موسكو تقر بصعوبات على الجبهة... والقوات الأوكرانية تتمدد في 28 بلدة روسية

بوتين يهدد بـ«رد قوي»... والمهمة الرئيسية «طرد العدو»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع مع مسؤولين (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع مع مسؤولين (أ.ف.ب)
TT

موسكو تقر بصعوبات على الجبهة... والقوات الأوكرانية تتمدد في 28 بلدة روسية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع مع مسؤولين (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع مع مسؤولين (أ.ف.ب)

أقرت موسكو بمواجهة «صعوبات جدية» في مناطق التوغل الأوكراني على الحدود بين البلدين. وقال مسؤولون محليون إن القوات المهاجمة باتت تسيطر على 28 بلدة داخل الأراضي الروسية، في حين واصلت السلطات إخلاء مناطق مجاورة لخطوط التماس.

وتوعد الرئيس فلاديمير بوتين بـ«رد قوي ومناسب» على ما وصفه «استفزاز كييف الهادف إلى ترويع الروس وتحسين الوضع التفاوضي»، وأمر بتوجيه الجهد لـ«طرد العدو» وفرض إجراءات أمنية مشددة على طول الحدود.

وعقد بوتين، الاثنين، اجتماعاً حضره مسؤولون أمنيون وعسكريون وحكام المناطق التي واجهت التوغل الأوكراني. وهو الاجتماع الموسع الثالث خلال أقل من أسبوع، الذي يترأسه الرئيس الروسي لمواجهة الوضع في المنطقة الحدودية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرأس اجتماعاً مع مسؤولين لمناقشة الأوضاع في منطقة كورسك الاثنين (أ.ف.ب)

وقال بوتين خلال الاجتماع إن «المهمة الرئيسية التي تواجه وزارة الدفاع هي إخراج العدو من أراضينا، والعمل مع هيئة حرس الحدود على ضمان غطاء موثوق لحدود الدولة».

وحدد خلال اللقاء أولويات تحرك الأجهزة الروسية المختصة، بـ«ضمان وضع مكافحة الإرهاب ومكافحة فعالة ضد مجموعات التخريب والاستطلاع المعادية، وللإدارات المدنية - تزويد وكالات إنفاذ القانون بكل ما هو ضروري، وللقادة الإقليميين - تقديم الدعم للمدنيين الذين يحتاجون إلى المساعدة والحماية».

ووفقاً لبوتين، فإن «التصرفات التي يقوم بها نظام كييف تسعى إلى تحقيق الهدف العسكري الرئيسي، وهو وقف تقدم القوات الروسية من أجل التحرير الكامل في جمهوريتَي دونيتسك ولوغانسك وأراضي نوفوروسيا (روسيا الجديدة)». وقال إن الهدف الآخر للقوات المسلحة الأوكرانية هو «زرع الفتنة وترهيب الناس وتدمير وحدة المجتمع الروسي؛ أي توجيه ضربة للوضع السياسي الداخلي».

ورأى بوتين أن القوات الأوكرانية تحاول من خلال عملية كورسك إبطاء الهجوم الروسي على الجبهات الأخرى، مؤكداً أن «القوات الروسية تتقدم على الجبهة».

نقطة عبور على الحدود الأوكرانية - الروسية (أرشيفية - رويترز)

وأضاف: «أوكرانيا تحاول أيضاً تحسين وضعها في التفاوض، لكن ما نوع المفاوضات الذي يمكن أن نُجريه مع من يطلقون النار على المدنيين».

وشدد بوتين على أن «العدو سيتلقى بالتأكيد رداً مناسباً، وستتحقق جميع الأهداف التي حددناها من دون أدنى شك». وزاد أنه من الواضح أن «العدو سوف يواصل محاولة زعزعة استقرار الوضع في المناطق الحدودية».

لكنه شدد على أن التوغل في منطقة كورسك لم يسفر عن تخفيف كثافة النيران الروسية في مناطق عمليات الجيش الروسي. وأوضح أنه «بعد الأحداث التي شهدتها منطقة كورسك، لم ينخفض تقدم الجيش والمتطوعين والمحاربين القدامى فحسب، بل على العكس من ذلك زاد بمقدار 1.5 مرة».

وقال: «بات من الواضح الآن لماذا رفض نظام كييف مقترحاتنا بالعودة إلى خطة التسوية السلمية، وكذلك مقترحات الوسطاء المهتمين والمحايدين، ويبدو أن العدو، بمساعدة الأسياد الغربيين، ينفذ خطته».

رجل متأثر بمشهد الدمار الناجم عن شظايا صاروخ أوكراني تم إسقاطه في منطقة كورسك الأحد (رويترز)

وكان رئيس الأركان الروسي، فاليري غيراسيموف، قال في تقريره إن القوات الأوكرانية أطلقت في 6 أغسطس (آب) عملية للتوغل داخل أراضي روسيا بمشاركة وحدات يصل عددها إلى ألف شخص، وعدّ أن الهدف تمثل في «الاستيلاء على أراضٍ في منطقة كورسك». لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن «تقدمهم في عمق الأراضي الروسية قد توقف». لكن التقارير التي استمع إليها بوتين من المسؤولين الإقليميين لم تكن متفائلة. وبدا أن موسكو أقرت للمرة الأولى رسمياً بالصعوبات التي تواجهها على الجبهة، بعد مرور نحو أسبوع على بدء التوغل في منطقة كورسك.

وكانت موسكو أعلنت نظام عمليات مكافحة الإرهاب في مناطق كورسك وبيلغورود وبريانسك الحدودية. وفرضت حالة طوارئ اتحادية في كورسك. لكن تطورات الوضع الميداني دلت على تعثر في مواجهة الهجوم الذي بدا في يومه الأول خاطفاً ومباغتاً. ومع أن موسكو أعلنت خلال الأيام الماضية أنها قتلت أكثر من 1100 شخص من المهاجمين، وأعطبت عشرات الآليات والدبابات، وأسقطت مئات المسيّرات الأوكرانية، فإن الهجوم تواصل وبات من الصعب تحديد الأعداد الحقيقية للقوات المهاجمة، خصوصاً مع فرض سيطرة ميدانية على مساحة تقدر بنحو 45 كيلومتراً بعمق يزيد على 12 كيلومتراً داخل الأراضي الروسية.

وحملت التقارير، التي قدمها مسؤولون خلال الاجتماع، لهجة إقرار بصعوبة الوضع، خلافاً لتأكيدات المستوى العسكري.

صورة وزعتها وزارة الدفاع الروسية تظهر مسيّرة تهاجم مصفحة أوكرانية في منطقة كورسك الاثنين (أ.ف.ب)

وأعلن حاكم بيلغورود، فياتشيسلاف غلادكوف، أمام بوتين أن أكثر من 30 ألف منزل وشقة في منطقة بيلغورود تضررت نتيجة قصف القوات المسلحة الأوكرانية على مدار عامين ونصف العام.

وقال غلادكوف: «حجم الدمار والأضرار يتزايد بشكل حاد في عام 2024. بشكل عام، تضرر أكثر من 30 ألف منزل وشقة في مساكننا خلال عامين ونصف العام، والآن قمنا بترميم 25 ألفاً، ولكن للأسف الوضع على طول الحدود لا يسمح لنا بالقيام بالكثير».

وأفاد بأن «الوضع الأكثر صعوبة في منطقة بيلغورود يتطور في منطقة شيبيكينسكي».

وأوضح أن الوضع تدهور في مدينة شيبيكينو (مركز المنطقة) التي يبلغ عدد سكانها 38 ألف نسمة، في حين يبلغ عدد السكان في المنطقة 85 ألف نسمة.

وفي كورسك، يبدو المشهد أكثر تعقيداً وفقاً للتقارير. وكشف حاكم المنطقة، اليكسي سميرنوف، أن مسلحي القوات الأوكرانية باتوا يسيطرون على 28 بلدة وقرية.

وقال سميرنوف مخاطباً بوتين: «إنهم (تمددوا) في 28 بلدة في هذه المنطقة، هناك نحو 2000 شخص من السكان لا نعرف مصيرهم».

وأضاف سميرنوف أن «عمق اختراق العدو في أراضي منطقة كورسك يبلغ 12 كيلومتراً، والعرض على طول الجبهة 40 كيلومتراً».

وبحسب سميرنوف، قُتل 12 شخصاً في الهجمات على منطقة كورسك، وأصيب 121 شخصاً آخر. ومن بين الضحايا 10 أطفال.

وزاد في تقريره أنه «تم حتى الآن إجلاء 121 ألف ساكن من المناطق المحاذية لمنطقة كورسك». وأكد أنه بناء على تعليمات بوتين تم صرف مبالغ للمتضررين، و«نحن ندفع 10 آلاف روبل (لكل شخص)». وأوضح أن 180 ألف مواطن خضعوا لتعليمات الإخلاء، مؤكداً أن المتطوعين يعملون بشكل مستمر في المنطقة للمساعدة في إجلاء السكان. وتزامن هذا مع الإعلان عن خطط لإخلاء مناطق جديدة بالقرب من خطوط التماس التي نشأت بعد التوغل الأوكراني.


مقالات ذات صلة

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

أوروبا ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب) play-circle

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف، الخميس، وتقارير تتحدث عن عرقلة اتفاق ما بعد الحرب في أوكرانيا بسبب أزمة غرينلاند

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد محطة معالجة النفط في حقل ياراكتا النفطي التابع لشركة إيركوتسك للنفط في منطقة إيركوتسك - روسيا (رويترز)

روسيا: توقعات بعجز كبير في الميزانية العامة بفعل نقص عائدات النفط

من المرجح أن تظهر الميزانية الفيدرالية الروسية عجزاً كبيراً مع بداية هذا العام، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى نقص عائدات النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا العلم الأوكراني على قبة البرلمان في العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز - أرشيفية)

انقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن برلمان أوكرانيا جراء ضربات روسية

تسببت ضربات شنتها روسيا بعد منتصف الليل على منشآت الطاقة الأوكرانية بانقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن مبنى البرلمان في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا موقع تشرنوبل (أرشيفية - صفحة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس»)

انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبل النووية في أوكرانيا

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبيل الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مبانٍ سكنية دون كهرباء خلال انقطاع التيار بعد استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة روسية ليلية وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز) play-circle 00:31

هجوم روسي يقطع الكهرباء والمياه والتدفئة عن آلاف المنازل في كييف

رئيس بلدية كييف يقول إن قوات روسية شنت هجوماً بطائرات مسيّرة وصواريخ ‌على ‌العاصمة ‌الأوكرانية ⁠في ​وقت ‌مبكر اليوم، مما أدى إلى انقطاع المياه والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

إيطاليا وسلوفينيا لن تشاركا في «مجلس السلام» الذي اقترحه ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث من مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث من مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض (رويترز)
TT

إيطاليا وسلوفينيا لن تشاركا في «مجلس السلام» الذي اقترحه ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث من مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث من مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض (رويترز)

ذكرت صحيفة إيطالية، اليوم (الأربعاء)، أن ​روما لن تشارك في مبادرة «مجلس السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب، مشيرة إلى مخاوف من أن ينطوي الانضمام إلى مثل هذا الكيان، الذي سيقوده زعيم دولة ‌واحدة، على انتهاك ‌لدستور إيطاليا.

وقالت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجا ميلوني، إن «التوقيع على الانضمام لمجلس السلام غداً سيثير مشاكل دستورية في إيطاليا».

من جهته، كشف رئيس وزراء سلوفينيا، روبرت جولوب، ​اليوم، إن بلاده لن تقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام».

ونقل موقع «إن 1» الإخباري على ‍الإنترنت ‍عن جولوب قوله: «مبعث القلق ‍الرئيسي هو أن تفويض المجلس واسع للغاية، ويمكن أن يقوض بشكل خطير ​النظام الدولي القائم على ميثاق الأمم المتحدة».

وأضاف: «نجد ⁠أن أي مبادرة من شأنها تهدئة الوضع في الشرق الأوسط جديرة بالثناء، إلا أن هذه الدعوة تتعدى بشكل خطير على النظام الدولي الأوسع، ولا تتعلق بالتهدئة في غزة فقط».

وأثارت ‌خطة ⁠ترمب ​حتى ‌الآن ردود فعل حذرة من حلفاء غربيين، إذ يقول دبلوماسيون إنها يمكن أن تقوض عمل الأمم المتحدة.

ومن المقرر أن يترأس ترمب، غداً (الخميس)، مراسم ⁠للاحتفال بالمجموعة الجديدة، وذلك في دافوس ‌بسويسرا حيث ينعقد ‍المنتدى الاقتصادي العالمي.

وقال ‍مصدر لـ«رويترز» إنه من ‍غير المرجح أن تذهب ميلوني إلى دافوس. وميلوني سياسية تنتمي للتيار اليميني، وتربطها ​علاقات ودية مع ترمب.

وسيترأس ترمب المجلس المقترح مدى الحياة، وسيبدأ التعامل مع الحرب في غزة، قبل أن يتوسع ليشمل حروباً أخرى. وسيطلب من الدول الأعضاء دفع رسوم، قدرها مليار دولار لكل منها، للحصول على عضوية دائمة.


الاتحاد الأوروبي لتوقيع اتفاق شراكة أمنية مع الهند

الاتحاد الأوروبي (رويترز)
الاتحاد الأوروبي (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي لتوقيع اتفاق شراكة أمنية مع الهند

الاتحاد الأوروبي (رويترز)
الاتحاد الأوروبي (رويترز)

أعرب الاتحاد الأوروبي الذي يتفاوض مع الهند على اتفاق كبير للتجارة الحرّة عن استعداده لتوقيع اتفاق شراكة في مجال الأمن والدفاع مع نيودلهي، بحسب ما أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية قبل قمّة مرتقبة في العاصمة الهندية.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قالت كايا كالاس أمام النوّاب الأوروبيين في ستراسبورغ: «اتفقنا اليوم على المضي قدماً مع إبرام شراكة جديدة للأمن والدفاع بين الاتحاد الأوروبي والهند تشمل على سبيل التعداد الأمن البحري والأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب».

وتزور رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين رفقة رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا الهند في 26 و27 يناير (كانون الثاني). وقد يتم في هذه المناسبة توقيع اتفاق تجاري واسع، فضلاً عن شراكة دفاعية.

وقالت كالاس: «تشهد العلاقات بين الهند والاتحاد الأوروبي تقارباً في وقت يخضع النظام العالمي القائم على قواعد لضغوط غير مسبوقة»، مؤكّدة أن الطرفين «يسعيان إلى إتمام المفاوضات حول اتفاق التجارة الحرّة بين الاتحاد الأوروبي والهند».

ومن شأن هذا الاتفاق أن يكون الأكبر من نوعه في العالم، بحسب بروكسل. وسيتيح للشركات الهندية والأوروبية إيجاد فرص جديدة لمنتجيها، في مواجهة الرسوم الجمركية التي أقرّها الرئيس الأميركي.

ويسعى الطرفان أيضاً إلى التوصّل إلى بروتوكول اتفاق في مجال التنقّل من شأنه أن يسهل «حركة العمّال الموسميين والطلاب والباحثين والمهنيين من ذوي الكفاءات العالية»، بحسب ما ذكرت كالاس.

وتأمل الهند أن تساهم هذه التدابير في توظيف مهندسي معلوماتية وغيرهم من اختصاصيي التكنولوجيا في أوروبا.


ترمب يستبعد اللجوء إلى القوة لضمّ غرينلاند... ويصعّد ضد حلفائه الأوروبيين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إلقاء خطابه في «منتدى دافوس» أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إلقاء خطابه في «منتدى دافوس» أمس (أ.ف.ب)
TT

ترمب يستبعد اللجوء إلى القوة لضمّ غرينلاند... ويصعّد ضد حلفائه الأوروبيين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إلقاء خطابه في «منتدى دافوس» أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إلقاء خطابه في «منتدى دافوس» أمس (أ.ف.ب)

شهد مقر المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، الأربعاء، حراكاً دبلوماسياً كثيفاً، في ظل مساعٍ أوروبية لإقناع الإدارة الأميركية بخفض سقف تهديداتها المرتبطة بغرينلاند، بالتوازي مع الضغط على موسكو للموافقة على وقف إطلاق النار في أوكرانيا قبل الذكرى الرابعة للحرب الشهر المقبل. ويأتي ذلك عشية انعقاد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الذي يدفع به الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوصفه منصة جديدة «لحل الأزمات الدولية»، في خطوة لم تنجح حتى الآن في تخفيف حدة التوتر بين ضفتي الأطلسي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده بعد خطابه الخاص في الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

مجلس السلام

ويستعد الرئيس الأميركي صباح الخميس لتدشين «مجلس السلام» في دافوس، وسط ترقب دولي لطبيعته ودوره. وكان ترمب قد اقترح تأسيس المجلس قبل أشهر للإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة، غير أن مسودة «الميثاق التأسيسي» توسّع نطاق مهامه لتشمل دوراً محورياً في حل النزاعات المسلحة حول العالم. وبينما تخشى دول أوروبية «تحييد دور الأمم المتحدة»، أكد مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف قبول «ما بين 20 و25 قائداً حول العالم» الدعوة للانضمام إلى المجلس.

وفي هذا السياق، أعلنت السعودية وقطر وست دول عربية وإسلامية أخرى، الأربعاء، قبولها الدعوة. وأوردت وكالة الأنباء السعودية (واس) بياناً لوزارة الخارجية جاء فيه أن وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، وتركيا، ومصر، والأردن، وإندونيسيا، وباكستان، وقطر، والإمارات «يرحبون بالدعوة التي وُجّهت إلى قادة دولهم من رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترمب للانضمام إلى مجلس السلام».

خلال اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزراء خارجية الدول الثمانية، في بيان، القرار المشترك لدولهم بالانضمام إلى المجلس، على أن تقوم كل دولة بتوقيع وثائق ذلك وفقاً لإجراءاتها القانونية ذات الصلة واللازمة، بما في ذلك مصر وباكستان والإمارات، الذين أعلنوا انضمامهم مسبقاً.

كما أكد الفاتيكان تلقي البابا ليو الرابع عشر دعوة مماثلة، وفق أمين سر الدولة الكاردينال بييترو بارولين، الذي أشار إلى أن الفاتيكان يدرس الأمر «بعمق».

وجدَّد الوزراء التأكيد على دعم دولهم لجهود السلام التي يقودها الرئيس ترمب، وتأكيد التزامها بدعم تنفيذ مهمة المجلس بوصفها هيئة انتقالية، كما وردت في الخطة الشاملة لإنهاء النزاع بغزة واعتمدها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803.

ويسعى المجلس لتثبيت وقفٍ دائم لإطلاق النار، ودعم إعادة إعمار غزة، والدفع نحو السلام العادل والدائم المستند إلى تلبية حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته وفقاً للقانون الدولي، بما يمهّد لتحقيق الأمن والاستقرار لجميع دول وشعوب المنطقة.

وقال ترمب: «أعتقد أنه يجب السماح باستمرار الأمم المتحدة»، لكنه قال أيضاً إن «مجلس السلام قد يحل محل المنظمة الدولية»، لأنها أصبحت «غير مفيدة إلى حد بعيد».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير بيده أثناء إلقائه خطاباً خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

«نكران للجميل»

في موازاة ذلك، طالب الرئيس الأميركي بعقد مفاوضات فورية حول غرينلاند، وأكد تمسكه بـ«السيطرة عليها» دون اللجوء إلى القوة، معتبراً أنه «ليس بوسع أي دولة أخرى غير الولايات المتحدة حمايتها». وقال ترمب، في خطاب حظي بمتابعة واسعة خلال اليوم الثالث من أعمال المنتدى: «اعتقد الناس أنني أعتزم استخدام القوة، لكنني لست مضطراً لذلك... لا أريد استخدام القوة، ولن أستخدمها».

ووصف ترمب الدنمارك بأنها «ناكرة للجميل»، وقلّل من شأن القضية، واصفاً إياها بأنها «طلب بسيط» يتعلق بـ«قطعة أرض جليدية»، مضيفاً أن الاستحواذ على الجزيرة، التي أشار إليها خطأ باسم «آيسلندا» عدة مرات، «لن يشكل تهديداً لحلف شمال الأطلسي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في دافوس اليوم (رويترز)

وكان ترمب قد وصل إلى دافوس وسط أجواء مشحونة بسبب تصريحاته المتكررة بشأن رغبته في ضم غرينلاند، ما أثار مخاوف أوروبية من تصدّع التحالف عبر الأطلسي. وقبيل مغادرته واشنطن، سخر بلهجة حادة من القادة الأوروبيين المعارضين لطموحاته، مكتفياً بالقول «سترون» عندما سُئل عن الحد الذي قد يبلغه في هذا المسار، قبل أن يكتب عبر منصته «تروث سوشيال»: «أميركا ستكون ممثّلة جيداً في دافوس... من خلالي».

ويبرر ترمب موقفه باعتبار أن غرينلاند، الإقليم الدنماركي المتمتع بحكم ذاتي موسّع والغني بالمعادن، يمثل أهمية حيوية للأمن القومي الأميركي ولحلف «الناتو»، في ظل تسارع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، وفتح ممرات بحرية جديدة، واحتدام التنافس بين القوى الكبرى، ولا سيما روسيا والصين. وفي تصعيد إضافي، لوّح بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25 في المائة على ثماني دول أوروبية دعمت الدنمارك، ما دفع أوروبا إلى التلويح بإجراءات انتقامية.

ردود أوروبية ودولية

وقوبلت تصريحات ترمب بمواقف أوروبية ودولية حادة. فقد اعتبرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن الولايات المتحدة «تتصرف بشكل غريب جداً تجاه حلفائها»، فيما دعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى التخلي عن «الحذر التقليدي» في عالم بات «أكثر فوضوية» وتحكمه «القوة العارية». وفي المقابل، دعا مسؤولون أميركيون وأطلسيون إلى التهدئة والدبلوماسية، بينما حذّر رئيس وزراء غرينلاند سكان الجزيرة من الاستعداد لسيناريوهات خطيرة، وذهب الرئيس الليتواني إلى حد القول إن أي تحرك عسكري أميركي ضد حليف «سيعني نهاية الناتو»، في تذكير بتصريح مماثل لرئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن.

من جهته، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من أن سلوك بعض القادة يهدد بتقويض النظام الدولي. وقال غوتيريش، الذي ألغى مشاركته في المنتدى بسبب إصابته بزكام، إن «الانتقاء في تطبيق القواعد» يقوّض النظام العالمي ويؤسس لسوابق خطيرة، محذراً في منشور على منصة «إكس» من أن تركيز النفوذ في أيدي قلة قادرة على توجيه السرديات العالمية أو التأثير في الانتخابات يؤدي إلى تعميق عدم المساواة و«إفساد المؤسسات والقيم المشتركة».

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته خلال الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم 21 يناير 2026 (رويترز)

«عدوانية غير ضرورية»

وفي طليعة الرد الأوروبي، حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن التصعيد التجاري الأميركي قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى استخدام «أداة مكافحة الإكراه» للمرة الأولى في تاريخه، معتبراً أن الوصول إلى هذا السيناريو سيكون نتيجة «عدوانية غير ضرورية». وقال ماكرون في خطاب ألقاه الثلاثاء إن «الجنون الحقيقي» يتمثل في احتمال أن يجد الحلفاء أنفسهم في مواجهة تجارية مباشرة، في وقت ينبغي أن ينصب فيه التركيز على إنهاء الحرب في أوكرانيا.

وأكد الرئيس الفرنسي أن أداة مكافحة الإكراه «قوية»، داعياً إلى عدم التردد في استخدامها عند الضرورة، مع التشديد في الوقت نفسه على أهمية التزام الهدوء. وأضاف أن محاولة استرضاء القوى الكبرى «لن تشتري الأمان»، وأن الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون مستعداً للدفاع عن مصالحه باستخدام الأدوات المتاحة.

تصدّع النظام العالمي

وذهب رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إلى أبعد من التحذير من اهتزاز التحالف الأطلسي، معتبراً أن نظام الحوكمة العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة يمرّ بـ«حالة تصدّع». وقال كارني، في خطاب اختُتم بتصفيق وقوفي في دافوس، الثلاثاء، إن العالم «لا يمر بمرحلة انتقال، بل يعيش لحظة تصدّع حقيقي»، مشيراً إلى أن كندا كانت من الدول التي استفادت طويلاً من النظام الدولي السابق، بما في ذلك «الهيمنة الأميركية» التي وفّرت منافع عامة، مثل حرية الملاحة واستقرار النظام المالي والأمن الجماعي.

جنود دنماركيون خلال تدريب على الرماية بموقع غير محدد في غرينلاند يوم 18 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وأضاف كارني أن واقعاً جديداً يفرض نفسه، تقوم فيه القوى الكبرى باستخدام التكامل الاقتصادي أداة ضغط وإكراه، محذراً من أن «الامتثال لن يشتري الأمان». وشدّد على أن الدول المتوسطة يجب أن «تعمل معاً»، لأن الغياب عن طاولة القرار يعني التحول إلى «جزء من القائمة»، مؤكداً في الوقت نفسه وقوف بلاده «بحزم إلى جانب غرينلاند والدنمارك»، ودعم حقهما في تقرير مستقبل الإقليم.