أوكرانيا تراهن على أن يفقد ترمب صبره من بوتين

مراقبون يقولون إن الضغوط الاقتصادية وحدها لن تجبره على إنهاء الحرب بعدما غير بنية روسيا

دونالد ترمب خلال اجتماعه مع فلاديمير بوتين على هامش قمة «مجموعة الدول العشرين» في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)
دونالد ترمب خلال اجتماعه مع فلاديمير بوتين على هامش قمة «مجموعة الدول العشرين» في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)
TT
20

أوكرانيا تراهن على أن يفقد ترمب صبره من بوتين

دونالد ترمب خلال اجتماعه مع فلاديمير بوتين على هامش قمة «مجموعة الدول العشرين» في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)
دونالد ترمب خلال اجتماعه مع فلاديمير بوتين على هامش قمة «مجموعة الدول العشرين» في أوساكا باليابان عام 2019 (رويترز)

تزايدت الشكوك في احتمال عقد لقاء، أو على الأقل إجراء اتصال هاتفي مباشر في وقت قريب، بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لمناقشة إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام محتمل لإنهاء الحرب الدائرة في أوكرانيا.

زيلينسكي مع وزير الدفاع الألماني (أ.ب)
زيلينسكي مع وزير الدفاع الألماني (أ.ب)

وتحدثت تقارير وتحليلات أميركية عدة عن أن تلك الشكوك قد يكون مصدرها تزايد غضب ترمب من بوتين، الذي يبدو أنه لن يوافق على أي شيء أقل من استسلام مذل لأوكرانيا، وهو الشرط الذي يحاول ترمب تجنبه، خلال سعيه لإبرام «صفقة» مربحة للطرفين.

وقال الرئيس الأوكراني في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» إن أوكرانيا بحاجة إلى ضمانات أمنية أوسع وإن بوتين لا يخاف من أوروبا، وحث الرئيس ترمب على الوقوف إلى جانب أوكرانيا. وقال زيلينسكي «نريده (ترمب) أن يكون إلى جانب العدالة، إلى جانب أوكرانيا. بوتين لا يخشى أوروبا». وأضاف أن أوكرانيا لا يمكن أن تعترف بالاحتلال الروسي، لكنها تفضل الحل الدبلوماسي.

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتبادلان وثائق اتفاق حول التعاون بمجال الدفاع في وارسو... الاثنين (أ.ب)
رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتبادلان وثائق اتفاق حول التعاون بمجال الدفاع في وارسو... الاثنين (أ.ب)

وبدوره أعلن الرئيس الروسي الثلاثاء أن بلاده مستعدة للتفاوض لإنهاء النزاع في أوكرانيا، لكنّه استبعد التحدث مباشرة مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي اعتبره «غير شرعي».

وقال بوتين «إذا أراد (زيلينسكي) المشاركة في المفاوضات، سأختار أشخاصاً للمشاركة فيها»، واصفاً زيلينسكي بأنه «غير شرعي» لأن ولايته الرئاسية انقضت خلال الأحكام العرفية المفروضة.

وتابع الرئيس الروسي «إذا كانت هناك رغبة بالتفاوض وإيجاد تسوية، لندع أياً كان يقود المفاوضات هناك... بطبيعة الحال سنسعى جاهدين لتحقيق ما يناسبنا، وما يتوافق مع مصالحنا». وحذرت كييف من استبعادها من أي محادثات سلام بين روسيا والولايات المتحدة، متهمة بوتين بالرغبة في «التلاعب» بترمب.

اللقاء الثلاثي في قصر الإليزيه الذي جمع رؤساء فرنسا والولايات المتحدة وأوكرانيا يوم 7 ديسمبر 2024 (د.ب.أ)
اللقاء الثلاثي في قصر الإليزيه الذي جمع رؤساء فرنسا والولايات المتحدة وأوكرانيا يوم 7 ديسمبر 2024 (د.ب.أ)

بوتين في نقطة اللاعودة

ويمارس ترمب ضغوطاً على الجانبين لوضع حد للنزاع الدائر منذ نحو ثلاث سنوات، وكشف الأسبوع الماضي أن زيلينسكي يريد التفاوض على «صفقة» لوقف القتال.

كان ترمب يعتقد أنه يستطيع إقناع بوتين، أو إرغامه على التوصل إلى تسوية عادلة، من خلال التهديد بإطلاق المزيد من العقوبات الاقتصادية التي من شأنها أن تفاقم المشكلات التي يتعرض لها الاقتصاد الروسي. لكن تقديرات عدد من الخبراء والمحللين الأميركيين تشير إلى أن احتمال أن يخضع بوتين لمثل هذه الضغوط قد يكون تراجع كثيراً، بعدما بدا أنه ليس في مزاج تفاوضي الآن.

الرئيس الأوكراني زيلينسكي خلال لقائه ترمب في نيويورك (أ.ب)
الرئيس الأوكراني زيلينسكي خلال لقائه ترمب في نيويورك (أ.ب)

كما بوتين أن النزاع يمكن أن ينتهي في «شهرين» أو أقل إذا أوقف الغرب دعم كييف. وجاء في تصريح أدلى به بوتين لصحافي في التلفزيون الروسي «لن يصمدوا شهراً إذا نفد المال أو الذخائر عموماً. كل شيء سينتهي في شهر ونصف الشهر أو شهرين».

كما أن رهان الدائرة الضيقة المحيطة ببوتين على النجاحات العسكرية التي يحققها الجيش الروسي على جبهات القتال يمكن أن يتطور في الأشهر المقبلة من هذا العام، بما يحسن من شروطه التفاوضية في مواجهة الانهيار العسكري المتوقع لأوكرانيا، مع وقف المساعدات الأميركية.

ترمب يرفع من تهديداته

ويرى هؤلاء أنه في الأسبوع الماضي، أصبح من الواضح كيف سيتعامل ترمب مع بوتين، عندما بدأ يهدد بشن حرب اقتصادية، وهو ما أثار الارتياح لدى أوكرانيا.

ونقل موقع «بوليتيكو» عن أحد الجمهوريين من جماعات الضغط للتوصل إلى وقف الحرب قوله «يتعين على ترمب أن يستنتج من تلقاء نفسه أن بوتين ليس على استعداد لتقديم أي تنازلات، ليس لأوكرانيا فقط، ولكن له أيضاً في المقام الأول».

فلاديمير بوتين ودونالد ترمب خلال اجتماع لهما في اليابان عام 2019 (رويترز)
فلاديمير بوتين ودونالد ترمب خلال اجتماع لهما في اليابان عام 2019 (رويترز)

وأضاف: «يجب أن تتكرر تحذيراته، ويجب أن تكون أوكرانيا الطرف البنّاء. يحتاج ترمب ومساعدوه إلى تجربة الروس بأنفسهم، ثم سيتمكنون من رؤية ذلك».

وبالفعل، قام ترمب الأسبوع الماضي بتوجيه تحذير في رسالة مباشرة إلى بوتين على موقعه على شبكة التواصل الاجتماعي، «تروث سوشيال» قائلاً: «يمكننا أن نفعل ذلك بالطريقة السهلة، أو بالطريقة الصعبة، والطريقة السهلة دائماً أفضل».

وقال إنه مستعد لفرض التعريفات الجمركية وفرض المزيد من العقوبات على روسيا إذا فشل بوتين في التفاوض على إنهاء الحرب. وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» في اليوم التالي، كرر ترمب استعداده لاستخدام أي أسلحة مالية ضرورية ضد روسيا من أجل وقف الحرب.

بوتين يجامل ترمب

في البداية تعاملت روسيا مع تهديدات ترمب قبل تنصيبه وبعده بنوع من اللامبالاة، وعدتها ضغوط ما قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات. لكن بعد ساعات من تحذيرات ترمب الأخيرة، حصل تحول لافت، حين بدأ بوتين بالإشادة بترمب، مبدياً استعداده للمفاوضات، واصفاً علاقتهما بأنها «عملية وجديرة بالثقة».

لا بل رفع من مجاملته له، من خلال تكرار ادعاءات ترمب حول سرقة الانتخابات منه عام 2020، وأن الحرب لم تكن لتقع لو كان لا يزال في البيت الأبيض.

ومن نافلة القول إن هذه التهديدات بفرض عقوبات ورسوم جمركية قاسية هي جزء من التكتيك الذي يفضله مبعوث ترمب الخاص لملف الحرب الأوكرانية، الجنرال المتقاعد كيث كيلوغ.

فقد دعا بدلاً من وقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا إلى استخدام «القوة» الأميركية لفرض السلام، حتى ولو استغرق الأمر شهوراً، بعدما تراجع ترمب نفسه عن آماله بوقف الحرب في اليوم الأول من توليه منصبه إلى «أكثر من 6 أشهر» على أقل تقدير.

مساعدات غذائية جمعها الحزب الشيوعي الروسي من أجل إرسالها إلى المناطق التي تعرضت لهجمات أوكرانية (إ.ب.أ)
مساعدات غذائية جمعها الحزب الشيوعي الروسي من أجل إرسالها إلى المناطق التي تعرضت لهجمات أوكرانية (إ.ب.أ)

كانت أوكرانيا تشعر بالإحباط قبل تنصيب ترمب، بسبب تصريحاته السابقة والضغوط التي كان يمارسها بعض كبار مساعديه، بمن فيهم ستيف بانون الذي يحمل موقفاً معادياً لأوكرانيا، واستبعادها من المشاركة في مناقشات فريق ترمب لقضيتها.

لكن مخاوفها تراجعت بعد اجتماع كبير دعيت إليه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حضره رئيس أركان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مع كيلوغ ومستشار الأمن القومي مايك والتز.

الناس يهرعون من المكان الذي تعرض لهجوم بالمسيّرات الأوكرانية في منطقة قرب موسكو (رويترز)
الناس يهرعون من المكان الذي تعرض لهجوم بالمسيّرات الأوكرانية في منطقة قرب موسكو (رويترز)

روسيا في الاتجاه المعاكس

ويرى محللون أميركيون أن الرهان الأوكراني على أن يفقد ترمب صبره في النهاية من بوتين، هو رهان هش وخاطئ، لأنه يقوم في الأساس على افتراض أن ينجح تهديده بالعقوبات الاقتصادية في إجباره على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

إذ ورغم أن البيانات الاقتصادية تظهر خسارة العملة الروسية أكثر من نصف قيمتها مقابل الدولار الأميركي، وتراجع عائدات النفط وإقرار بوتين بأن ارتفاع التضخم أصبح يشكل مشكلة.

لكن التغيير البنيوي الذي أجراه خلال السنوات الثلاث من الحرب، وعدم وجود ضغط محلي لإنهاء الحرب، قد يكون وضع روسيا في اتجاه معاكس تماماً.

فقد أصبحت الحرب آلية لنقل الثروة وتوجيه الأموال إلى المناطق الفقيرة في روسيا، وانتقلت العديد من النخب الاقتصادية إلى قطاع الدفاع للاستفادة من الفرص المربحة. وتكيفت النخب الآن مع التكوين الحالي للنظام، الأمر الذي مكنها ليس فقط من البقاء، بل وتحقيق الأرباح أيضاً.

ويرى المحللون أن التشكيك برغبة بوتين في إنهاء الحرب في هذه المرحلة لا يقتصر على تلك النخب، بل وعلى زعماء الدول الأوروبية أيضاً، وربما يكون ترمب هو التالي الذي سيكتشف ذلك. ويحذرون من أن تؤدي مجاملة بوتين لترمب في تأخير استدارته بما يمكن الكرملين من تحقيق اختراق أكبر على جبهات القتال.

وتبادلت موسكو وكييف الهجمات بالمسيرات أو الصواريخ بشكل يومي، إذ استهدفت كل منهما مواقع عسكرية والطاقة في البلد الآخر. وتكثفت الضربات بعدما فاز ترمب في الانتخابات.

صورة من مقطع فيديو وزعته دائرة الصحافة التابعة لوزارة الدفاع الروسية 16 يناير 2025 تُظهر قاذف الصواريخ الثقيل «TOS-1A Solntsepyok» يُطلِق النار باتجاه مواقع أوكرانية (أ.ب)
صورة من مقطع فيديو وزعته دائرة الصحافة التابعة لوزارة الدفاع الروسية 16 يناير 2025 تُظهر قاذف الصواريخ الثقيل «TOS-1A Solntsepyok» يُطلِق النار باتجاه مواقع أوكرانية (أ.ب)

وأعلنت أوكرانيا الأربعاء أنها شنّت هجوماً خلال الليل استهدف مصفاة للنفط في عمق الأراضي الروسية ومنشأة نووية، فيما أفاد مسؤولون روس عن مقتل امرأة وطفلها بهجوم بمسيرة أوكرانية الأربعاء. وقال حاكم المنطقة الواقعة شرقي موسكو عبر تطبيق «تلغرام» إن حطام طائرة مسيرة تسبب في اندلاع حريق بمنشأة صناعية في كستوفو في مدينة نيجني نوفغورود. وأضاف الحاكم جليب نيكيتين «لا يوجد ضحايا وفقاً للبيانات الأولية».

وذكرت قناة «بازا» وهي قناة إخبارية روسية على «تلغرام»، وهي قريبة من أجهزة الأمن الروسية، أن مصفاة نفط في كستوفو اشتعلت فيها النيران.

وقال فاسيلي أنوخين حاكم منطقة سمولينسك الواقعة في غرب روسيا، والمتاخمة لروسيا البيضاء، إن أنظمة الدفاع الجوي أسقطت طائرة مسيرة حاولت الهجوم على منشأة للطاقة النووية. وأضاف، كما نقلت عنه «رويترز»، أن أجزاء من المنطقة تعرضت لهجوم «ضخم» بطائرات مسيرة.

جنود روس في مكان غير معلن في أوكرانيا (أ.ب)
جنود روس في مكان غير معلن في أوكرانيا (أ.ب)

وقال مسؤولون محليون إنه جرى إسقاط 26 طائرة مسيرة أخرى فوق منطقة بريانسك الواقعة على الحدود مع أوكرانيا و20 طائرة مسيرة فوق منطقة تفير القريبة من جنوب موسكو وإن الهجمات لم تسفر عن أي إصابات. وقالت «هيئة مراقبة الطيران» الروسية على «تلغرام» إنه من أجل ضمان السلامة، أوقفت جميع الرحلات الجوية في مطار قازان. وتقع قازان على بعد نحو 830 كيلومتراً شرقي موسكو.

وأفادت وزارة الدفاع الروسية بأن قواتها «حررت» قرية دفوريتشنا التي كان يبلغ عدد سكانها قبل الحرب أكثر من ثلاثة آلاف نسمة.

جنديان أوكرانيان في إقليم دونيتسك يتحكمان في مسيّرة أُطلقت باتجاه المواقع الروسية (أ.ف.ب)
جنديان أوكرانيان في إقليم دونيتسك يتحكمان في مسيّرة أُطلقت باتجاه المواقع الروسية (أ.ف.ب)

وسيطرت القوات الروسية على هذه القرية، الواقعة عبر نهر أوسكيل الاستراتيجي، في بداية هجومها العسكري في العام 2022، قبل أن تستعيدها كييف بعد أشهر في هجوم مضاد خاطف.

ويفيد مدوّنون عسكريون أوكرانيون لهم صلات بوزارة الدفاع بأن القوات الروسية تتقدم على أطراف تشاسيف يار، وهي بلدة استراتيجية تقع على قمة تلة كان تعدادها نحو 12 ألف نسمة قبل الحرب.

جنديان أوكرانيان يطلقان مسيّرة للتجسس قرب الحدود مع روسيا (أ.ف.ب)
جنديان أوكرانيان يطلقان مسيّرة للتجسس قرب الحدود مع روسيا (أ.ف.ب)

وتراجع الجيش الأوكراني خلال العام الأخير على طول خط الجبهة الممتد على ألف كيلومتر نظراً إلى تفوق القوات الروسية عليه من جهة العديد والعتاد. وأقالت الحكومة الأوكرانية مساعد وزير الدفاع المسؤول عن شراء الأسلحة الثلاثاء بعدما اتهمته وزارة الدفاع بـ«الفشل» في ضمان حصول الجنود على «الذخيرة بالوقت المناسب».


مقالات ذات صلة

تراشق غير مسبوق بين واشنطن وبروكسل تزامناً مع زيارة ستارمر

أوروبا رئيس الوزراء الآيرلندي مايكل مارتن مستقبلاً الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد هبوط طائرته في مطار غرب آيرلندا في طريقه إلى واشنطن (أ.ف.ب) play-circle

تراشق غير مسبوق بين واشنطن وبروكسل تزامناً مع زيارة ستارمر

جددت الإدارة الأميركية هجومها على أوروبا، والذي تزامن مع وصول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى واشنطن، وقبل يوم من وصول الرئيس الأوكراني للقاء ترمب.

إيلي يوسف (واشنطن)
أوروبا الوفد الروسي لدى دخوله مقر السفارة الروسية في إسطنبول (رويترز)

وفدا روسيا وأميركا بحثا في إسطنبول تبادل فتح السفارات

عقد وفدان روسي وأميركي جولة محادثات جديدة في إسطنبول حول تبادل فتح السفارتين وذلك بعد اجتماع عقد في الرياض 18 فبراير (شباط) الحالي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا الرئيسان الفرنسي والأوكراني في بروكسل يوم 18 ديسمبر 2024 (رويترز) play-circle

فرنسا تدخل حلبة المنافسة على المعادن الأوكرانية النادرة وتريد حصتها

فرنسا تدخل حلبة المنافسة على المعادن الأوكرانية النادرة وتسعى للحصول على حصتها ووزير دفاعها يقترح مواصلة الإنتاج الحربي وتخزينه تحسباً لمغامرة عسكرية روسية.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب) play-circle

بوتين: الاتصالات الروسية - الأميركية تعطي بارقة أمل

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، اليوم (الخميس)، أن الاتصالات الأولية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعطت بارقة أمل.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا قناص من الجيش الروسي يطلق النار باتجاه موقع أوكراني في مكان غير معلوم بأوكرانيا (أ.ب)

​الكرملين: الأراضي التي انضمت إلى روسيا أصبحت جزءاً لا يتجزأ منها وهذا غير قابل للنقاش

أفادت وكالة «سبوتنيك» للأنباء الخميس بأن الكرملين أكد أن الأراضي التي انضمت إلى روسيا أصبحت جزءاً لا يتجزأ منها وهذا غير قابل للنقاش

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تراشق غير مسبوق بين واشنطن وبروكسل تزامناً مع زيارة ستارمر

صورة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
صورة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT
20

تراشق غير مسبوق بين واشنطن وبروكسل تزامناً مع زيارة ستارمر

صورة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
صورة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

جددت الإدارة الأميركية هجومها على أوروبا، والذي تزامن مع وصول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى واشنطن، وقبل يوم من وصول الرئيس الأوكراني إلى العاصمة الأميركية. الزيارتان سبقتهما زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لواشنطن في بداية الأسبوع.

خلال أول اجتماع تعقده الإدارة الأميركية الجديدة، كرر الرئيس دونالد ترمب اتهاماته التي أطلقها في بداية ولايته الأولى عام 2017 للاتحاد الأوروبي، والتي وصفه فيها بأنه «عدو» أنشئ «لإيذاء الولايات المتحدة في مجال التجارة». لكن هذه المرة استخدم عبارات أشد قسوة وأكثر دلالة، قائلاً: «أحب بلدان أوروبا. أنا أحب كل هذه البلدان، حقاً، كل منها مختلف. لكن لنكن صريحين، الاتحاد الأوروبي تمّ تأسيسه للإضرار بالولايات المتحدة، كان هذا هو الهدف وقد نجحوا في ذلك». وأضاف أنه يستعد لضرب أوروبا برسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على السيارات والسلع الأخرى.

ترمب في حدث انتخابي 18 يونيو 2024 (أ.ب)
ترمب في حدث انتخابي 18 يونيو 2024 (أ.ب)

ورداً على تصريحاته، قال متحدث باسم المفوضية الأوروبية، في بيان، إن «الاتحاد الأوروبي هو أكبر سوق للتجارة الحرة في العالم. وكان نعمة للولايات المتحدة». ودعت المفوضية إلى «العمل معاً للحفاظ على هذه الفرص لمواطنينا وشركاتنا، وليس بعضنا ضد بعض». وأكدت أن «الاتحاد الأوروبي، من خلال إنشاء سوق موحدة كبيرة ومتكاملة، عمل على تسهيل التجارة وخفض التكاليف بالنسبة للمصدرين الأميركيين وتوحيد المعايير واللوائح في 27 دولة».

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ب)

كما حذّرت المفوضية من أن الاتحاد الأوروبي سيرد بشكل «حازم وفوري» على أي رسوم جمركية، في إشارة إلى التهديدات الجديدة من الرئيس الأميركي. وأضافت أن «الاتحاد الأوروبي سوف يحمي دائماً الشركات والعمال والمستهلكين الأوروبيين من الرسوم الجمركية غير المبررة».

وتأتي تصريحات ترمب الجديدة بعد «الصدمة» التي أحدثها اتصاله الهاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لوضع نهاية للحرب في أوكرانيا، عدّه الأوروبيون بمثابة تخل عنهم وانحياز كامل لوجهة نظر روسيا.

روبيو يلغي اجتماعه مع كالاس

وكان وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قد ألغى اجتماعاً مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، رئيسة الوزراء الإستونية السابقة، كايا كالاس، الأربعاء، بعد وصولها بالفعل إلى واشنطن. ووفقاً لمعلومات «وكالة الأنباء الألمانية»، تم ذكر «مشكلات في جدولة المواعيد» على أنها التفسير الوحيد لإلغاء الاجتماع. ولم يتم تقديم أي معلومات رسمية، كما لم ترد وزارة الخارجية الأميركية على طلب للاستفسار.

الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس في بروكسل لحضور قمة غير رسمية لزعماء الاتحاد (رويترز)
الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس في بروكسل لحضور قمة غير رسمية لزعماء الاتحاد (رويترز)

ولعب الاتحاد الأوروبي دوراً أساسياً في منع الجمعية العامة للأمم المتحدة من تبني قرار لصالح موسكو بشأن الحرب في أوكرانيا، اقترحته الولايات المتحدة هذا الأسبوع. كما انتقدت كالاس مؤخراً خطط الرئيس ترمب لإنهاء الحرب في أوكرانيا، ووصفتها بأنها «صفقة قذرة»، منتقدة اقتراح واشنطن بأن تتخلى أوكرانيا عن طموحاتها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتقبل بقاء جزء من أراضيها تحت السيطرة الروسية بشكل دائم. وقال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي إن كالاس ستبقى في واشنطن حتى الخميس على الرغم من إلغاء الاجتماع مع روبيو. ويشمل جدول أعمالها اجتماعات مع أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين، والمشاركة في فعالية ينظمها معهد هدسون وهو مركز أبحاث محافظ.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يجتمع مع نظرائه من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في ميونيخ (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يجتمع مع نظرائه من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي في ميونيخ (أ.ب)

لا ضمانات أمنية أميركية

ومع وصول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى واشنطن، الخميس، بعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، لمحاولة إقناع ترمب بضرورة منح ضمانات أمنية لأي اتفاق لوقف إطلاق النار مع روسيا في أوكرانيا، كرر الرئيس الأميركي رفضه تقديم تلك الضمانات. وقال إن على أوروبا، وليس الولايات المتحدة، تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا، مستبعداً ضم كييف لحلف شمال الأطلسي عشية زيارة نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وقال ترمب: «لن أقدّم ضمانات أمنية أبعد من ذلك بكثير». وأضاف: «سنطلب من أوروبا أن تفعل ذلك لأنها جارتهم، لكننا سنحرص على أن تسير الأمور على ما يرام».

وزراء خارجية 6 دول أوروبية وأوكرانيا خلال اجتماعهم في باريس (رويترز)
وزراء خارجية 6 دول أوروبية وأوكرانيا خلال اجتماعهم في باريس (رويترز)

وواصل الرئيس الأميركي التهرب من التطرق إلى الضمانات الأمنية التي يطالب بها الأوروبيون بإصرار لتحقيق «سلام عادل ودائم» في أوكرانيا. وعند سؤاله عن عضوية كييف في «الناتو»، أجاب: «(الناتو)، يمكنكم نسيان أمره... أعتقد أن هذا على الأرجح هو السبب وراء بدء الأمر برمّته»، في إشارة إلى اجتياح روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. وتابع: «سنبذل قصارى جهدنا للتوصل إلى أفضل اتفاق ممكن لكلا الجانبين، ولكن بالنسبة لأوكرانيا، سنحاول جاهدين التوصل إلى اتفاق جيد حتى تتمكن من استرداد أكبر قدر ممكن (من الأراضي)».

وتقول الإدارة الأميركية التي لم تعد تتحدث عن الحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا، بأن هذه القضية يجب أن تكون جزءاً من أي مفاوضات مستقبلية، في حين تحتل روسيا 20 في المائة من أراضي أوكرانيا.

وأكد ترمب زيارة نظيره الأوكراني زيلينسكي إلى واشنطن، الجمعة، لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق إطاري بشأن استغلال المعادن الأوكرانية. ويصر الرئيس الأميركي على أن هذا الاتفاق هو بمثابة تعويض عن المساعدات العسكرية والمالية التي قدمتها بلاده لكييف خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

أميركا لم تعد صديقة للأوروبيين

ونتيجة لهذه المواقف الأميركية، التي عدها البعض «تغييراً جذرياً» تجاه النظرة إلى الأوروبيين، تزايد تشكك الأوروبيين بأن ترمب وفريقه من الموالين، يعتبرون حلفاء أميركا التقليديين في أوروبا أعداء ليس فقط في التجارة، بل في كل شيء تقريباً.

ويرى بعض المسؤولين والمحللين أن إدارة ترمب ليست غير مبالية بأوروبا فحسب، بل يرى آخرون عداء صريحاً. غير أن وجهة نظر مشتركة تفيد بأن العلاقة الأساسية تغيرت، وأن أميركا أصبحت حليفاً أقل موثوقية وقابلية للتنبؤ.

ماكرون متوسطاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مساء الاثنين في قصر الإليزيه (رويترز)
ماكرون متوسطاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مساء الاثنين في قصر الإليزيه (رويترز)

وكان العديد من الزعماء الأوروبيين قد انتقد خطاب نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في منتصف فبراير في ميونيخ، حيث ندد في هجوم شرس بموقف العديد من الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي. وبالنسبة للعديد من المراقبين، فقد شكل خطاب فانس، وعدَاء مساعد ترمب، الملياردير إيلون ماسك، وازدراؤه لقادة أوروبا الذي أيد مع فانس علناً حزباً متطرفاً في ألمانيا، نقطة تحول في العلاقات عبر الأطلسي.

أوروبا لأخذ زمام الأمور بنفسها

وأعرب فريدريش ميرتس، الذي من المرجح أن يصبح المستشار القادم لألمانيا، عن شكوك قوية بشأن العلاقة عبر الأطلسي التي التزم بها هو وبلاده لعقود من الزمان. ومساء الأحد، بعد فوز حزبه بأكبر عدد من الأصوات في الانتخابات الألمانية، قال ميرتس إنه بعد الاستماع إلى ترمب «من الواضح أن الأميركيين، على الأقل هذا الجزء من الأميركيين، هذه الإدارة، غير مبالين إلى حد كبير بمصير أوروبا». وتساءل هل ستظل المظلة النووية الأميركية فوق حلف شمال الأطلسي قائمة، وحتى ما إذا كان التحالف نفسه سيستمر في الوجود. وقال: «ستكون أولويتي المطلقة تعزيز أوروبا في أسرع وقت ممكن؛ حتى نتمكن خطوة بخطوة من تحقيق الاستقلال عن الولايات المتحدة حقاً».

وعدت تعليقاته مقياساً ملحوظاً للانزعاج الذي شعر به الزعماء الأوروبيون إزاء التراجع الأميركي عن سياسته تجاه أوكرانيا، وربما أكثر من ذلك، إزاء دعمها الصريح للأحزاب اليمينية المتطرفة التي تناصب العداء للحكومات الأوروبية وتدعم روسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل قمة غير رسمية للقادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قبل قمة غير رسمية للقادة الأوروبيين لمناقشة الوضع في أوكرانيا (أ.ف.ب)

ورغم أن تصريحات ميرتس عُدّت تكراراً لتصريحات أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية عام 2017، التي قالت: «لقد انتهى إلى حد ما الأوقات التي كان بوسعنا فيها الاعتماد بشكل كامل على الآخرين». وشجعت الأوروبيين على «أخذ مصيرهم بأيديهم». لكن إعادة توجيه حقيقية لسياسة الأمن الأوروبية لم تتحقق أبداً.

ويرى البعض أن موقف ترمب من أوروبا يعود لكونها ليس فقط منافساً، بل أيضاً تهديداً اقتصادياً وحتى آيديولوجياً. كما أن تأثير الاتحاد الأوروبي نابع من كونه قوة اقتصادية قادرة على إرساء القواعد والمعايير العالمية، وهو مهم بشكل خاص في مجالات تنظيم المناخ والمنافسة الرقمية ومساءلة منصات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.

الرئيسان الفرنسي والأوكراني في بروكسل يوم 18 ديسمبر 2024 (رويترز)
الرئيسان الفرنسي والأوكراني في بروكسل يوم 18 ديسمبر 2024 (رويترز)

الأفضل ابتلاع تهديدات ترمب

ورغم أن الصدامات بين ضفتي الأطلسي ليست جديدة، ودائماً ما حصل تعارض بينهما في الموقف من الحروب في العراق وأفغانستان وفيتنام، فإنها الآن أصبحت آيديولوجية واستراتيجية واقتصادية في الوقت نفسه، بحسب بعض المحللين.

ورغم ذلك، يحث بعض الأوروبيين على ضرورة الهدوء، وعدم حرق كل الجسور مع ترمب. ونقلت «نيويورك تايمز» عن ليناس كوغالا، مدير مركز الدراسات الجيوسياسية والأمنية في فيلنيوس بليتوانيا، قوله إن «الضمانات الأمنية الأميركية لا يوجد لها بديل حقيقي» لفترة طويلة مقبلة. وأضاف: «إن إعلان انهيار العلاقات عبر الأطلسي سيكون أشبه بالنزول من سفينة في منتصف المحيط دون وجود أي سفينة أخرى في الأفق». لذلك، قال: «على أوروبا الآن أن تبتلع» انتقادات ترمب، و«تفعل كل ما هو ممكن للحفاظ على العلاقة سليمة».