اعتقال نائب وزير الدفاع يغير قواعد الصراع بين فصائل النخبة الحاكمة في روسيا

المخابرات الأميركية ترجح أن بوتين لم يأمر حتى بقتل نافالني

بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرجي شويغو (أ.ب)
بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرجي شويغو (أ.ب)
TT

اعتقال نائب وزير الدفاع يغير قواعد الصراع بين فصائل النخبة الحاكمة في روسيا

بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرجي شويغو (أ.ب)
بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرجي شويغو (أ.ب)

يعد إلقاء السلطات الروسية القبض على نائب وزير الدفاع تيمور إيفانوف بتهمة الفساد تطوراً خطيراً في المشهد السياسي الروسي، خصوصاً أن روسيا تخوض حرباً ضروساً في أوكرانيا. وفي تحليل نشره موقع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي يقول الكاتب والباحث الروسي أندريه بيرتسيف إن القبض على إيفانوف إشارة واضحة إلى عمق الانقسامات داخل الحكومة الروسية.

تزامن هذا الرأي مع نشر تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، يقول إن أجهزة المخابرات الأميركية خلصت إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يأمر على الأرجح بقتل السياسي المعارض أليكسي نافالني في سجن بالقطب الشمالي في فبراير (شباط). وكان نافالني، الذي توفي عن عمر يناهز 47 عاماً، من أشد منتقدي بوتين في الداخل. واتهم حلفاؤه بوتين بقتله، وقالوا إنهم سيقدمون أدلة تدعم اتهاماتهم.

نائب وزير الدفاع تيمور إيفانوف ألقي القبض عليه بتهمة الفساد (رويترز)

ويقول بيرتسيف في تحليله، الذي نشرته الوكالة الألمانية، إن المجموعات النافذة المتنافسة على السلطة تهاجم بعضها بعدوانية أشد مما كانت عليه قبل الحرب، ولم يعد الخطر قاصراً على اللاعبين المنفردين أو الممثلين الصغار لهذه المجموعات، وإنما وصل إلى الشخصيات المركزية أيضاً.

ليس هذا فحسب، بل إن وجود شخص مثل وزير الدفاع سيرجي شويغو المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يعد كافياً لحماية شخص مثل نائب شويغو من عدوان الفصائل.

بوتين مصافحاً وزير الدفاع سيرجي شويغو في 7 مارس (إ.ب.أ)

ونفى الكرملين أي تورط للدولة‭‭‭‭ ‬‬‬‬في موت نافالني. ووصف بوتين، الشهر الماضي، وفاة نافالني بأنها «محزنة»، وقال إنه كان على استعداد لتسليم السياسي المسجون إلى الغرب في تبادل للسجناء بشرط عدم عودة نافالني إلى روسيا أبداً. وقال حلفاء نافالني إن محادثات في هذا الصدد كانت جارية.

وقالت الصحيفة، نقلاً عن مصادر مطلعة لم تكشف هوياتها، السبت، إن أجهزة المخابرات الأميركية خلصت إلى أن بوتين لم يأمر على الأرجح بقتل نافالني.

وقال ديميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين، السبت، إنه اطلع على تقرير الصحيفة الذي يحتوي على «تكهنات فارغة». وأضاف بيسكوف في تصريحات للصحافيين: «لقد رأيت التقرير، لا أستطيع أن أقول إنها مادة عالية الجودة تستحق الاهتمام». ونقل تقرير الصحيفة عن المصادر أن النتائج «لقيت قبولاً على نطاق واسع داخل دائرة المخابرات، واطلعت عليه وكالات عدة منها وكالة المخابرات المركزية ومكتب مدير المخابرات الوطنية ووحدة الاستخبارات بوزارة الخارجية».

الرئيس فلاديمير بوتين مع المتحدث الرسمي باسم الكرملين ديميتري بيسكوف (أ.ب)

وتقول الصحيفة عن بعض مصادرها إن التقييم الأمريكي استند إلى مجموعة من المعلومات بما في ذلك بعض المعلومات الاستخبارية السرية، وتحليل الحقائق العامة مثل توقيت وفاة نافالني، وكيف ألقت بظلالها على فوز بوتين في الانتخابات الرئاسية في مارس (آذار). لكن ليونيد فولكوف، وهو أحد كبار مساعدي نافالني، وصف النتائج الأميركية بأنها ساذجة وسخيفة، وفق الصحيفة.

ورجوعاً إلى قضية تيمور إيفانوف، فقد قُبض على نائب وزير الدفاع بعد حضوره اجتماع مع زملائه في وزارة الدفاع وبينهم شويغو يوم 23 أبريل (نيسان) الحالي، بتهمة الحصول على رشاوى. وجرى إعلان نبأ القبض عليه في المساء، لكن دون صور لعمليات تفتيش عقاراته الفاخرة، واكتشاف كميات ضخمة من الأموال السائلة في إحدى الخزائن كما يحدث عادة في أنباء القبض على المتورطين في فساد في روسيا. وبعد ذلك ظهر إيفانوف في المحكمة بزيه العسكري، رغم أن المعتاد هو ظهور الجنرالات المقبوض عليهم بالملابس المدنية لتجنب تشويه صورة القوات المسلحة الروسية.

ويقول بيرتسيف الصحافي في موقع «ميدوزا» الإخباري إن كل المؤشرات تقول إن قرار القبض على إيفانوف وتنفيذه حدث على عجل، وكان مفاجأة حتى لرئيسه المباشر وزير الدفاع الذي بدا مصدوماً من القبض على نائبه.

زعيم المعارضة الروسية آنذاك أليكسي نافالني (أ.ب)

بالطبع، فإن هؤلاء الذين يقفون وراء قضية إيفانوف لديهم سبب وجيه جداً للتحرك بسرعة ضده، حيث إنها يمكن أن تتحول إلى قضية تاريخية بالنسبة لنظام حكم بوتين. فنائب وزير الدفاع هو أكبر مسؤول يجري القبض عليه بتهمة الفساد في روسيا، منذ القبض على أليكسي أوليوكايف وزير الاقتصاد السابق عام 2016، وبالطبع يمكن عدّ إيفانوف شخصية أهم من أوليوكايف، بوصفه يتحكم في مبالغ مالية أكبر، ويمتلك نفوذاً وسلطة أوسع.

صورة المعارض الروسي أليكسي نافالني تتوسط باقات الزهور أثناء مراسم تأبينه (أ.ف.ب)

ووفق بيرتسيف فإن أوليوكايف كان يمثل نفسه داخل جهاز الدولة الروسية، في حين أن إيفانوف يعد ممثلاً بارزاً لفصيل نافذ في الدولة يضم شويغو نفسه، والملياردير جينادي تيمشنكو المقرب من بوتين، ويوري فوروفبيوف نائب رئيس المجلس الاتحادي الروسي وابنه أندريه فوروبيوف حاكم إقليم موسكو ومسؤولين ورجال أعمال آخرين أقل أهمية.

وكان إيفانوف مصدراً لتريليونات الروبلات الروسية لأبناء فصيله، بمنحهم عقود كل مشروعات البنية التحتية التابعة لوزارة الدفاع؛ ولذلك فالاتهامات الموجهة إلى إيفانوف بمثابة هجوم مباشر على مجموعة شويغو/ تيمشينكو.

وفاة نافالني وكيف ألقت بظلالها على فوز بوتين في الانتخابات الرئاسية في مارس (إ.ب.أ)

ويعد فيكتور زولوتوف رئيس الحرس الوطني الروسي والرئيس السابق لجهاز الحماية الاتحادية المسؤول عن حماية كبار المسؤولين الروس هو العدو المباشر لشويغو. وحاول زولوتوف منذ وقت طويل السيطرة على وزارة الدفاع. حاول مرة في منتصف 2010 وأخرى في عامي 2022 و2023 عبر تعيين مرؤوسه السابق وأحد حراس بوتين المفضلين أليكسي ديومين وزيراً للدفاع.

وقبل 18 شهرا أطلق يفغيني بريغوجين زعيم مجموعة «فاغنر» المسلحة الروسية حملة ضد شويغو بدعم من زولوتوف. وبالفعل أعدت مجموعة الحرس الوطني مرشحين اثنين لكي يحلا محل شويغو وهما ديومين والجنرال سيرجي سوروفيكين الذي يحظى بشعبية كبيرة في دوائر الجيش الروسي.

لكن شويغو نجح في التصدي لهذه المحاولات، بل حقق نقاطاً على حساب خصومه. فقد لقي بريغوجين حتفه في حادث تحطم طائرة غامض، في حين جرى فصل سوروفيكين من منصبه. وفيما بعد نجح وزير الدفاع في استعادة ثقة بوتين ودعمه عندما نجحت القوات الروسية في إفشال الهجوم الأوكراني المضاد واستعادة الروس زمام المبادرة في الصيف الماضي.

اللفتنانت جنرال فلاديمير ألكسييف (يمين) مع الراحل بريغوجين في مقطع فيديو من روستوف يناشد رئيس «فاغنر» إعادة النظر في أفعاله (أ.ف.ب)

ويمكن القول إن قضية إيفانوف يمكن أن توقف تمدد فصيل شويغو في أفضل الحالات. فوزير الدفاع سيكون مضطراً لتركيز جزء من انتباهه إلى ضمان ألا يتولى منصب نائب وزير الدفاع لشؤون البنية التحتية شخص من خارج الفصيل. وفي أسوأ السيناريوهات قد يضطر الوزير إلى الاستقالة إذا ما أدين نائبه بتهم الخيانة والكسب غير المشروع.

في الوقت نفسه، فإن القبض على إيفانوف يعني تحلل الفصائل المتصارعة داخل دائرة الحكم الروسية، من الالتزام غير المكتوب بعدم المساس بالشخصيات

الكبيرة داخل كل فصيل، كما تعني تجاهل خصوم وزير الدفاع لرأي الرئيس بوتين نفسه والذي يميل بوضوح إلى وزير دفاعه.

وهذا يزيد بشكل كبير من مخاطر الاقتتال الداخلي بين النخب الحاكمة في روسيا. فبمجرد أن يكسر أحد اللاعبين أحد المحرمات، ويحصل على ميزة غير عادلة من خلال القيام بذلك، فإن المجموعات الأخرى الأكثر انضباطًا ستتبعه قريباً لتتغير قواعد اللعبة بين فرقاء السلطة الروسية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته مركزاً عسكرياً جوياً شمال غربي موسكو (أ.ب)

وينهي بيرتسيف تحليله بالقول إن الفصائل المتصارعة المحيطة بالرئيس بوتين توصلت إلى استنتاج مفاده أن الأفعال في هذه المعارك الضروس أعلى صوتاً من الكلمات، بما في ذلك كلمات بوتين نفسه. وفقاً لذلك، سيكون هناك مزيد ومزيد من هذه المعارك داخل النخبة الروسية، مع تآكل مستمر للقواعد الحاكمة لهذه المعارك.


مقالات ذات صلة

كوريا الشمالية تتعهّد بدعم روسيا في حربها «المقدسة» على أوكرانيا

العالم وزير الدفاع ورئيس البرلمان الروسيان يصفقان فيما يتحدث كيم جونغ أون خلال افتتاح المجمع التذكاري لتكريم الجنود الكوريين الشماليين الذين قتلوا في الحرب ضد أوكرانيا (وكالة الأنباء المركزية - رويترز)

كوريا الشمالية تتعهّد بدعم روسيا في حربها «المقدسة» على أوكرانيا

أكَّد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون مجدداً دعم بلاده للغزو الروسي لأوكرانيا، متعهداً بمساعدة موسكو على تحقيق النصر في حربها «المقدسة».

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)

الهند تسد فجوة نقص النفط مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط

أفاد محللون بأن الهند كثّفت مشترياتها من النفط الروسي وأعادت تنشيط مصادر وطرق بديلة من أفريقيا وإيران وفنزويلا؛ لتخفيف حدة النقص في نفط الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
أوروبا جندي أوكراني وهو يمر بجوار مبنى متضرر في ضواحي دروجكيفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية في أنحاء أوكرانيا عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 4 على الأقل بجروح.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)

فرنسا تنقذ 119 مهاجراً خلال محاولتهم عبور قناة المانش إلى بريطانيا

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

فرنسا تنقذ 119 مهاجراً خلال محاولتهم عبور قناة المانش إلى بريطانيا

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعلنت السلطات الفرنسية أنها أنقذت أكثر من مائة مهاجر أثناء عبورهم قناة المانش للوصول إلى بريطانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع، في حين تم نقل أحدهم إلى المستشفى، وفق ما أفاد مسؤولون الأحد.

وفي إطار عمليات عدة جرى تنفيذها السبت، تمكنت فرق الإغاثة على الساحل الشمالي لفرنسا من إنقاذ 119 شخصا حاولوا عبور القناة، وفق ما ذكرت سلطات السواحل الفرنسية «بريمار» المسؤولة عن المنطقة.

ونُقل مهاجر وهو فاقد الوعي بواسطة مروحية لتلقي العلاج في مستشفى بمدينة بولون على الساحل الشمالي.

والخميس، وقعت بريطانيا وفرنسا اتفاقية جديدة مدتها ثلاث سنوات لوقف قوارب المهاجرين غير الشرعيين عبر القناة، حيث زادت لندن من مساهمتها لتمويل العمليات الفرنسية.

وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، لقي 29 مهاجرا مصرعهم عام 2025 خلال محاولتهم العبور من الساحل الشمالي لفرنسا إلى الساحل الجنوبي لبريطانيا.

وحتى الآن هذا العام، سُجل مصرع ستة أشخاص خلال قيامهم بهذه الرحلة البحرية المحفوفة بالمخاطر.


قصر بكنغهام: زيارة الملك تشارلز إلى أميركا ستجري كما هو مقرر

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
TT

قصر بكنغهام: زيارة الملك تشارلز إلى أميركا ستجري كما هو مقرر

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

أعلن قصر بكنغهام، اليوم الأحد، أن الزيارة التي سيقوم بها الملك تشارلز ملك بريطانيا وقرينته كاميلا إلى الولايات ‌المتحدة لمدة أربعة ‌أيام ستجري ‌كما هو مقرر لها، وذلك عقب واقعة إطلاق نار حدثت خلال حفل عشاء حضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال ‌متحدث ‌باسم القصر، وفقاً لوكالة «رويترز»: «بعد ‌مناقشات جرت على ‌جانبي المحيط الأطلسي طوال اليوم، وبناء على نصيحة الحكومة، ‌يمكننا تأكيد أن الزيارة الرسمية لجلالتيهما ستجري كما هو مخطط لها».

وأضاف: «الملك وقرينته ممتنان للغاية لجميع الذين عملوا بسرعة لضمان استمرار ذلك، ويتطلعان إلى بدء الزيارة غداً».

ويبدأ الملك تشارلز الثالث زيارة إلى الولايات المتحدة الاثنين تشمل مهمة دبلوماسية حساسة وهي تخفيف التوترات بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء كير ستارمر، مع تجنّب «قضية إبستين» التي تعد شوكة في خاصرة العائلة المالكة.

رسمياً يُقدّم قصر باكنغهام هذه الزيارة التي تستغرق أربعة أيام، وتم تنظيمها بناء على طلب الحكومة البريطانية، بوصفها فرصة «للاحتفال بالروابط التاريخية» بين البلدين لمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. لكن نادراً ما أثارت زيارة ملكية كل هذا الجدل. فمع أن دونالد ترمب نجل سيدة اسكوتلندية ومعجب كبير بالعائلة المالكة، ووصف الملك بأنه «رجل رائع» الخميس على شبكة «بي بي سي»، إلا أنه كثّف هجماته على حلفائه البريطانيين منذ نهاية فبراير (شباط)، عندما أبدت لندن لأول مرة تحفظاتها بشأن الضربات الإسرائيلية الأميركية على إيران.

وهاجم الرئيس الأميركي رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر مطلع مارس (آذار)، قائلاً: «نحن لا نتعامل مع ونستون تشرشل». كما سخر من الجيش البريطاني وقلّل من شأن مساهمته في التحالف الدولي الذي خاض الحرب ضد «طالبان» في أفغانستان.

ودفعت تلك الهجمات بعض أعضاء البرلمان، مثل زعيم الديمقراطيين الليبراليين إد ديفي، إلى المطالبة بتأجيل الزيارة. وقد أيّد هذا الرأي 48 في المائة من البريطانيين، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «يوغوف» في بداية أبريل (نيسان).


«الشرق الأوسط» تروي لحظات الرعب في «حفل واشنطن»

عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تروي لحظات الرعب في «حفل واشنطن»

عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)

كان جميع المدعوين إلى مأدبة عشاء مراسلي البيت الأبيض، مساء السبت، ينتظرون كلمة الرئيس دونالد ترمب الذي شارك في هذا الحفل بعد سنوات من المقاطعة. كان الصحافيون المدعوون، وبينهم «الشرق الأوسط»، يترقبون ما سيقوله الرئيس ترمب، خصوصاً مع تاريخه الطويل في انتقاد الصحافيين ودورهم، حسبما يعتقد، في نشر «الأخبار المزيفة». دخل الرئيس ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب إلى القاعة الكبرى في فندق «واشنطن هيلتون» وسط تصفيق حذر وأنظار متلهفة. كان الجو يمزج بين الرسمية والتوتر الخفي؛ صحافيون، سياسيون، نجوم هوليوود، وشخصيات بارزة من الكونغرس وأعضاء إدارة ترمب يجلسون على موائد مزينة بأناقة. لم تمضِ دقائق قليلة على دخول ترمب حتى انفجر الوضع. سُمع صوت إطلاق نار خارج القاعة مباشرة. في لحظات، تحوّلت القاعة إلى مشهد يشبه أفلام الأكشن الهوليوودية التي نراها على الشاشات الكبيرة. اندفع عملاء الشرطة السرية بأسلحتهم المسحوبة، صرخوا... تحركوا... انخفضوا تحت الطاولات، وأحاطوا الرئيس الأميركي والسيدة الأولى والوزراء وأعضاء الكونغرس. تم إجلاء ترمب وميلانيا بسرعة مذهلة من فوق المنصة، وسط فوضى منظمة. وفي القاعة، كانت ردود الأفعال الإنسانية تلقائية ومتنوعة، تعكس الطبيعة البشرية في مواجهة الخطر المفاجئ. لاحظت «الشرق الأوسط» بعض الحاضرين يختبئون تحت الموائد بحثاً عن غطاء، بينما وقف آخرون على الكراسي والطاولات محاولين استطلاع ما يحدث أو تصوير اللحظة بهواتفهم.

موظفوون في فندق «واشنطن هيلتون» لجأوا إلى مدخل خلفي بعدإطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)

كان المشهد مرعباً وغير واقعي في الوقت نفسه؛ كأن الجميع أصبح جزءاً من فيلم إثارة، لكن الرصاص حقيقي والخوف حقيقي. شوهد رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، يركض مسرعاً نحو باب الخروج، وستيفن ميلر يحاول الخروج وهو يختبئ خلف زوجته الحامل، محاولاً حمايتها بجسده. في لحظة مؤثرة، شاهدت «الشرق الأوسط» أيضاً إريكا، أرملة الناشط اليميني تشارلي كيرك، منهارة تماماً تبكي بحرقة. اقترب منها كاش باتيل، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، وأخذها إلى أحد الممرات الجانبية في الفندق، يحاول تهدئتها بلطف وهو يمسك بيدها.

الشرطة تحاول إبعاد الجمهور عن فندق «واشنطن هيلتون» بعد إطلاق نار خارج قاعة الاحتفالات مساء السبت (إ.ب.أ)

تم إجلاء الجميع من القاعة والفندق بسرعة. خرجوا إلى الشارع، وجلسوا ساعات طويلة خارج الفندق وسط طوق أمني محكم. حاصرت سيارات الشرطة والإسعاف كل الشوارع المحيطة، وكانت طائرات الهليكوبتر تحلق فوق الرؤوس في دوائر مستمرة، تخترق صمت الليل بصوت محركاتها. كان الجو بارداً ومشحوناً بالتوتر؛ صحافيون يتحدثون بهمس، بعضهم يحاول الاتصال بزملائه أو عائلاته، وآخرون يدونون ملاحظاتهم، أو يبثون مباشرة عبر الهواتف، ولم يتمكن أحد من العودة إلى الفندق تلك الليلة. استمر تحليق طائرات الهليكوبتر والتوتر، ثم أُعلن لاحقاً أن شخصاً مسلحاً حاول اقتحام نقطة تفتيش، وتمت السيطرة عليه. لم يُصب الرئيس ترمب ولا السيدة الأولى ولا أي من كبار المسؤولين بأذى. كانت تلك الليلة تذكيراً قاسياً بأن الواقع السياسي في واشنطن يمكن أن يتحول في ثوانٍ إلى دراما إنسانية مكثفة. بين الترقب لخطاب رئاسي محتمل ينتقد «الإعلام المزيف»، وبين صوت الرصاص والإجلاء السريع، تجلت هشاشة الأمان حتى في أكثر المناسبات رسمية.