ماكرون وستارمر إلى واشنطن في الذكرى الثالثة للحرب بهدف إبطاء التقارب مع موسكو

الأوروبيون يتخوفون من صفقة «يالطا جديدة» يبرمها ترمب وبوتين وتكون القارة القديمة ضحيتها

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل قمة غير رسمية للقادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل قمة غير رسمية للقادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

ماكرون وستارمر إلى واشنطن في الذكرى الثالثة للحرب بهدف إبطاء التقارب مع موسكو

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل قمة غير رسمية للقادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل قمة غير رسمية للقادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا (أ.ف.ب)

يمكن فهم معنى وأهمية الزيارتين المتعاقبتين اللتين سيقوم بهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأحد والاثنين، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الأربعاء، للعاصمة الأميركية في الذكرى الثالثة للحرب الأوكرانية التي تصادف يوم الاثنين 24 فبراير (شباط)، خصوصاً مع تسارع الأحداث في هذا الملف الذي أصبح مقلقاً لجميع الأطراف.

الإليزيه يشدد على «أهمية العلاقة الخاصة التي نسجها ماكرون مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ ولايته الأولى»، ما يجعله قادراً على التأثير عليه. وبالمقابل، فإن ستارمر يركز على أن بريطانيا أقرب حليف للولايات المتحدة في أوروبا، وأن بين الطرفين علاقة «استثنائية». وبحسب مصادر أوروبية في باريس، فإن الاثنين «سوف يسعيان لإبطاء اندفاعة ترمب باتجاه بوتين، والتشديد على أن الأخير واقع في قبضة الصين ورئيسها شي جينبينغ، فضلاً عن الإصرار على مشاركة الأوروبيين في المفاوضات التي تهم أوكرانيا والأمن الأوروبي بشكل عام».

ترمب يجدد هجومه

جدد الرئيس ترمب هجومه؛ إذ قال في بودكاست «فوكس نيوز» إن زيلينسكي «كان في اجتماعات لمدة ثلاث سنوات ولم يتم القيام بأي شيء... لذلك، لأكون صادقاً معكم، لا أعتقد أنه من المهم للغاية أن يكون في الاجتماعات». ورداً على سؤال عن الزيارتين المقبلتين من رئيس وزراء المملكة المتحدة والرئيس الفرنسي، قال: «لم يفعلا أي شيء أيضاً (لإنهاء الحرب). الحرب مستمرة، لم يعقدا اجتماعات مع روسيا، لا شيء».

وبين الرئيس دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قصة عداء قديمة تعود لعام 2019، كادت تتسبب بإبعاد الأول عن البيت الأبيض. ترمب الذي كان يتهيأ للترشح مرة أخرى لانتخابات عام 2020، سعى للضغط على زيلينسكي لغرض دفعه لفتح تحقيق قضائي ضد عائلة جو بايدن بتهمة الفساد، وتحديداً ضد ابنه هانتر الذي كانت له أنشطة تجارية في أوكرانيا. وهدف ترمب الواضح كان وقتها إثارة فضيحة كبرى بوجه بايدن لقطع الطريق على ترشحه للرئاسة.

لقاء ثلاثي في «قصر الإليزيه» بين رؤساء فرنسا والولايات المتحدة وأوكرانيا يوم 7 ديسمبر 2024 (د.ب.أ)

وفي مكالمة هاتفية شهيرة حصلت يوم 25 يوليو (تموز) بين الرئيسين، طلب ترمب بإصرار من زيلينسكي الإسراع بفتح التحقيق، الأمر الذي رفضه الأخير. وكانت النتيجة أن ترمب أمر بوقف تقديم مساعدة لأوكرانيا بقيمة 391 مليون دولار عقابا لزيلينسكي. وبعد تسريب مضمون المكالمة، سعى الديمقراطيون في مجلس النواب للإطاحة بالرئيس الأميركي. غير أنهم فشلوا في ذلك. وها هو ترمب، مجدداً، يحاصر الرئيس الأوكراني وينزع عنه «الشرعية» الدستورية؛ لأن ولايته الأولى انتهت العام الماضي، والشرعية «الشعبية» حيث لا يحظى إلا بدعم 4 في المائة من الأوكرانيين، وفق زعمه.

كذلك لم يتردد في وصفه بـ«الديكتاتور»، وبأنه «كوميدي صغير»، في إشارة لما كان عليه زيلينسكي قبل أن يصبح رئيساً. ولكن الأهم من ذلك أنه «يمسك بخناقه» من خلال إصراره على فرض صفقة يريد من خلالها الانفراد والسيطرة على نصف «المعادن النادرة» التي يختزنها باطن الأراضي الأوكرانية. ولأن زيلينسكي رد عليه بأن أوكرانيا «ليست للبيع»، سرّع ترمب الخطى من أجل إبرام صفقة أخرى، ولكن هذه المرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي لم يستبعد الالتقاء به قبل نهاية الشهر الحالي. وما يحفزه على ذلك نجاح الاجتماع الأميركي - الروسي في الرياض، الاثنين الماضي، وخروج الوفدين الأميركي والروسي مرتاحين منه، حيث توافقا على إيجاد مجموعتي عمل؛ إحداهما لتنقية وربما لتطبيع العلاقات الثنائية، والثانية لبلورة اتفاق من أجل وضع حد للحرب الأوكرانية.

الرئيسان الفرنسي والأوكراني في بروكسل يوم 18 ديسمبر 2024 (رويترز)

ترمب يتبنى شروط بوتين

هذا السيناريو يراه الأوروبيون كارثياً، ليس فقط بسبب أوكرانيا ولأن نهج ترمب يتعارض تماماً مع مواقفهم التقليدية الداعمة لها، والمطالبة بألا يفرض عليها شيء لا تقبله؛ بل لأنهم يرون أن واشنطن، من خلال تقاربها مع موسكو، فإنها تتخلى عن حلفائها لصالح روسيا، مع ما يحمل ذلك من مخاوف إزاء أمن القارة القديمة. وأحد مآخذ الأوروبيين أن ترمب فك عزلة بوتين السياسية والدبلوماسية الدولية وتبنى مقاربته، ومطالبه لجهة صورة الحل في أوكرانيا.

ويريد بوتين، كما هم معلوم، أمرين: تخلي كييف عن الأراضي التي تحتلها القوات الروسية، والتخلي، نهائياً، عن سعيها للانضمام إلى الحلف الأطلسي. كذلك، لا تبدو إدارة ترمب راغبة في ضم الأوروبيين إلى المحادثات حول أوكرانيا. إلا أنها، بالمقابل، تحمّل الأوروبيين مسؤولية توفير الضمانات الأمنية لأوكرانيا من خلال إنشاء ونشر قوة عسكرية لحفظ السلام، وللتأكد من أن بوتين لن يقوم بمغامرة جديدة.

لكن مشكلة الأوروبيين تكمن في أنهم واثقون من أن مصداقية هذه القوة أن تكون متمتعة بدعم أميركي. والحال أن ترمب أكد أنه لن يرسل جنوداً إلى أوكرانيا، وأكد وزير دفاعه أن القوة الأوروبية لن تكون تحت الراية الأطلسية؛ أي إنها ستكون عملياً بعيدة عن مظلة الحماية الأميركية. ولذا، فإن السؤال يدور حول مدى قدرتها على ردع روسيا مستقبلاً.

US Special Envoy to Ukraine and Russia Keith Kellogg shakes hands with Ukrainian President Volodymyr Zelenskiy, amid Russia's attack on Ukraine, in Kyiv, Ukraine, February 20, 2025. REUTERS/Thomas Peter

ثم إن الأوروبيين قلقون على مصير الحلف الأطلسي، وتنتابهم الشكوك إزاء رغبة الرئيس الأميركي في البقاء داخله، والالتزام بمواثيقه، وأهم ما فيها الفقرة الخامسة التي تجعل أي اعتداء على أي عضو فيه اعتداء على كافة أعضائه. وأخيراً، يعبر الأوروبيون عن أسفهم لـ«فلسفة» ترمب الذي يرى أن «الأوراق الرابحة» في الملف الأوكراني موجودة بين يدي بوتين. من هنا يأتي تأكيده، الأربعاء، أن الروس «يريدون للحرب أن تنتهي... لكنّني أعتقد أنهم في موقع قوة إلى حدّ ما لأنّهم سيطروا على الكثير من الأراضي». وهذه القراءة تصدم الأوروبيين؛ لأن الولايات المتحدة تجيز بذلك مبدأ اللجوء إلى القوة للاستحواذ على أراضي الغير؛ ولأنها تضرب عرض الحائط بما ينص عليه القانون الدولي. وباختصار، فإنها تتبنى مقاربة بوتين.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مع المبعوث الأميركي الخاص لأوكرانيا وروسيا كيث كيلوغ في بروكسل (رويترز)

حراك أوروبي محموم

إزاء هذا الواقع المستجد، كان على الأوروبيين أن يتحركوا. وجاء ذلك في اتجاهين: العمل على ثني ترمب عن الاستمرار في نهجه إزاء أوكرانيا وإزاءهم. والثاني، التوافق على السعي لتعزيز قدراتهم العسكرية الذاتية من خلال زيادة مخصصاتهم الدفاعية والارتقاء بها إلى ما يقارب الـ4 في المائة من ناتجهم الداخلي العام. وفي السياق نفسه، يتوافقون على إقامة المشاريع المشتركة لصناعاتهم العسكرية، وتفضيل الأسلحة والمعدات الأوروبية على شرائها من خارج الاتحاد، وتحديداً من الولايات المتحدة. ويتضح من الحراك الأوروبي المحموم أنهم يسعون لسد ثغراتهم الدفاعية في سنوات قليلة، وهو ما عجزوا أو لم يسعوا لسده خلال العقود المنقضية، حيث كانت الاستكانة إلى المظلة الأميركية الواقية أكثر إراحة وأقل كلفة.

كيث كيلوغ موفد الرئيس الأميركي لأوكرانيا في كييف مع أندريه يرماك مسؤول المكتب الرئاسي الأوكراني (أ.ف.ب)

خلال هذه الأزمة، سعى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى أن يلعب دوراً ريادياً وهو المروّج، منذ عام 2017، لمقولة «الاستقلالية الاستراتيجية»، ولاعتماد الاتحاد الأوروبي على قواه الذاتية، ولكن دون أن يعني ذلك التخلي عن الحلف الأطلسي الذي حافظ خلال 75 عاماً على أمن أوروبا الغربية، ثم توسع ليلامس حدود روسيا. وبرز ذلك من خلال «قمتين» دعا إليهما: الأولى، حضورياً، الاثنين الماضي، مع سبعة من قادة الدول الأوروبية الرئيسية: «بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا...». والثانية عن بعد مع قادة 18 دولة أوروبية يضاف إليها كندا. وفي «القمتين»، كان الهدف نفسه: رص الصف الأوروبي، والتأكيد على المبادئ التي تحكم سياسته إزاء أوكرانيا، والعلاقة مع واشطن والأمن الأوروبي، والتباحث في كيفية إنشاء قوة «الفصل» أو قوة «ضمان السلام»، وطمأنة الأوكرانيين. ويرى كثيرون أن إنشاءها سيكون المدخل الذي سيوفر للأوروبيين الوجود حول طاولة المفاوضات.

الوفدان الأميركي برئاسة وزير الخارجية ماركو روبيو والروسي برئاسة سيرغي لافروف خلال اجتماعهما في 18 الحالي في الرياض لبحث الملف الأوكراني والعلاقات الثنائية (رويترز)

«يالطا جديدة»

بيد أن الأهم من ذلك كله أن الأوروبيين لا يريدون أن يكونوا ضحية «يالطا جديدة»، طرفاها روسيا والولايات المتحدة، يقرران بموجبها كيفية وضع حد لحرب أوكرانيا، ولصورة أوروبا المستقبلية وأمنها. وتؤكد مصادر رئاسية فرنسية أن ماكرون وستارمر «يعملان يداً بيد» لبلورة «خطة» سيطرحانها على ترمب لمرحلة ما بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار، ويكون غرضها ضمان أن روسيا لن تقوم بمغامرة عسكرية جديدة في أوكرانيا. وبالإضافة لنشر قوة أوروبية أرضية لن يتجاوز عددها الـ30 ألف رجل، يعول الأوروبيون على قوة ردع جوية تحمي الأجواء الأوكرانية والمواقع الحيوية والاستراتيجية الحساسة. بيد أن الصعوبة تكمن في حاجة الأوروبيين لتعهد ودعم أميركيين (Backstop) حتى تتمتع بالمصداقية. ومن غير توافرهما لن يغامروا بنشر قوات أرضية أو جوية. والحال أن وزير الدفاع الأميركي بيتر هيغسيث أعلن رفض بلاده لأي مشاركة أرضية، كما ترفض واشنطن أن تكون القوة الأوروبية تحت راية الحلف الأطلسي.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً في الاجتماع السنوي لقضاة البلاد في موسكو الخميس 20 فبراير (إ.ب.أ)

هل ينجح ماكرون وستارمر في تغيير الإدارة الأميركية؟

الواضح أنهما يقومان بمهمة محفوفة بالمخاطر؛ نظراً لما يعكسه التوتر المتصاعد بين ترمب وزيلينسكي. وفي أي حال، فإن الأول هو من يمسك اليوم بخيوط الحرب الأوكرانية، وبطبيعة العلاقة المستقبلية بين بلاده وأوروبا وأمن القارة القديمة. ومع انعدام اليقين إزاء ما قد يتفتق عنه فكر ترمب، والخلافات الكبيرة التي أثارها خلال شهر واحد مع الشركاء والحلفاء؛ إن بصدد أوكرانيا أو غرينلاند أو تقييم التهديد الذي تشكله روسيا وصولاً إلى الرسوم الباهظة التي أمر بفرضها على المبيعات الأوروبية في بلاده، فإن نجاح المساعي الأوروبية غير مضمون، والمفاجآت لا يمكن استبعادها.


مقالات ذات صلة

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تصل إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في سيرناي لا فيل خارج باريس 26 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين»

اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين» خلال الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جندي أوكراني يطلق النار من مدفع «هاوتزر» باتجاه القوات الروسية على خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 18 مارس 2026 (أ.ب) p-circle

مشرّعون روس يزورون أميركا بعد سنوات من الغياب كجزء من تطبيع العلاقات

مشرعون روس يزورون أمريكا بعد سنوات من الغياب كجزء من تطبيع العلاقات الكرملين يأمل في عقد جولة جديدة من المفاوضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.


حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025، على ما أظهرت بيانات جديدة، الخميس.

ويطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول الحلف البالغ عددها 32 بزيادة إنفاقها الدفاعي، داعياً أوروبا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار تقرير لـ«الناتو» إلى أن كل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا تجاوزت الآن الهدف المحدد بتخصيص ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وهو هدف تم تحديده في عام 2014 بغرض تحقيقه في مهلة أقصاها 2024. ومنذ ذلك الحين، وتحت ضغط ترمب، حدد الناتو هدفاً جديداً هو 5 في المائة بحلول 2035.

ولدى عرضه التقرير قال الأمين العام للحلف مارك روته: «أتوقع من أعضاء الحلف في قمة (الناتو) المقبلة في أنقرة أن يُظهروا أنهم يسيرون على طريق واضح وموثوق نحو تحقيق نسبة 5 في المائة».

وحققت ثلاث دول فقط هدف 3.5 في المائة العام الماضي، وهي بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وزادت كل الدول إنفاقها العسكري العام الماضي، لكن ثلاثاً منها سجلت انخفاضاً طفيفاً في نسبة الإنفاق مقارنةً بناتجها المحلي الإجمالي.

في المقابل، تراجعت النسبة للولايات المتحدة من 3.30 في المائة عام 2024 إلى 3.19 في المائة، وفي جمهورية التشيك من 2.07 في المائة إلى 2.01 في المائة، وفي المجر من 2.21 في المائة إلى 2.07 في المائة.


تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث هجوم له على أوروبا، انتقادات لاذعة لقادة القارة لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «إنهم يشتكون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها»، لكنهم يرفضون «مناورة عسكرية بسيطة هي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط».

ومهما بدت تصريحاته اندفاعية، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أعمق؛ وهي أن ترمب وضع قادة أوروبا أمام معادلة مزدوجة. فالإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي من جانب إيران أشعل أزمة طاقة شاملة في أنحاء القارة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، الذي يثير غضب الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا، تزداد الضغوط على القادة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح خطوط الشحن.

شبح حرب العراق

لكن في الوقت نفسه، تتّجه الرياح السياسية في أوروبا بشكل كبير ضد الحرب، ما يرفع تكلفة مشاركة أوروبا فيها. فالحملة العسكرية تتعرّض لانتقادات من كثير من الأوروبيين، خصوصاً على اليسار، الذين يرون أنها غير مبررة وغير قانونية، وأنها تهدد النمو الهش في أوروبا. كما لا يزال القادة يستحضرون حرب العراق، التي دعمتها بريطانيا، وندمت عليها لاحقاً. وقال جيرار أرو، السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل والولايات المتحدة: «نحن منقسمون كعادتنا. الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على عدة مستويات. نحن في حالة صدمة كاملة مما يحدث».

ورغم المخاطر السياسية، هناك أسباب قوية تدفع أوروبا لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ففي ألمانيا، تجاوز سعر البنزين 2 يورو للتر، أي ما يعادل 9.48 دولار للغالون، ما أجبر برلين ودولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مكلفة، مثل بحث خفض الضرائب ووضع سقوف للأسعار للتخفيف من الصدمة.

وقال بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق لدى فرنسا والولايات المتحدة: «لدى الأوروبيين مصلحة كبيرة في فتح المضيق أمام ناقلات النفط والتجارة الأخرى، وفي إظهار أنهم حلفاء موثوقون للدول الخليجية».

ورغم الضغوط التي يمارسها ترمب على أوروبا، فإنه لم يُسهّل على قادتها دعمه. إذ لم تُشاور الولايات المتحدة حلفاءها بشأن العملية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بل لم تُخطر غالبيتهم مسبقاً. وجاء غياب التنسيق بعد فترة متوترة صعّد فيها ترمب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتقلّب في دعمه لأوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، وجّه ترمب إهانات إلى القادة الأوروبيين، ولا سيما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي بذل جهوداً كبيرة لكسب وده. وقال إنه «ليس ونستون تشرشل»، قبل أن يروّج لمقطع ساخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يرتجف قبل مكالمة هاتفية مع الرئيس.

انتقاد الحلفاء

وحتى عندما دعا الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم، لم يخلُ حديث ترمب من الانتقاص منهم، إذ قال إن الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى قدراتهم العسكرية. ويرى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن ذلك يكشف دافعه الحقيقي: دفع أوروبا لتحمل المخاطر السياسية للانضمام إلى الحملة العسكرية.

ويشير محللون إلى أن أوروبا يمكن أن تسهم في عملية عسكرية في المضيق، عبر نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكنهم يرون أن قيمة مشاركتها السياسية تفوق أهميتها العسكرية. وقال ميشال ياكوفليف، الجنرال الفرنسي المتقاعد والمخطط السابق في «الناتو»: «قد يكون من المفيد وجود مزيد من السفن، لكن هذا ليس طرح ترمب». وأضاف: «لو كان مستعداً للقول إن حجم المشكلة يتطلب موارد إضافية، لكان الحساب مختلفاً». وتابع: «لكن بما أنه قلّل من قيمة المساهمة العسكرية الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة سياسية». وأشار إلى أن القادة الأوروبيين مُحقّون في عدم منح ترمب غطاءً سياسياً، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو يطرح مساراً للخروج من الحرب. وكان الرئيس قد قال إن «محادثات جيدة جداً» جارية لإنهاء القتال، وهو ما سارعت إيران إلى نفيه.

وأضاف ياكوفليف أن تشكيل تحالف لتأمين المضيق يتطلب اتفاقاً على نطاق العملية ومساهمات كل طرف وسلسلة القيادة وقواعد الاشتباك، وهي عملية قد تستغرق شهرين على الأقل.

وفي الأسبوع الماضي، خفّف قادة أوروبيون، إلى جانب نظرائهم من آسيا والخليج، من معارضتهم للمشاركة في مثل هذه العملية، لكن بيانهم جاء حذراً، إذ قال: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق».

تحالف ما بعد الحرب

ويعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلف الكواليس للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لعملية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع، فيما طرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي فكرة توسيع مهام بعثات الحماية البحرية القائمة في المنطقة.

وقال أرو إن أوروبا، بالنظر إلى تاريخها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، يمكن أن تلعب دوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية في إنهاء النزاع. لكنه أضاف أن أوروبا مكبّلة بثلاثة عوامل مترابطة: عدم ثقة ترمب ببروكسل خصوصاً بعد رفضها دعم الحرب؛ ومخاوفها من أن يؤدي استعداؤه إلى الإضرار بأوكرانيا؛ وشكوك إيران فيها نظراً للتردد الأوروبي في مواجهة واشنطن بشكل أكثر وضوحاً. وختم قائلاً: «يمكننا أن نؤدي دور الوسيط، لكن ترمب يفضل الباكستانيين»، مضيفاً أن «الإيرانيين لا يثقون بنا أيضاً؛ فهم يعتقدون أننا ندعم الأميركيين».

*خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»