انطلاق المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية بين المحافظين والاشتراكيين الألمان

ميرتز يستعد لدخول المستشارية قبل الفصح ويطلب من شولتس عدم اتخاذ «أي قرارات دائمة» في هذه المرحلة الانتقالية

زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي فريدريش ميرتز يتحدث في مقر الحزب بعد الإعلان عن نتائج استطلاعات الرأي للانتخابات العامة لعام 2025 في برلين... 23 فبراير (رويترز)
زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي فريدريش ميرتز يتحدث في مقر الحزب بعد الإعلان عن نتائج استطلاعات الرأي للانتخابات العامة لعام 2025 في برلين... 23 فبراير (رويترز)
TT

انطلاق المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية بين المحافظين والاشتراكيين الألمان

زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي فريدريش ميرتز يتحدث في مقر الحزب بعد الإعلان عن نتائج استطلاعات الرأي للانتخابات العامة لعام 2025 في برلين... 23 فبراير (رويترز)
زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي فريدريش ميرتز يتحدث في مقر الحزب بعد الإعلان عن نتائج استطلاعات الرأي للانتخابات العامة لعام 2025 في برلين... 23 فبراير (رويترز)

لم يضيع التحالف المسيحي المحافظ بزعامة فريدريش ميرتز وقتاً؛ إذ بدأ اجتماعات بعد يوم فقط على الانتخابات مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة المستشار أولاف شولتس، الوحيد الذي يمكنه تشكيل حكومة أغلبية معه، بعد أن استبعد ميرتز تشكيل ائتلاف حكومي مع حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، الذي حل ثانياً بنسبة أصوات وصلت إلى 20 في المائة والذي ترفض كل الأحزاب الألمانية العمل معه بسبب التاريخ النازي للبلاد.

المستشار الألماني أولاف شولتس مع زعيم حزبه الاشتراكي لارس كلينغبايل الذي يقود المفاوضات مع المحافظين لتشكيل حكومة ائتلافية جديدة (إ.ب.أ)

وتسابق الأحزاب السياسية في ألمانيا الزمن لتشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات الأحد الماضي التي أظهرت فوز التحالف المسيحي (المشكّل من الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي البافاري) بأكبر عدد من المقاعد في «البوندستاغ». وتعهد ميرتز بعد دقائق من فوزه بالتسريع في تشكيل حكومة ائتلافية بعد أن حصل حزبه على نسبة 29 في المائة الأصوات، قائلاً إن «العالم لن ينتظرنا، ولا وقت لدينا لإجراء مباحثات مطولة». واجتمع ميرتز وشولتس صباح الثلاثاء للمرة الأولى بعد الانتخابات في مقرّ المستشارية، في لقاء استمر قرابة الساعة لم يفصح أي من الطرفين عن مضمونه.

واجتمع صباح الثلاثاء قادة الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي البافاري - اللذين يكونان التحالف المسيحي - لمناقشة كيفية المضي قدماً عقب الفوز في الانتخابات. وفي مقر الحزب المسيحي الديمقراطي اجتمع ميرتس مع زعيم الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري ماركوس زودر، والأمين العام للحزب الأول كارستن لينمان، والأمين العام للحزب الثاني مارتن هوبر، بالإضافة إلى زعيم الكتلة البرلمانية للحزب البافاري ألكسندر دوبرينت، والمدير التنفيذي لشؤون الكتلة البرلمانية للتحالف المسيحي تورستن فراي.

وقالت وسائل إعلام ألمانية إن ميرتز طلب من المستشار شولتس ألا تتخذ حكومته «أي قرارات دائمة» من دون التشاور مع حزبه الفائز بالانتخابات. وأرسل ميرتز مذكرة إلى الحكومة الألمانية يطلب فيها التعاون معها في المرحلة الانتقالية ولغاية تشكيل الحكومة الجديدة. وقال مراقبون إن الرجلين قد ناقشا اتخاذ قرار سريع حول إنشاء صندوق خاص لدعم أوكرانيا؛ نظراً للتغيرات السياسية السريعة الحاصلة التي لن تنتظر تشكيل حكومات لاتخاذ قرارات كهذه. يعدّ ميرتز داعماً كبيراً لكييف.

المستشار الألماني القادم فريدريش ميرتز واقفاً بمناسبة اجتماع لنواب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي في البرلمان الألماني (البوندستاغ) الثلاثاء (إ.ب.أ)

وقد حذَّر قبيل انتخابه «من شرخ» في العلاقات الأوروبية - الأميركية، خصوصاً بعد خطاب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في ميونيخ الذي أثار صدمة واستياء الأوروبيين، ووجّه لهم فيه انتقادات حول «قمع حرية التعبير» ودعا الأحزاب الألمانية للتعاون مع حزب «البديل من أجل ألمانيا».

ولكن يتعين على الحزبين، المسيحي الديمقراطي والاشتراكيين، الاتفاق خلال المشاورات لتشكيل حكومة، حول نقطة جدلية تتعلق بالدين العام والمحظور في الدستور إلا في حالات الطوارئ. ويؤيد الاشتراكيون تعديل الدستور للاستدانة وتمويل الدفاع والحرب في أوكرانيا وتنمية الاقتصاد، بينما يبدو الحزب المحافظ حذراً في اتخاذ قرار كهذا. وقد تكون هذه واحدة من النقاط الخلافية بين الطرفين التي قد تعوق أو تعرقل تشكيل الحكومة.

زعيمة حزب «البديل من أجل ألمانيا» أليس فايدل تلوِّح بعلم ألمانيا في برلين (أ.ب)

وكانت هذه النقطة الخلافية التي أطاحت حكومة شولتس بعد رفض الحزب الليبرالي الذي يحمل آيديولوجيا أقرب للمحافظين، بتعديل بند الدين العام؛ ما دفع بشولتس إلى طرد وزير ماليته كريستيان ليندنر. وكان ميرتز قد أشار بعد انهيار الحكومة إلى إمكانية التحالف مع الليبراليين بعد الانتخابات وحتى إعادة ليندر وزيراً للمالية، لكن الحزب لم ينجح حتى بدخول البرلمان بعد أن فشل في الحصول على 5 في المائة من نسبة الأصوات، وهي النسبة التي يفرضها القانون على الأحزاب لدخول البرلمان.

وهكذا، بات الاشتراكيون الشريك الوحيد القادر على تشكيل حكومة مع المحافظين، وهي حكومة اعتادت عليها ألمانيا في معظم السنوات التي تلت ما بعد الحرب العالمية الثانية. وقد حكمت المستشارة السابقة أنجيلا ميركل في ثلاث حكومات مع الاشتراكيين من أصل أربع ترأستها.

وبدأت اللقاءات التحضيرية للمشاورات بين الحزبين، عرض فيها كل طرف للشروط الأساسية لبدء التفاوض، بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام الألمانية. وقال لارس كلينغبايل، الذي يمثل الحزب الاشتراكي في المفاوضات، قبل لقائه مفاوضي الحزب المحافظ، إنه سيتعين على ميرتز أن يقدم تنازلات للاشتراكيين رغم «فوز حزبه الواضح». وأضاف أنه «ليس مؤكداً بتاتاً بأن الاشتراكيين سيشاركون في هذه الحكومة، الكرة الآن في ملعب ميرتز».

المستشار الألماني أولاف شولتس يحذّر من لعبة الروليت الروسي في قضايا الأمن الأوروبي (أ.ف.ب)

ويسعى ميرتز لإنهاء المشاورات مع الاشتراكيين وتشكيل حكومة قبل عيد الفصح المقبل في 20 أبريل (نيسان)؛ ما يعطيه مهلة أقل من شهرين للانتهاء من المشاورات. وأمام الحكومة الألمانية الجديدة تحديات كثيرة، خصوصاً لجهة ترميم العلاقات مع واشنطن ودعم أوكرانيا. وسيسعى ميرتز الذي يعي أن العلاقات مع الشريك الأميركي قد تكون بدأت تتغير، إلى تقوية التحالفات داخل أوروبا، وقد أعلن قبل فوزه حتى بأن زياراته الخارجية الأولى ستكون إلى فرنسا وبولندا. وقد قال الأسبوع الماضي قبل الانتخابات إن على الأوروبيين أن «يستعدوا لواقع جديد بأن دونالد ترمب لن يقبل بعد الآن بشكل كامل وعود حلف (ناتو) بالمساعدة»، داعياً إلى محادثات مع بريطانيا وفرنسا الدولتين النوويتين في المقابل.

وتنشر واشنطن أسلحة نووية سرية في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولديها ما يزيد على 40 قاعدة عسكرية داخل البلاد، لكن المخاوف من تقليص هذه القواعد وحتى سحب المظلة الأمنية لألمانيا، تزداد منذ عودة ترمب للبيت الأبيض. ونقلت صحيفة «بيلد» الألمانية عن الـ«تلغراف» البريطانية أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أبدى استعداده لنشر أسلحة نووية في ألمانيا تستبدل الأميركية لردع روسيا. وكان ماكرون قد تحدث عبر الهاتف مع ميرتز قبل توجهه إلى واشنطن ولقائه ترمب، لتنسيق المواقف بين فرنسا وألمانيا.


مقالات ذات صلة

«الوحدة» الليبية تعوّل على مشاركة «البلديات» بالمسار الأممي

شمال افريقيا وزير الحكم المحلي المكلف في حكومة «الوحدة» محمد بن غلبون ونائبة مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني خوري خلال لقاء في طرابلس الخميس (وزارة الحكم المحلي)

«الوحدة» الليبية تعوّل على مشاركة «البلديات» بالمسار الأممي

تعوّل حكومة «الوحدة الوطنية» (المؤقتة) في غرب ليبيا على إشراك عمداء البلديات ومجالسها المنتخبة في العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)

محادثات ليبية لبحث جهود توحيد المؤسسة العسكرية

تتواصل في العاصمة التونسية، لليوم الثاني، السبت، محادثات ليبية تستهدف توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام العسكري والمؤسسي

خالد محمود (القاهرة )
الولايات المتحدة​ رجل يضع قبعة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» خلال مناسبة انتخابية في مونرو بميشيغان يوم الخميس (أ.ف.ب)

الأميركيون يتطلعون إلى «تغيير جذري» في الانتخابات

أفاد استطلاع أن الأميركيين يرغبون في تغيير جذري خلال الانتخابات النصفية للكونغرس، وسط اعتقاد بتقصير داخلي وخارجي من الرئيس دونالد ترمب.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب في حدث انتخابي في مونتانا في 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

ترمب ومعركة مجلس النواب... اختبار للأغلبية الجمهورية

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، الولايات التي ستحسم معركة مجلس النواب، وكيف لإعادة رسم الخرائط الانتخابية أن تغيّر موازين القوى

رنا أبتر (واشنطن)
العالم العربي الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

أعلن الصومال الخميس إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل، رغم المشهد السياسي المتزايد الانقسام والمخاوف من تنامي عدم الاستقرار في البلاد.

«الشرق الأوسط» (مقديشو)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.