كشف مصدر رئاسي فرنسي عن أن القادة الأوروبيين الذين سيجتمعون الخميس في بروكسل لمناقشة خطة تعزيز الدعم العسكري لأوكرانيا ودفع الصناعات الدفاعية الأوروبية إلى الأمام تخوفاً من انكفاء الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب عن الحلف الأطلسي، سينظرون في مسألة جديدة - قديمة تتناول إمكانية الاستحواذ على الودائع الروسية في البنوك الأوروبية واستخدامها لتمكين كييف من تمويل مشترياتها من الأسلحة ولاحقاً للتعويض عن الأضرار التي تسببت بها الحرب الروسية على أوكرانيا، وأيضاً في عملية إعادة الإعمار.

ويعود هذا الملف إلى الواجهة بعد قرار ترمب تجميد المساعدات المالية لأوكرانيا مباشرة عقب وصوله إلى البيت الأبيض، ولكن خصوصاً بعد القرار الذي اتخذه قبل يومين والقاضي بوقف إمداد القوات الأوكرانية بالأسلحة والذخائر عقب الاجتماع التاريخي الذي جرى يوم الجمعة الماضي والذي ضم ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو من جهة، والرئيس فولوديمير زيلينسكي ووزراءه من جهة أخرى، والذي انتهى بالطلب من الأخير مغادرة البيت الأبيض بعد الجدل الحاد ورفض المسؤول الأوكراني الاستجابة لطلب ترمب الذهاب إلى محادثات سلام مع روسيا من غير الحصول على ضمانات أمنية أوكرانية. ويعد الأوروبيون أن العبء الأوكراني سيقع كلية على كاهلهم في حال تراجع واشنطن عن دعم كييف، ما سيرتب عليهم أعباء عسكرية ومالية استثنائية. كذلك، يتعين عليهم، في الوقت نفسه، توفير الأموال للنفقات الدفاعية الإضافية التي سيقرونها، الخميس، بالاستناد إلى الخطة الطموح التي ستطرحها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان دير لاين.
مصادر تمويل جديدة
بناء على ما سبق، تبدو مصادرة الأموال الروسية العائدة في غالبيتها للبنك المركزي الروسي في المصارف الأوروبية وخصوصاً في بروكسل، التي تفيد التقديرات المتوافرة بأنها تزيد على 300 مليار دولار أقرب وأسهل الطرق لتوفير مئات المليارات. وحتى اليوم، «اكتفى» الأوروبيون بـ«الاستحواذ» على الفوائد الناتجة عن تشغيل الودائع الروسية التي تجاوز 2.5 مليار دولار سنوياً وضخها في صندوق «تسهيلات السلام» الأوروبي المراد له أن يوفر ما لا يقل عن خمسين مليار دولار. وتقوم آلية الصندوق على تمكين كييف من سحب الأموال من الصندوق المذكور لدفع أثمان مشترياتها من الأسلحة.
بيد أن قراراً أوروبياً يجيز مصادرة الأصول الروسية يحتاج إلى إجماع الأعضاء الـ27. والحال أن أمراً كهذا ليس متوفراً بسبب الانقسامات العميقة بين الأعضاء، وأيضاً بسبب وجود انقسامات داخل الدول نفسها. ففي فرنسا، على سبيل المثال، تكونت كتلة تضم الأحزاب الداعمة للرئيس إيمانويل ماكرون والاشتراكيين والخضر تدعو للسير بلا تردد على هذا الطريق، بينما الحكومة نفسها التي عينها ماكرون ترفض السير في ذلك. فوزير الشؤون الأوروبية في الخارجية الفرنسية بنجامان حداد، حذر، الثلاثاء، من أن الاستيلاء على الموجودات الروسية «سيشكل سابقة اقتصادية خطيرة»، و«سيضاعف حذر المستثمرين». ورغم تأكيده أن المصادرة «تشكل إحدى الوسائل المتاحة لنا في صراع القوة مع روسيا»، فإنه حذر من نتائجها السلبية وكونها «تثير تساؤلات قانونية وتساؤلات حول السوابق الاقتصادية والرسائل المرسلة إلى المستثمرين». أما وزير الخارجية جان نويل بارو فقد حذر، من جانبه، من «المخاطر المالية الكبيرة» المترتبة على إجراء من هذا النوع، وهو ما يوافقه عليه وزير الاقتصاد أريك لومبار الذي رأى أن إجراء كهذا يتناقض مع «الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها فرنسا ومعها الدول الأوروبية». وقال لومبتر، بشكل قاطع، إن هذه الأصول «تعود في غالبيتها للبنك المركزي الروسي» بمعنى أنها أصول تعود للدولة الروسية.

دونالد تاسك وكايا كالاس
تعد كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي من أشد الدافعين لمصادرة الأصول الروسية. بالمقابل، فإن رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين لم تعبر عن موقف قاطع كموقف كالاس، وهي تنتظر توضيح الدول الأعضاء كافة لمواقفها قبل أن تفعل هي الشيء نفسه. وفي أي حال، فإن ثلاثة أمور يتعين أخذها بعين الاعتبار: الأول، ضرورة توافق الأوروبيين على موقف موحد من أجل السير بقرار المصادرة. والثاني، توافر الحجج والذرائع القانونية التي تتيح التصرف بهذا الشكل علماً أن روسيا تستطيع نقل الملف إلى المحاكم الدولية. والثالث، أن المواقف ليست نهائية ويمكن أن تتغير خصوصاً إذا وجد الأوروبيون صعوبة في توفير الأموال للسير بطموحاتهم الدفاعية والعسكرية.

حقيقة الأمر أن هناك ثلاث مجموعات مكونة داخل الاتحاد: الأولى تعدّ أن رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك، الناطق باسمها وتضم إلى جانب بولندا، الدول المحاذية جغرافياً لروسيا أي دول بحر البلطيق الثلاث (أستونيا وليتوانيا ولاتفيا) التي تشعر كلها بخطر التهديد الروسي وتريد، بأي ثمن، ألا تخرج روسيا منتصرة من حربها مع أوكرانيا. وبالطبع، دأب الرئيس الأوكراني على تشجيع هذا التوجه، عادّاً أنه يتعين على روسيا أن تدفع ثمن ما هدمته في بلادها. ومعروف عن كايا كالاس، رئيسة وزراء أستوينا السابقة، عداؤها الشديد لروسيا وللرئيس بوتين. وكتب تاسك على منصة «إكس»، يوم 20 فبراير (شباط) الماضي: «كفى كلاماً، حان وقت العمل! دعونا نمول مساعداتنا لأوكرانيا من الأصول الروسية المجمدة».
مقابل هذه المجموعة، ثمة مجموعة رافضة وتضم، بشكل رئيسي، فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا، أي الدول الأوروبية الرئيسية والمفوضية الأووربية (بعيداً عن كالاس). وترى هذه المجموعة أن لمصادرة أصول تعود لطرف خارجي عواقب وخيمة ستؤثر على الثقة في الأسواق المالية الأوروبية في المستقبل علماً أن عامل الثقة أساسي لاستقرار هذه الأسواق. ولا تستبعد هذه المجموعة إمكانية إلقاء اللوم عليها في أي نزاعات دولية مستقبلية، وتعدّ أن تجميد الأصول والحجز عليها، لا، بل التصرف بما توفره من عوائد وفوائد أمراً مقبولاً، وهو ما يفعله الاتحاد الأوروبي. ولكنها، بالمقابل، ترى أن مصادرة الأصول تطرح عدداً من المشاكل القانونية والأخلاقية. ولا شك أن مزيداً من التساؤلات سوف يطرح، خصوصاً إذا تمكنت الولايات المتحدة وروسيا من تطبيع علاقاتهما بحيث يجد الطرف الأوروبي نفسه في موقف صعب وخارج المعادلات الجديدة. أما المجموعة الثالثة فتضم الدول التي لم تعبر عن موقف واضح أو أنها لا تعدّ نفسها معنية بالجدل القائم حالياً.
هل سيجرؤ الأوروبيون على الإقدام على خطوة مجهولة العواقب؟ السؤال مطروح وقد تحمل قمة القادة الأوروبيين بعض التوضيحات لمسألة بالغة الأهمية لهم ولأوكرانيا أيضاً.

