إيران: قاذفات «بي 52» لن تردع عزمنا على الدفاع عن النفس

TT

إيران: قاذفات «بي 52» لن تردع عزمنا على الدفاع عن النفس

صاروخ «خرمشهر» الباليستي من الجيل الرابع، المعروف باسم «خيبر»، الذي تم عرضه خلال مسيرة مناهضة لإسرائيل في طهران نوفمبر العام الماضي (أ.ف.ب)
صاروخ «خرمشهر» الباليستي من الجيل الرابع، المعروف باسم «خيبر»، الذي تم عرضه خلال مسيرة مناهضة لإسرائيل في طهران نوفمبر العام الماضي (أ.ف.ب)

قللت طهران من تأثير قاذفات «بي 52» الأميركية على ثنيها عن «الدفاع عن النفس»، وتعهدت استخدام جميع الإمكانات في الرد على ضربات إسرائيلية طالت قواعد عسكرية حساسة في أنحاء البلاد.

وأعلن الجيش الأميركي، السبت، إرسال قاذفات من طراز «بي 52» إلى الشرق الأوسط تحذيراً لإيران التي تتأهب لشن هجوم مضاد رداً على الضربات الإسرائيلية لقواعد صاروخية ومنشآت رادار عسكرية تابعة لها في 26 أكتوبر (تشرين الأول).

وامتنعت إسرائيل عن ضرب المنشآت النووية والبنية التحتية لقطاع النفط، لكن الأضرار البالغة في دفاعاتها الجوية قد تعرضها لضربات أقسى إذا قررت إسرائيل مهاجمة إيران مرة أخرى.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي، الأحد، إن تل أبيب قررت التوقف عن «السجال» مع طهران، محذراً من أن الرد على أي ضربة إيرانية جديدة سيكون حرباً واسعةً لا مجرد رد مماثل.

وجاء الهجوم الإسرائيلي حينها للرد على إطلاق وابل من الصواريخ الإيرانية في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) على الدولة العبرية رداً على اغتيال الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله إلى جانب قيادي في «الحرس الثوري» في غارة إسرائيلية في بيروت، ومدير المكتب السياسي لحركة «حماس» إسماعيل هنية في عملية بطهران نسبت إلى إسرائيل.

ورفض المرشد الإيراني علي خامنئي، الأسبوع الماضي، التقليل من شأن الهجوم، ووجه أوامر للمسؤولين بتحديد الرد على إسرائيل، وذلك بعدما وصفت حكومة الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان الأضرار بالمحدودة.

وأكد الجيش الإيراني مقتل أربعة من ضباط وحدة الدفاع الجوي، كما قُتل مدني في الهجمات.

وقال المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي دوري، رداً على سؤال بشأن وصول القاذفات الأميركية إلى المنطقة: «لطالما اعتبرنا أن الحضور الأميركي في المنطقة هو حضور مزعزع للاستقرار»، مضيفاً أنه «لن يردع تصميم (إيران) على الدفاع عن نفسها»، حسبما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

وتعتزم الولايات المتحدة نشر قدرات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط ستصل «خلال الأشهر المقبلة» في خطوة تأتي «دفاعاً عن إسرائيل» ولتحذير إيران، وفق بيان أصدره البنتاغون الجمعة. وبالإضافة إلى قاذفات «بي - 52» ومقاتلات وطائرات عسكرية، تشمل هذه القدرات العسكرية الجديدة وسائل دفاع ضد الصواريخ الباليستية.

وصرح بقائي بأن إيران سترد «بكل قوة» على أي اعتداء أو محاولة تهديد لأمنها القومي وسيادتها، وأنها ستتجهز بكل ما يلزم لـ«الدفاع» عن نفسها. وتابع: «الشعب الإيراني مستعد للدفاع والرد بقوة على أي اعتداء».

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الأحد، عن مصادر مسؤولة في إيران والمنطقة قولها إن طهران تعد لشن هجوم «قوي ومعقد» على إسرائيل، وإنها تعتزم استخدام صواريخ مزودة برؤوس حربية أشد تدميراً وأسلحة أخرى.

ولمحت وسائل إعلام «الحرس الثوري» لأن تستخدم طهران لأول مرة صاروخ «خرمشهر» الباليستي، البالغ مداه 2000 كيلومتر، الذي يزن رأسه الحربي 1800 كيلوغرام.

وفي الهجوم الذي شنته مطلع الشهر الماضي، استخدمت إيران صواريخ باليستية متعددة منها صاروخ «قدر» البالغ مداه نحو 2000 كلم و«عماد» الذي يصل إلى 1700 كلم. كما استخدمت لأول مرة صاروخ «فتاح» الذي تقول طهران إنه «صاروخ فرط صوتي» ويصل لـ1400 كلم.

أما في هجوم منتصف أبريل (نيسان) فأطلقت طهران 120 صاروخاً باليستياً من ثلاثة أنواع؛ «خيبر شكن» البالغ مداه 1450 كلم، و«عماد»، و«قدر»، بالإضافة إلى 30 صاروخ كروز من طراز «باوه»، و170 طائرة مسيرة من طراز «شاهد 136». ويعد كل من صاروخ «عماد» و«قدر» نسخة مطورة من صاروخ «شهاب 3».

«حاسم وحازم»

وقال خامنئي السبت «على العدوين، الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، أن يعلما أنهما سيتلقيان بالتأكيد رداً قاسياً على ما يفعلانه ضد إيران ومحور المقاومة».

ووجه قائد «الحرس الثوري»، حسين سلامي، الأحد، تحذيراً إلى إسرائيل والولايات المتحدة، وقال إن «جبهة المقاومة في المنطقة سترد بقوة على جبهة الشر». وفي الوقت نفسه، قال نائبه العميد علي فدوي إن عملية «الوعد الصادق 3» ردّاً على الهجوم الإسرائيلي «ستُنفَّذ بالتأكيد»، لكنه رفض الإفصاح عن التوقيت.

بموازاة ذلك، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، إن التوصل لوقف إطلاق النار قد يؤثر على طبيعة الرد الإيراني.

على نقيض ذلك، أكد بقائي أن الرد الإيراني سيكون «حاسماً وحازماً». وأضاف أن إيران تدعم «جميع المبادرات والجهود» الرامية للتوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، حيث تشن إسرائيل حرباً على «حماس» و«حزب الله» المدعومين من طهران. وحسب «وول ستريت جورنال»، أبلغت إيران دبلوماسيين عرباً بأن الجيش سوف يشارك في الرد على إسرائيل هذه المرة بعد مقتل عدد من جنوده في الهجوم الأخير.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت التهديدات الإيرانية حقيقية أم مجرد تصريحات قوية. وقال مسؤول إيراني للصحيفة إن الهجوم الإيراني على إسرائيل سيأتي بعد الانتخابات الأميركية، وقبل تنصيب الرئيس الجديد، منوهاً بأن بلاده قد تستخدم الأراضي العراقية في إطار عمليتها المقبلة على إسرائيل، وقد تستهدف منشآت عسكرية «لكن بشكل أشد عن المرة السابقة».

تعليقاً على ذلك، قال بقائي إن إيران «مع احترامها لسيادة الدول، ستستخدم جميع إمكاناتها المادية للدفاع عن مصالحها وأمنها»، وأضاف أن طهران «سترد بأشد العنف على أي اعتداء على الأمن الوطني وسلامة الأراضي»، في إشارة إلى ضغوط غربية على بلاده بعدم الرد.

قاذفات «بي 52» تصل منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية مساء السبت (سنتكوم)

العقيدة النووية

أما بالنسبة لتغيير العقيدة النووية، قال بقائي إن «موقفنا الرسمي في رفض أسلحة الدمار الشامل، وبشأن طبيعة البرنامج النووي السلمي الإيراني، واضح تماماً، وفي خطاب المرشد علي خامنئي تم التأكيد على أننا سنجهز أنفسنا بكل ما يلزم للدفاع عن إيران».

وسُئل بقائي عن احتمال لجوء القوى الغربية إلى «آلية الزناد» المنصوص عليها في الاتفاق النووي، وقال: «لقد قمنا بمراجعة جميع السيناريوهات، وتم اتخاذ قرار بشأن ردنا، ولا يوجد أي مبرر للاحتكام إلى آليات قرارات الأمم المتحدة».

وأشار إلى أن «نماذج ردنا على تجاوزات الاحتلال الصهيوني واضحة، ومن الطبيعي أن نستخدم جميع إمكاناتنا المادية والمعنوية للرد على تلك الاعتداءات، وسنستفيد من جميع مواردنا بكل قوة».

وأضاف أن طهران «لا تزال ملتزمة بالتزاماتها في إطار الاتفاق النووي، وأن إجراءاتها في ردها على الانسحاب الأحادي الجانب للولايات المتحدة كانت ضمن إطار الاتفاق»، لافتاً إلى أن المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة حول المسألة النووية قد توقفت منذ أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.

ولفت بقائي إلى أن زيارة مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، «على جدول الأعمال»، مضيفاً أن موضوعها «محدد بوضوح».

ورفض بقائي تأكيد أو نفي الأنباء عن زيارة خاطفة لوزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى طهران مساء الأحد.

وتعليقاً على تأثير احتمال الرد الإيراني المتحمل على الانتخابات الأميركية وترجيح كفة أحد المرشحين، قال بقائي: «الأفعال هي المهمة بالنسبة لنا. للأسف، لقد أظهر تاريخ العلاقات بين البلدين وجود توجهات معادية لإيران في مختلف الحكومات». وأضاف أنه «بغض النظر عن تغير الحكومات في الولايات المتحدة، فإننا مستعدون للدفاع والرد بقوة على أي اعتداء».


مقالات ذات صلة

نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

تحليل إخباري ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ما زالت إسرائيل تعتقد أن إيران لا تنوي في هذه المرحلة وقف الحرب، لذلك فإنها تستعد لتصعيد كبير مع انتهاء المهلة التي حددها لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية دخان يتصاعد من مطار مهرآباد غرب طهران (شبكات التواصل)

ترمب يشدد على إنذاره لطهران… وإسرائيل تكثّف ضرب المنشآت الإيرانية

في وقت دفعت فيه إسرائيل هجماتها إلى قلب طهران ومطاراتها ومنشآت الطاقة، شدد الرئيس ترمب، الاثنين، على أن المهلة التي منحها لإيران لإبرام اتفاق تنتهي الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران - واشنطن)
الخليج رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (قنا)

قطر لإيران: استهداف دول نأت بنفسها عن الحرب «عبث واستهتار»

أكد رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن أن التصعيد الإيراني تجاه دول نأت بنفسها عن الحرب يمثل عبثاً بأمن المنطقة واستهتاراً باستقرارها.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية مدرسة للبنات متضررة جراء هجوم صاروخي على تل أبيب (رويترز)

الصليب الأحمر الدولي يندّد بـ«التهديدات المتعمّدة» للبنى التحتية المدنية في المنطقة

ندّدت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولجاريك، الاثنين، بـ«التهديدات المتعمّدة» للبنى التحتية المدنية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن - تل أبيب)
شؤون إقليمية إيرانيون يمرون بسياراتهم أمام لوحة إعلانات سياسية تعرض أعلام إيران في إحدى ساحات العاصمة طهران 6 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

إيران ترفض وقف النار المؤقت... وتؤكد ضرورة إنهاء الحرب بشكل دائم

أبلغت إيران باكستان ‌ردها ‌على ​مقترح ‌الولايات ⁠المتحدة ​لإنهاء الحرب، مؤكدة ⁠ضرورة إنهائها على نحو دائم، رافضة وقف ⁠إطلاق النار المؤقت.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تكثيف استهداف إيران مع اقتراب نهاية المهلة


دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
TT

تكثيف استهداف إيران مع اقتراب نهاية المهلة


دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)

تكثّف استهداف منشآت إيران، أمس، مع اقتراب نهاية المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فيما اصطدمت خطةٌ باكستانيةٌ لوقف الحرب بتحفظ من واشنطن وطهران، بالتزامن مع إعلان إسرائيل مقتل رئيس جهاز استخبارات «الحرس الثوري» مجيد خادمي في غارة على طهران.

وشدد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض على أن المهلة التي تنتهي مساء اليوم هي «مهلة نهائية»، وقال إن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية كبيرة جداً»، وإن حرية مرور النفط عبره يجب أن تكون جزءاً من أي اتفاق مع إيران. كما رفض فرض إيران رسوماً على عبور السفن في المضيق، وطرح في المقابل فكرة أن تفرض الولايات المتحدة رسوماً على المرور. وأضاف أنه لو كان الأمر بيده «لأخذ النفط» الإيراني.‌ وقال ترمب إنه من الممكن القضاء على إيران في ليلة واحدة، «وقد تكون ليل غد»، محذراً طهران من أن عليها إبرام اتفاق بحلول مساء اليوم (الثلاثاء) وإلا ستواجه عواقب وخيمة.

ونقلت «رويترز» عن مصدر مطلع قوله إن الخطة الباكستانية تقترح وقفاً فورياً لإطلاق النار يعقبه تفاوض على اتفاق شامل خلال 15 إلى 20 يوماً، لكن البيت الأبيض قال إن ترمب لم يوافق عليها. وفي المقابل، أفادت وكالة «إيرنا» بأن إيران سلّمت باكستان رداً من عشرة بنود، رفضت فيه وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، وشددت على ضرورة إنهاء الحرب بشكل دائم.

وتركزت الضربات الإسرائيلية أمس على مطارات ومنشآت جوية وعسكرية في العاصمة، بينها مهرآباد غرب العاصمة وبهرام وآزمایش في الشرق، قبل أن تمتد إلى مواقع صناعية وبتروكيماوية في الوسط والجنوب، لا سيما في ميناء عسلوية، حيث قالت إسرائيل إنها استهدفت بنية تستخدم في إنتاج مواد مرتبطة بالصواريخ والأسلحة.


القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

رأت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، الثلاثاء، أن «الألفاظ الوقحة» التي يطلقها دونالد ترمب بشأن الحرب في الشرق الأوسط «لن يكون لها أي تأثير» على الجنود الإيرانيين، وذلك بعد تلويح الرئيس الأميركي بنسف البنى التحتية لإيران.

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

ونقل التلفزيون الرسمي عن إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم «مقر خاتم الأنبياء»، وهو غرفة العمليات المركزية للقوات المسلّحة الإيرانية، قوله إن «الألفاظ الوقحة» و«التهديدات الواهية» التي يطلقها «الرئيس الأميركي الواهم (...) لن يكون لها أي تأثير على استمرار العمليات الهجومية الساحقة» التي تشنّها القوات الإيرانية «ضد الأعداء الأميركيين والصهاينة».


حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
TT

حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات إقليمية مكثفة للتهدئة، وسط تهديدات أميركية وإيرانية متبادلة، مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الثلاثاء، وما تحمله من مسار تصعيد غير مسبوق.

تلك الجهود التي تسعى لاتفاق جزئي لوقف إطلاق النار في إيران لمدة 45 يوماً، حسب تسريبات أميركية، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تأتي في إطار «دبلوماسية الضغط التي تُمارَس تحت سقف تهديدات غير مسبوقة، على أمل أن تحرز تقدماً بتمديد مهلة ترمب أو وقف مؤقت، في ظل ما تتمتع به الوساطة الثلاثية من ثقل إقليمي ورغبة دولية لوقف هذه الحرب المستعرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي».

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

وتُجري الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، مصر وتركيا وباكستان، مناقشات حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، وفقاً لأربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات تحدثت لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، واصفة المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وأكدت «رويترز»، الاثنين، أن إيران والولايات المتحدة تلقتا مقترحاً لإنهاء الأعمال العدائية.

وفي تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، فإن الوساطة التي تقودها مصر وتركيا وباكستان «تكشف ملامح لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الردع مع ضغوط التهدئة، في محاولة لخلق مساحة زمنية لإعادة ترتيب موازين التفاوض، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز الإطار الإقليمي».

وهو يرى أن الوساطة الثلاثية لها أهمية خاصة نظراً لطبيعة الأطراف المنخرطة فيها؛ فـ«مصر تمثل ثقلاً تقليدياً في إدارة الأزمات الإقليمية، وتركيا تمتلك قنوات اتصال مركبة مع مختلف الفاعلين، في حين تضطلع باكستان بدور بالغ الحساسية في التواصل مع طهران، بما يعكس هندسة دبلوماسية متعددة المسارات... لكن عدم وجود الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي بين أطراف الصراع، يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى تسويتها».

ويرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير بالشأن الإيراني، محمد محسن أبو النور، أن المبادرة تعكس تحوّلاً مهماً في نمط إدارة الأزمة؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية إلى احتواء التصعيد عبر صيغة متعددة الأطراف وليس من خلال قنوات ثنائية تقليدية، لافتاً إلى أن المبادرة لا تستهدف فقط وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، بل تسعى إلى تأسيس ترتيبات أوسع لضبط التوتر في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية.

ووسط ترقب نتائج المسار التفاوضي، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه يوم الاثنين من رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، جهود مصر الرامية لوقف الحرب، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية تحقيقاً لهذا الهدف، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة، ورفض أي مساس بسيادتها واستقرارها ومقدرات شعوبها»، مجدداً تأكيد «موقف مصر الثابت في دعم تلك الدول العربية الشقيقة».

واعتبر عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، في منشور عبر منصة «إكس»، الاثنين، الجهود المصرية مع تركيا وباكستان «محاولات اللحظة الأخيرة لإنقاذ المنطقة من طوفان الحرب المدمرة»، لافتاً إلى أن «الساعات المقبلة حاسمة».

ويرى أبو النور أن دور مصر في مثل هذه المبادرات «يظل مرشحاً لأن يكون دوراً حاسماً، وخاصة أنها تمتلك خبرة تراكمية طويلة في إدارة قنوات الاتصال بين أطراف متنازعة، إلى جانب شبكة علاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج، مع احتفاظها بقنوات تواصل مباشرة مع إيران».

الدخان يتصاعد بعد هجمات استهدفت منطقة معشور للبتروكيماويات في محافظة الأهواز (رويترز)

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، الاثنين، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله: «ندعو إلى إنهاء الحرب ومنع تكرارها»، رافضاً وقف إطلاق النار المؤقت.

وأضاف أن أي محادثات دبلوماسية «تتعارض تماماً مع الإنذارات والتهديدات بارتكاب جرائم حرب»، في إشارة إلى تهديد ترمب بقصف البنية التحتية الإيرانية الرئيسية مساء الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الطاقة ويوم الجسور»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك ما يشبهه»، في إشارة إلى ضربات واسعة محتملة تستهدف البنية التحتية الإيرانية.

كما تحدث ترمب عن وجود مسار تفاوضي مفتوح، قائلاً في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن هناك «فرصة جيدة» للتوصل إلى اتفاق، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة.

ووسط تلك الاختلافات، يرى السفير حجازي أن الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جزئي مسألة مرتبطة ليس فقط بالإرادة السياسية، وإنما تدفع نحو منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، وخاصة أنه لا يمكن قراءة الوساطة الثلاثية إلا في إطار «دبلوماسية الضغط القسري»؛ إذ تُستخدم التهديدات العسكرية لدفع الأطراف نحو التفاوض، دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر شروط التسوية.

وتشير المعطيات حتى الآن، حسب حجازي، إلى أن المنطقة لا تزال أقرب إلى إدارة تصعيد مضبوط منها إلى الدخول في مسار تهدئة مستدامة، ما لم يحدث تحول نوعي في مواقف الأطراف خلال الساعات القليلة المقبلة.

ويرى أبو النور أن هناك «تردداً إيرانياً محسوباً»، ربما بهدف اختبار جدية الضمانات المقدمة، أو تحسين شروط التفاوض، مقابل حذر تكتيكي أميركي، خصوصاً في ظل عدم وضوح ما إذا كانت المبادرة ستُترجم إلى مكاسب استراتيجية، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تمنح إيران مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويمكن القول، بحسب أبو النور، إن نجاح المبادرة مرهون بقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات أمنية وسياسية مقنعة للطرفين، «وإلا فسيظل الطرفان مستمرين في إدارة الصراع ضمن حدود التصعيد الحالية، بدلاً من الانتقال إلى مسار تسوية حقيقية في هذه المرحلة».