البابا فرنسيس... الإصلاحي المدافع عن المهاجرين والداعي للسلام

أول زعيم للكنيسة الكاثوليكية من خارج أوروبا منذ القرن الثامن

البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)
البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)
TT

البابا فرنسيس... الإصلاحي المدافع عن المهاجرين والداعي للسلام

البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)
البابا فرنسيس يحرر حمائم بيضاء في كاتدرائية الروح القدس بإسطنبول خلال زيارة لتركيا استمرت 3 أيام عام 2014 (أ.ف.ب)

غيّب الموت، في روما، البابا فرنسيس، عن 88 عاماً، اليوم الاثنين، بعد ظهوره، أمس، ضعيفاً لكن باسماً، بين آلاف المصلّين الذين احتشدوا في باحة القديس بطرس في روما، خلال عيد القيامة لدى المسيحيين. وعانى رأس الكنيسة الكاثوليكية، منذ أكثر من شهرين، تداعيات التهاب رئوي حاد. وكان يتمتع بشعبية واسعة بين أتباع كنيسته في مختلف أنحاء العالم، ولو أنه واجه معارضة شرسة من البعض، ولا سيما داخل الكنيسة؛ بسبب إصلاحاتٍ دعا إليها أو قام بها.

البابا فرنسيس يشرب خلال ظهوره بشُرفة «كاتدرائية القديس بطرس» في عيد الفصح (رويترز)

وكان البابا يعاني الضعف جراء إصابته بالتهاب رئوي، دخل على أثره المستشفى لنحو شهر.

وكشف البابا فرنسيس، في أواخر عام 2023، أنه يريد أن يُدفن في كنيسة سانتا ماريا ماجوري بوسط روما، وليس في سرداب كنيسة القديس بطرس، وهو ما سيكون سابقة منذ أكثر من ثلاثة قرون. وأصدر الفاتيكان، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، طقوساً مبسّطة للجنازات البابوية، مِن أبرزها استخدام تابوت بسيط من الخشب والزنك، بدلاً من التوابيت الثلاثة المتداخلة المصنوعة من خشب السرو والرصاص والبلوط.

وطوال حبريته، التي امتدت 12 عاماً، دافع أول بابا يسوعي وأميركي جنوبي في التاريخ، دون هوادة، عن المهاجرين والبيئة والعدالة الاجتماعية دون أن يمسّ عقيدة الكنيسة في شأن الإجهاض أو عزوبية الكهنة.

النشأة والميلاد

وُلد خورخي ماريو بيرجوليو، في 17 ديسمبر (كانون الأول) 1936، في بوينس آيرس، وسط عائلة مكونة من خمسة أطفال، وهو أكبر أشقائه الأربعة، كان والده مهاجراً من إيطاليا. أما والدته فوُلدت في الأرجنتين، غير أنها من أصول إيطالية جنوية أيضاً. عمل والده في السكك الحديدية، أما والدته فكانت ربة منزل. وخلال مراهقته المبكرة، أُصيب البابا بالتهاب رئوي حاد نتيجة العدوى، وهو ما سيؤثر على صحته لاحقاً ويؤدي لاستئصال رئته اليمنى حين كان كاهناً.

البابا فرنسيس في سن المراهقة في بوينس آيرس (أ.ب)

ومنذ طفولته وشبابه، عُرف عن البابا شغفه بالأفلام، والموسيقى الشعبية في الأرجنتين والأوروغواي، ورقص التانجو، ومتابعته كرة القدم، وحبه تشجيعها، وبشكل خاص نادي برشلونة، وفقاً لما نشرته وسائل إعلام محلية.

البابا فرنسيس (يسار)، وشقيقه أوسكار، في صورة التقطت في بوينس آيرس (أ.ب)

تلقّى البابا تعليمه الابتدائي في إحدى ضواحي بوينس آيرس، أما مدرسته الإعدادية فكانت متخصصة في التقنيات الكيميائية، وتابع دراسته الجامعية محصلاً درجة الماجستير في الكيمياء بجامعة بوينس آيرس.

السِّلك الكنسي

انضمّ إلى الرهبنة اليسوعية وهو في عمر 21 عاماً، وذلك في مارس (آذار) 1958، ودرس العلوم الإنسانية واللاهوتية في سانتياغو في تشيلي، وأشهر نذوره الرهبانية في مارس 1960، ليغدو بذلك عضواً رسمياً عاملاً في الرهبنة. وبعد إنهاء دراساته الأولى في تشيلي، عاد إلى الأرجنتين ليتابع دراساته في الفلسفة واللاهوت بالمعهد الإكليركي في ديفيتو فيلا، ثم في جامعة سان ماكسيمو دي مغيل، والتي حصل منها على البكالوريوس، وتابع دراساته في الأدب وعلم النفس بين عاميْ 1964 و1965 في جامعة ديلا أنماكيولادا في سانتا في، وتخرَّج فيها.

وفي عام 1967 أنهى بيرجوليو دراسته اللاهوتية، وسيم كاهناً في 13 ديسمبر 1969.

البابا فرنيسس وسط أسرته في صورة عائلية في بوينس آيرس (أ.ب)

اختير بيرجوليو لمنصب الرئيس الإقليمي للرهبنة اليسوعية في الأرجنتين، في أبريل (نيسان) 1973، ثم انتقل إلى فرنكفورت بألمانيا للإشراف على أطروحة الدكتوراه فيها بطلب من الرهبنة اليسوعية، وعند عودته عُيّن المدير والمعرّف الروحي في جامعة مدينة قرطبة الأرجنتينية.

يتقن البابا اللغات الإسبانية و‌اللاتينية و‌الإيطالية و‌الألمانية و‌الفرنسية و‌الأوكرانية، بالإضافة إلى الإنجليزية.

ترقياته الأسقفية

في 20 مايو (أيار) 1992، عيَّنه البابا يوحنا بولس الثاني أسقفاً مساعداً في بوينس آيرس، وأسقفاً فخرياً لمدينة أوكا، وحصل على الرسامة الأسقفية في 27 مايو بالكاتدرائية.

البابا فرنسيس عام 1973 (أ.ف.ب)

وفي 3 يونيو (حزيران) 1997، عُين البابا رئيس أساقفة معاوناً لبوينس آيرس، وبعد وفاة الكاردينال كواراشينو، أصبح رئيس الأساقفة، وكبير أساقفة الأرجنتين، ورئيساً للكاثوليك من الطقوس الشرقية في الأرجنتين، الذين ليس لديهم رئيس أساقفة خاص بهم، وذلك ابتداءً من 28 فبراير (شباط) 1998.

انتخابه بابا للفاتيكان

في عام 2001، جرى تعيينه «كاردينال» من قِبل البابا الأسبق يوحنا بولس الثاني، وبرز بصفته أحد الشخصيات المؤثرة في الكنيسة الكاثوليكية بأميركا اللاتينية.

وأصبح أكثر شهرة في القارة، إذ بات رئيساً لمجلس أساقفة الأرجنتين في 2005، وأُعيد انتخابه في 2008 لفترة ثانية.

صورةٌ منشورةٌ من قِبل المكتب الصحفي لبطاقة عضوية الكاردينال الأرجنتيني خورخي ماريو بيرغوليو آنذاك في نادي سان لورينزو لكرة القدم (أ.ف.ب)

وفي 13 مارس 2013، وبعد يومين من التوصيت، جرى انتخابه بابا للكنيسة الكاثوليكية في اجتماع الكرادلة، عقب استقالة البابا بنديكتوس السادس عشر. اختار البابا لنفسه اسم فرنسيس؛ تأسياً بالقديس فرنسيس الأسيزي؛ أحد معلمي الكنيسة الجامعة، «والمدافع عن الفقراء، والبساطة، والسلام».

البابوية

ومنذ اليوم الأول لانتخاب فرنسيس بابا للفاتيكان، رفض البابا الجديد الإقامة في المقر البابوي، مفضّلاً البقاء في دير القديسة مارتا المتواضع، ومتخلياً عن بهرجة الملابس والحليّ والأحذية القرمزية التقليدية. واختار التنقل في سيارة متواضعة، واعتاد مخاطبة المؤمنين بلغة بسيطة كتلك التي يستخدمها عادةً المبشّرون العلمانيون الذين تحظر الكنيسة نشاطهم. وإلى جانب هذا، أصرّ دائماً على إظهار بُعده الإنساني العميق عندما كان يطلب من الشعب أن يتضرّع لأجله قبل أن يبادر هو إلى منحه البركة الرسولية.

يوقع على خزان وقود دراجة هارلي ديفيدسون النارية خلال لقائه بأعضاء جمعية «جيسوس بايكرز» للدراجات النارية في ساحة القديس بطرس، مدينة الفاتيكان، 29 مايو 2019 (إ.ب.أ)

أيضاً، منذ وصوله إلى سُدة البابوية، أعلن البابا فرنسيس إطلاق برنامج إصلاحي واسع سُرعان ما أطلق صفارات الإنذار في الدوائر الكنسية المحافِظة والأوساط السياسية اليمينية في إيطاليا وخارجها، خاصة في الولايات المتحدة، حيث يتمتع التيار المتشدّد في الكنيسة الكاثوليكية بنفوذ واسع وموارد مالية وتحالفات وثيقة مع التيارات المحافِظة في الكنائس الأخرى.

وهكذا، لم يشهد بابا في التاريخ الحديث معارضة كالمعارضة الداخلية التي واجهها فرنسيس - ولا يزال - حتى قيل إن شعبيته خارج الكنيسة الكاثوليكية أكبر بكثير من شعبيته داخلها.

البابا فرنسيس يبارك مشجعاً لفريق إس إس لاتسيو الإيطالي لكرة القدم خلال لقاء بابوي مع رياضيين وأنصار النادي بقاعة بولس السادس بالفاتيكان في 2015 (إ.ب.أ)

بل لقد أعرب فرنسيس مراراً أمام مُعاونيه عن «مرارة عميقة» بسبب المكائد التي تحيكها الدوائر المحافِظة المتشددة في الكنيسة، والتي أدّت إلى عرقلة كثير من بنود برنامجه الإصلاحي الذي تعثرّ في شِقه الاقتصادي والمالي، لكنه نجح في إحداث تغيير ملموس على صعيد استراتيجية التواصل ومكافحة التحرّش الجنسي الذي سبّب له كثيراً من الحرج، خلال زياراته للخارج.

لكن على الرغم من تراجع منسوب التفاؤل الكبير الذي رافق وصوله إلى السدة البابوية، استطاع فرنسيس الحفاظ على الزخم الإصلاحي الذي وعد به، إذ قام بتعيين عدد كبير من أنصار برنامجه الإصلاحي في مراكز حساسة، خاصة في وزارة الخارجية والمجلس الاستشاري الواسع النفوذ، وفي مناصب استراتيجية لإدارة أموال الكنيسة. كذلك، واصل تعيين كرادلة جدد حتى أصبحوا يشكلون الأكثرية في المَجمع الذي من المفترض أن ينتخب خلفه بعد رحيله.

إصلاحاته في الكنيسة الكاثوليكية

عمل البابا فرنسيس على التخفيف من صرامة القوانين المتعلقة بالطلاق والزواج، وسمح لبعض المطلقين الذين تزوجوا مجدداً بتلقّي المناولة المقدسة، كما دعا إلى جعل الكنيسة أكثر قرباً من الناس وأقل بيروقراطية.

وعيَّن نساء في مناصب قيادية داخل الفاتيكان، لأول مرة في تاريخ الكنيسة، كما دعا إلى تعزيز دور المرأة داخل الكنيسة، لكنه لم يصل إلى حد الموافقة على منحهن رتبة الكهنوت.

البابا فرنسيس يعانق طفلاً في ختام مقابلته العامة الأسبوعية في ساحة القديس بطرس مارس 2023 (إ.ب.أ)

وأطلق البابا الراحل إصلاحات داخل الفاتيكان لمحاربة الفساد المالي، وأقال عدداً من المسؤولين في إدارة الكنيسة بسبب قضايا مالية مشبوهة، وكان يشدد على ضرورة أن تكون الكنيسة نموذجاً في الشفافية والنزاهة، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

يُعلّق العلم الأرجنتيني خلفه في بوينس آيرس (أ.ب)

وكان هذا السياسي البارع ذو المواقف الجريئة عازماً على إدخال إصلاحات على الكوريا الرومانية؛ أي الحكومة المركزية للكرسي الرسولي، ومصمماً على تعزيز دور النساء والعلمانيين فيها، وعلى تطهير مالية الفاتيكان التي هزّتها شُبهات وفضائح. ولم يتردد حيال مأساة الاعتداءات الجنسية على الأطفال في الكنيسة، في إلغاء السر البابوي في شأنها، وألزم رجال الدين والعلمانيين بإبلاغ رؤسائهم عن أي حالات من هذا النوع، لكن خطواته لم تنجح، مع ذلك، في إقناع جمعيات الضحايا التي أخذت عليه عدم اتخاذه إجراءات أبعد من ذلك.

البابا فرنسيس يتلقى المساعدة من مساعده رئيس الأساقفة دييغو جيوفاني رافيلي لدى وصوله لبدء مجمع كنسي عام لتنصيب 21 من الكرادلة بكاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان 7 ديسمبر 2024 (أ.ب)

وعُرف بأسلوبه القريب من الناس، ما أكسبه شعبية كبيرة، إذ كان مثلاً يتمنى للمؤمنين «شهية طيبة»، كل يوم أحد، في ساحة القديس بطرس. وتعرّض لانتقادات شديدة من معارضيه المحسوبين على التيار المحافظ الذين رأوا أنه يبتعد عن المبادئ التقليدية للكنيسة، وعَدُّوا أن أسلوبه في الإدارة سُلطويّ. وواجه البابا معارضة داخلية حادة بسبب إصلاحات أخرى، وانتقده البعض لقراراته الجريئة، كوضع قيود على القداس اللاتيني، والسماح بمباركة أزواج من المِثليين. كذلك اتهم البعض فرنسيس بالمبالغة في التخفيف من مكانة منصب البابا بأسلوبه الخارج عن المألوف، كتفضيله مثلاً الإقامة في شقة متواضعة من غرفتين بمساحة 70 متراً مربعاً، على السكن في القصر الرسولي الفخم.

التقارب بين الأديان

وبرز البابا فرنسيس، المتمسك بالحوار بين الأديان، وخصوصاً مع الإسلام. ففي عام 2017، زار مصر والتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأكد أن الحوار بين الأديان أصبح ضرورة مُلحة للتوصل إلى السلام، ومواجهة الخلافات، مشيراً إلى أنه «ما من عنفٍ يمكن أن يُرتكب باسم الله». وفي كلمته أمام المؤتمر العالمي للسلام، الذي نظّمه الأزهر، قال البابا فرنسيس: «لنكرر معاً: من هذه الأرض، أرض اللقاء بين السماء والأرض، وأرض العهود بين البشر وبين المؤمنين، لنكرر (لا) قوية وواضحة لأي شكل من أشكال العنف والثأر والكراهية يُرتكب باسم الدين، أو باسم الله».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبِلاً البابا فرنسيس عام 2017 (رويترز)

ودعا البابا إلى وقف «تدفق الأموال والأسلحة نحو الذين يثيرون العنف». وأضاف: «من الضروري وقف انتشار الأسلحة التي، إن جرى تصنيعها وتسويقها، فسيجري استخدامها عاجلاً أو آجلاً».

وفي عام 2019، وقَّع البابا مع شيخ الأزهر أحمد الطيب وثيقة الأخوة الإنسانية في أبوظبي، لتعزيز الحوار بين الأديان.

البابا فرنسيس يصافح شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب خلال اجتماع بين الأديان في أبوظبي عام 2015 (أ.ب)

كما زار العراق في 2021، حيث التقى المرجع الشيعي علي السيستاني، في خطوة غير مسبوقة لتعزيز العلاقات بين المسيحية والإسلام.

وفي ديسمبر الماضي، كشف البابا عن أنه كان هدفاً لمحاولة تفجير انتحاري أثناء زيارته للعراق قبل 3 سنوات، وكانت الأولى التي يقوم بها بابا كاثوليكي للبلاد، وربما كانت أخطر رحلة خارجية له خلال بابويته المستمرة منذ 11 عاماً، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي جزءٍ نُشر من سيرته الذاتية المرتقبة، قال البابا فرنسيس إن الشرطة أبلغته بعد هبوط طائرته في بغداد، في مارس 2021، أن اثنين على الأقل من الانتحاريين المعروفين كانا يستهدفان إحدى الفعاليات التي كان من المفترض أن يحضرها.

البابا فرنسيس يحضر صلاة من أجل ضحايا الحرب بمدينة الموصل القديمة مارس 2021 (رويترز)

وكتب البابا، وفق مقتطف من الكتاب نشرته صحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية اليومية: «كانت هناك امرأة محملة بالمتفجرات، شابة انتحارية، متجهة إلى الموصل لتفجير نفسها أثناء الزيارة البابوية، كما انطلقت شاحنة صغيرة بسرعة قصوى للقصد نفسه».

كانت زيارة البابا فرنسيس إلى الموصل محطة مهمة، خلال رحلته إلى العراق، نظراً لأن ثاني أكبر مدينة في العراق كانت تحت سيطرة تنظيم «داعش» من عام 2014 إلى 2017، وزار البابا أنقاض 4 كنائس مدمَّرة هناك، وأطلق نداءً من أجل السلام.

وخلال الزيارة، لم يقدم الفاتيكان سوى القليل من التفاصيل حول الاستعدادات الأمنية من أجل البابا. وكان حضور فعاليات عدة خلال زيارته، التي جَرَت في الوقت الذي بدأ فيه انحسار جائحة «كوفيد-19»، متاحاً لعدد محدود من الأشخاص فقط.

ونشر العراق آلافاً من أفراد الأمن الإضافيين لحماية البابا.

موقفه من حرب غزة

ظهر البابا فرنسيس من شُرفة «كاتدرائية القديس بطرس»، رغم صحّته الهشّة، في عيد الفصح، أمس، في آخِر ظهور له بينما احتشد آلاف الكاثوليك في الساحة؛ على أمل رؤية البابا بعد شهر واحد فقط من مغادرته المستشفى.

وندَّد البابا بالوضع الإنساني «المأساوي» في قطاع غزة، ودعا إلى وقف إطلاق النار، محذراً، في الوقت نفسه، من «تنامي جو معاداة السامية الذي ينتشر في جميع أنحاء العالم»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وطالما كان بابا الفاتيكان رافضاً للحرب الإسرائيلية علي قطاع غزة، والتي كان يصفها بأنها «وحشية وليست حرباً». وقال، في خطاب سنوي بمناسبة عيد الميلاد أمام كرادلة كاثوليك، ما بدا أنه إشارة إلى غارات جوية إسرائيلية أودت بحياة 25 فلسطينياً على الأقل، في ديسمبر الماضي: «جرى قصف الأطفال... هذه وحشية، هذه ليست حرباً. أردت أن أقول ذلك لأنه يمس القلب».

صاحب متجر في بيت لحم بالضفة الغربية يضع شريطاً أسود على صورة البابا الراحل فرنسيس بعد نبأ وفاته (أ.ب)

وعادةً ما يكون البابا، بصفته زعيم الكنيسة الكاثوليكية التي يبلغ عدد أتباعها 1.4 مليار نسمة، حذِراً بشأن الانحياز إلى أي من أطراف الصراعات، لكنه صار، في الآونة الأخيرة، أكثر صراحة فيما يتعلق بالحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة على حركة «حماس».

وقال البابا، في نهاية نوفمبر الماضي، إنّ «غطرسة الغزاة تسود على الحوار في فلسطين».

وفي مقتطفات من كتاب، نُشرت الشهر الماضي، قال البابا إن بعض الخبراء الدوليين قالوا إن «ما يحدث في غزة يحمل خصائص الإبادة الجماعية».

وانتقدت إسرائيل، حينها، هذه التصريحات، وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية إن إسرائيل تدافع عن نفسها في وجه القسوة التي ظهرت في «اختباء (مسلّحي حماس) خلف الأطفال، خلال محاولتهم قتل أطفال إسرائيليين»، واحتجازهم 100 رهينة وإساءة معاملتهم.

وذكرت الوزارة: «للأسف، قرَّر البابا أن يتجاهل كل هذا»، مضيفة أن «وفاة أي شخص بريء في الحرب مأساة».

وتابعت قائلة: «تبذل إسرائيل جهوداً غير عادية لمنع إلحاق الأذى بالأبرياء، في حين تبذل (حماس) جهوداً استثنائية لزيادة الأذى على المدنيين الفلسطينيين».

وانتقد وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، تلك التعليقات، بشدة، في رسالة مفتوحة غير معتادة، نشرتها صحيفة «إيل فوليو» الإيطالية. وقال شيكلي إن تصريحات البابا تصل إلى حد «الاستخفاف» بمصطلح الإبادة الجماعية.

قضايا اللاجئين

في فبراير الماضي، وجَّه بابا الفاتيكان انتقاداً شديداً لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على خلفية الترحيل الجماعي للمهاجرين من الولايات المتحدة.

وحذَّر من أن «البرنامج الذي يقضي بترحيل الأشخاص قسراً، فقط بسبب وضعهم غير القانوني، يَحرمهم من كرامتهم المتأصلة، وسينتهي بشكل سيئ».

جاءت خطوة البابا فرنسيس الاستثنائية في تناول القمع الأميركي ضد المهاجرين، في رسالة إلى أساقفة الولايات المتحدة، الذين انتقدوا عمليات الطرد بوصفها تُلحق الضرر بالفئات الأكثر ضعفاً.

البابا فرنسيس يقبّل رأس طفل في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان أمس (إ.ب.أ)

ولطالما جعل فرنسيس رعاية المهاجرين أولويةً، خلال فترة بابويته، حيث طالب الدول باستقبال الفارّين من الصراعات والفقر والكوارث المناخية، وحمايتهم وتعزيزهم ودمجهم... وقال: «إن الحكومات من المتوقع أن تقوم بذلك إلى أقصى حدود قدرتها».

وقال البابا فرنسيس، في الرسالة، إن للدول «الحق في الدفاع عن نفسها والحفاظ على مجتمعاتها آمنةً من المجرمين. ومع ذلك فإن عملية ترحيل الأشخاص الذين غادروا أراضيهم، في كثير من الحالات لأسباب تتعلق بالفقر المُدقع، أو انعدام الأمن، أو الاستغلال، أو الاضطهاد، أو التدهور الخطير للبيئة، تُلحق الضرر بكرامةِ كثير من الرجال والنساء، وأُسرٍ بأكملها، وتضعهم في حالة من الضعف والعجز بشكل خاص».

مع شخص يرتدي زي سبايدرمان في ساحة سان داماسو في الفاتيكان (أ.ب)

وأكد «حق الأشخاص في البحث عن المأوى والأمان في بلدان أخرى». وأعرب عن قلقه بشأن ما يحدث في الولايات المتحدة. وقال: «ما يُبنى على أساس القوة، وليس على الحقيقة حول الكرامة المتساوية لكل البشر، يبدأ بشكل سيئ، وسينتهي بشكل سيئ».

فصول من المرض والأزمات الصحية

سبقَ للبابا، الذي يُعَدّ الزعيم الروحي لنحو 1.4 مليار كاثوليكي في العالم، أن أمضى فترتين في المستشفى عام 2023، أُجريَت له خلال إحداهما عملية جراحية كبرى في الأمعاء، واضطر، في الأشهر الأخيرة، إلى صرف النظر عن مجموعة من الارتباطات. وأُصيب خورخي بيرجوليو عندما كان في الحادية والعشرين بالتهاب الجنبة الحاد، واضطر الجرّاحون إلى إزالة رئته اليمنى جزئياً.


مقالات ذات صلة

دول عربية وإسلامية تنضم لـ«مجلس السلام» في غزة

الخليج يسعى مجلس السلام لتثبيت وقفٍ دائم لإطلاق النار ودعم إعادة إعمار غزة (رويترز)

دول عربية وإسلامية تنضم لـ«مجلس السلام» في غزة

رحَّبت السعودية وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان وقطر والإمارات بالدعوة التي وجَّهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لقادة دولهم للانضمام إلى «مجلس السلام».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب: على «حماس» التخلي عن أسلحتها و«إلاّ ستُدمّر»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأربعاء)، إنه سيتضح خلال 3 أسابيع ما إذا كانت حركة «حماس» ستوافق على التخلي عن أسلحتها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري كلمة «حرب؟» كتبت على كتلة خرسانية على الجانب الإسرائيلي مع غزة في جنوب إسرائيل يوم الأربعاء (رويترز) play-circle

تحليل إخباري نتنياهو ينحني مؤقتاً لـ«المرحلة الثانية»... ويراهن على تعثر نزع سلاح «حماس»

روج مساعدون ومقربون من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ضرورة الانتقال إلى المرحلة الثانية فوراً، لأن «الجمود الحالي يخدم (حماس)».

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط) play-circle

خاص محمد مصطفى لـ«الشرق الأوسط»: تأخير إعمار غزة يخدم مخططات الترحيل

يضع رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، خريطة طريق للمرحلة المقبلة تبدأ من الأساسيات الإنسانية العاجلة ولا تنتهي عند إعادة الإعمار وتوحيد غزة والضفة الغربية.

نجلاء حبريري (دافوس)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (رويترز)

تركيا: وزير الخارجية سيمثل إردوغان في مجلس السلام

قال مصدر تركي لـ«رويترز»، اليوم (الأربعاء)، ‌إن ‌وزير ‌الخارجية ⁠التركي ​هاكان ‌فيدان سيمثل الرئيس رجب طيب إردوغان في «مجلس ⁠السلام» ‌الذي دعا إليه ترمب

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

غوتيريش ينتقد قادة «يزدرون القانون الدولي» تزامناً مع خطاب ترمب في «دافوس»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش ينتقد قادة «يزدرون القانون الدولي» تزامناً مع خطاب ترمب في «دافوس»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)

انتقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الأربعاء، القادة الذين «يزدرون القانون الدولي»، وذلك فيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابه في «منتدى دافوس» في سويسرا.

وقال غوتيريش عبر منصة «إكس»: «عندما يتعامل القادة بازدراء مع القانون الدولي، وينتقون القواعد التي يطبقون ويتجاهلون غيرها، فإنهم يقوّضون النظام العالمي ويؤسسون لسابقة خطيرة».

وأضاف: «وحين تتمكن قلة من الأفراد من تشويه السرديات العالمية للأحداث، والتأثير في الانتخابات، أو فرض اتجاهات النقاش العام، نكون أمام حالة من اللامساواة وفساد يطال المؤسسات وقيمنا المشتركة».

وقال الرئيس الأميركي، في خطابه أمام «منتدى دافوس»، إن الولايات المتحدة هي «محرّك» الاقتصاد العالمي، مضيفاً: «عندما تزدهر أميركا يزدهر العالم... وعندما تسوء أحوالها، تسوء أحوال الجميع»، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحاول الرئيس الأميركي التركيز على جهوده لكبح التضخم وتحفيز الاقتصاد الأميركي. لكن ظهوره في هذا التجمع الذي ضمّ نخبة العالم، ركّز أكثر على شكواه من الدول الأخرى. وكرّر مراراً أن الولايات المتحدة هي الأقدر على السيطرة على غرينلاند، وسخر من معظم دول أوروبا لمعارضتها الفكرة.

وقال ترمب: «أنا أحب أوروبا وأريد أن أراها مزدهرة، لكنها لا تسير في الاتجاه الصحيح». وأضاف: «نريد حلفاء أقوياء، لا حلفاء ضعفاء».


الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)
ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)
TT

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)
ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب)

من المتوقع أن يجتمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف في موسكو، الخميس.

وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، لوكالة «تاس» للأنباء: «نتوقع هذا اللقاء غداً، فهو مدرج على جدول أعمال الرئيس»، من دون تحديد مكان انعقاده.

أما ويتكوف فأشار في تصريح لوكالة «بلومبرغ» خلال وجوده في منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا، إلى أنه يعتزم السفر إلى موسكو، مساء الخميس، برفقة جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قبل التوجه إلى الإمارات. وذكر ويتكوف أن الجانب الروسي طلب عقد اجتماع، معتبراً ذلك إشارة مهمة. وقال ويتكوف لوسائل إعلام أميركية إنه يرغب في مقابلة بوتين.

وكان ويتكوف وكوشنر قد التقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو مطلع ديسمبر (كانون الأول)، لتقديم مقترحات ترمي إلى إيجاد مخرج للنزاع الذي اندلع عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وأفادت تقارير، في وقت سابق، بأن ممثلين عن روسيا والولايات المتحدة ناقشوا العلاقات الثنائية وتسويةً بشأن السلام في أوكرانيا على هامش المنتدي دافوس. وأفادت وسائل إعلام روسية بأن ويتكوف وكوشنر والمفاوض الروسي كيريل ديمترييف عقدوا اجتماعاً، مساء الثلاثاء.

ولم يتم الإعلان عن نتائج، ولم يدل ويتكوف بتصريحات عبر قنواته المعتادة، لكن صحيفة «إيفيزتيا» الروسية نقلت عنه قوله إن الاجتماع كان إيجابياً للغاية. وأشار ويتكوف أيضاً إلى أنه يعتزم لقاء مسؤولين أوكرانيين كبار في دافوس، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

ومنذ أشهر، يجري الموفدون الأميركيون مفاوضات منفصلة مع كييف وموسكو للتوصل إلى اتفاق يهدف إلى وضع حد لنحو أربع سنوات من القتال، إلا أن قضايا عدة لا تزال عالقة، من بينها مسألة الأراضي التي تسيطر عليها روسيا والضمانات الأمنية لأوكرانيا. وتطالب كييف بالحصول على ضمانات واضحة من حلفائها الغربيين بشأن أمنها في حال التوصل لوقف لإطلاق النار.

ويريد ترمب إنهاء الحرب في أوكرانيا التي استمرت نحو أربع سنوات. وقد اقتصرت محادثات مبعوثيه حتى الآن بشكل رئيسي على الجانب الأوكراني، بمشاركة دول أوروبية في بعض جولات المحادثات. ولا تشارك القيادة الروسية برئاسة الرئيس فلاديمير بوتين بشكل مباشر في المحادثات، ولكن من خلال علاقاتها مع ويتكوف وكوشنر.

ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز»، الأربعاء، أن معارضة أوروبا لمساعي الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب للسيطرة على غرينلاند ولمبادرته المعروفة باسم «مجلس السلام»، عطلت خطط إعداد حزمة دعم اقتصادي لأوكرانيا في مرحلة ما بعد الحرب.

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس (أ.ب)

ونقلت الصحيفة عن ستة ‌مسؤولين أنه ‌تم تأجيل ‌إعلان ⁠مزمع عن ​خطة ازدهار ‌بقيمة 800 مليار دولار كان من المقرر الاتفاق عليها بين أوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة، على هامش منتدى دافوس هذا الأسبوع.

وقال مسؤول للصحيفة: «لا أحد في حالة تسمح بإقامة استعراض كبير حول اتفاق مع ترمب في الوقت ​الراهن»، مضيفاً أن الخلافات حول غرينلاند ومجلس السلام طغت ⁠على التركيز السابق على أوكرانيا في اجتماع دافوس.

وذكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء، أنه مستعد للسفر إلى دافوس، حيث يجتمع قادة العالم في المنتدى، فقط إذا كانت واشنطن مستعدة للتوقيع على وثائق تتعلق بالضمانات الأمنية لأوكرانيا ‌وخطة للازدهار بعد الحرب.

ويتخوف حلفاء كييف الأوروبيون من أن تطالب الولايات المتحدة أوكرانيا بالتنازل عن أراض. وقال كيريل دميترييف، مبعوث بوتين، بعد محادثات مع ويتكوف وكوشنر في دافوس: «الحوار كان بنّاءً، ويتفهم عدد أكبر من الناس سلامة الموقف الروسي». ونقلت وكالة الإعلام الروسية عن ويتكوف قوله: «عقدنا اجتماعاً إيجابياً للغاية». وذكر مصدر، اشترط عدم نشر اسمه، ​أن الاجتماع استمر ساعتين.

المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي ينتظران وصول ترمب إلى مطار في نيوجيرسي (أ.ب)

وتسيطر روسيا على نحو 19 في المائة ⁠من أوكرانيا، بما يشمل شبه جزيرة القرم ومعظم منطقة دونباس وجزءاً كبيراً من منطقتي خيرسون وزابوريجيا، وأجزاء من أربع مناطق أخرى.

وتقول روسيا إن شبه جزيرة القرم ودونباس وخيرسون وزابوريجيا أصبحت الآن تابعة لها. وتؤكد أوكرانيا أنها لن تقبل بذلك أبداً، ويعتبر معظم دول العالم ‌هذه المناطق جزءاً من أوكرانيا.

ميدانياً، أعلنت كل من أوكرانيا وروسيا، الثلاثاء، سقوط قتلى وجرحى جراء تبادل الهجمات بين الجانبين. وقال حاكم مدينة زابوريجيا الواقعة جنوب شرقي أوكرانيا، إيفان فيدوروف، إن ثلاثة مدنيين قتلوا في ضربة روسية استهدفت المدينة.

وأضاف فيدوروف، كما نقلت عنه «الوكالة الألمانية»، أن الهجوم أدى أيضاً إلى انقطاع التيار الكهربائي عن نحو 1500 مشترك، في وقت تواصل فيه القوات الروسية تكثيف ضرباتها على منظومة الطاقة الأوكرانية.

من جانبها، أفادت السلطات الروسية بسقوط قتلى كذلك؛ ففي مقاطعة بيلغورود، قتل أحد العاملين لدى رئيس أمن المنطقة في هجوم بطائرة مسيرة في منطقة جرايفورون، بحسب ما قاله حاكم المقاطعة فياتشيسلاف جلادكوف. كما أعلن حاكم مقاطعة بريانسك المجاورة، ألكسندر بوجوماز، عن مقتل شخصين آخرين جراء ضربة بطائرة مسيرة منفصلة.


أوروبا في مواجهة ترمب: هل تطلق النار على نفسها باسم الردع؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد خطابه الخاص في الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد خطابه الخاص في الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

أوروبا في مواجهة ترمب: هل تطلق النار على نفسها باسم الردع؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد خطابه الخاص في الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد خطابه الخاص في الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

في ظل تصاعد الخطاب الأوروبي الداعي إلى مواجهة سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاقتصادية والأمنية بصرامة، مع مطالبة ترمب بضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك مقابل المعارضة الأوروبية للطرح، تعود إلى الواجهة فكرة استخدام ما يُسمّى «سلاح الردع التجاري» أو «البازوكا» الأوروبي بوجه الولايات المتحدة. غير أن هذا الطرح، على جاذبيته السياسية والشعبوية، يخفي وراءه مخاطر قد تكون أشدّ وطأة على قارة أوروبا نفسها، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، اليوم الأربعاء.

اعتماد متبادل لا يمكن تجاهله

يَسهُل على القادة الأوروبيين وصف ترمب بالـ«فجّ» أو «المتنمّر»، كما فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ويبدو الخطاب الذي يرفض «الخضوع للبلطجة» جذاباً لجمهور غاضب من السياسات الأميركية المتقلبة. لكن المشكلة أن أوروبا، رغم كل شيء، لا تزال بحاجة ماسّة إلى الولايات المتحدة.

فالعلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي ليست تفصيلاً ثانوياً: جزء كبير من أرباح الشركات الأوروبية الكبرى يأتي من السوق الأميركية، كما تمثّل الصادرات نحو الولايات المتحدة نسبة معتبرة من الناتج الأوروبي. وفي الاتجاه المعاكس، تعتمد أوروبا على التكنولوجيا الأميركية ورؤوس الأموال والطاقة المقبلة من حلفاء واشنطن. أي تصعيد غير محسوب قد ينعكس مباشرة على الوظائف والنمو والاستقرار الاجتماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أثناء حضوره الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 20 يناير 2026 (رويترز)

كلفة الحرب التجارية الشاملة

نظرياً، تستطيع أوروبا الردّ عبر فرض قيود مؤلمة على قطاعات أميركية حسّاسة. لكن السؤال هو: ماذا بعد؟ هل يتوقع أصحاب هذا الطرح أن تتراجع واشنطن دون ردّ؟ حرب تجارية مفتوحة قد تدفع الاقتصاد الأوروبي، الذي يعاني أصلاً من نمو ضعيف، نحو الركود، فيما الاقتصاد الأميركي لا يزال أكثر ديناميكية.

الأسوأ من ذلك أن توسيع المواجهة لتشمل الاستثمارات ورؤوس الأموال قد يتحوّل إلى أزمة مالية عالمية، تضرّ بالمصارف الأوروبية أكثر مما تضرّ بواشنطن نفسها. وهنا، يتحوّل «سلاح الردع» إلى رصاصة مرتدة.

المشكلة أعمق من ترمب

ثمّة مفارقة أخرى: كثيرون من دعاة المواجهة الصلبة هم أنفسهم من يعرقلون تعميق التكامل الأوروبي. فغياب سياسة مالية موحّدة، وتباطؤ الإصلاحات، واستمرار الحواجز داخل السوق الأوروبية، كلها نقاط ضعف بنيوية لا علاقة لها بترمب، وفق «لوفيغارو».

حتى لو اختفى ترمب غداً عن الساحة، ستبقى مشكلات أوروبا قائمة: فجوة تكنولوجية، هشاشة دفاعية، وغياب رؤية موحّدة للسيادة الاقتصادية.

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأربعاء)، في مؤتمر دافوس الاقتصادي في سويسرا، أنه لن يستخدم القوة للاستحواذ على غرينلاند بعد أن هدد سابقاً بالجوء إلى خيار عسكري. لكنه قال إنه ليس بوسع أي دولة أخرى ​غير الولايات المتحدة حماية ⁠الجزيرة.

ووصف ترمب الدنمارك بـ«الناكرة للجميل» لرفضها التخلي عن الجزيرة، عادّاً أن أوروبا «لا تسير في الاتجاه الصحيح»، في حين تُهدد طموحاته في انتزاع السيطرة على غرينلاند من الدنمارك حليفة أميركا في الناتو، بتمزيق العلاقات مع العديد من أقرب حلفاء واشنطن.