بوتين المتقدم في أوكرانيا يتطلع لملامح اتفاق سلام برعاية ترمب

يوافق على تجميد الصراع... ويستبعد أي تنازلات تتعلق بالأراضي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب خلال اجتماع لهما في اليابان عام 2019 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب خلال اجتماع لهما في اليابان عام 2019 (رويترز)
TT

بوتين المتقدم في أوكرانيا يتطلع لملامح اتفاق سلام برعاية ترمب

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب خلال اجتماع لهما في اليابان عام 2019 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب خلال اجتماع لهما في اليابان عام 2019 (رويترز)

في أول تغطية مفصلة حول ما قد يقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أي اتفاق يطرحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قالت خمسة مصادر مطلعة على تفكير موسكو إن الكرملين قد يوافق بشكل عام على تجميد الصراع على طول الخطوط الأمامية.

صورة مركَّبة للرئيسين الروسي بوتين والأميركي المنتخب ترمب (أ.ف.ب)

تأتي عودة الرئيس الأميركي المنتخب، الذي تعهد بإنهاء الصراع بسرعة، إلى البيت الأبيض في وقت يرتفع فيه نجم روسياً في أوكرانيا، فموسكو تسيطر على أراضٍ في أوكرانيا بمساحة ولاية فرجينيا الأميركية وتتقدم بوتيرة هي الأسرع منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022.

قال المسؤولون الروس الخمسة الحاليون والسابقون إن بوتين منفتح على مناقشة اتفاق لوقف إطلاق النار في أوكرانيا مع ترمب لكنه يستبعد تقديم أي تنازلات كبيرة تتعلق بالأراضي ويتمسك بتخلي كييف عن طموحاتها الخاصة بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.

وقالت ثلاثة من المصادر لـ«رويترز»، طلبت كلها عدم الكشف عن هوياتها بالنظر لحساسية القضية، إنه قد يكون هناك مجال للتفاوض بشأن التقسيم الدقيق لمناطق دونيتسك ولوهانسك وزابوريجيا وخيرسون الواقعة بشرق أوكرانيا.

وبينما تقول موسكو إن المناطق الأربع هي جزء لا يتجزأ من أراضيها وتحميها بمظلتها النووية فإن قواتها تسيطر فعلياً على ما يتراوح بين 70 إلى 80 في المائة من المساحة مع بقاء نحو 26 ألف كيلومتر مربع تحت سيطرة القوات الأوكرانية، وفقاً لما تظهره بيانات مفتوحة المصدر من الخطوط الأمامية.

نيران تشتعل بمبنى أصابته مسيّرة أوكرانية في بيلغورود (رويترز)

وقال مسؤولان إن روسيا قد تكون منفتحة أيضاً على الانسحاب من مساحات صغيرة نسبياً من الأراضي التي تسيطر عليها في منطقتي خاركيف وميكولايف في شمال أوكرانيا وجنوبها.

وقال بوتين هذا الشهر إن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يجب أن يعكس «الحقائق» على الأرض لكنه أبدى تحفظه على هدنة قصيرة الأجل من شأنها أن تتيح للغرب إعادة تسليح أوكرانيا.

وقال مصدران إن قرار الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جو بايدن السماح لأوكرانيا بإطلاق صواريخ أميركية من طراز أتاكمز على العمق الروسي قد يعقد ويؤخر أي تسوية ويجعل المطالب الروسية أكثر تشدداً.

وأعلنت موسكو أن كييف استخدمت الثلاثاء هذه الصواريخ للمرة الأولى لقصف أراضٍ روسية، ونددت بالخطوة ووصفتها بأنها تصعيد كبير. وقال المصدران إنه إذا لم يتم الاتفاق على وقف إطلاق النار، فإن روسيا ستواصل القتال. ولم تعلق وزارة الخارجية الأوكرانية على ما قالته موسكو.

وقال ستيفن تشيونج مدير الاتصالات بمكتب ترمب لـ«رويترز» عن الرئيس الأميركي المقبل «إنه الشخص الوحيد القادر على جمع الجانبين من أجل التفاوض على السلام، والعمل على إنهاء الحرب ووقف القتل».

مواطنون روس نازحون من منطقة كورسك يتلقون مساعدات من السلطات الروسية (إ.ب.أ)

وحدد بوتين في الرابع عشر من يونيو (حزيران) شروطه المبدئية لإنهاء الحرب على الفور وهي أنه يتعين على أوكرانيا أن تتخلى عن طموحاتها في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي وأن تسحب كل قواتها من المناطق الأربع الأوكرانية التي تقول روسيا إنها تابعة لها وتسيطر على معظمها.

ضمانات أمنية وقيود للجيش

الرئيس زيلينسكي يزور كتيبة أوكرانية في دونيتسك (أ.ف.ب)

في حين أن روسيا لن تقبل بانضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي أو وجود قوات للحلف على الأراضي الأوكرانية فإنها منفتحة على مناقشة ضمانات أمنية لكييف، وفقاً للمسؤولين الخمسة. وذكر المسؤولون أن من بين التنازلات الأخرى التي يمكن أن يضغط الكرملين لانتزاعها من كييف هي أن توافق أوكرانيا على تقليص حجم قواتها المسلحة والالتزام بعدم فرض قيود على استخدام اللغة الروسية.

الرئيس زيلينسكي يزور كتيبة أوكرانية في دونيتسك (أ.ف.ب)

وتسيطر روسيا على 18 في المائة من أوكرانيا بما في ذلك كامل شبه جزيرة القرم التي ضمتها عام 2014 و80 في المائة من دونباس، أي منطقتي دونيتسك ولوهانسك، وأكثر من 70 في المائة من منطقتي زابوريجيا وخيرسون. كما تسيطر على ما يقل قليلاً عن ثلاثة في المائة من منطقة خاركيف وجزء من ميكولايف.

وإجمالاً، تسيطر روسيا على أكثر من 110 آلاف كيلومتر مربع من الأراضي الأوكرانية، فيما تسيطر أوكرانيا على نحو 650 كيلومتراً مربعاً من منطقة كورسك الروسية.

الخط الساخن غير مستخدم

وفي سياق متصل قال الكرملين الأربعاء إن خطاً ساخناً خاصاً لنزع فتيل الأزمات بين روسيا والولايات المتحدة ليس مستخدماً حالياً في وقت تتزايد فيه المخاطر النووية بسبب تصاعد التوتر لأعلى مستوى منذ عقود بين موسكو والغرب. وخفض الرئيس الروسي الثلاثاء من المعايير التي يمكن بموجبها شن ضربة نووية رداً على هجمات أوسع نطاقاً بأسلحة تقليدية بعد أيام من تقارير أفادت بأن واشنطن سمحت لأوكرانيا باستخدام أسلحة أميركية الصنع لضرب عمق روسيا.

واستخدمت أوكرانيا منظومة الصواريخ التكتيكية الأميركية (أتاكمز) لضرب أراضٍ روسية الثلاثاء مستغلة ذلك الإذن الأميركي من إدارة جو بايدن المنتهية ولايته في اليوم الألف من الحرب.

دبابة روسية مُدمَّرة على جانب طريق بمنطقة كورسك (أ.ب)

وما يسمى بالخط الساخن بين الكرملين والبيت الأبيض تأسس في 1963 لتقليل احتمالات وقوع سوء التفاهم الذي أجج أزمة الصواريخ الكوبية في 1962؛ إذ يسمح بتواصل مباشر بين زعيمي البلدين. وقال دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين الأربعاء لوكالة «تاس»: «لدينا خط آمن خاص للتواصل بين الرئيسين في روسيا والولايات المتحدة. يستخدم حتى للتواصل عبر الفيديو». لكن لدى سؤاله عما إذا كانت قناة الاتصال تلك مستخدمة في الوقت الراهن قال «لا».

ويقول دبلوماسيون روس إن الأزمة بين موسكو وواشنطن الآن مماثلة لأزمة الصواريخ الكوبية التي قربت البلدين لأقصى درجة في وقت الحرب الباردة من شن حرب نووية عمداً وإن الغرب يخطئ إذا ظن أن روسيا ستتراجع عن موقفها بشأن أوكرانيا.

وقال الكرملين إن روسيا تعتبر الأسلحة النووية وسيلة ردع وإن تحديث عقيدتها النووية يهدف إلى بث رسالة واضحة للأعداء المحتملين بأن الرد سيكون حتمياً إذا هاجموا روسيا. وقال بيسكوف إن الغرب يسعى إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا من خلال السماح لكييف بضرب العمق الروسي بأسلحة أميركية الصنع.

وأضاف «وبالطبع يستخدمون أوكرانيا أداة في أيديهم لتحقيق مبتغاهم».


مقالات ذات صلة

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

أوروبا أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب) p-circle

موسكو تعد تعليق ترمب الرسوم الجمركية «لحظة تاريخية»

موسكو ترحب بتعليق الرسوم الجمركية الجديدة المرتبطة بالحرب على أوكرانيا، ووصفت هذه الخطوة بأنها «لحظة مهمة وتاريخية بحق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

الخلاف بين ترمب وزيلينسكي يهدد الدعم الحيوي لكييف... المحلل كليمنس فيشر: أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها» في الحرب بعد وقف الدعم الأمريكي

«الشرق الأوسط» (واشنطن - برلين - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وسط أزمة مع كييف... ترمب يعلّق عقوبات تستهدف عائدات النفط الروسي

أعفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب روسيا الجمعة من عقوبات أقرها الكونغرس مؤخراً، وتستهدف عائداتها النفطية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.