل يأخذ استراحة في أثناء عمله بموقع بناء طريق في ميلانو الإيطالية وسط درجات حرارة مرتفعة بشكل غير مسبوق في أوروبا (أ.ب)

وفي صقلية، أفادت وكالات أنباء بأن امرأة (53 عاماً) تعاني من مرض في القلب تُوفيت في أثناء سيرها بمدينة باجيريا، ومن المحتمل أن يكون ذلك بسبب ضربة شمس.

أُغلق متجر في وسط فلورنسا بسبب انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي نتيجة موجة الحر في إيطاليا (إ.ب.أ)

وأفادت التقارير بغرق رجل يبلغ من العمر 70 عاماً في منتجع سياحي بالقرب من تورينو؛ حيث أدت الحرارة الشديدة إلى عواصف وسيول مفاجئة، حسبما نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

سيدة تغطّي وجهها من موجة الحرارة الشديدة في روما (رويترز)

وارتفعت حالات دخول وحدات الطوارئ في المستشفيات في أجزاء من إيطاليا بنسبة 15-20 في المائة خلال الأيام الأخيرة. وغالبية المرضى من كبار السن الذين يعانون من الجفاف.

هولندا وبلغاريا

وفي هولندا، أغلقت المدارس في روتردام وبربنت أبوابها ظهراً، مع توقّع بلوغ الحرارة 38 درجة، وهو مستوى غير معهود في البلد.

وفي بروكسل، أغلق معلم الأتوميوم الشهير بعد ظهر الثلاثاء ولغاية الأربعاء، بسبب اشتداد حرارة كراته المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ.

معلم الأتوميوم الشهير في بروكسل (د.ب.أ)

وتعرّض موجة الحرّ هذه «ملايين الأوروبيين لإجهاد حراري شديد»، حسب «بورغيس» التي تقرّ بتكيّف المدن مع هذه الظاهرة، لكن بوتيرة بطيئة جدّاً. وتقول سامانتا بورغيس، عالمة المناخ في مرصد «كوبيرنيكوس» الأوروبي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذا الحدث غير اعتيادي... فهو يأتي في فترة مبكرة جدّاً من الصيف وفاقمه التغيّر المناخي على الأرجح».

وتلفت سامنتا بورغيس إلى أن «الحرارة في أوروبا ترتفع بوتيرة أسرع من المعدّل العالمي» بسبب قرب القارة من أركتيكا التي تشتدّ حرارتها بوتيرة أسرع بواقع 3 إلى 4 مرّات، لكن أيضاً للمفارقة بسبب تحسّن نوعية الهواء إثر التشريعات البيئية المعتمدة. فانخفاض الهباء الجوّي الملوّث الذي يعود بالنفع على الأوروبيين يعني أيضاً أن «السماء باتت أكثر انقشاعاً»، مما يسفر عن مزيد من الحر، حسب العالمة.

تركيا

وأجبرت موجة الحر عشرات الآلاف من الناس على إخلاء منازلهم في تركيا بسبب حرائق الغابات.

مواطنون ورجال إطفاء خلال اندلاع حريق في إزمير التركية (أ.ف.ب)

واشتعلت الحرائق، يوم الأحد، حول إزمير بسبب ارتفاع درجات الحرارة، وحذّر وزير الزراعة والغابات التركي من ازدياد شدة الرياح في الأيام المقبلة. وأشار إلى أن ستة حرائق لا تزال مشتعلة في البلاد، تغذّيها رياح قوية من المرجح أن تشتد في الأيام المقبلة، لا سيما في منطقتي هاتاي وأنطاكيا (جنوب)، «الأكثر إشكالية»، حسب الوزير.

تشهد تركيا التي بقيت في الأيام الأخيرة بمنأى عن ارتفاع الحرارة الذي ضرب جنوب أوروبا، موجات جفاف متكررة بسبب تغير المناخ.


مقالات ذات صلة

8 طرق للنوم جيداً في الطقس الحار

صحتك سيدة تغطي وجهها من أشعة الشمس الحارة في روما (رويترز)

8 طرق للنوم جيداً في الطقس الحار

لا تجفف الملابس داخل المنزل ولا توجه المروحة باستمرار نحو الوجه أثناء النوم... إليك أبرز النصائح من أجل تبريد هواء المنزل قبل النوم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق ملاذٌ صنعته القرون لا التكنولوجيا (أ.ف.ب)

كهوف تحت الأرض في فرنسا تتحدَّى موجات الحرّ

تتوافر أماكن إقامة أخرى مثل هذه هجرها السكان، لكنها ستكون صالحة للسكن مجدّداً إذا خضعت لإعادة تأهيل...

«الشرق الأوسط» (ترو فرنسا)
رياضة عالمية أوغستين نجم الأوروغواي يرطب نفسه برش الماء على وجهه في مباراة السعودية (أ.ب)

مواجهة السعودية والأوروغواي… كانت الأكثر قسوة مناخياً بين أول 24 مباراة في مونديال 2026

كشف تحليل أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية أن مباراتين من الجولة الأولى لنهائيات كأس العالم 2026 أُقيمتا في ظروف حرارية وصفت بأنها «شديدة الخطورة».

«الشرق الأوسط» (ميامي)
يوميات الشرق شروق الشمس في مدينة تولوز بفرنسا (أ.ف.ب)

ما الانقلاب الصيفي؟ ولماذا هو أطول يوم في السنة؟

النصف الشمالي من الكرة الأرضية على موعد مع الانقلاب الصيفي هذا الأسبوع، إيذاناً بالبداية الرسمية للصيف فلكياً، فماذا نعرف عنه؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم أشخاص بينهم طفل يشربون المياه التي يوزعها متطوعون وسط الموجة الحارة في مدينة جاكوب آباد بباكستان في وقت سابق هذا الشهر (أ.ف.ب)

تقرير أممي: 1.1 مليار طفل حول العالم يواجهون 3 أخطار مناخية متزامنة

يتعرض ما يقرب من نصف أطفال العالم، أي نحو 1.1 مليار طفل، لثلاثة أخطار مناخية متداخلة على الأقل، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف).

«الشرق الأوسط» (برلين)

ضغوط الاستقالة تحاصر ستارمر... وترمب يستبق قراره

ترمب وستارمر على هامش أعمال قمة السبع في إيفيان شرق فرنسا يوم 16 يونيو (أ.ف.ب)
ترمب وستارمر على هامش أعمال قمة السبع في إيفيان شرق فرنسا يوم 16 يونيو (أ.ف.ب)
TT

ضغوط الاستقالة تحاصر ستارمر... وترمب يستبق قراره

ترمب وستارمر على هامش أعمال قمة السبع في إيفيان شرق فرنسا يوم 16 يونيو (أ.ف.ب)
ترمب وستارمر على هامش أعمال قمة السبع في إيفيان شرق فرنسا يوم 16 يونيو (أ.ف.ب)

فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب البريطانيين، الأحد، بمنشور حول مستقبل رئيس الوزراء كير ستارمر، في خطوة عدّها كثيرون خرقاً للأعراف الدبلوماسية مع «الحليف الأقرب».

وقال ترمب، على منصته «تروث سوشال»: «سيستقيل كير ستارمر من منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة. لقد فشل بشدة في مسألتين بالغتي الأهمية: الهجرة والطاقة ــ افتحوا نفط بحر الشمال! أتمنى له التوفيق! الرئيس دي جيه تي».

ويواجه ستارمر، الذي يتعرض لضغوط شديدة داخل حزب العمال، لحظة حاسمة في مسيرته السياسية: إما التنحي، أو خوض مواجهة محتملة مع منافسه داخل الحزب آندي بورنهام.

ورغم أن ستارمر تعهّد علناً بالبقاء في منصبه، فإن الضغوط تزداد عليه، مع اقتناع عدد متزايد من زملائه في حزب العمال بأن وقته في رئاسة الحكومة قد انتهى. وتزداد التوقعات بأنه قد يعلن جدولاً زمنياً لاستقالته في وقت مبكر من يوم الاثنين، وهو اليوم نفسه الذي سيؤدي فيه بورنهام اليمين نائباً في مجلس العموم، بعد فوزه في انتخابات فرعية، الأسبوع الماضي.

قرار ستارمر

وقال وزير الأعمال بيتر كايل، الأحد، إن ستارمر «يأخذ وقتاً للتفكير في الحقائق السياسية والتحديات والفرص التي يجد نفسه أمامها». وأضاف كايل لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «أعرف أنه رئيس وزراء يضع بلاده دائماً في المقام الأول»، لكنه شدّد على أن التقارير التي تتحدث عن استقالة ستارمر تبقى «تكهنات».

ستارمر ونائبه ديفيد لامي في شمال لندن يوم 19 يونيو (أ.ب)

ويقضي ستارمر عطلة نهاية الأسبوع في تشيكرز، المقر الريفي لرؤساء الوزراء البريطانيين، مع عائلته. ولم يقدّم أي إشارة علنية بشأن قراره، لكنه نشر رسالة بمناسبة عيد الأب على وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب على منصة «إكس»: «كوني أباً هو أعظم أفراحي. اليوم أفكر في والدي، وفي الأب الذي أصبحت عليه لأطفالي بفضله».

وتدخّل ترمب في المشهد حتى قبل أي إعلان رسمي، رابطاً احتمال خروج ستارمر من السلطة باثنتين من القضايا التي يكرر انتقادها: الهجرة والطاقة المتجددة.

وإذا استقال ستارمر، فسيكون سادس رئيس وزراء يغادر منصبه خلال 10 سنوات، في معدل تغيير استثنائي للحكم في المملكة المتحدة.

استياء واسع

وتراكم الاستياء من رئيس الوزراء منذ أشهر، في ظل سعي نواب حزب العمال إلى وقف تراجع شعبية الحكومة، بعدما قاد ستارمر الحزب المنتمي إلى يسار الوسط إلى فوز كاسح في انتخابات يوليو (تموز) 2024.

وقد عجز ستارمر عن تحقيق النمو الاقتصادي الذي وعد به، وإصلاح الخدمات العامة المتدهورة، وتخفيف أزمة تكاليف المعيشة. كما قيّدته سلسلة من الأخطاء المتكررة، بينها قراره تعيين بيتر ماندلسون، الصديق المرتبط بفضيحة جيفري إبستين، سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة.

بورنهام مخاطباً أنصاره بعد تحقيقه فوزاً حاسماً في دائرة ميكرفيلد يوم 19 يونيو (أ.ف.ب)

ويخسر حزب العمال ناخبين ليبراليين لصالح حزب الخضر الصاعد، بينما يواجه صعود حزب «إصلاح المملكة المتحدة» المناهض للهجرة، بزعامة نايجل فاراج، والذي يتصدر باستمرار استطلاعات الرأي على مستوى البلاد.

وكان بورنهام، الذي ظل حتى هذا الأسبوع رئيس بلدية لمانشستر الكبرى، قد فاز بشكل حاسم بمقعد ميكرفيلد في شمال غربي إنجلترا في انتخابات فرعية جرت، الخميس. وحصل على نحو 55 في المائة من أصوات الناخبين البالغ عددها 45 ألفاً و510 أصوات، متقدماً بأكثر من 9 آلاف صوت على مرشح حزب «إصلاح المملكة المتحدة» الذي حلّ ثانياً.

ومع دخوله مجلس العموم، أصبح بورنهام في موقع يتيح له تحدي ستارمر على زعامة حزب العمال. ولم يترك خطاب فوزه مجالاً كبيراً للشك في أنه يريد قيادة الحزب والبلاد معاً. وقال بورنهام إن «الجميع يشعر بأن البلاد ليست في المكان الذي ينبغي أن تكون فيه. هذه الليلة قد تكون نقطة التحول».

«نقطة تحول»

وليس واضحاً ما إذا كان بورنهام سيُزكّى بلا منافسة، أم سيواجه منافساً إذا تنحى ستارمر. وقد قال ويس ستريتنغ، الذي استقال من منصب وزير الصحة، الشهر الماضي، احتجاجاً على قيادة ستارمر، إنه سيترشح إذا جرت منافسة على الزعامة.

جانب من أعمال قمة السبع في إيفيان شرق فرنسا يوم 17 يونيو (د.ب.أ)

وهنّأ ستارمر بورنهام، الجمعة، لكنه شدّد على أنه سيواجه أي محاولة لإطاحته، وقال: «سأخوض السباق، وسأترشح»، إذا جرت انتخابات على زعامة حزب العمال، مضيفاً: «قلت مراراً إنني لن أبتعد عن ذلك».

لكن تشارلي فالكونر، العضو البارز في حزب العمال بمجلس اللوردات، قال، السبت، إن ستارمر لم تعد لديه «أي سلطة على الإطلاق». وأضاف لـ«هيئة الإذاعة البريطانية»: «يجب أن تكون هناك عملية انتقال متفق عليها، يتعاون فيها آندي وكير بشأن توقيت تسليم السلطة».


أزمة وقود في القرم جرَّاء ضربات أوكرانية

صورة التقطت من طائرة مُسيَّرة تُظهر تصاعد اللهب والدخان بعد هجوم استهدف مستودع نفط في مدينة كيرتش بشبه جزيرة القرم الأحد (رويترز)
صورة التقطت من طائرة مُسيَّرة تُظهر تصاعد اللهب والدخان بعد هجوم استهدف مستودع نفط في مدينة كيرتش بشبه جزيرة القرم الأحد (رويترز)
TT

أزمة وقود في القرم جرَّاء ضربات أوكرانية

صورة التقطت من طائرة مُسيَّرة تُظهر تصاعد اللهب والدخان بعد هجوم استهدف مستودع نفط في مدينة كيرتش بشبه جزيرة القرم الأحد (رويترز)
صورة التقطت من طائرة مُسيَّرة تُظهر تصاعد اللهب والدخان بعد هجوم استهدف مستودع نفط في مدينة كيرتش بشبه جزيرة القرم الأحد (رويترز)

شهدت شبه جزيرة القرم التي تحتلَّها موسكو منذ عام 2014، الأحد، أزمة وقود؛ حيث عُلِّقت مبيعات المحروقات إثر ضربات بمُسيَّرات أوكرانية، أودت بحياة 4 أشخاص، بينما قُتل شخص خامس كان على متن عبَّارة بين شبه الجزيرة وروسيا.

تضرر بنى تحتية

وكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في منشور على منصة «إكس»: «الليلة الماضية، استهدفت ضرباتنا الطويلة المدى اللوجستية العسكرية للمحتلِّين، والصناعة النفطية، والدفاعات الجوية». وأضاف: «أصيبت مرافق تقع على جانبَي جسر القرم، من منشآت لوجستية بحرية تُستخدم لنقل النفط في منطقة كراسنودار، فضلاً عن مستودع نفط في كيرتش، تحت الاحتلال مؤقتاً».

وأشار الرئيس الأوكراني إلى أن «بنى تحتية لوجستية عسكرية أصيبت بنجاح، فضلاً عن 4 محطات رادار تابعة لأنظمة (إس-400) ونظامَي (بانتسير)».

وأكدت السلطة المحلية في القرم مقتل 4 أشخاص وإصابة 28 في منطقة كيرتش، في هجوم بمُسيَّرات أوكرانية، بينما تحدثت سلطات منطقة كراسنودار (جنوب روسيا) عن مقتل شخص خامس بهجوم بمُسيَّرات على عبَّارة «باناجيا» التي كانت تبحر بين منطقة تمريوك وشبه جزيرة كيرتش.

انقطاع الكهرباء

وأكد رئيس السلطة المحلية في القرم، سيرغي أكسيونوف، صباح الأحد، تعليق مبيعات الوقود في محطات شبه الجزيرة. وقال في منشور عبر «تلغرام»، إن «الوقود سيوزَّع حصراً على الخدمات العامة التي تؤمِّن المصالح الحيوية والأمن في جمهورية القرم».

وأفادت الشركة المحلية للخدمات العامة «كريم إنرنو»، من جهتها، بانقطاع الكهرباء عن جزء من شبه الجزيرة إثر الهجمات. وأعلنت الشركة أنه «بسبب الأضرار التي طالت الشبكة الكهربائية، يعاني المستهلكون في مناطق الشمال الغربي والوسط والساحل الجنوبي من انقطاع جزئي» للتيار، مع الإشارة إلى أن «أعمال الإصلاح وإعادة التشغيل تُجرى بصورة عاجلة».

وتستخدم روسيا شبه جزيرة القرم الواقعة في جنوب أوكرانيا لدعم عملياتها العسكرية في مواجهة القوَّات الأوكرانية. وباتت أوكرانيا تستهدف بوتيرة شبه أسبوعية مصافي النفط وأنابيب نقله ومستودعاته في روسيا، في مسعى إلى حرمان موسكو من عائدات مبيعات المحروقات التي تُستخدم لتمويل مجهودها الحربي في أوكرانيا منذ 2022.

وأصاب هجوم أوكراني واسع النطاق بالمُسيَّرات، الثلاثاء، مصفاة كبيرة في موسكو. وغالباً ما تتسبب هذه الضربات في حرائق كبيرة؛ لكن لا يزال من الصعب تقييم أثرها على إنتاج النفط الروسي. وحسب تقرير صدر حديثاً عن «إنرجي إنتليجنس»، وهي مجموعة أميركية تعنى بالبحوث في مجال الطاقة، تسببت الضربات الأوكرانية في وقف نحو ثلث أنشطة تكرير النفط في روسيا.

شخصان يتفقدان مبنًى متضرراً جرَّاء غارة عسكرية روسية في مدينة سلوفيانسك بإقليم دونيتسك الأحد (رويترز)

ومن الجانب الأوكراني، قُتل 3 أشخاص جرَّاء ضربات روسية على منطقتي بولتافا ودنيبروبتروفسك. وقال أولكسندر غانزا، رئيس الإدارة العسكرية المحلية في إقليم دنيبروبيتروفسك، في منشور على «تلغرام»: «قُتل شخص وأُصيب 9» في عمليات قصف وهجمات بمُسيَّرات وقصف مدفعي، على 3 مناطق في الإقليم.

وأفاد نظيره في بولتافا، فيتالي دياكيفنيتشن، بمقتل شخصين، أحدهما توفي في المستشفى، وإصابة 13 في هجوم وقع مساء السبت. وصرَّح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأحد: «هذا الأسبوع وحده، أطلق الروس نحو 2200 مُسيَّرة هجومية، وأكثر من 1800 قنبلة جوية موجَّهة، و87 صاروخاً من أنواع مختلفة على أوكرانيا».

وأشار زيلينسكي إلى أن روسيا شنت، السبت، هجمات جوية، أسفرت عن مقتل 5 أشخاص وإصابة 26 آخرين في زابوريجيا، بينما أدى قصف روسي على بولتافا إلى مقتل شخصين وإصابة 12، بينهم 6 أطفال.

سكان يتفقدون مبنًى تضرر بغارة روسية في مدينة سلوفيانسك بإقليم دونيتسك الأحد (رويترز)

وقدم زيلينسكي تعازيه لأسر وذوي الضحايا. وأضاف زيلينسكي أن مناطق دنيبروبيتروفسك، وخاركيف، وأوديسا، وسومي، ودونيتسك، وكيروفوغراد، وريفني، تعرضت أيضاً للقصف، وأن المجتمعات الأوكرانية القريبة من خطوط الجبهة والمناطق الحدودية تتعرض باستمرار لهجمات بالطائرات المُسيَّرة.

وأكد زيلينسكي أنه «من المهم للغاية أنه رغم هذه الهجمات، فقد حققت قمة مجموعة السبع والمجلس الأوروبي واجتماع مجموعة التنسيق الدفاعي الأوكراني نتائج ملموسة، وأمَّنت مساهمات جديدة لتعزيز دفاعاتنا. وأنا ممتن لشركائنا على وحدتهم».


روما تتحرك لاحتواء خلاف ترمب وميلوني

ترمب وميلوني في البيت الأبيض يوم 17 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب وميلوني في البيت الأبيض يوم 17 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
TT

روما تتحرك لاحتواء خلاف ترمب وميلوني

ترمب وميلوني في البيت الأبيض يوم 17 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب وميلوني في البيت الأبيض يوم 17 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

لا شك أن رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني تتندّم منذ فترة على ما صدر عنها من تصريحات في مديح «حليفها» و «صديقها» دونالد ترمب. فلأشهر طويلة، تباهت ميلوني أمام شركائها الأوروبيين بأنها الوحيدة القادرة، بحكم الصداقة الوثيقة التي تربطها بسيّد البيت الأبيض، على حلحلة العقد وتذليل العقبات التي تعترض العلاقات بين واشنطن وبروكسل، حتى أنها أعربت عن استعدادها لترشيحه لنيل جائزة «نوبل للسلام».

لكن ميلوني لم تدرك أن الطبع يغلب التطبّع عند الرئيس الأميركي، إلا عندما خرج ترمب بتصريحه الذي أعرب فيه عن خيبته من الحليفة التي كان أشاد بشجاعتها وتغزّل بدماثتها، ليقول إنها خذلته وأخطأ في تقديره لها، بعد أن رفضت السماح لسلاح الجو الأميركي باستخدام القواعد العسكرية الأميركية في إيطاليا خلال حرب إيران.

حرب إيران

يومها لم يكن قرار ميلوني نابعاً من الحرص على الحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي وعدم الانجرار إلى حرب لم يشارك الأوروبيون في قرارها ولم يستمزجوا حتى بشأنها فحسب، بل كان يمليه أيضاً الوضع الداخلي حيث كانت شعبية أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة الإيطالية قد بدأت بالتراجع، لعدة أسباب متداخلة.

وقد اختارت ميلوني يومها عدم الرد على تلك التصريحات حرصاً على عدم التصعيد في مرحلة حرجة، لكنها انتهزت انتقادات ترمب للبابا ليو الرابع عشر كي تعرب عن رفضها لتلك التصريحات، معلنة بذلك بداية مرحلة وضع العلاقات مع الحليف الأميركي على نار خفيفة، بعد أن أصبح القرب منه عبئاً سياسياً - كان حليفها وصديقه المجري فيكتور أوربان ضحيته الأولى في الانتخابات التي ألحقت به هزيمة مدوّية بعد ستة عشر عاماً من وجوده في الحكم.

لكن ترمب لا ينام على ضيم، والشواهد على ذلك لا حصر لها. من انتقاداته اللاذعة لرئيس الوزراء البريطاني ونظيره الإسباني، وتهكمه الشخصي المتكرر على الرئيس الفرنسي، وصولاً إلى فصول الغضب والسخرية والتجريح ضد أعضاء حزبه الذين تساورهم أنفسهم الخروج عن مشيئته. لذلك، كانت السهام على مرمى ميلوني مسألة وقت لا أكثر، يتحيّن الرئيس الأميركي الفرصة المناسبة لرميها، إلى أن جاءت فرصة قمة «الدول السبع» في فرنسا، ومحاولة رئيسة الحكومة الإيطالية ترطيب الأجواء مع ترمب الجاهد لإقناع العالم بأن مذكّرة التفاهم مع إيران حققت له كل ما كان يبتغيه من الحرب.

تصريحات «قاسية»

ولم يكن من باب الصدف أن التصريحات غير المسبوقة، من حيث قسوتها وخروجها عن قواعد اللياقة الدبلوماسية، قد أطلقها ترمب عندما كانت ميلوني مجتمعة مع نظرائها الأوروبيين في قمة بروكسل الأسبوع الماضي.

«توسّلتني غير مرة لالتقاط صورة معي... وتجاوبت في النهاية من باب الإشفاق عليها». بهذه العبارات ردّ ترمب على سؤال كان هو الذي طرحه على مراسل إيطالي مستفسراً عن ميلوني، ومن تلك الساعة نسيت إيطاليا حتى مباريات المونديال الغائبة عنه، ولم يعد هناك حديث إلا عن تصريحات الرئيس الأميركي، التي أجمعت الأطياف والمؤسسات السياسية على عدّها «إهانة وطنية غير مقبولة».

فقد ألغى وزير الخارجية أنطونيو تاياني زيارة له إلى الولايات المتحدة، فيما هاتف رئيس الجمهورية سرجيو ماتّاريلّا ميلوني مُعلناً لها عن كامل تضامنه معها. وقفت المعارضة كذلك بجانب ميلوني، ودعتها إلى إعادة النظر بعلاقتها مع ترمب. وثمّة من ذهب حدّ الدعوة إلى مقاطعة الاحتفال بالعيد الوطني الأميركي مطلع الشهر المقبل، أو استدعاء السفير الإيطالي في واشنطن. حتى أن إحدى الصحف اليمينية خرجت في اليوم التالي تحت عنوان «ترمب أحمق».

أمام تلك التصريحات، لم يكن بوسع ميلوني سوى الرد بقوة، فوصفت ما جاء فيها بأنه لا أساس له من الصحة، وقالت إن «ميلوني وإيطاليا لا تتوسّلان». لكن ترمب أعاد الكرّة وغرّد على منصته أن ميلوني تحاول، بعد «النصر» الذي حققه على إيران، أن تصلح ذات البين لاستعادة شعبيتها المتراجعة. وجاء الرد التالي من ميلوني أكثر حدة وإيلاماً من الرد الأول، فقالت في تصريح مصوّر إن «شعبيتي تتوقف على قدرتي في الدفاع عن مصالح إيطاليا الوطنية. وهذا ما فعلته دائماً، كما حصل بالنسبة لطلب استخدام القواعد الأميركية الذي يخضع لاتفاقات احترمناها دائماً، ولن يتغيّر ذلك ما دام أنا رئيسة للوزراء». ثم تركت السهم المسموم للنهاية، عندما قالت: «بالنسبة لشعبيتي، لم تكن صداقتك عوناً لي فيها على الإطلاق. وهي ليست من شأنك، اقترح عليك أن تركّز على شعبيتك».

ترميم العلاقة

بعد هذا الرّد، ساد الشعور في إيطاليا بأن العلاقة مع واشنطن أصبحت قاب قوسين من القطيعة. فبادر رئيس الجمهورية إلى تكثيف اتصالاته داعياً إلى التهدئة وإفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية لرأب الصدع الأخطر في تاريخ العلاقات مع واشنطن، لأن «القطيعة غير واردة مع الولايات المتحدة» كما نقل عن لسانه. لم تتردد ميلوني في التجاوب مع دعوة رئيس الجمهورية، فأوعزت إلى وزير خارجيتها للاتصال بنظيره الأميركي ماركو روبيو الذي كان حضر إلى روما منذ أسابيع لترميم العلاقة بعد الصدام الأول، ثم أعطت تعليماتها لبقية الوزراء كي يلبّوا الدعوة لحضور الاحتفالات بالعيد الوطني الأميركي، والامتناع عن التصريحات التصعيدية.

لكن الكل يعرف أن المرحلة المقبلة مرهونة بمزاجية الرئيس الأميركي التي يستحيل التكهن بها. ولا يغيب عن البال أن ميلوني أمام مفاضلة صعبة: في كفة المصالح الاقتصادية الضخمة مع الحليف الأساسي الذي يزيد حجم المبادلات التجارية السنوية معه عن 100 مليار يورو، ويوفّر الغطاء الدفاعي الجوي لإيطاليا منذ سبعين عاماً. وفي الكفة المقابلة شعبيتها التي عادت إلى الصعود بعد ردودها القوية على الرئيس الأميركي، الذي لم يجرؤ أي من نظرائها الأوروبيين حتى الآن على مخاطبته بهذه القسوة.