الاتحاد الأوروبي يتهم «ميتا» بخرق قواعد المنافسة الرقمية

قد تواجه الشركة غرامات بقيمة 10% من إيراداتها العالمية السنوية

صورة لعلم الاتحاد الأوروبي وعليه ملصق للعلامة التجارية لشركة «ميتا» (رويترز)
صورة لعلم الاتحاد الأوروبي وعليه ملصق للعلامة التجارية لشركة «ميتا» (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يتهم «ميتا» بخرق قواعد المنافسة الرقمية

صورة لعلم الاتحاد الأوروبي وعليه ملصق للعلامة التجارية لشركة «ميتا» (رويترز)
صورة لعلم الاتحاد الأوروبي وعليه ملصق للعلامة التجارية لشركة «ميتا» (رويترز)

اتهم المنظمون في الاتحاد الأوروبي شركة «ميتا» للتواصل الاجتماعي، اليوم (الاثنين)، بانتهاك قواعد المنافسة الرقمية الجديدة للكتلة من خلال إجبار مستخدمي «فيسبوك» و«إنستغرام» على الاختيار بين مشاهدة الإعلانات أو الدفع لتجنبها.

تمنح «ميتا» المستخدمين الأوروبيين منذ نوفمبر (تشرين الثاني) خيار الدفع مقابل الإصدارات الخالية من الإعلانات من «فيسبوك» و«إنستغرام» كوسيلة للامتثال لقواعد خصوصية البيانات الصارمة في القارة. يمكن لمستخدمي الحاسوب المحمول دفع نحو 10 يوروات (10.50 دولار) شهرياً، في حين يدفع مستخدمو «iOS» أو «Android» ما يقرب من 13 يورو لتجنب استهدافهم بالإعلانات المستندة إلى بياناتهم الشخصية.

طرحت شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة خيار الاشتراك بعد أن قالت المحكمة العليا في الاتحاد الأوروبي إنه بموجب قواعد خصوصية البيانات الصارمة في الاتحاد الأوروبي، يجب على «ميتا» أولاً الحصول على موافقة قبل عرض الإعلانات للمستخدمين. وقالت المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، إن النتائج الأولية لتحقيقاتها تظهر أن نموذج إعلان «الدفع أو الموافقة» الخاص بشركة «ميتا» كان ينتهك قانون الأسواق الرقمية التابع للكتلة المكونة من 27 دولة. وقالت اللجنة إن نموذج «ميتا» لا يسمح للمستخدمين بممارسة حقهم في «الموافقة الحرة» على السماح باستخدام بياناتهم الشخصية لاستهدافهم بالإعلانات عبر الإنترنت. وفتحت اللجنة تحقيقاتها بعد وقت قصير من دخول كتاب القواعد، المعروف أيضاً باسم «DMA»، حيز التنفيذ في مارس (آذار). وقال المفوض الأوروبي تييري بريتون، الذي يشرف على السياسة الرقمية للكتلة، إن «(DMA) موجود لإعادة المستخدمين إلى القدرة على تحديد كيفية استخدام بياناتهم وضمان قدرة الشركات المبتكرة على التنافس على قدم المساواة مع عمالقة التكنولوجيا في الوصول إلى البيانات».

لدى «ميتا» الآن فرصة للرد على اللجنة، التي يجب أن تنهي تحقيقاتها بحلول مارس 2025. وقد تواجه الشركة غرامات بقيمة 10 في المائة من إيراداتها العالمية السنوية، والتي قد تصل إلى مليارات اليوروات. وقالت «ميتا» في بيان: «الاشتراك في عدم وجود إعلانات يتبع توجيهات أعلى محكمة في أوروبا ويتوافق مع (DMA). ونحن نتطلع إلى مزيد من الحوار البنّاء مع المفوضية الأوروبية لإنهاء هذا التحقيق».


مقالات ذات صلة

«ميتا» أمام اختبار قانوني في أميركا قد يعيد رسم مستقبل «فيسبوك» و«إنستغرام»

الولايات المتحدة​ العلامة التجارية لشركة «ميتا» (رويترز)

«ميتا» أمام اختبار قانوني في أميركا قد يعيد رسم مستقبل «فيسبوك» و«إنستغرام»

تبدأ ولايات أميركية الثلاثاء عرض دعوى ضد شركة «ميتا بلاتفورمز» تقول فيها إن «فيسبوك» و«إنستغرام» مصممان بطريقة تضر بالصحة النفسية للمستخدمين صغار السن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا صورة توضيحية تظهر شارة التحقق الزرقاء وشعارات «فيسبوك» و«إنستغرام» (رويترز)

محاكمة تهدد بتغيير «إنستغرام» و«فيسبوك» جذرياً... ما القصة؟

تواجه «ميتا» محاكمة مفصلية قد تفرض تغييرات جوهرية على «إنستغرام» و«فيسبوك» لحماية الأطفال، تشمل الإعجابات والتصفح المتواصل وخوارزميات التوصية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تكنولوجيا مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

زوكربيرغ يعرض رؤيته للذكاء الاصطناعي ويدعو إلى تقليص القيود

دعا الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، مارك زوكربيرغ، الاثنين إلى تقليص القيود المفروضة على الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار شركة «ميتا» وخلفه كلمة (إيه آي) (رويترز)

«ميتا» تطلق نموذجاً جديداً مفتوح الأوزان للذكاء الاصطناعي

أطلقت شركة التواصل الاجتماعي العملاقة (ميتا) (الاثنين) نموذجاً جديداً مفتوح الأوزان يتيح للمطورين تحميله وتعديله وفقاً لاحتياجاتهم

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ شعار فيسبوك وميتا

مستخدمو « فيسبوك» و«إنستغرام» يبلغون عن عطل في الخدمة

أبلغ مستخدمو « فيسبوك» و«إنستغرام» حول العالم عن مشاكل في الوصول إلى منصتي التواصل الاجتماعي اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«إي كولاي» تعكر صفو الأندلس: كيف تحول بحر مالقة من ملاذ سياحي إلى بؤرة تلوث؟

بكتيريا «إي كولاي» (ويكيبيديا)
بكتيريا «إي كولاي» (ويكيبيديا)
TT

«إي كولاي» تعكر صفو الأندلس: كيف تحول بحر مالقة من ملاذ سياحي إلى بؤرة تلوث؟

بكتيريا «إي كولاي» (ويكيبيديا)
بكتيريا «إي كولاي» (ويكيبيديا)

لم تكن العاصفة المطرية المفاجئة التي ضربت السواحل الجنوبية لإسبانيا مجرد حدث عابر يمر على مقاطعة مالقة الأندلسية، بل تحولت سريعاً إلى أزمة بيئية وصحية تصدرت واجهات الصحف الأوروبية، بعد أن رفعت السلطات المحلية الراية الحمراء وحظرت السباحة في 6 من أشهر شواطئ المدينة. السبب وراء هذا القرار الحاسم لم يكن اضطراب أمواج البحر، بل كائن مجهري لا يُرى بالعين المجردة: بكتيريا الإشريكية القولونية المعروفة عالمياً باسم إي كولاي (E. coli).

ففي ذروة الموسم السياحي الصيفي، أظهرت التحاليل المخبرية التي أجرتها شركة المياه البلدية إيماسا (Emasa) قفزة حادة في مستويات التلوث البكتيري تجاوزت الحدود القانونية المسموح بها بموجب التشريعات الأوروبية الصارمة، ما أثار موجة من القلق والأسئلة حول طبيعة هذه الجرثومة، ومسارات انتقالها، ومدى خطورتها على الصحة العامة.

ما هي بكتيريا «إي كولاي»؟

في الأصل، تُعد «الإشريكية القولونية» عائلة واسعة من البكتيريا سلبية الغرام، التي تستوطن بشكل طبيعي بأعداد هائلة أمعاء البشر والحيوانات ذوات الدم الحار.

وفي سياقها الطبيعي، تُعتبر هذه الجرثومة صديقة للأمعاء ومفيدة للهضم، غير أن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تظهر سلالات متحورة تحمل جينات ممرضة. ومن أبرز هذه السلالات الخطيرة السلالة المنتجة لسموم «الشيغا»، التي تهاجم بطانة الأمعاء الدقيقة بقوة وتتسبب في إتلاف الخلايا وتدميرها، متحولة من مكون حيوي مسالم إلى ميكروب شرس يهدد السلامة الجسدية.

بكتيريا «إي كولاي» (ويكيبيديا)

مسارات انتقال العدوى وسيناريو مالقة

تنتقل البكتيريا الممرضة بشكل أساسي عبر مسار يسمى علمياً المسار الفموي - الشرجي، وذلك نتيجة تلوث عناصر البيئة بفضلات الإنسان أو الحيوان.

ويمثل تلوث المياه القناة الأبرز في الأزمة الحالية الممتدة على شواطئ مالقة، مثل غوادالمار ولا ميسيريكورديا وسان أندريس وإل بالو، حيث أدت الأمطار الغزيرة والفيضانات إلى الضغط على شبكات الصرف الصحي المشتركة، فاختلطت مياه الأمطار بالمياه العادمة وتدفقت نحو البحر، ما جعل ابتلاع مياه البحر أثناء السباحة وسيلة مباشرة للإصابة.

إلى جانب تلوث الشواطئ، تتعدد قنوات الانتقال لتشمل الأطعمة الملوثة، ويحدث ذلك عند تناول اللحوم المفرومة غير المطهوة جيداً كالبرغر، أو شرب الحليب الخام غير المبستر، بالإضافة إلى الفواكه والخضراوات الطازجة التي تُروى بمياه ملوثة دون غسلها جيداً.

كما يلعب الاتصال الشخصي المباشر دوراً كبيراً في تفشي العدوى نتيجة إهمال النظافة الشخصية، حيث يمكن لشخص مصاب لا يغسل يديه جيداً بعد استخدام المرحاض أن ينقل الجراثيم مباشرة إلى الأسطح المشتركة أو الأطعمة.

أمثلة للعدوى والمضاعفات السريرية

تتنوع المظاهر المرضية لعدوى «إي كولاي» بناءً على مكان استقرار البكتيريا في الجسم، ومن أشهر أمثلتها النزلة المعوية الحادة التي تبدأ أعراضها عادة خلال 3 إلى 4 أيام من التقاط البكتيريا.

وتشمل هذه الحالة تقلصات مؤلمة وشديدة في المعدة، تليها نوبات من الإسهال المائي الذي قد يتحول سريعاً إلى إسهال دموي حاد، يصاحبه غثيان وقيء مستمر يحرم الجسم من السوائل الحيوية.

ومن الأمثلة الشائعة الأخرى لالتهابات هذه البكتيريا هي التهابات المسالك البولية، إذ تُعد «إي كولاي» المسؤول الأول والأكثر شيوعاً عن هذه الالتهابات عالمياً، وتحدث عندما تتسلل البكتيريا من الجهاز الهضمي إلى مجرى البول لتتكاثر في المثانة مسببة آلاماً حادة، وهي حالة شائعة لدى النساء والحوامل بشكل خاص.

أما المضاعفة الأكثر رعباً للأطباء فتمثلها متلازمة انحلال الدم اليوريمي، التي تصيب نسبة من المرضى وخاصة الأطفال وكبار السن، حيث تدمر السموم خلايا الدم الحمراء وتسبب فشلاً كلوياً حاداً قد يهدد الحياة.

البنية التحتية وتحذيرات الخبراء

أعادت أزمة السواحل الإسبانية الحالية تسليط الضوء على المعركة المستمرة بين التغير المناخي وشبكات البنية التحتية في المدن السياحية الكبرى.

ورغم أن سلطات مالقة باشرت فوراً عمليات تطهير واسعة وبدأت في دراسة خطط لفصل شبكات مياه الأمطار عن شبكات الصرف الصحي بشكل كامل لمنع تكرار المأساة، فإن الخبراء الصحيين يشددون على أن الالتزام بالراية الحمراء والامتناع عن السباحة في المياه المحظورة يبقى خط الدفاع الأول لحماية السياح والمواطنين من براثن هذا العدو الخفي.

كيف تعبر بكتيريا «إي كولاي» الحدود البرية والبحرية؟

إن الخطر الحقيقي لبكتيريا «إي كولاي» لا ينحصر في النطاق الجغرافي لبؤرة التلوث الأولى في مالقة، بل يمتد لامتلاكها قدرة فائقة على الانتقال السريع إلى مدن إسبانية أخرى ودول أوروبية وعالمية عبر عدة مسارات حيوية.

ويأتي قطاع السياحة والسفر الدولي كأبرز هذه المسارات، حيث يمكن للسياح والزوار الحاملين للبكتيريا (سواء ظهرت عليهم الأعراض أم كانوا حاملين صامتين لها) نقل العدوى إلى بلدانهم الأصلية ومدنهم عند العودة، ومواصلة نشرها محلياً نتيجة غياب تدابير النظافة الصارمة.

وعلاوة على حركة البشر، تلعب شبكات التجارة الدولية وسلاسل التوريد الغذائي دوراً محورياً في عولمة المرض، إذ إن شحن المنتجات الزراعية المروية بمياه ملوثة، أو اللحوم والأغذية المصنعة في مناطق موبوءة، كفيل بنقل الجرثومة عبر القارات في غضون أيام قليلة.

كما لا يمكن إغفال العوامل البيئية الطبيعية، حيث تساهم التيارات البحرية وحركة المياه الساحلية المترابطة في نقل التلوث البكتيري من شواطئ مالقة إلى سواحل المدن والمقاطعات المجاورة، ما يجعل من هذه الأزمة البيئية تحدياً صحياً عابراً للحدود يستلزم تنسيقاً رقابياً دولياً لمكافحته.


مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
TT

مقتل شخصين في هجوم أوكراني على شبه جزيرة القرم

قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)
قوات الطوارئ تقوم بعملية إخماد الحرائق في القرم بعد مهاجمة شبه الجزيرة بمسيّرات أوكرانية (أرشيفية - أ.ب)

قتل شخصان وأصيب ثلاثة آخرون في هجوم أوكراني بالقرب من مدينة سيمفيروبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا، حسبما أعلنت السلطات الروسية يوم الخميس.

وقال سيرجي أكسيونوف، الحاكم المعين من قبل موسكو، عبر تطبيق تليغرام، إن شخصاً آخر أُصيب في مكان آخر بشبه الجزيرة. ولم يكشف عن المزيد من التفاصيل.

وكانت روسيا قد ضمت شبه جزيرة القرم في عام 2014 وتستخدمها كقاعدة انطلاق ومركز للإمداد. ونتيجة لذلك، تشن كييف ضربات بانتظام على أهداف في شبه الجزيرة.

وتواصل أوكرانيا التصدي للغزو الروسي الشامل بدعم غربي منذ ما يقرب من أربعة أعوام ونصف العام.


قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
TT

قطارات الموت الفرنسية: كيف بدأت مأساة معسكر «درانسي» في أغسطس 1941؟

سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)
سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)

لم يكن فجر العشرين من أغسطس (آب) من عام 1941 يوماً عادياً في تاريخ العاصمة الفرنسية باريس، بل كان التاريخ الفعلي لتدشين صفحة هي الأكثر قتامة في سجلات الحرب العالمية الثانية على الأراضي الفرنسية.

ففي تلك الساعات الأولى من الصباح، استيقظت عاصمة الأنوار وهي ترزح تحت طوق أمني ضربته قوات الاحتلال النازي بالتعاون الوثيق مع أجهزة الأمن التابعة لحكومة «فيشي» الفرنسية المتعاونة.

إيصال مصادرة أموال أحد الضحايا في معسكر «درانسي» بباريس قبل ترحيله إلى معسكرات الموت (ويكيبيديا)

كانت المؤامرة قد حِيكت خيوطها بدقة في المكاتب المغلقة بين ضباط «الغشتابو» والمسؤولين الفرنسيين، ولم تكن العملية مجرد إجراء أمني عابر، بل كانت الـ«بروفة» الجنرال والاختبار العملي الأول لآلة الترحيل الجماعي واسع النطاق التي استهدفت الجالية اليهودية، ممهدة الطريق لما عُرف لاحقاً بـ«الحل الأخير».

في ذلك الصباح الحزين، لم تشفع للمستهدفين أوراق مواطنتهم الفرنسية، ولا لجوؤهم السياسي الذي قادهم يوماً إلى بلد صاغ إعلان حقوق الإنسان والمواطن، ليجد آلاف الرجال أنفسهم مقتادين من بيوتهم ومقار عملهم ومقاهيهم نحو مصير مجهول خلف الأسلاك الشائكة.

سجناء يهود في معسكر درانسي بباريس بين عام 1941 و1944 (موسوعة الهولوكوست)

المكيدة المبيتة وهندسة الطوق الأمني في الدائرة الحادية عشرة

انطلقت الشرطة الفرنسية، مدعومة بأوامر صارمة من القيادة العسكرية الألمانية، لتنفيذ الخطة التي ركزت جغرافيتها بشكل أساسي على الدائرة الحادية عشرة في باريس، وهي المنطقة التي كانت تنبض بحياة الجالية اليهودية وتضم عائلات من طبقات كادحة وأخرى من نخب فكرية وقانونية.

ضربت القوات طوقاً محكماً وشلّت الحركة في الشوارع الرئيسية، وبدأت عمليات المداهمة والتحقق من الهويات بناءً على قوائم أُعدت مسبقاً بعناية فائقة.

استهدفت الحملة في هذه المرحلة الرجال تحديداً، وتراوحت أعمارهم بين الشباب والكهولة، وضمت مزيجاً من اليهود الأجانب الذين فروا من جحيم الاضطهاد في أوروبا الشرقية والوسطى ظناً منهم أن فرنسا ستكون الملاذ الآمن، إلى جانب مئات المواطنين الفرنسيين الذين صدمتهم حقيقة أن هويتهم الوطنية لم تحمهم من مخالب التمييز العنصري والنازية.

معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

قطارات البؤس ورحلة التجريد من الإنسانية نحو الضاحية الشمالية

سِيق المعتقلون الذين بلغت أعدادهم في ذلك اليوم وحده أكثر من أربعة آلاف رجل في شوارع باريس، وسط ذهول وهلع العائلات التي راقبت المشهد من الشرفات والنوافذ دون القدرة على التدخل.

دُفع بهؤلاء الرجال إلى حافلات النقل العام التي صادرتها السلطات لهذا الغرض، لتتحرك القوافل ببطء نحو الضاحية الشمالية لباريس، وتحديداً إلى مجمع سكني حديث لم يكتمل بناؤه بعد في منطقة «درانسي».

نقل المعتقلين إلى معسكر درانسي بباريس (موسوعة الهولوكوست)

تحول هذا المجمع الأسمنتي العاري في غضون ساعات قليلة من مشروع سكني إلى معسكر اعتقال جماعي سيئ السمعة، ليكون المحطة الأولى والأساسية في نظام السخرة والإذلال الفرنسي تحت حكم الاحتلال.

هناك، وراء الأسلاك الشائكة، بدأت عملية منهجيّة لتجريد المعتقلين من كرامتهم الإنسانية، حيث تكدس الآلاف في غرف تفتقر لأدنى مقومات الحياة، غاب عنها الضياء وشح فيها الغذاء والرعاية الصحية، وتحولت الحياة اليومية إلى صراع مرير من أجل البقاء تحت حراسة مشددة تولاها في البداية عناصر الدرك الفرنسي قبل أن تتسلم الإدارة النازية زمام الأمور بالكامل.

معسكر «درانسي» كمختبر أول لقطارات الموت نحو الشرق

لم تكن حملة العشرين من أغسطس مجرد حدث معزول في سياق الحرب، بل كانت الحجر الأساس الذي بُني عليه نظام الإبادة والترحيل في فرنسا.

فقد أثبتت هذه العملية للمخطط النازي أن الأجهزة الإدارية والأمنية المحلية قادرة على تنفيذ المداهمات الجماعية بكفاءة وهدوء، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لعمليات ترحيل أوسع وأكثر وحشية، مثل «مداهمة الشتوي الصيفي» (Vel d'Hiv) في العام التالي.

معسكر درانسي بباريس (ويكيبيديا)

ومن معسكر «درانسي»، الذي بدأ يغص بالمعتقلين منذ ذلك اليوم، بدأت القوافل الحديدية وقطارات البؤس تنطلق تتابعاً نحو معسكرات الموت في أوروبا الشرقية، وعلى رأسها معسكر «أوشفيتز بيركينو».

المدخل الرئيسي لمعسكر «أوشفيتز بيركينو» ببولندا (موسوعة الهولوكوست)

ومن بين عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال الذين مروا عبر بوابات «درانسي» الحديدية في السنوات اللاحقة، لم ينجُ سوى قلة قليلة، مما يجعل من ذكرى العشرين من أغسطس الرمز الفعلي لتدشين آلة الموت والترحيل القسري التي تركت جرحاً غائراً لا يمحوه الزمن في ضمير الوجدان الفرنسي والإنساني.