«جبهة شعبية» انتخابية لليسار الفرنسي تستفز المؤسسات اليهودية

ماكرون يرفض الاستقالة مهما تكن نتيجة الاستحقاق النيابي

الرئيس إيمانويل ماكرون يثق بقدرته على الفوز في الانتخابات النيابية (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون يثق بقدرته على الفوز في الانتخابات النيابية (أ.ف.ب)
TT

«جبهة شعبية» انتخابية لليسار الفرنسي تستفز المؤسسات اليهودية

الرئيس إيمانويل ماكرون يثق بقدرته على الفوز في الانتخابات النيابية (أ.ف.ب)
الرئيس إيمانويل ماكرون يثق بقدرته على الفوز في الانتخابات النيابية (أ.ف.ب)

عجلت المؤسسات اليهودية في فرنسا في فتح النار على الاتفاق السريع الذي توصلت إليه أحزاب اليسار من أجل تشكيل «جبهة شعبية» تخوض الانتخابات النيابية، المقررة يومي 30 يونيو (حزيران) الحالي و7 يوليو (تموز) المقبل، وأعلنت حرباً لا هوادة فيها ضد أحد المكونات الجديدة في هذه الجبهة؛ وهو حزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون الذي ما فتئ يندد بـ«حرب الإبادة» التي تقوم بها إسرائيل ضد غزة. ودرجت هذه المؤسسات على استهداف ميلونشون، وأيضاً المحامية الفرنسية ــ الفلسطينية ريما حسن التي انتخبت نائبة في البرلمان الأوروبي الجديد على لائحة «فرنسا الأبية».

ولادة «مبدئية» لـ«الجبهة الشعبية»

قرار الرئيس إيمانويل ماكرون حل البرلمان أوجد حالة من «الهستيريا» السياسية، ودفع الأحزاب كافة إلى التعجيل في ترتيب أوراقها وتحالفاتها بسبب المهلة القصيرة للغاية التي تفصل فرنسا عن الاستحقاق الانتخابي الرئيسي، الذي سيرسم الصورة السياسية للبلاد للسنوات المقبلة.

والمسألة الرئيسية التي ستفرزها نتائج الانتخابات تتمثل في معرفة ما إذا كان اليمين المتطرف؛ ممثلاً في «التجمع الوطني»؛ الفائز الأكبر في الانتخابات الأوروبية، سيتمكن، بفضل الانتخابات البرلمانية، من الوصول إلى السلطة في أحد أهم البلدان داخل الاتحاد الأوروبي.

وكانت المفاجأة نجاح أحزاب اليسار الثلاثة («الاشتراكي» و«الشيوعي» و«فرنسا الأبية»)، ومعها حزب «الخضر»، في التوصل بسرعة إلى اتفاق «مبدئي» يقوم على خوض الانتخابات معاً تحت شعار «الجبهة الوطنية»، وعلى تقدم مرشحين باسمها في الدوائر الـ577 التي تتشكل منها الخريطة الانتخابية. وكان لافتاً أن الأحزاب الأربعة وضعت خلافاتها السياسية والشخصية جانباً؛ وهدفها قطع الطريق على وصول اليمين المتطرف إلى السلطة.

إريك سيوتي رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي يحدث صدمة باستعداده للتحالف مع اليمين المتطرف (أ.ف.ب)

بيد أن نجاح اليسار الأولي فتح عليه أبواب جهنم، وأثار خصومه بسبب الخطر الذي يشكله. فرئيس الحكومة، غبريال أتال، سارع إلى وصفه بـ«المثير للاشمئزاز»، مركزاً هجومه على «فرنسا الأبية» الذي اتهمه أكثر من مرة بأنه «معادٍ للسامية»، وبأنه لم يُدِن مرة هجمات «طوفان الأقصى». وأبدى أتال عتبه على «الحزب الاشتراكي» الذي يراه من ضمن «القوس الجمهوري»، والذي كان ماكرون يطمع في استمالة بعض نوابه للسير في ركابه. وكان الأخير يراهن على الخلافات الداخلية المستحكمة بين مكونات «الجبهة الشعبية» ليبعد خطرها.

وما فعله أتال فعلته المنظمات اليهودية مضاعفاً؛ إذ سارع جوناتان عارفي، رئيس «المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية» في فرنسا، إلى وصف الاتفاق، من خلال تغريدة على منصة «إكس»، بـ«العار»، مضيفاً أن «معاداة السامية (أي التهمة الملتصقة بميلونشون) لا تبدو سبباً كافياً لرفض الدخول في تحالف من أجل حفنة من المقاعد» النيابية.

وكتب «اتحاد الطلبة اليهود في فرنسا» على المنصة نفسها أن «(الجبهة الشعبية) قامت في عام 1936 من أجل محاربة معاداة السامية، بينما (الجبهة الشعبية) في 2024 قامت على تحالف معيب مع (الجهات) المعادية للسامية».

أما «رابطة محاربة العنصرية ومحاربة السامية»، فقد اتهمت «الحزب الاشتراكي» بأنه، بتحالفه مع «فرنسا الأبية»، «تناسى تاريخه وثقافته السياسية ومعاركه للدفاع عن الإنسانوية». وفي السياق عينه، اتهم أرييل غولدمان، رئيسُ «الصندوق الاجتماعي اليهودي الموحد»، الاشتراكيين بالتحالف مع حزب مؤيد لـ«حماس».

جوردان باديلا رئيس حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف... هل يكون هو رئيس الحكومة الفرنسية المقبل؟ (أ.ف.ب)

خيبة ماكرون الثانية

لم ينجح رهان ماكرون الأول تمزق اليسار، وخسر (حتى اليوم) تعويله على انضمام نواب وشخصيات من اليمين التقليدي إلى «القوس الجمهوري» الذي يسعى لانبعاثه، ويمثل الأمل الوحيد بألا يصاب حزبه وحلفاؤه بهزيمة ماحقة في الانتخابات. وجاءت الصدمة الكهربائية من أريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي، ووريث الديغولية التاريخية، الذي أعلن ظهر الثلاثاء، في مقابلة تلفزيونية، عن رغبته في إقامة «تحالف» مع اليمين المتطرف، قائلاً: «نحن بحاجة إلى التحالف، مع الحفاظ على هويتنا... مع حزب (التجمع الوطني) ومرشحيه». وبذلك يكون سيوتي قد داس على محرم احترمه جميع رؤساء الجمهورية اليمينيين وقادة الحزب في العقود الماضية. وفيما سارعت مارين لوبن، زعيمة حزب «التجمع الوطني»، إلى الترحيب بما أقدم عليه سيوتي، واصفة إياه بأنه «خيار شجاع»، انصبت الانتقادات عليه من داخل حزبه واتهمته بـ«خيانة» مبادئه، ودعا قادة كبار من داخله، مثل رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، ورئيس مجموعته النيابية أوليفيه مارليكس، ورئيسه السابق لوران فوكييز، إلى استقالته أو إقالته. إلا إن الأخير رفض، معللاً رفضه بأنه يدين بمنصبه للمحازبين وليس لأحد غيرهم.

مارين لوبن زعيمة «التجمع الوطني» الفائز في الانتخابات الأوروبية: جاهزون لتسلم السلطة وقيادة البلاد (أ.ف.ب)

بعد أن أعلن ماكرون مساء الأحد حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات نيابية جديدة، كثرت التساؤلات عما سيقوم به في حال جاءت نتائجها مطابقة لنتائج الانتخابات الأوروبية، حيث حصل «التجمع الوطني» على ضعف ما حصل عليه تحالف ماكرون. ومن الفرضيات التي طرحت أن ماكرون قد يجد نفسه مضطراً إلى تقديم استقالته؛ لأن الاستفتاء الشعبي يكون قد بيّن أنه لم يعد يحظى بثقة مواطنيه. ولقطع دابر التأويلات ولتخفيف الضغوط عليه، سارع إلى التأكيد، في مقابلة نشرتها مجلة «لو فيغارو ماغازين»، أنه «مهما تكن نتيجة الانتخابات؛ فإنه لن يستقيل». وقد أمضى ماكرون عامين من ولايته الثانية وما زالت أمامه 3 أعوام.

وقال ماكرون في المقابلة: «ليس (التجمع الوطني) من يتولى كتابة الدستور. المؤسسات واضحة، ومنصب رئيس الجمهورية محفوظ مهما تكن نتائج الانتخابات. والدستور بالنسبة إليّ لا يمكن المساس به». وأعرب عن قدرته على الفوز في الانتخابات، نافياً أن يكون قد عمد إلى خيار غير عقلاني. وأضاف: «أقول للفرنسيين: لا تخافوا. اذهبوا واقترعوا». وكان مقرراً أن يعقد مؤتمراً صحافياً بعد ظهر الثلاثاء. إلا إنه أُجّل للأربعاء.

سلطة تنفيذية برأسين

تقول مصادر سياسية في باريس إنه في حال اكتسح اليمين المتطرف الانتخابات، فسيكون اضطرارياً دعوة رئيس «التجمع الوطني» وتكليفه تشكيل الوزارة الجديدة. وبذلك، سيكون على رأس السلطة التنفيذية مسؤولان؛ واحد في قصر الإليزيه (ماكرون)، وآخر في قصر ماتينيون (مقر رئيس الحكومة)؛ بحيث ستكثر مواضيع الاختلاف بينهما، خصوصاً أن لكل منهما رؤيته وسياسته. وفي أي حال، فإن سيناريو كهذا يعني أن الضعف السياسي سينهش رئيس الجمهورية في الداخل والخارج، وبالتالي؛ فإن موقع فرنسا وقدرتها على التأثير في الشؤون الأوروبية والعالمية سيتراجعان. كما أن ضبابية الوضع السياسي ستؤثر على صحة الاقتصاد، وبرز ذلك سريعاً مع تراجع «بورصة باريس» بعد الإعلان عن فوز اليمين المتطرف.


مقالات ذات صلة

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

شمال افريقيا التصويت على قانون الأحزاب الجديد في البرلمان الجزائري (البرلمان)

انتخابات الجزائر 2026: المعارضة تواجه «عقبة التوقيعات»

مع اقتراب موعد انتخابات البرلمان المقررة بالجزائر في الثاني من يوليو 2026 تواجه السلطات تشكيكاً كبيراً من طرف المعارضة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

فتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين لانتخاب المجالس البلدية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

ضغوط تعوق «التنسيقي» عن تشكيل الحكومة العراقية

تواجه القوى الشيعية الرئيسية في العراق صعوبات متزايدة في التوصل إلى توافق على مرشح لتشكيل الحكومة قبل انتهاء المهلة الدستورية.

حمزة مصطفى (بغداد)
الولايات المتحدة​ من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

بعد خسارتهم في فيرجينيا، سعى الجمهوريون إلى نقل معركة ترسيم الخرائط الانتخابية إلى فلوريدا، آملين إعادة التوازن مع خصومهم قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.