مبعوث ترمب في موسكو لإنقاذ جهود السلام... والكرملين يتطلع لتسوية «عناصر محددة»

تفجير يقتل جنرالاً روسياً بارزاً وأجهزة الأمن تحذر من تصعيد «إرهابي» أوكراني

بوتين يصافح ستيف ويتكوف خلال اجتماعهما في الكرملين (رويترز)
بوتين يصافح ستيف ويتكوف خلال اجتماعهما في الكرملين (رويترز)
TT

مبعوث ترمب في موسكو لإنقاذ جهود السلام... والكرملين يتطلع لتسوية «عناصر محددة»

بوتين يصافح ستيف ويتكوف خلال اجتماعهما في الكرملين (رويترز)
بوتين يصافح ستيف ويتكوف خلال اجتماعهما في الكرملين (رويترز)

أعلن الكرملين، الجمعة، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والموفد الأميركي ستيف ويتكوف أجريا محادثات في موسكو استمرت ثلاث ساعات في إطار اجتماع «بنّاء» تناول خصوصاً احتمال استئناف «مفاوضات مباشرة» بين موسكو وكييف.

وصرح يوري أوشاكوف، المستشار الدبلوماسي لبوتين، للصحافيين أنه «جرت محادثة بنّاءة ومفيدة جداً لثلاث ساعات (...) وتم التطرق خصوصاً إلى إمكان استئناف المفاوضات المباشرة بين ممثلي روسيا وأوكرانيا».

وأكد أوشاكوف أن المناقشات «ساهمت في تقريب وجهات النظر، ليس فقط بشأن أوكرانيا، بل أيضاً بشأن قضايا دولية أخرى»، و«أن الحوار البناء بين روسيا والولايات المتحدة سيستمر على أكمل وجه».

ومع تصاعد وتيرة الانتقادات الأميركية للطرفين الروسي والأوكراني، وتلويح الرئيس دونالد ترمب بوقف جهود الوساطة لإنهاء النزاع في حال عدم تقدم عملية التسوية السياسية، وصل ويتكوف إلى موسكو، الجمعة، للقاء بوتين، حاملاً ما يُتوقع أنه الخطوط العريضة لخطة سلام بلورتها الإدارة الأميركية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرأس اجتماعاً للجنة العسكرية الصناعية في الكرملين (إ.ب.أ)

وهذه الزيارة الرابعة إلى روسيا خلال شهرين للمسؤول الذي يدير مساعي واشنطن لإحلال السلام، وسبق أن عقد ثلاث جولات مطولة من الحوار مع بوتين، ونقل رسائل الرئيسين بين موسكو وواشنطن.

وجاءت زيارته هذه إلى موسكو بعد يوم من انتقاد ترمب للهجوم الروسي بالصواريخ والطائرات المسيّرة على كييف، وتوجهه لبوتين لأول مرة منذ بدء التقارب بين البلدين، بلهجة صارمة، قائلاً في منشور على حسابه في «تروث سوشيال»: «فلاديمير، توقف».

كما وجه انتقادات حادة لنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بعد تأكيد الأخير استحالة التخلي عن شبه جزيرة القرم التي احتلتها روسيا عام 2014. ورغم أن الكرملين - كما جرت العادة في الزيارات السابقة - أحاطها بالكتمان ولم يعلن عن تفاصيل المحادثات المغلقة، فإن تقارير إعلامية تحدثت عن «مسودة اتفاق سلام» أعدتها الإدارة الأميركية، واستبق ترمب الإعلان عنها بتأكيد تأييده لبعض مطالب الكرملين، وأهمها استحالة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، وعدم جدوى الحديث عن عودة شبه جزيرة القرم إلى السيادة الأوكرانية. وتتضمن الأفكار المعروضة، وفقاً لتسريبات، تخلي كييف عن بعض الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا، ودفع موسكو إلى السماح لها بتقوية جيشها وتلقي دعم أوروبي أو ربما قوات أوروبية لحفظ السلام من جهة أخرى.

زيلينسكي لدى وصوله إلى مطار بريتوريا في جنوب أفريقيا اليوم (أ.ب)

وكان لافتاً أن الطرفين الروسي والأميركي مهّدا لجولة محادثات ويتكوف مع بوتين بإشارات إلى «تقدم كبير تم إحرازه». وقال ترمب إن «الأيام القليلة المقبلة ستكون بالغة الأهمية... فالاجتماعات جارية الآن».

وقد تضطر أوكرانيا للتخلي عن أراض من أجل «سلام مؤقت» مع موسكو، كما قال رئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو في مقابلة مع هيئة البث البريطاني «بي بي سي»، نشرت الجمعة. وقال كليتشكو بالإنجليزية: «أحد السيناريوهات... قد يقضي بالتخلّي عن أراضٍ. هذا ليس عادلاً لكنه من أجل السلام، سلام مؤقت. وقد يشكّل ذلك حلّاً مؤقتاً».

وقد يضطر الرئيس فولوديمير زيلينسكي الذي سبق لرئيس بلدية كييف أن وجّه إليه الانتقاد في السابق للقبول بـ«حلّ مؤلم» للبلد بغية وقف القتال. وفي المقابل، لن تقبل أوكرانيا «أبداً احتلالاً» روسياً للبلد، بحسب ما أكّد كليتشكو غداة ضربات ليلية أودت بحياة 12 شخصاً بحسب السلطات الأوكرانية.

وبعد أكثر من مائة يوم على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تتعثّر المفاوضات التي أطلقتها الإدارة الأميركية للتوصّل إلى وقف لإطلاق النار، لا سيّما فيما يخصّ احتمال التنازل عن أراض بعد ثلاث سنوات من الحرب، فضلاً عن وضع شبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا بقرار أحادي في 2014.

فرق إنقاذ أوكرانية تعمل في موقع هجوم صاروخي روسي في كييف (أ.ف.ب)

فيما أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في المقابل، أن موسكو مستعدة لعقد صفقة لتسوية الأزمة في أوكرانيا، لكن زاد أن هناك «عناصر معينة يجب العمل على إتمامها».

ولفت لافروف إلى «تفاصيل ما زالت بحاجة إلى توضيح»، من دون أن يحدد جوانبها. لكن المعلوم وفقاً للبيانات الروسية أن موسكو ما زالت تعارض بقوة فكرة وجود قوات سلام أوروبية في أوكرانيا في مرحلة لاحقة، كما تعارض أيضاً إعادة تسليح الجيش الأوكراني.

وقال لافروف: «يعتقد الرئيس الأميركي، وهو محق في ذلك، أننا نسير في الاتجاه الصحيح. لقد أشار بيان الرئيس إلى اتفاق، ونحن مستعدون للتوصل إليه. لكن هناك نقاطاً وعناصر معينة تحتاج إلى إتمامها. نحن منشغلون بهذه العملية».

وأوضح الوزير الروسي أن الرئيس الأميركي هو «على الأرجح الزعيم الوحيد في العالم الذي يفهم ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة الأوكرانية»، مشيراً إلى أن ترمب «يدرك خطأ محاولات جر أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

على صعيد آخر، شهد الوضع الميداني العسكري تصعيداً جديداً كبيراً، مع اغتيال مسؤول روسي عسكري بارز في تفجير عبوة ناسفة قرب منزله في ضواحي موسكو. وأعلنت جهات التحقيق الروسية أن نائب رئيس إدارة العمليات الرئيسية في هيئة الأركان العامة الروسية، ياروسلاف موسكاليك، قتل في انفجار عبوة ناسفة يدوية الصنع داخل سيارة في منطقة بالاشيخا بضواحي موسكو. وأكدت المتحدثة باسم لجنة التحقيق الروسية سفيتلانا بيتريانكو أن العبوة الناسفة زرعت داخل السيارة، وهي من طراز «فولكسفاغن غولف»، وانفجرت عبر جهاز تفجير عن بعد. وأشارت المعلومات الأولية إلى أن الانفجار نجم عن تفجير عبوة ناسفة محلية الصنع يصل وزنها إلى نحو 300 غرام من مادة «تي إن تي» شديدة الانفجار، كما كانت العبوة محشوة بشظايا إضافية قاتلة.

كيث كيلوغ مع زيلينسكي في كييف يوم 20 فبراير (أ.ف.ب)

وتعد هذه ثاني أكبر عملية اغتيال يتعرض لها مسؤول عسكري روسي بارز. وكان تفجير مماثل أودى بحياة الجنرال إيغور كيريلوف، قائد قوات الدفاع الإشعاعي والبيولوجي والكيماوي في نهاية العام الماضي.

وتتهم موسكو خلايا مسلحة بالعمل تحت إدارة الأجهزة الخاصة الأوكرانية لتنفيذ اغتيالات داخل الأراضي الروسية طالت مسؤولين محليين وصحافيين ميدانيين وشخصيات أوكرانية متهمة بالتعاون مع موسكو.

وحذر سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو من تصعيد أوكراني محتمل وصفه بأنه واسع النطاق، وقال إن الأجهزة الخاصة الأوكرانية عملت على استقطاب القصر والشباب والمتقاعدين وممثلي الفئات المهمشة والضعيفة لارتكاب هجمات إرهابية.

وزاد: «هناك احتمال كبير لارتكاب أعمال إرهابية وتخريب باستخدام عناصر بيولوجية تسبب المرض، كما تسعى الأجهزة الخاصة الأوكرانية إلى إلحاق أضرار بمعدات سكك الحديد وغيرها من البنى التحتية الحيوية».

ووفقاً لشويغو، فإن الأجهزة الأوكرانية تعمل على تجنيد خلايا في أوساط الجماعات القومية المتطرفة والنازية الجديدة المؤيدة لأوكرانيا. وأكد أن التهديدات الإرهابية الرئيسية في السنوات الأخيرة تعود إلى تكثيف أعمال التخريب والإرهاب التي تقوم بها الأجهزة الخاصة الأوكرانية والجماعات المسلحة والتنظيمات النازية الجديدة، بما في ذلك الهجمات وقصف المناطق الروسية باستخدام المسيّرات والسفن البحرية وأنظمة المدفعية والصواريخ، ومحاولات اغتيال ممثلي الهيئات الحكومية وقوات الأمن والقيادة العسكرية. وأضاف أن المناطق الروسية المتاخمة لأوكرانيا «شهدت حالة من التوتر الشديد، وقد ثبتت صحة استخدام العدو لأسلحة كيماوية».

سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو (إ.ب.أ)

وأفاد مركز العلاقات العامة لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، الجمعة، بأنه تم توقيف مواطن روماني قام بجمع بيانات عسكرية بناء على تعليمات من نظام كييف. وذكر جهاز الأمن الفيدرالي الروسي أن مواطناً رومانياً كان يقوم بمهمة من قبل الاستخبارات الأوكرانية لجمع البيانات حول مواقع أنظمة الدفاع الجوي، وتم اعتقاله في مدينة سوتشي، وفقاً لوكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية.

وجاء في البيان أن «جهاز الأمن الفيدرالي التابع لروسيا الاتحادية في مدينة سوتشي بإقليم كراسنودار اعتقل مواطناً رومانياً، من مواليد عام 2002 متورطاً في أنشطة استخباراتية لصالح أجهزة الاستخبارات الأوكرانية».

وأثبت التحقيق أنه في صيف عام 2024، قام المتهم، بناء على تعليمات من أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، بجمع ونقل معلومات حول مواقع أنظمة الدفاع الجوي الموجودة في سوتشي، وفقاً للبيان.


مقالات ذات صلة

اندلاع حريق في مصفاة نفط روسية بعد هجوم بمسيرات

أوروبا الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

اندلاع حريق في مصفاة نفط روسية بعد هجوم بمسيرات

قالت السلطات الروسية اليوم (الثلاثاء) إن طائرات مسيرة أوكرانية هاجمت مصفاة توابسي الروسية للنفط على ساحل البحر الأسود، مما تسبب في اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

توتر دبلوماسي بين أوكرانيا وإسرائيل بسبب شحنات حبوب «مسروقة»

استُدعي السفير الإسرائيلي لدى أوكرانيا، صباح الثلاثاء، بعد وصول شحنة إلى ميناء حيفا محملة، بحسب كييف، بحبوب أوكرانية «مسروقة» من قبل روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)

اندلاع حريق في مصفاة نفط روسية بعد هجوم بمسيرات

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

اندلاع حريق في مصفاة نفط روسية بعد هجوم بمسيرات

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)
الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

قالت السلطات الروسية اليوم (الثلاثاء) إن طائرات مسيرة أوكرانية هاجمت مصفاة توابسي الروسية للنفط على ساحل البحر الأسود، مما تسبب في اندلاع حريق.

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تعرضت المصفاة المملوكة لشركة «روسنفت»، وميناء توابسي لهجمات متكررة بطائرات مسيرة خلال الأسابيع القليلة الماضية.
وكثفت أوكرانيا ضرباتها على روسيا منذ ‌مارس (آذار)، مع توقف محادثات السلام التي تتوسط ⁠فيها ⁠الولايات المتحدة، في وقت تصب فيه واشنطن تركيزها على حرب إيران.
ومصفاة توابسي لديها القدرة على معالجة ‍نحو 240 ألف برميل يومياً، وتوفر منتجات مثل النفتا، وزيت الوقود، والديزل.


تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.