روسيا تقرّ بتوغل القوات الأوكرانية في عمق كورسك

أعلنت إجلاء سكان في بيلغورود... وإسقاط 11 طائرة مُسيرة فوق المنطقة الحدودية

مدفعية ذاتية الحركة يديرها جنود أوكرانيون من لواء المدفعية 43 وهي تطلق النار على مواقع روسية بمنطقة غير معلنة في بوكروفسك بدونيتسك الشرقية وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)
مدفعية ذاتية الحركة يديرها جنود أوكرانيون من لواء المدفعية 43 وهي تطلق النار على مواقع روسية بمنطقة غير معلنة في بوكروفسك بدونيتسك الشرقية وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)
TT

روسيا تقرّ بتوغل القوات الأوكرانية في عمق كورسك

مدفعية ذاتية الحركة يديرها جنود أوكرانيون من لواء المدفعية 43 وهي تطلق النار على مواقع روسية بمنطقة غير معلنة في بوكروفسك بدونيتسك الشرقية وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)
مدفعية ذاتية الحركة يديرها جنود أوكرانيون من لواء المدفعية 43 وهي تطلق النار على مواقع روسية بمنطقة غير معلنة في بوكروفسك بدونيتسك الشرقية وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

أقرّت روسيا بأن القوات الأوكرانية توغّلت في عمق منطقة كورسك الحدوديّة، في هجومٍ عَدَّ مسؤول أوكراني رفيع أن هدفه «زعزعة استقرار» روسيا، و«تشتيت» قواتها المسلّحة.

ومساء الأحد، تقاذف البَلدان المسؤولية عن حريق اندلع في محطة زابوريجيا للطاقة النوويّة في جنوب أوكرانيا، الذي تحتلّه القوّات الروسيّة. لكنّ الطرفين والوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية أشاروا إلى عدم وجود خطر تسرّب لإشعاعات نوويّة.

وأُخمِد الحريق، الذي اندلع، مساء الأحد، في المحطّة، وفق ما أعلن، الاثنين، فلاديمير روغوف، المسؤول الذي عيّنته روسيا في منطقة زابوريجيا.

وبعد أشهر من التراجع على الجبهة الشرقيّة، أطلقت أوكرانيا عملية واسعة النطاق غير مسبوقة، الثلاثاء، في منطقة كورسك الحدوديّة الروسيّة، سمحت لقوّاتها بالتوغّل، وفق محلّلين، حتّى عمق خمسة عشر كم على الأقلّ، والسيطرة على مواقع عدّة.

وقال المسؤول الأمني الأوكراني الرفيع، الذي فضّل عدم كشف هويته، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن في حالة هجوم. والهدف هو تشتيت مواقع العدوّ، وإلحاق أكبر قدر من الخسائر، وزعزعة الوضع في روسيا - لأنهم غير قادرين على حماية حدودهم - ونقل الحرب إلى الأراضي الروسيّة».

من جهتها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها «أحبطت محاولات» للجنود الأوكرانيّين باستخدام مدرّعات لتحقيق «اختراق في عمق الأراضي الروسيّة»، لكنّها أشارت إلى أن بعض هذه القوّات متمركز قرب قريتيْ تولبينو وأوبشي كولوديز، على بُعد 25 و30 كيلومتراً من الحدود الروسيّة الأوكرانيّة.

وأكد الجيش الروسي، الأربعاء، أن أوكرانيا أرسلت ألف جندي للمشاركة في التوغّل الذي فاجأ الكرملين.

وعلّق المسؤول الأوكراني بالقول: «هناك أكثر من ذلك»، مقدّراً عددهم بـ«الآلاف».

وبعد أيّام من امتناع السلطات الأوكرانيّة نوعاً ما عن التعليق، تطرّق الرئيس فولوديمير زيلينسكي، للمرّة الأولى، إلى هذه العمليّة، في خطابه اليومي، مساء السبت، بالقول إن كييف تسعى إلى «نقل الحرب» إلى روسيا.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، اليوم الاثنين، أن الدفاعات الجوية دمّرت 11 طائرة مُسيرة أطلقتها أوكرانيا فوق كورسك، خلال الليل. وأضافت الوزارة، على تطبيق «تلغرام»، أن وحدات الدفاع الجوي دمّرت أيضاً خمس طائرات مُسيرة أطلقتها أوكرانيا فوق منطقة بيلغورود، الواقعة على الحدود مع أوكرانيا، واثنتين فوق منطقة فورونيج، التي تبعد مئات الكيلومترات إلى الجنوب من موسكو، وفق ما أوردت وكالة «رويترز» للأنباء.

حريق محطة زابوريجيا

ليلاً، حمّل زيلينسكي روسيا مسؤوليّة الحريق، الذي اندلع في برج للتبريد بمحطة زابوريجيا، في حين قالت روسيا إنّ الحريق نجم عن قصف أوكراني.

وقال زيلينسكي، في منشور على منصة للتواصل الاجتماعي، إنّ «الغُزاة الروس أشعلوا حريقاً» في المحطة، متّهماً إياهم بمحاولة «ابتزاز» كييف.

والأحد، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، التي تنشر مراقبين في المحطّة، أنه «لم يجرِ الإبلاغ عن تضرّر السلامة النوويّة».

ولم تُرصد أيّ زيادة في مستوى الإشعاعات، وفق كييف وموسكو.

إجلاء في بيلغورود

إلى ذلك، أعلنت روسيا، الاثنين، إجلاء سكان منطقة في بيلغورود، الواقعة على الحدود مع أوكرانيا، في مواجهة هجوم أوكراني، وعلى خلفية التوغل بمنطقة كورسك المجاورة. وقال حاكم منطقة بيلغورود، فياتشيسلاف غلادكوف، في مقطع فيديو على «تلغرام»: «الوضع مثير للقلق لدينا. هناك نشاطات مُعادية على حدود منطقة كراسنوياروجسكي». وأضاف: «للحفاظ على سلامة سكاننا وصحتهم، بدأنا نقلهم إلى أماكن أكثر أماناً».

شنّت روسيا هجوماً على أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، واحتلّت مساحات شاسعة في شرق البلاد وجنوبها، واستهدفت المدن الأوكرانيّة بقصف مدفعي وجوي بشكل يومي.

وبعدما استعادت السيطرة على مساحات واسعة في 2022، ضعف الزخم الأوكراني إلى حدّ كبير، وعانت كييف نقصاً في عدد قوّاتها والإمدادات العسكريّة.

وعُدَّ الهجوم على كورسك العمليّة الأكبر العابرة للحدود والأنجح التي تنفّذها كييف حتّى الآن، وأكبر هجوم لجيش أجنبي على الأراضي الروسيّة منذ الحرب العالمية الثانية.

وأعلنت روسيا، السبت، إجلاء أكثر من 76 ألف شخص يقيمون في منطقة التوغل، في حين غادر المزيد، الأحد.

وشغّلت شركة السكك الحديدية الروسية قطارات طوارئ من كورسك إلى موسكو، على بُعد نحو 450 كيلومتراً، للأشخاص الذين يريدون الفرار.

جنود أوكرانيون يحملون أسلحتهم داخل ناقلة جند مدرّعة أميركية الصنع من طراز «M113» يغادرون إلى الجبهة في منطقة غير معلنة بدونيتسك الشرقية 5 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وتقول مارينا، التي رفضت كشف كنيتها، والتي استقلّت قطاراً إلى العاصمة الروسية، الأحد، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «إنه أمر مخيف؛ أن تُحلّق مروحيات فوق رأسكم طوال الوقت. عندما كان من الممكن أن أغادر، غادرت».

وأفاد مسؤولون روس بأن ضربة صاروخية أوكرانية على مبنى سكني بمدينة كورسك، على بُعد نحو 80 كيلومتراً، من موقع القتال، أسفرت عن إصابة 15 شخصاً بجروح.

وأقرّ حاكم المنطقة، أليكسي سميرنوف، الأحد، بأن الوضع «صعب»، موضحاً أنه أجرى محادثات مع مسؤولين في وزارة الدفاع.

من جانبه، أعلن زعيم جمهورية الشيشان، رمضان قديروف، أن وحدة في الجيش تضم مقاتلين من الشيشان انتشرت في منطقة كورسك، علماً بأن الجنود الشيشان يُعدّون من الأكثر صلابة وخبرة في البلاد.

وعبر الحدود في منطقة سومي الأوكرانية، التي أطلقت كييف التوغل منها، شاهد مراسلو الصحافة الفرنسية، أمس الأحد، عشرات المدرّعات تحمل المثلث الأبيض الذي يبدو أنه العلامة التي تحدد المُعدات العسكرية الأوكرانية المستخدمة في العملية.

«فليذوقوا طعم الحرب»

وتعرّضت منطقة سومي لقصف انتقامي أيضاً. وتخطط السلطات فيها لإجلاء ما لا يقل عن 20 ألف مدني من المنطقة الحدودية، الواقعة مقابل منطقة كورسك.

وفي مركز إجلاء بعاصمة منطقة سومي، قال عامل المعادن المتقاعد ميكولا (70 عاماً)، الذي فرّ من قريته خوتين، على بُعد 26 كيلومتراً من الحدود الروسية، إن الهجوم الأوكراني أعطاه دفعة معنوية.

وأضاف متحدثاً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «دعونا نَرَهُم يشعرون بما هي عليه الأمور، إنهم لا يفهمون ماهية الحرب، فليذوقوا طعمها».

أحد الجنود الجرحى الأوكرانيين الذين أعيدوا من مواقعهم يتلقى العلاج من قِبل أطباء عسكريين أوكرانيين في نقطة استقرار للواء الآلي 47 «ماجورا» بمنطقة بوكروفسك في دونيتسك الشرقية وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

ورجّح محللون أن تكون كييف أطلقت الهجوم، في مسعى لتخفيف الضغط عن قواتها في أجزاء أخرى من خط الجبهة.

لكن المسؤول الأوكراني أوضح أن التأثير كان محدوداً حتى الآن على القتال في شرق أوكرانيا. وقال: «مبدئياً، لم يتغير الوضع. ضغطهم في الشرق يتواصل، إنهم لا يسحبون قواتهم من هذه المنطقة»، رغم أن «وتيرة الهجمات الروسية في الشرق تراجعت بعض الشيء».

وأعلنت روسيا حالة الطوارئ في منطقة كورسك، و«عملية لمكافحة الإرهاب» في المنطقة وفي منطقتين حدوديتين أخريين.

وأشار المسؤول الأوكراني إلى أنه عاجلاً أم آجلاً، «ستصدُّ» روسيا القوات الأوكرانية في منطقة كورسك، مؤكداً أن أوكرانيا تستعدّ لهجوم انتقامي روسي عبر هجمات صاروخية واسعة النطاق، بما في ذلك «على مركز صنع القرار» في أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

الاقتصاد صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، عبر شبكة معقدة من الإمدادات والأنابيب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: تخفيف العقوبات على نفط روسيا يساعدها في تمويل حربها على أوكرانيا

دان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تخفيف العقوبات على النفط الروسي بعدما مدَّدت الولايات المتحدة إعفاء يهدف لتخفيف حدة ارتفاع الأسعار جرَّاء حرب الشرق الأو

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ألكسندر لوكاشينكو رئيس روسيا البيضاء (أ.ب)

لوكاشينكو: مستعد للقاء ترمب فور إعداد «اتفاق كبير» بين أميركا وبيلاروسيا

قال ألكسندر لوكاشينكو، رئيس بيلاروسيا، إنه سيكون مستعداً للقاء نظيره الأميركي، دونالد ترمب، فور إعداد «اتفاق كبير» بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (مينسك)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

كثّفت القوات الأوكرانية هجماتها على مستودعات ومصافي النفط الروسية، التي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».


الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)

ذكرت الشرطة البريطانية، الأحد، أنها تُحقق فيما إذا كانت الهجمات بإشعال حرائق متعمدة على مواقع يهودية في لندن، من عمل وكلاء إيرانيين.

وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجال شرطة مكافحة الإرهاب يحققون في الهجمات التي استهدفت معابد يهودية ومواقع أخرى مرتبطة بالجالية اليهودية، بالإضافة إلى هجوم استهدف شركة إعلامية ناطقة باللغة الفارسية.

ولم يصب أي شخص في هذه الحرائق، وكان آخرها قد ألحق أضراراً طفيفة بمعبد يهودي في شمال لندن مساء أمس.

وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة، فيكي إيفانز، إن جماعة تُطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت عبر الإنترنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

وأضافت: «نحن على دراية بالتقارير العلنية التي تُشير إلى احتمال وجود صلات بين هذه الجماعة وإيران. وكما هو متوقع، سنواصل التحقيق في هذا الاحتمال مع تطور مجريات التحقيق».

وتابعت: «سبق أن تحدثت عن استخدام النظام الإيراني وكلاء من العناصر الإجرامية، ونحن ندرس ما إذا كان هذا الأسلوب يجرى استخدامه هنا في لندن».

ووصفت الحكومة الإسرائيلية «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بأنها جماعة حديثة التأسيس، يُشتبه في وجود صلات لها بجماعة تعمل «لحساب إيران»، وقد أعلنت هذه الأخيرة أيضاً مسؤوليتها عن هجمات استهدفت معابد يهودية في بلجيكا وهولندا.


حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

أثار تحذير وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مما وصفه بـ«آثار مدمّرة» قد تترتب على انسحاب محتمل للولايات المتحدة من البنية الأمنية الأوروبية تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك خطط موضوعة للتعامل مع هذا الاحتمال.

وقال فيدان إن مناقشات جارية حول كيفية إدارة آثار الانسحاب الأميركي المحتمل، أو التخفيف منها، مضيفاً أنه قد يكون «مدمراً» لأوروبا إذا جرى تنفيذه بطريقة غير منسقة.

واستند حديث فيدان، الذي أتى خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي اختتم أعماله في جنوب تركيا، الأحد، إلى تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في وقت سابق، بسحب بلاده من حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد أن رفض الأعضاء الأوروبيون في الحلف إرسال سفن لفتح مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأدّى القرار الأوروبي إلى تفاقم الخلافات التي كانت قد تصاعدت منذ إعلان ترمب رغبته في الاستحواذ على غرينلاند.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

وتركيا هي ثاني أكبر قوة في «الناتو»، لكنها تواجه عقبات في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال فيدان إنه كان يُعبّر منذ فترة طويلة عن شكواه من أن دول الاتحاد الأعضاء في الحلف تتصرف كأنها «نادٍ منفصل»، وتتخذ قراراتها بمفردها، حتى لو كان ذلك يتعارض مع موقف الحلف، وأرجع الموقف الأميركي إلى هذا السبب.

خطة أوروبية

وجاءت تصريحات فيدان، بالتزامن مع تقارير في صحف تركية قريبة من الحكومة، تحدثت فيها عن تحركات أوروبية لوضع خطة بديلة تحسباً لأي تراجع محتمل في الدور الأميركي داخل «الناتو» وخيارات تركيا الاستراتيجية تجاه ذلك، بما فيها إمكانية تعزيز التحالف مع الصين وروسيا، الذي تحدّث عنه علناً رئيس حزب «الحركة القومية» الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، محبذاً فكرة أن تُشكل تركيا تحالفاً مع روسيا والصين.

وقال دولت بهشلي، رئيس حزب «الحركة القومية»، في كلمة أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء الماضي: «إن موقع تركيا الجيوسياسي والجيوستراتيجي يستلزم سياسة خارجية حذرة ومتأنية ومتعددة الأبعاد»، معيداً بذلك التذكير بتصريحات أدلى بها العام الماضي حول الموضوع ذاته.

ولاحقاً، ذكرت صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية أن خطة بديلة لإعادة تشكيل هيكل الدفاع في أوروبا بدأت تتبلور، وذلك رداً على احتمال انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» وتفاقم أزمة الثقة في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي تحدث عن أهمية تحالف تركيا مع روسيا والصين (حساب الحزب في «إكس»)

وقالت الصحيفة، فيما يعد تأكيداً لحديث فيدان عن المناقشات حول تأثير الانسحاب الأميركي المحتمل على البنية الأمنية الأوروبية، إن الخطة البديلة، التي وصفتها بـ«الخطة ب»، جرى بحثها في اجتماعات رسمية واتصالات دبلوماسية، وكذلك عبر قنوات غير رسمية مثل مآدب العشاء، ما يعكس أنها لم تعتمد بوصفها سياسة رسمية بعد، لكنها في مرحلة تحضيرية متقدمة.

وحسب مسؤولين أوروبيين، فإن هذه الخطة لا تستهدف إنشاء بديل لـ«الناتو»، بل الحفاظ على قدرات الردع، خصوصاً في مواجهة روسيا؛ حيث تسعى الدول الأوروبية إلى لعب دور أكبر في هياكل القيادة داخل الحلف، وسد الفراغ الناتج عن تراجع القدرات الأميركية عبر إمكاناتها الخاصة.

وتطرقت صحيفة «ميلليت» إلى الشراكات الجديدة التي سيُسفر عنها هذا الانسحاب، بما في ذلك إمكانية التعاون العسكري بين تركيا وروسيا والصين.

ونقلت عن الأدميرال التركي المتقاعد، جيم غوردينيز، أن وجود نظام تعاون ثلاثي يجمع تركيا وروسيا والصين، مع إمكانية ضم إيران ودول أخرى مستقبلاً، سيكون كفيلاً بتغيير الجغرافيا السياسية العالمية.

روته يستبعد انسحاب أميركا

لكن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، نفى التكهنات حول إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، قائلاً إنه «يتفهم إحباط ترمب من الحلف، كما دعا أوروبا إلى تعزيز صناعتها الدفاعية». وقال روته، في مقابلة مع صحيفة «دي فيلت» الألمانية، الأحد: «لا أرى الولايات المتحدة تنسحب من (الناتو)، ولا أشك في استمرارها في حماية أوروبا بالأسلحة النووية». وأضاف الأمين العام لـ«الناتو»: «المظلة النووية الأميركية هي الضامن الأخير للأمن هنا في أوروبا، وأنا على يقين بأنها ستبقى كذلك».

جانب من لقاء ترمب وروته في واشنطن (أ.ب)

ويحتاج ترمب إلى موافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي على قرار الانسحاب من «الناتو»، وهو سيناريو يعد مستبعداً للغاية.

وكرر روته ما قاله بعد اجتماعه مع ترمب في البيت الأبيض، الأسبوع الماضي، عقب إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، قائلاً: «من الواضح أنه يشعر بخيبة أمل تجاه عدد من حلفاء (الناتو)، وأتفهم وجهة نظره».

وزير خارجية ليتوانيا كيستوتيس بودريس متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» (إعلام تركي)

في السياق ذاته، رفض وزير خارجية ليتوانيا، كيستوتيس بودريس، الدعوات إلى إنشاء هيكل دفاعي أو «جيش أوروبي» مستقل، مؤكداً ضرورة تركيز الجهود، بدلاً من ذلك، على تعزيز إطار حلف «الناتو» القائم.

ووجّه بودريس، في تصريحات على هامش مشاركته في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت، اللوم إلى الدول الأوروبية، قائلاً إنها لا تبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف «الناتو» المتفق عليها، مشككاً في جدوى العمل بشكل مستقل.

وقال: «إذا كنا لا نبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف حلف (الناتو)، بما في ذلك الولايات المتحدة، فكيف لنا أن نفعل ذلك بمفردنا؟». ورأى أن قمة «الناتو» المقبلة التي ستعقد في أنقرة، يوليو (تموز) المقبل، ستكون اختباراً حاسماً لوحدة الحلفاء ومصداقيتهم، مشدداً على ضرورة أن يعيد الأعضاء تأكيد التزاماتهم تجاه الحلف.