ألمانيا - فرنسا... ومعضلة إصلاح «المحرك» الأوروبي المعطوب

الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في فردان عام 1984 (أرشيفية)
الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في فردان عام 1984 (أرشيفية)
TT

ألمانيا - فرنسا... ومعضلة إصلاح «المحرك» الأوروبي المعطوب

الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في فردان عام 1984 (أرشيفية)
الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في فردان عام 1984 (أرشيفية)

كانت الصورة الأيقونية للرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران والمستشار الألماني هيلموت كول في 22 سبتمبر (أيلول) 1984 عندما شبكا يديهما في فردان (شمال شرقي فرنسا)، حيث أقيم لقاء تكريمي في ذكرى ضحايا الحربين العالميتين الأولى والثانية، تجسيداً للمرحلة الجديدة التي سلك الجاران دروبها بهدف طيّ صفحة النزاعات والحروب، وتثبيت دعائم الاتحاد الأوروبي الذي لا يمكن أن يستقرّ وينمو إلا بوجود ألمانيا وفرنسا قويتين ومتفاهمتين.

لكن العقود التي أعقبت ذلك حملت تطورات كثيرة، منها الإيجابي ومنها السلبي، وصولاً إلى الوضع الحالي الذي تتلبّد سماؤه بغيوم رمادية كثيفة.

والحال أن العلاقة بين الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشار أولاف شولتس هي النقيض التام لـ«صورة فردان»، فالرجلان متباعدان في مقاربة أهم شأن يشغل أوروبا على نحو مباشر: الحرب الروسية - الأوكرانية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

منذ بداية الحرب التي تقترب من إتمام عامها الثالث، اتّهم شولتس فرنسا بعدم تقديم الدعم الكافي لأوكرانيا، بينما اتّهم ماكرون بعض الحلفاء بـ«الجبن»، من غير أن يسمي ألمانيا. وكان كلام الأخير عن احتمال إرسال جنود لمساندة كييف موجهاً إلى برلين أكثر منه إلى موسكو، فردّ المستشار الألماني جازماً بأن «لا قوات برية، ولا جنود على الأرض الأوكرانية سترسلهم إلى هناك الدول الأوروبية أو دول حلف شمال الأطلسي».

في أي حال، تبدو المشكلة أكثر خطورة مع دخول الولايات المتحدة، زعيمة العالم الغربي، «مرحلة ترمب» بفصلها الثاني، مع ما ستحمله حتماً من تحديات لأوروبا بناء على ما شهده الفصل الأول خلال رئاسة دونالد ترمب بين 2016 و2020. وفي ظل الخلاف الفرنسي - الألماني لا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يتسلح بموقف موحّد وصلب في التعامل مع الحليف المتطلّب والشروط الذي سيفرضها ترمب في شتى المجالات، خصوصاً في مقاربة النزاع الروسي - الأوكراني والعلاقات التجارية عبر ضفّتي المحيط الأطلسي.

واقع سياسي مضطرب

يحصل هذا على خلفية واقع سياسي مضطرب وهشّ في ألمانيا وفرنسا على حد سواء.

في فرنسا، أقدم إيمانويل ماكرون في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) على مغامرة إجراء انتخابات برلمانية مبكرة انسجاماً مع ما أسفرت عنه انتخابات البرلمان الأوروبي من تقدّم لليمين المتطرف الفرنسي، فكانت النتيجة جمعية وطنية مجزّأة، تقبع فيها كتلته الوسطية بين فكَّي كمّاشة اليمين المتطرف واليسار... برلمان لا غلبة فيه لأحد، تحكمه حتمية التوافق على كل تفصيل في حكم البلاد المنوطة به الآن حكومة فرنسوا بايرو الذي خلف ميشال بارنييه، بعد عهد حكومي قصير للأخير الذي لم يفلح في وضع موازنة ترضي اليمين واليسار معاً، فأسقطاه بضربة حجب الثقة القاضية.

هل ينجح بايرو حيث فشل بارنييه؟ وهل يتمكن من تحقيق الاستقرار في السنتين الأخيرتين من عهد ماكرون قبل الانتخابات الرئاسية في 2027؟

الواقع أن هناك الكثير من النقاط المشتركة بين بارنييه وبايرو. فهما من الجيل نفسه، ويخوضان غمار العمل السياسي منذ عقود، ويتمتع كل منهما بشخصية قوية يفترض أن تكون قادرة على التعامل مع حقل الألغام الذي تشكله السياسة الفرنسية... بارنييه سقط في امتحان الموازنة، وسلم مفتاح الحكومة لبايرو الذي يشكل مع حزبه (الحركة الديمقراطية)، جزءاً من المعسكر الماكروني، فيما ينتمي بارنييه إلى المدرسة الديغولية (حزب الجمهوريين) المستمرة في التراجع.

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو (د.ب.أ)

أقر بايرو لدى تسلمه السلطة بأن «أمامنا جبال الهمالايا»، ولعلّ أعلى قمتين فيها هما وضع موازنة تخفض العجز وتبدأ التصدّي لمشكلة الدين العام، وترضي في الوقت نفسه المعسكرات السياسية الثلاثة، ومعالجة معضلة القطاع الزراعي التي تتجدد كل سنة، علماً بأن الرجل واجه فور وصوله كارثة الإعصار المدمّر الذي ضرب أرخبيل مايوت، الإقليم الفرنسي الواقع في المحيط الهندي، والذي سيحمّل المالية العامة الفرنسية المزيد من الأعباء.

أما في ألمانيا فلا يبدو المشهد السياسي أفضل بعد انفراط عقد الائتلاف الحكومي المكوّن من الديمقراطيين الاجتماعيين والخضر والليبراليين؛ بسبب خلاف على المقاربة الاقتصادية بين المستشار شولتس ووزير المال كريستيان ليندنر المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الحر وإقالة الأخير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وهذا ما جعل شولتس يدعو إلى انتخابات مبكرة في 23 فبراير (شباط) المقبل، على أمل أن تنشأ حكومة منسجمة تستطيع معالجة الوضع الاقتصادي الصعب.

نهاية عهد شولتس؟

إذا ثبتت صحة استطلاعات الرأي، فإن فريدريش ميرتس، زعيم حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» المعارض، سيخلف أولاف شولتس، على رأس ائتلاف ما بالطبع لأنه لن يستطيع الحصول على غالبية مطلقة في البوندستاغ (البرلمان). ويعوّل ميرتس على جذب الناخبين عبر اعتماد سياسة اقتصادية مرنة تقبل بتخفيف القيود على الاستدانة وزيادة الإنفاق الحكومي، بما يشمل الشق الدفاعي.

يضاف إلى ذلك أن علاقة ميرتس مع إيمانويل ماكرون أفضل من علاقة الأخير مع شولتس، الأمر الذي ينعش الآمال بإعادة تحريك عجلة الاتحاد الأوروبي، وترميم «المحرّك» الذي تشكّله باريس وبرلين.

لكن مهمة أي مستشار ستكون صعبة؛ لأن عليه أن يدفع قدماً بإصلاحات كبرى، ويحقق تحولاً جذرياً في العقلية الاستراتيجية، علماً بأن مهمته الأولى ستكون إقناع شركائه في الائتلاف الحاكم بذلك. وبدا أن شولتس زرع لغماً في طريق ميرتس عندما قال في خطابه الوداعي أمام البوندستاغ، إن على الحكومة المقبلة تخصيص مزيد من الأموال للمتقاعدين والمتلقين للرعاية الاجتماعية بدلاً من الإنفاق العسكري الذي يحتاج إلى رفعه بواقع 30 مليار يورو سنوياً ليساوي 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق ما تمليه قواعد حلف شمال الأطلسي.

لربما كان التحدي الأكبر في ألمانيا هو تحقيق نهضة اقتصادية؛ فالشركات والمستثمرون والأفراد يواجهون روتيناً معرقِلاً، ويتعاملون مع إطار تنظيمي بطيء قاتل، سواء على المستوى المحلي أو على مستوى الاتحاد الأوروبي. وقد أضعف هذا قدرة البلاد على الابتكار وتوليد الثروة بالسرعة اللازمة للتمكن من خوض السباق الاقتصادي الذي تتصدّره الولايات المتحدة والصين.

كذلك على العقل السياسي الألماني أن يدرك أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية انتهت، ومعها الانكفاء عن الساحة العالمية وما يجري فيها. والواقع أن ما تقوم به ألمانيا على هذا الصعيد لا يزال خجولاً، ولا يعكس روح المبادرة والطموح القيادي المطلوبَين لكي يستعيد الاتحاد الأوروبي جزءاً من الدور الوازن الذي كان يؤمَل له.

المستشار الألماني أولاف شولتس (رويترز)

إصلاح المحرّك؟

فبراير 2025 وأبريل (نيسان) 2027 محطتان بالغتا الأهمية في مستقبل ألمانيا وفرنسا والقارة العجوز بأكملها، بل إن للانتخابات البرلمانية الألمانية المبكرة والانتخابات الرئاسية الفرنسية، وما سيسفر عنه الاستحقاقان، انعكاساً جيوسياسياً على مستوى العالم كله.

الناظر إلى وضع أوروبا الآن لا يرى ما يسرّ؛ فالاقتصادات مرهَقة، والحرب في أوكرانيا مستمرة، ومواسم الهجرة من الجنوب إلى الشمال لا تتوقف.

القيادات الكبيرة غائبة، والرؤية السياسية مفقودة، والريادة العالمية في مكان آخر.

فهل تتمكن القوى السياسية في ألمانيا وفرنسا من إصلاح «محرك» الاتحاد الأوروبي؟

يقول أنتونيو فيلافرانكا، نائب رئيس معهد الدراسات السياسية الدولية في ميلانو الإيطالية، إن التباعد بين برلين وباريس هو أمر سيئ للاتحاد ككل، لا سيما إذا كانت الرياح التي ستهبّ من الجهة الأخرى للأطلسي تتجه نحو سياسة «فرّق تسد».


مقالات ذات صلة

ليبيا: «الرئاسي» و«الدولة» يرفضان «حواراً مصغراً» برعاية أممية

شمال افريقيا المنفي وتيتيه خلال لقاء بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي)

ليبيا: «الرئاسي» و«الدولة» يرفضان «حواراً مصغراً» برعاية أممية

استبق محمد تكالة، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى مجلس الأمن الدولي بتوجيه رسالة وصفها بأنها «شديدة اللهجة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)
الاقتصاد عابرو سبيل يسيرون عبر ساحة عامة في منطقة الأعمال بورتا نوفا محاطين بمباني مكاتب حديثة في ميلانو (رويترز)

عجز موازنة إيطاليا عند 3.1 % يبدد آمالها في الخروج من «الإجراءات» الأوروبية

أعلن المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء (إستات) يوم الأربعاء، أن إيطاليا سجَّلت عجزاً في الموازنة بلغ 3.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (روما)
شمال افريقيا المشاركون في الحوار الاستراتيجي الأول بين مصر وفرنسا في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

مصر وفرنسا إلى تعاون أوسع بعد أول «حوار استراتيجي»

عقدت مصر وفرنسا الجولة الأولى لحوارهما الاستراتيجي في مجالات عديدة، واتفقتا على عقد الدورة المقبلة خلال النصف الأول من عام 2027 في باريس، وفق بيان مشترك.

محمد محمود (القاهرة)

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

لندن وباريس تتوصلان إلى اتفاق لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

توصلت السلطات الفرنسية والبريطانية إلى اتفاق جديد لمحاولة وقف عمليات عبور قناة المانش بشكل غير قانوني، إلا أن لندن ربطت جزءا من تمويلها بمدى فعالية التدابير المتخذة لردع المهاجرين.

وبعد مفاوضات شاقة استمرت أشهرا، توصل البلدان إلى اتفاق لتجديد معاهدة ساندهيرست لثلاث سنوات. وكان من المقرر أن تنتهي صلاحية الاتفاق الموقع عام 2018 والذي مدد عام 2023، في 2026.

وستقدم بريطانيا تمويلا يصل إلى 766 مليون يورو (897 مليون دولار) لكن نحو ربع هذا المبلغ سيكون مشروطا ولن يدفع إلا إذا نجحت الإجراءات الفرنسية.

وتتنازع لندن وباريس منذ أشهر حول تجديد معاهدة ساندهيرست التي تحدد المساهمة المالية للمملكة المتحدة في الجهود الفرنسية لوقف المهاجرين الذين يحاولون عبور القناة المحفوف بالخطر إلى بريطانيا.

ولطالما اتهمت المملكة المتحدة فرنسا بأنها لا تفعل الكثير لمنع طالبي اللجوء المحتملين من الانطلاق من الشواطئ الفرنسية حيث يخاطر المهربون والمهاجرون بشكل متزايد لتجنب اكتشافهم.

ونتيجة لذلك، أصرت لندن على أنها لن تجدد معاهدة ساندهيرست إلا إذا تمكنت من فرض شروط على طريقة استخدام الحكومة الفرنسية لأموال دافعي الضرائب البريطانيين.

وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن السلطات البريطانية، وصل 41472 شخصا إلى المملكة المتحدة بطريقة غير نظامية في قوارب صغيرة عام 2025. ويُعد هذا الرقم ثاني أعلى رقم منذ بدء هذه الرحلات عام 2018. ووفقا لإحصاءات وكالة فرانس برس استنادا إلى مصادر فرنسية وبريطانية رسمية، لقي 29 مهاجرا على الأقل حتفهم في البحر عام 2025.


«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
TT

«دونيلاند»... مقترح أوكراني غير تقليدي لاستمالة ترمب وإنهاء الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يستمع إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء في فلوريدا (أرشيفية - رويترز)

في ظلّ تعثّر المفاوضات واستمرار الحرب الروسية - الأوكرانية دون أفقٍ واضح للحسم، يتقدم بعضُ الطروحات غير التقليدية إلى الواجهة، في محاولة لكسر الجمود السياسي وفتح نافذة نحو تسوية محتملة. ومن بين هذه الأفكار اللافتة، برز مقترح يحمل طابعاً رمزياً وسياسياً في آنٍ معاً، يعكس سعي كييف إلى استمالة الدعم الأميركي، وتحديداً من الرئيس دونالد ترمب.

فقد اقترح مسؤولون أوكرانيون إعادة تسمية جزء من منطقة دونباس المتنازع عليها باسم «دونيلاند (أرض دوني)»، في خطوة تهدف إلى كسب تأييد ترمب وتعزيز موقف أوكرانيا في مواجهة المطالب الإقليمية الروسية، وذلك وفقاً لتقرير نقلته صحيفة «إندبندنت».

ووفق ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن 4 مصادر مطّلعة على مجريات المفاوضات، فإن هذا الاسم طُرح أول مرة على لسان مترجم أوكراني، وكان ذلك «على سبيل المزاح جزئياً»، قبل أن يتحول إلى فكرة تُدوولت بشكل أوسع في سياق النقاشات.

ويبدو أن اختيار اسم «دونيلاند» لم يكن عشوائياً، بل جاء إشارة إلى ولع ترمب بوضع اسمه على مختلف المشروعات والممتلكات، بدءاً من الأبراج وناطحات السحاب، مروراً بالعلامات التجارية، ووصولاً إلى المنتجات التذكارية والخدمات المالية؛ مما يعكس محاولة ذكية لاستثارة اهتمامه الشخصي.

وفي سياق متصل، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصدر مطّلع على المفاوضات، بأن أحد المفاوضين الأوكرانيين صمم علماً أخضر وذهبياً، إلى جانب نشيد وطني افتراضي لمنطقة «دونيلاند»، مستخدماً برنامج «شات جي بي تي». ومع ذلك، فلم يتضح بعد ما إذا كان هذا التصور قد عُرض بالفعل على مسؤولين أميركيين أو لاقى أي تفاعل رسمي.

وتُعدّ منطقة دونباس، الغنية بالموارد المعدنية، من أهم المناطق الاستراتيجية في أوكرانيا؛ إذ تسيطر القوات الروسية على الجزء الأكبر منها؛ مما يجعلها محوراً رئيسياً في المفاوضات بين الطرفين. ويشير الواقع الحالي إلى وصول المباحثات بشأن هذه المنطقة إلى طريق مسدودة، في ظل تمسّك كل طرف بمطالبه.

وفي محاولة لتجاوز هذا الجمود، طرح المفاوضون فكرة أن تتحول «دونيلاند» إلى منطقة لا تخضع لسيطرة كاملة من أي من الطرفين، بما يسمح بتقديمها بوصفها «إنجازاً» سياسياً يمكن أن يُنسب إلى ترمب، في حال دعمه هذه الصيغة.

ورغم تداول هذا المصطلح في أروقة المحادثات، فإن التقارير أكدت أنه لم يُدرج في أي وثائق رسمية حتى الآن، بل اقتصر استخدامه على النقاشات غير الرسمية ضمن مسار المفاوضات.

كما أشار بعض المسؤولين إلى إمكانية إشراك مجلس سلام مرتبط بترمب في إدارة هذه المنطقة المقترحة، وفقاً لما أوردته التقارير.

ويأتي ذلك في وقتٍ عبّر فيه الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن استيائه من تكرار زيارات مبعوثي ترمب موسكو للقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، دون زيارات مماثلة إلى كييف؛ مما أثار تساؤلات بشأن توازن الجهود الدبلوماسية.

ورغم إقراره بأن تركيز الولايات المتحدة ينصبّ حالياً على تطورات الحرب في الشرق الأوسط، فإن زيلينسكي شدّد على أهمية استمرار التعاون مع الجانب الأميركي، قائلاً: «على أي حال، من المهم بالنسبة إلينا مواصلة التعاون مع الأميركيين».

يُذكر أن ترمب كان قد تعهّد، في سياق حملته السياسية، بإنهاء الحرب في أوكرانيا «في اليوم الأول» من ولايته الثانية.


بروكسل تفرض «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

بروكسل تفرض «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصل إلى مقر الاجتماع في بروكسل يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

يقترب الاتحاد الأوروبي من اعتماد «الحزمة الـ20» من العقوبات ضد روسيا، ومن المتوقع أن تدعمها سلوفاكيا والمجر بعد إصلاح الجزء الأوكراني من خط أنابيب دروغبا والبدء في ضخ النفط الروسي من خلاله للبلدين، فيما قال دبلوماسيون إن دول التكتل وافقت على الإفراج عن قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لأوكرانيا، بعدما أشارت المجر، بعد التغيير في قيادتها السياسية نتيجة الانتخابات العامة الأخيرة وإزاحة فيكتور أوربان عن رأس السلطة، إلى أنها مستعدة للتخلي عن معارضتها المستمرة منذ أشهر للقرض ولفرض عقوبات على روسيا.

وكان الاتحاد الأوروبي يأمل في اعتماد حزمة العقوبات بالتزامن مع الذكرى السنوية الرابعة لغزو روسيا أوكرانيا في فبراير (شباط)، لكنه لم يستطع القيام بذلك دون إجماع للدول الأعضاء.

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

وأثار وقف تدفق النفط من خط أنابيب دروغبا في يناير (كانون الثاني) غضباً واسعاً في المجر وسلوفاكيا، العضوين في الاتحاد الأوروبي، واللتين لا تزالان تعتمدان على واردات النفط الروسي.

ذكر مصدر في قطاع النفط لـ«رويترز» أن أوكرانيا ستستأنف ضخ النفط عبر الخط الأربعاء. وقال المصدر: «من المقرر بدء ضخ النفط (الأربعاء) في وقت الغداء»، مضيفاً أن شركة النفط المجرية «إم أو إل» قدمت أول طلب لنقل النفط عبر خط الأنابيب. وتابع: «قدمت (إم أو إل) بالفعل طلبات لنقل الكميات الأولى التي ستوزع بنسب متساوية بين المجر وسلوفاكيا». قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء، إن خط دروغبا، الذي ينقل الخام الروسي إلى المجر وسلوفاكيا، جاهز لاستئناف عملياته.

وأدى انقطاع تدفق النفط أيضاً إلى توتر العلاقات بين زيلينسكي ومسؤولي الاتحاد الأوروبي، الذين اتهمهم «بالابتزاز» بسبب ممارسة الضغط عليه لإجراء عمليات صيانة فورية لما قالت أوكرانيا إنه جزء متضرر بشدة من خط الأنابيب. ونفت كييف بشدة اتهامات بودابست وبراتيسلافا لها بتعمد التلكؤ في أعمال صيانة خط الأنابيب.

وكان زيلينسكي قد تحدث عن إتمام أعمال الصيانة، قائلاً إنه تحدث إلى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ودعا أيضاً مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى البت في الموافقة على القرض، مؤكداً أن كييف أوفت بما «طلبه التكتل». وأضاف: «نربط هذا الأمر بالإفراج عن حزمة الدعم الأوروبي لأوكرانيا».

وكتب زيلينسكي في منشور على منصة «إكس»: «أنهت أوكرانيا أعمال إصلاح الجزء المتضرر من خط الأنابيب دروغبا بعد تعرضه لهجوم روسي. بإمكان الخط استئناف عملياته».

وأضاف: «طلب الاتحاد الأوروبي من أوكرانيا إجراء صيانة لخط الأنابيب دروغبا، الذي ألحق به الروس أضراراً. وانتهينا من ذلك بالفعل. ونأمل أيضاً أن يلتزم التكتل بالاتفاقيات».

وكان الرئيس أكثر صراحة في خطابه الليلي المصور. وقال، في إشارة إلى القرض: «لا يوجد الآن أي مبرر لعرقلته». وعرقل رئيس الوزراء فيكتور أوربان حزمة المساعدات التي وافقت عليها المفوضية الأوروبية لكييف.

زيلينسكي مع فيكتور أوربان (رويترز)

وكتب رئيس المجلس الأوروبي في منشور على «إكس»: «شكراً للرئيس زيلينسكي على الوفاء بما اتفقنا عليه: إصلاح خط الأنابيب دروغبا واستئناف عملياته». وكانت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، قد توقعت، الثلاثاء، أن يصدر قرار إيجابي بشأن القرض البالغة قيمته 90 مليار يورو خلال الساعات الأربع والعشرين المقبلة، وذلك عقب اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

وذكر فالديس دومبروفسكيس، المفوض الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، أن التكتل سيرجح صرف الدفعة الأولى من القرض في نهاية مايو (أيار) أو مطلع يونيو (حزيران)، مشيراً إلى ضمان تلبية احتياجات أوكرانيا التمويلية لعام 2026.

رئيس الوزراء المجري المنتخب بيتر ماجار (أ.ب)

وقال الكرملين، الثلاثاء، إن روسيا جاهزة من الناحية التقنية لاستئناف ضخ النفط عبر خط الأنابيب. وأفادت مصادر في قطاع النفط لـ«رويترز» بأن روسيا تعتزم وقف تصدير النفط الكازاخستاني إلى ألمانيا عبر خط فرعي منفصل من خط دروغبا وذلك اعتباراً من أول مايو (أيار). ودأب زيلينسكي على دعوة أوروبا لتنويع مصادر الطاقة وعدم استئناف تدفقات النفط عبر دروغبا. وقال: «لا يمكن لأحد أن يضمن حالياً عدم تكرار روسيا الهجمات على البنية التحتية لخط الأنابيب».

ولا تزال الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء هذه الحرب تشهد مراوحة، خصوصاً أن دور الوساطة الذي تولته الولايات المتحدة بين الطرفين، وأتاح عقد جولات عدة من المفاوضات بين كييف وموسكو، توقّف بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير (شباط) الماضي.

بيتر ماجار زعيم حزب «تيسّا» يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست يوم 13 أبريل 2026 (رويترز)

قال وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، إن بلاده طلبت من تركيا استضافة لقاء بين الرئيس زيلينسكي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، في الوقت الذي تسعى فيه كييف إلى إعادة إحياء محادثات السلام المتعثرة. وذكر سيبيها أن أوكرانيا مستعدة لدراسة أي مكان آخر غير بيلاروسيا أو روسيا لعقد اجتماع مع بوتين، وهو ما يسعى إليه زيلينسكي منذ فترة طويلة من أجل الإسراع في إنهاء الحرب المستمرة، التي دخلت عامها الخامس. ولم يذكر كيف ردت أنقرة على المقترح، وذلك في تصريحات أدلى بها خلال لقاء مع الصحافيين الثلاثاء، وجرى السماح بنشرها الأربعاء.

وفي هذا السياق، قال مصدر دبلوماسي تركي، الأربعاء، إن وزير الخارجية هاكان فيدان سيقوم بزيارة رسمية إلى العاصمة البريطانية لندن هذا الأسبوع لإجراء محادثات بشأن إيران وأوكرانيا، مضيفاً أنه سيناقش أيضاً التعاون بين الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

ترحيب أوروبي بخسارة أوربان انتخابات المجر (أ.ف.ب)

وميدانياً قُتِل شخصان في أوكرانيا جرّاء ضربات روسية، حسب السلطات المحلية، في حين أعلنت روسيا أن امرأة وطفلاً لقيا حتفهما في هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية على أراضيها. وقالت سلطات محلية، الأربعاء، إن جزءاً من بناية سكنية انهار في منطقة سيزران الروسية الواقعة على نهر الفولجا عقب هجوم أوكراني بطائرات مسيرة، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً. وكثفت أوكرانيا هجماتها على البنية التحتية للطاقة في روسيا خلال الأشهر القليلة الماضية، في وقت توقفت فيه محادثات السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة مع انشغال واشنطن بالصراع مع إيران. وتضم مدينة سيزران مصفاة نفط كبرى، وتبعد نحو ألف كيلومتر من الحدود مع أوكرانيا.