بعد مائة عام من الانتظار... باريس تسعى لإبهار العالم بحفل افتتاح الأولمبياد

90 ألف رجل أمن ومساعدة خارجية للمحافظة على سلامة حضور دولي استثنائي

يراهن ماكرون على الأولمبياد لدفع شعبيته وإعادة تركيز وضعه السياسي بعد الانتخابات البرلمانية (أ.ب)
يراهن ماكرون على الأولمبياد لدفع شعبيته وإعادة تركيز وضعه السياسي بعد الانتخابات البرلمانية (أ.ب)
TT

بعد مائة عام من الانتظار... باريس تسعى لإبهار العالم بحفل افتتاح الأولمبياد

يراهن ماكرون على الأولمبياد لدفع شعبيته وإعادة تركيز وضعه السياسي بعد الانتخابات البرلمانية (أ.ب)
يراهن ماكرون على الأولمبياد لدفع شعبيته وإعادة تركيز وضعه السياسي بعد الانتخابات البرلمانية (أ.ب)

أخيراً، ستحلّ، عصر الجمعة، ساعة الصفر لانطلاق حفل الافتتاح الضخم لأولمبياد باريس الذي تنتظره العاصمة الفرنسية منذ مائة عام، وهو تاريخ آخر ألعاب أولمبية صيفية استضافتها فرنسا، والتي كانت في شهر يوليو (تموز) من عام 1924. ولأن الاستحقاق تاريخي، ولأن باريس تتحضر له منذ أكثر من أربعة أعوام، فإن الدولة عازمة على تقديم أفضل صورة لـ«عاصمة الأنوار»، بينما ستكون أنظار العالم مركّزة عليها طيلة أسبوعي الأولمبياد الذي تنطلق ألعابه، السبت، وتتواصل حتى 11 أغسطس (آب). تلي ذلك، نهاية شهر أغسطس وحتى 8 سبتمبر (أيلول) الألعاب الرديفة المسماة «بارا - أولمبية» المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، والتي تريد الحكومة الفرنسية ومعها اللجنة الأولمبية إيلاءها الاهتمام اللازم.

حفل افتتاح «استثنائي»

وزير الداخلية جيرالد دارمانان يصافح أفراداً من فرقة البحث والتدخل خلال وصوله لزيارة استاد «بارك دي برنس» الأربعاء (أ.ف.ب)

ليس من المبالغة في شيء تأكيد أن نظرة فرنسا للأولمبياد تتخطى بأشواط جوانبها الرياضية؛ إذ إنها تريد أن تكون مرآة تعكس حضورها في العالم على كافة المستويات.

وقال جيرالد دارمانان، وزير الداخلية، متحدثاً عن حفل الافتتاح: «إنه لأمر استثنائي أن يتمكن بلد ما من القيام به وإنجاحه، ولم يسبق لنا تنظيم حفل يشبهه خارج الملعب المغلق وفي السياق الجيوسياسي والإرهابي الذي نعرفه. إنه بالفعل تحدٍّ كبير للغاية. إنه رمز لفرنسا التي نظّمت نفسها بنفسها، وهو أمر لا يعرف أي شخص آخر في العالم كيف يفعل ذلك».

وللدلالة على أهمية الحدث، تكفي الإشارة إلى أن 120 رئيس دولة وحكومة سيحضرون حفل الافتتاح الذي سيحصل على مجرى نهر السين، الذي يقسم باريس إلى قسمين، وسيحضره 320 ألف متفرج موزّعين على ضفتي النهر. ولم يسبق إطلاقاً أن جرى حفل افتتاح في فضاء خارجي وفي مجرى نهر كنهر السين، حيث سيتجمهر 8500، من أصل 10500، مُشارك على 94 مركباً تمخر عباب المياه بطول ستة كم انطلاقاً من جسر «أوسترليتز» الواقع شرق العاصمة وحتى جسر إيينا «في شقها الغربي». ولأن اليونان هو مهد الألعاب الأولمبية، فإن شرف تقدم كافة البعثات يعود للبعثة اليونانية، فيما مركب الاختتام سيعود لفرنسا، الدولة المضيفة.

وطيلة نحو أربع ساعات، سيكون ما لا يقل عن مليار مشاهد عبر العالم مسمّرين أمام أجهزة التلفزة لمتابعة الحدث الباريسي، الذي تمّ تصميمه ليعكس تاريخ العاصمة وإرثها الثقافي والفني والمعماري، خصوصاً أن باريس التاريخية نشأت ملاصقة لمجرى النهر. وستمر المراكب إلى جانب «كاتدرائية نوتردام» وجزيرتي «سان لويس» و«لا سيتيه» و«جسر الفنون» «لو بون دي زار»، ومتحف «اللوفر»، وقصر «التويليري»، ومبنى الجمعية الوطنية، وقصر كي دورسيه (وزارة الخارجية)، فضلاً عن «متحف أورسي»، وبرج إيفل، ولينتهي المسار تحت أقدام «ساحة تروكاديرو» الشهيرة وحديقتها المطلة مباشرة على نهر السين.

مظاهرة في باريس عشية حفل الافتتاح الضخم لدورة الألعاب الأولمبية احتجاجاً على إخلاء الشرطة لمهاجرين كانوا ينامون في مخيم (أ.ب)

وطيلة المسار، ستواكب الحفل لوحات من الرقص والغناء والموسيقى، وثمة مفاجآت لم يكشف عنها، ومما يهمس به أن راقصين وراقصات سيطلون من أسطح الأبنية المطلة على السين أو من شرفات بعض المعالم الشهيرة لتقديم لوحات استثنائية، فيما تدور تساؤلات عن مشاركة المغنية الكندية «سيلين ديون» في الحفل الغنائي، وربما مع المغنية الأميركية «ليدي غاغا»، وكلتاهما وصلت إلى باريس. ويقال إنهما ستغنيان معاً أغنية «إديث بياف» الشهيرة المسماة «نشيد للحب».

وسبق أن جرى جدل واسع في فرنسا حول مشاركة المغنية آيا ناكامورا، مزدوجة الجنسية الفرنسية - المالية لتكون نجمة الحفل الغنائي، ووجّه اليمين المتطرف سهامه ضدها، معتبراً أنها لا تمثل فرنسا ولا تغني حقيقة بالفرنسية.

وطيلة المسار، ستنتقل الشعلة الأولمبية بين أيدي مجموعة مختارة من الشخصيات الفرنسية الرياضية التي برزت بقوة في السنوات الأخيرة، فيما الحفل الرسمي سيجرى في ساحة «إسبلاناد تروكاديرو»، بمشاركة كبار المدعوين والبعثات الأولمبية الـ205 التي حضرت إلى فرنسا.

ولا يمكن لحفل كهذا أن يكتمل من غير مشاركة الطائرات الاستعراضية الفرنسية التي تطير على ارتفاعات منخفضة للغاية، وينتظر أن ترسم قلباً باللون الأحمر فوق نهر السين. ولأن الآلاف يرغبون بالمشاركة عن قرب بالاحتفالات، فإنه تم نصب 80 شاشة عملاقة في ساحات قادرة على استيعاب آلاف المشاهدين.

حضور دولي واسع

كثيرة التحديات التي تواجه فرنسا: سياسية؛ لأن البلاد تجتاز مرحلة انتقالية بعد الانتخابات البرلمانية واستقالة الحكومة وعدم تكليف شخصية لتشكيل حكومة جديدة، وتنظيمية، ولوجيستية، وسيبرانية. لكن التحدي الأكبر أمني بامتياز، ما يفرضه وجود أكثر من مائة رئيس دولة وحكومة في فضاء مفتوح، فيما المسؤولون الفرنسيون دأبوا على التحذير من المخاطر الأمنية مختلفة الأشكال والأبعاد التي تهدد الأولمبياد الذي يجري في ظل حربين: الحرب الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على غزة.

تعزيزات أمنية حول استاد «بارك دي برنس» الأربعاء (أ.ب)

وبخصوص الأولى، فإنها تمظهرت بوجود بعثة روسية ضئيلة العدد ستمنع من المشاركة في الاحتفال الرسمي ومن رفع علم بلادها خلال المباريات الرياضية، فيما الرئيس فلاديمير بوتين سيكون الغائب الأكبر؛ لأنه لم يدع أساساً للحضور. وحرب غزة انتقلت إلى فرنسا بعد مطالبات متعددة بمنع مشاركة الرياضيين الإسرائيليين، نظراً للمجازر التي ترتكب في القطاع، وهو ما رفضه المسؤولون الفرنسيون، وأيضاً اللجنة الأولمبية المنظمة.

ويمثل الرئيس إسحاق هرتسوغ إسرائيل، فيما تحظى البعثة الإسرائيلية، وفق وزير الداخلية، بحماية أمنية خاصة. وثمة غائبان رئيسيان إضافيان: الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي سيمثله نائبه هان زينغ، والرئيس الأميركي جو بايدن الذي ستمثله قرينته السيدة الأميركية الأولى جيل.

ولم يتأكد حضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فيما سيشارك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن بعد بكلمة مسجلة يدعو فيها إلى «إسكات صوت السلاح» خلال الأولمبياد.

وسيكون الحضور الرسمي الأوروبي طاغياً، ويبرز خصوصاً حضور رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الساعي لتحسين علاقات بلاده بفرنسا وبدول الاتحاد الأوروبي بشكل عام. كذلك ستحضر الأميرة آن، ممثلة عن ملك بريطانيا تشارلز الثالث.

التحديات الأمنية

ولأن الهم الأمني أساسي، فإن وزارة الداخلية عمدت إلى تعبئة ما لا يقل عن 90 ألف رجل للمحافظة على سلامة الحفل الافتتاحي، منهم 45 ألف رجل شرطة ودرك، و18 ألف عسكري، و15 إلى 20 ألف رجل أمن خاص. كذلك، ثمة عدة آلاف من المتطوعين الذي يشاركون في تنظيم ورعاية الحفل لتسير الأمور بانتظام. وطلبت باريس المساعدة من ستين دولة والتي أرسلت بعثات أمنية، بعضها متخصّص.

وعُلم أن نحو ألفي رجل أمن أجنبي يشاركون، إلى جانب نظرائهم الفرنسيين، في السهر على سلامة الاحتفال والألعاب التي بدأت، الخميس. وكتب وزير الداخلية جيرالد دارمانان، في مذكرة بخط اليد موجهة إلى عشرات الآلاف من ضباط الشرطة ورجال الإطفاء وخبراء تفكيك القنابل وعناصر أجهزة الاستخبارات وأفراد الأمن الخاص، إن «أكبر حدث عالمي يمكن أن تنظمه دولة»، قد وصل «أخيراً» بعد أربع سنوات من التحضير، مُنبّهاً إلى وجود «تحديات أمنية غير مسبوقة».

وقال دارمانان، في رسالة نُشرت على منصة «إكس»: «لن تكون مهمتكم سهلة». وقبل الاحتفال وانطلاق الألعاب، عمدت القوى الأمنية لتشديد قبضتها، بإبعاد من تحوم حوله شبهات أمنية، وبفرض الإقامة الجبرية على العشرات، وإلى تحويل باريس إلى مدينة يصعب التعرف إليها بسبب الحواجز التي أقيمت في ساحاتها، وعلى الجسور الرابطة بين شطريها، والبوابات الحديدية المؤقتة التي يتطلّب اجتيازها تصريحات خاصة.

حركة الطيران

في زمن المسيّرات، يبدو تحدي أمن الأجواء طاغياً. لذا، عمد سلاح الجو إلى تنظيم «مظلّة واقية» فوق باريس، وفوق المواقع التي ستشهد مباريات رياضية، فضلاً عن القرية الأولمبية والمواقع الأساسية الأخرى. وبالطبع، ووفق وزارة الدفاع، فإن الوسائل المعبأة تشمل الطوافات والطائرات القتالية والرادارات والمسيرات، وذلك في إطار خُطّة متكاملة مع إدارة الطيران المدني.

انتشار أمني كثيف في شوارع باريس (أ.ب)

وفي هذا السياق، فإنه سيتمّ إغلاق الأجواء في دائرة قُطرها 150 كلم، ما يشمل كافة المطارات الرئيسية التابعة لباريس، بدءاً من الساعة السادسة والنصف وحتى منتصف الليل.

وعملياً، يعني القرار أن كافة الطائرات التجارية والسياحية ستبقى على مدرجاتها في مطارات رواسي؛ شارل ديغول وأورلي وبوفيه ولوبورجيه. ويمس القرار 500 عملية إقلاع وهبوط في المطارات الأربعة. أما الرحلات الواصلة إليها بعد الساعة السادسة والنصف، فسيتم تحويلها إلى مطارات أخرى في فرنسا. وأفادت مصادر أمنية بأن الطوافات ستحلق في سماء العاصمة طيلة فترة الحفل الافتتاحي.

درء خطر المسيرات

أما بالنسبة للمسيرات، فقد تم إيجاد مركز تنسيق لمواجهتها في قاعدة «فيلاكوبليه» الجوية الواقعة جنوب العاصمة، ومهمته القضاء، بكل الوسائل المتاحة، على أي تهديد يمكن أن تشكله أي مسيرة؛ أكانت مثلاً حاملة لعلم من الأعلام أو أن تكون مفخخة. وعُلم أن مجموعة كبيرة من القناصة الذين تقوم مهمتهم على إسقاط هذه المسيرات، سيتم نشرهم إلى جانب وسائل الدفاع الجوي التقليدية.

نهر السين سيشهد لوحات استثنائية خلال الحفل الافتتاحي لأولمبياد باريس ليل الجمعة - السبت (د.ب.أ)

وسيكون هناك أيضاً نظام مضاد للطائرات دون طيار، حيث سيتم نشر مدافع تشويش يصل مداها إلى عدة كيلومترات. وأفادت معلومات دفاعية بأن باريس كانت تراهن على استخدام النظام المتقدم الذي تنتجه شركة «طاليس»، بالاشتراك مع شركة «سوبرا ستيريا». إلا أن التأخير الذي ألمّ به دفعها إلى اللجوء إلى نظام قديم يسمى «ميلاد»، وإلى استئجار أو استعارة أنظمة أخرى من طراز «باسالت» من إنتاج بريطاني.

كذلك، ستكون مهمة الجيش مراقبة ومنع اللجوء إلى «المسيرات النهرية»، انطلاقاً من المراقبة الجوية والأرضية، من خلال عناصر منتشرة بموازاة نهر السين.

كذلك سيستعين الجيش بغواصي الفرقة الهندسية الثالثة المتخصصة بعمليات التدخل، فضلاً عن اللجوء إلى الكلاب البوليسية لتفتيش المراكب قبل انطلاقها في الحفل الاستعراضي. ومنذ بداية بعد ظهر الجمعة، سيتم تطويق جميع المناطق المصنّفة «حمراء»، أي اللصيقة بنهر السين، ولن يُسمح لغير مركبات الشرطة وخدمات الطوارئ والمنظمين بالتجول داخل هذا المحيط. وكتب دارمانان على منصة «إكس» متوجهاً لأفراد القوى الأمنية: «إنني أعتمد على كل واحد منكم لتقديم أجمل وجه لفرنسا، حيث الرعاية والود والاحترافية». وأضاف: «ستتجه أنظار العالم إليكم».


مقالات ذات صلة

الدعم الأوروبي يقرب الرامي الآيرلندي فيركلوف من حلم الذهب الأولمبي

رياضة عالمية جاك فيركلوف (فريق آيرلندا فيسبوك)

الدعم الأوروبي يقرب الرامي الآيرلندي فيركلوف من حلم الذهب الأولمبي

بعد سنوات من الكفاح لتأمين التمويل اللازم لمواصلة حلمه بإحراز مجد أولمبي لآيرلندا بمنافسات رماية أطباق السكيت بات جاك فيركلوف أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق هدفه.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
رياضة عالمية إيلينا ريباكينا (أ.ب)

ريباكينا تقود مطالبات بتغيير روزنامة 2028 بسبب «فوضى» مواعيد الأولمبياد

طالبت إيلينا ريباكينا وعدد من أبرز نجمات ونجوم التنس بإجراء تغييرات على روزنامة موسم 2028.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية رئيسة اللجنة الأولمبية الدولية كيرستي كوفنتري (د.ب.أ)

رئيسة «الأولمبية الدولية» تلتقي بممثلي المدن الألمانية المرشحة لاستضافة الأولمبياد

التقت رئيسة اللجنة الأولمبية الدولية، كيرستي كوفنتري، بممثلي المدن الألمانية المرشحة لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية الصيفية.

«الشرق الأوسط» (آخن (المانيا))
رياضة عالمية شعار «الأولمبية الدولية» (رويترز)

وفاة البطل الأولمبي الإيطالي ليفيو بيروتي عن 87 عاماً

توفي الإيطالي ليفيو بيروتي، بطل سباق 200 متر في «أولمبياد روما 1960»، عن عمر 87 عاماً.

«الشرق الأوسط» (روما)
رياضة عالمية كاتي ليديكي (أ.ف.ب)

ليديكي تفوز بسباق 1500 «حرة» في بان باسيفيك

حقَّقت الولايات المتحدة نجاحاً كبيراً في اليوم الأول من بطولة «بان باسيفيك للسباحة»، التي انطلقت، أمس (الأربعاء)، في إرفين بولاية كاليفورنيا الأميركية.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا )

الحكم على أوكراني في ألمانيا بتهمة التجسس لصالح روسيا

متهمان يغطيان وجهيهما لدى وصولهما إلى قاعة محكمة ألمانية وسط اتهامات بالتآمر لارتكاب هجمات متعمد نيابةً عن جهاز استخبارات روسي (رويترز)
متهمان يغطيان وجهيهما لدى وصولهما إلى قاعة محكمة ألمانية وسط اتهامات بالتآمر لارتكاب هجمات متعمد نيابةً عن جهاز استخبارات روسي (رويترز)
TT

الحكم على أوكراني في ألمانيا بتهمة التجسس لصالح روسيا

متهمان يغطيان وجهيهما لدى وصولهما إلى قاعة محكمة ألمانية وسط اتهامات بالتآمر لارتكاب هجمات متعمد نيابةً عن جهاز استخبارات روسي (رويترز)
متهمان يغطيان وجهيهما لدى وصولهما إلى قاعة محكمة ألمانية وسط اتهامات بالتآمر لارتكاب هجمات متعمد نيابةً عن جهاز استخبارات روسي (رويترز)

أصدرت محكمة ألمانية، الثلاثاء، حكماً بالسجن لمدة عام وثلاثة أشهر بحق أوكراني بعد إدانته بتهمة التجسس لصالح روسيا، والمساعدة في التحضير لأعمال تخريب محتملة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وبرّأت المحكمة في شتوتغارت رجلين أوكرانيين آخرين كانا يحاكَمان في القضية نفسها التي تشمل محاولة إرسال طرود تحتوي على أجهزة تتبع عبر نظام تحديد المواقع (GPS) إلى أوكرانيا. وخلصت المحكمة إلى أن المخطط كان يهدف إلى «تعطيل المواصلات والبنية التحتية».

وقالت المحكمة إن الأوكراني البالغ من العمر 30 عاماً والذي كان «يقيم مؤخراً في سويسرا» مذنب بتهمة «التجسس بهدف التخريب».

متهم أوكراني يظهر أمام المحكمة الإقليمية العليا في شتوتغارت بألمانيا (إ.ب.أ)

وعلى الرغم من ذلك، سيتم حالياً الإفراج عنه، بعد احتساب الفترة التي أمضاها محتجزاً قبل بدء المحاكمة ضمن المهلة التي حددتها المحكمة.

ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، تُعدّ ألمانيا داعماً رئيسياً لكييف، وبقيت في حالة تأهب قصوى لمواجهة أي عمليات تخريب أو تجسّس من جانب موسكو.

وفي وقت سابق هذا الشهر، عُثر على طائرة مسيَّرة محملة بمتفجرات قرب طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ/هاله في ألمانيا الذي يُعدّ مركزاً استراتيجياً للنقل العسكري واللوجستي.

ووصف وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت الواقعة بأنها «هجوم هجين»، ملمحاً إلى أن «قوة أجنبية» ربما تكون ضالعة فيه، من دون أن يسمي روسيا مباشرة.


ألمانيا تسرع العمل على تكنولوجيا المسيرات بعد هجوم فاشل في مطار لايبزيغ

وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوربنت يتفحص مسيرة خلال افتتاح مركز لتكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز)
وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوربنت يتفحص مسيرة خلال افتتاح مركز لتكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز)
TT

ألمانيا تسرع العمل على تكنولوجيا المسيرات بعد هجوم فاشل في مطار لايبزيغ

وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوربنت يتفحص مسيرة خلال افتتاح مركز لتكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز)
وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوربنت يتفحص مسيرة خلال افتتاح مركز لتكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز)

أمام التهديدات الأمنية المتزايدة من المسيرات، افتتحت ألمانيا مركز أبحاث متخصصاً في المسيرات في ولاية «ساكسونيا أنهالت» التي كانت ضحية هجوم فاشل بمسيرة مزودة بمتفجرات قبل قرابة أسبوعين.

وحذر وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوربنت خلال افتتاح المركز في مطار مدينة ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من أن ألمانيا «ضحية يومية لهجمات هجينة من قوى خارجية تحاول زعزعة استقرارها عبر عمليات تجسس وتخريب وتلاعب»، وأضاف أن «من يستهدف ألمانيا يضرب كل أوروبا».

طائرة الشحن الأوكرانية التي عثر بالقرب منها على مسيرة محملة بمتفجرات في مطار لايبزغ ليل 5 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وأشار دوربنت إلى أن العثور على مسيرة مزودة بمتفجرات في مطار لايبزغ في الولاية نفسها، أكد على الحاجة الملحة لاتخاذ تدابير دفاعية في هذا المجال. وقال دوربنت إن المركز هدفه المساعدة في الفوز «بسباق التسلح بين تكنولوجيا المسيرات الدفاعية وتكنولوجيا التدابير المضادة للمسيرات من خلال الابتكار والبحث»، مضيفاً أن المركز سيكون «عنصراً رئيسياً في البنية الأمنية للتصدي للتهديد الهجين الذي تشكله الطائرات المسيرة».

وسيكون المركز الذي يحمل تسمية «مركز تكنولوجيا سلامة الطائرات المسيرة» تحت قيادة المركز الألماني للفضاء. وقالت وزير الأبحاث دوروثي باير التي شاركت في افتتاح المركز، إن ألمانيا «تتميز بأداء متميز في مجال الأبحاث الأساسية لكننا بحاجة ببساطة إلى تسريع وتيرة التطبيق العلمي لتلك الأبحاث». وأشارت إلى أن التقنيات الخاصة بأنظمة المسيرات والتصدي لها تتطور «بسرعة فائقة»، مضيفة أن المركز «يهدف إلى المساعدة في تقييم الأساليب الجديدة في مراحل مبكرة ومواصلة تطويرها وتحويلها بسرعة أكبر إلى تطبيقات عملية». وستستثمر الحكومة الألمانية قرابة 10 ملايين يورو في السنوات المقبلة لتوسيع البحث في مجال التصدي للمسيرات.

وعثرت السلطات في مطار لايبزيغ على مسيرة محملة بمتفجرات على مسافة أمتار من طائرة بضائع أوكرانية، ليل الأربعاء 5 أغسطس (آب) الماضي. وأظهرت التحقيقات الأولية وجود مادة النيترات الشديدة التفجير في المسيرة إضافة إلى صاعق للتفجير عن بعد. وتعتقد السلطات أن المسيرة لم تنفجر؛ لأن الصاعق توقف عن العمل. وأرسلت السلطات فور اكتشاف المسيرة، رجلاً آلياً لإجراء الفحص الأول والإعداد لتفجير مدروس.

نظام دفاعي لطائرة مسيرة تابع للمركز الألماني للفضاء الذي يشغل مركز تكنولوجيا المسيرات في ولاية ساكسونيا أنهالت (رويترز)

وعثرت السلطات لاحقاً على أثر حمض نووي على المسيرة قادها إلى مكان في ولاية «ساكسونيا أنهالت» يعتقد المحققون أن من كان يديرها موجود هناك. وتبحث السلطات في محيط المنطقة عن المشتبه به الذي كان يسير الطائرة. وبحسب صحيفة «بيلد» الألمانية، فإن الحمض النووي الذي تم العثور عليه يتطابق مع ذلك الذي عثر عليه في موقع هجوم الحريق المتعمد الذي وقع في يوليو من عام 2024 في مركز للخدمات اللوجستية التابع لشركة «دي إتش إل» في لايبزيغ، عثر حينها على عبوة حارقة داخل طرد حيث اشتعلت تلقائياً.

ورغم أن ألمانيا لم توجه أصابع الاتهام لأي طرف، فإن الشكوك تحوم حول روسيا. ونقلت وسائل إعلام أميركية أن المخابرات الأميركية تعتقد أن روسيا مسؤولة عن الهجوم الفاشل في مطار لايبزيغ. ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال»، عن مصادر قالت إنها مطلعة على تقارير المخابرات الأميركية، أن الحكومة الروسية على الأرجح مسؤولة عن المسيرة. ونقلت قناة «سي إن إن» عن مسؤولين أميركيين في أوروبا، أن المخابرات الأميركية استنتجت أن المخابرات الروسية هي المسؤولة عن المسيرة.

وفي تقريرها السنوي في يونيو (حزيران) الماضي، حذرت المخابرات الألمانية الداخلية من ازدياد عمليات التخريب المرتبطة بالمخابرات الروسية داخل ألمانيا، وقالت إن هذه العمليات تزداد منذ الحرب في أوكرانيا. وتعد ألمانيا أكبر مزود للسلاح لأوكرانيا بعد تراجع الولايات المتحدة إلى المركز الثاني منذ دخول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

مسيرات أوكرانية في مخزن بمدينة لفيف (إ.ب.أ)

وتتكرر في ألمانيا حوادث العثور على مسيرات بالقرب من مطارات أو مراكز حيوية، رغم أنها كانت المرة الأولى التي يتم العثور فيها مسيرة معدة للتفجير قبل أسبوعين. وتتكرر كذلك عمليات القرصنة لمراكز حكومية توجه فيها برلين عادة أصابع الاتهام إلى الكرملين، كان آخرها قبل أيام لوزارتين في ولاية برلين المحلية. وتعطل العمل بالإنترنت، وتوقفت المراسلات الإلكترونية الداخلية في وزارتي النقل والتخطيط التابعتين لحكومة برلين المحلية بعد تعرضهما لعمليات قرصنة، نهاية الأسبوع الماضي. وتم فصل الوزارتين عن شبكة الولاية لأسباب أمنية، ولمنع حدوث المزيد من الأضرار. ونقلت صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية أن الهجوم ربما يكون قد طال عدداً أكثر من المباني، كما أنه من المحتمل أن يكون تم تسريب بيانات، ولكن مصادر أضافت للصحيفة أن البيانات الجغرافية التي تم تسريها متوفرة أصلاً للعامة. وذكرت إذاعة برلين براندنبيرغ أن «بيانات حساسة» قد تعرضت للاختراق، مشيرة إلى أن المهاجمين «استغلوا على ما يبدو ثغرة في أنظمة تكنولوجيا المعلومات» لشن الهجوم الإلكتروني.

رجل يسير بموقع انفجار مبنى سكني عقب استهدافه بطائرة مسيّرة بالقرب من الحدود مع أوكرانيا بغالاتي الرومانية في مايو الماضي (رويترز)

وما زالت التحقيقات جارية لتحديد المسؤول عن الهجوم، كما لم يرجع العمل بعد بالشبكة الداخلية في الوزارتين المتأثرتين. ويحذر خبراء في المعلوماتية منذ سنوات بأن الإدارات المحلية في برلين وولايات أخرى غير مجهزة للتعامل مع اختراقات أمنية، كما أن الأنظمة التي تستخدمها ضعيفة وغير كافية لحمايتها من هذه الهجمات.

من جانب آخر، نددت وزارة الخارجية في مولدوفا، الاثنين، ​بانتهاك المجال الجوي للبلاد من جانب جسم جوي مجهول انفجر في وقت لاحق. وتشترك مولدوفا في حدود مع أوكرانيا، وتدعمها ‌في حربها ‌ضد روسيا، وتعاملت ​مولدوفا ‌مع ⁠عدة ​حوادث لطائرات ⁠مسيرة حلقت فوق أراضيها، إضافة إلى العثور على حطام قرب الحدود.

جزء من طائرة أوكرانية مسيّرة سقطت بمنطقة كراسلافاس في لاتفيا 25 مارس الماضي (رويترز)

وقالت السلطات في مولدوفا إن ⁠الجسم الجوي دخل المجال ‌الجوي للبلاد، ‌وانفجر ‌بعد وقت قصير قرب بلدة تالمازا المحاذية للحدود مع أوكرانيا، وأضافت أن الانفجار ‌أدى إلى اشتعال النيران في بعض الأعشاب ⁠لكن دون ⁠وقوع أي إصابات، ولم تحدد السلطات مصدر الجسم الجوي، وقالت وزارة الخارجية في بيان: «يشكل هذا الحادث انتهاكاً خطيراً لسيادة جمهورية مولدوفا، وينطوي على خطر مباشر على ​سلامة ​مواطنينا. مثل هذه الحوادث غير مقبولة».


فرق الإطفاء تسعى لتطويق أكبر حريق غابات في بلجيكا

رجلا إطفاء بلجيكيان يعملان في غابة متضررة من حريق بمنطقة هوت فاني البلجيكية (رويترز)
رجلا إطفاء بلجيكيان يعملان في غابة متضررة من حريق بمنطقة هوت فاني البلجيكية (رويترز)
TT

فرق الإطفاء تسعى لتطويق أكبر حريق غابات في بلجيكا

رجلا إطفاء بلجيكيان يعملان في غابة متضررة من حريق بمنطقة هوت فاني البلجيكية (رويترز)
رجلا إطفاء بلجيكيان يعملان في غابة متضررة من حريق بمنطقة هوت فاني البلجيكية (رويترز)

باشر عناصر الإطفاء، اليوم (الثلاثاء)، عمليةً قد تكون حاسمةً لتطويق أكبر حريق غابات تشهده بلجيكا منذ قرن، رغم الرياح والأمطار التي تعرقل عمليات الدعم الجوي فوق محمية «هاي فينز» الطبيعية.

واتسع الحريق الذي دمَّر مساحات شاسعة من الأراضي الخثية والمستنقعات وأشجار الصنوبر ومسارات المشي، خلال عطلة نهاية الأسبوع، ليغطي مساحة تناهز 3 آلاف هكتار، بينما يواصل مئات من عناصر الإطفاء العمل ليلاً ونهاراً للسيطرة عليه.

وقال المتحدث باسم الحكومة الإقليمية، نيكولاس يرنو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نسعى اليوم إلى تطويق الحريق بشكل نهائي». وأكد أنَّ الحريق «تحت السيطرة والاحتواء» في المناطق التي تمكَّنت فرق الإطفاء من العمل فيها.

دخان يتصاعد من أراضٍ محترقة خلال حريق في محمية هوت فاني الطبيعية جنوب شرقي بروكسل (أ.ف.ب)

لكن الجبهة التي يصعب الوصول إليها باتجاه الحدود الألمانية لا تزال تُشكِّل قلقاً، في حين صدرت أوامر إخلاء لسكان بلدة مونشاو الحدودية؛ بسبب خطر الدخان.

وعمل عناصر الإطفاء طوال الليل لإنجاز عملية ربط حاسمة بين الجبهتين الشرقية والشمالية للحريق، وسط ظروف بالغة الصعوبة للوصول إلى المنطقة.

ونُشرت طائرات إطفاء من دول عدة، كان آخرها مروحيتان نرويجيتان وصلتا مساء أمس، لكن تعذَّر إقلاعها مراراً؛ بسبب السحب والأمطار. كما وصلت طائرات من ألمانيا والسويد وهولندا.

وقال يرنو إن الظروف الجوية لا تسمح بتحديد موعد استئناف الطلعات الجوية.

وغطت سحابة كثيفة من الدخان الأصفر مساحةً شاسعةً، ورُصدت آثار الدخان حتى شرق فرنسا، حيث أصدرت السلطات تحذيراً من تلوث الهواء.

رجل إطفاء بلجيكي يخمد حريقاً في غابة بمنطقة هوت فاني البلجيكية (رويترز)

وتسببت سحب الدخان في إجلاء سكان قرية بلجيكية وتجمُّعين سكانيَّين صغيرَين تابعَين لقرية ثانية، بينما سُمِح لسكان «تجمُّع سوربرودت» بالعودة إلى منازلهم مساء الاثنين.

وتجتاح أوروبا منذ أسابيع حرائق غابات مُدمِّرة تغذيها ظروف الجفاف وصيف حار غير مسبوق، وتكافح فرنسا واليونان والبرتغال وإسبانيا أيضاً حرائق كبيرة.

واندلع حريق هاي فينز في منطقة أتت عليها حرائق هائلة عام 1911، خلال فترة مماثلة من موجات الحر. وهو أكبر حريق غابات تشهده البلاد منذ ذلك الحين.

ومثل معظم أنحاء أوروبا، شهدت بلجيكا موجةً جديدةً من الحرِّ الشديد والجفاف في الأيام الأخيرة. ووصلت الحرارة إلى 37 درجة مئوية في بعض مناطق البلاد الأسبوع الماضي، ما خلق ظروفاً مواتيةً لانتشار حرائق الغابات.