اجتماع أوروبي أميركي في باريس لتعزيز الدعم إلى أوكرانيا

«الإليزيه»: اللقاء رسالة لبوتين مفادها أنه لن يربح الحرب

الرئيسان الفرنسي والأوكراني يتصافحان بحرارة في 16 فبراير الحالي بمناسبة التوقيع على اتفاقية أمنية طويلة المدى بين البلدين (أ.ب)
الرئيسان الفرنسي والأوكراني يتصافحان بحرارة في 16 فبراير الحالي بمناسبة التوقيع على اتفاقية أمنية طويلة المدى بين البلدين (أ.ب)
TT

اجتماع أوروبي أميركي في باريس لتعزيز الدعم إلى أوكرانيا

الرئيسان الفرنسي والأوكراني يتصافحان بحرارة في 16 فبراير الحالي بمناسبة التوقيع على اتفاقية أمنية طويلة المدى بين البلدين (أ.ب)
الرئيسان الفرنسي والأوكراني يتصافحان بحرارة في 16 فبراير الحالي بمناسبة التوقيع على اتفاقية أمنية طويلة المدى بين البلدين (أ.ب)

إنه «اجتماع استثنائي»... بهذه العبارة وصفت مصادر قصر الإليزيه الاجتماع العاجل، الذي دعا إليه ويستضيفه الرئيس إيمانويل ماكرون، عصر الاثنين، في قصر الإليزيه، والذي سيجمع 20 رئيس دولة وحكومة، أكثريتهم الساحقة من الأوروبيين، وبالتنسيق مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ووفق «الإليزيه»، فإن الاجتماع، الذي يحصل بعد عامين من بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، «يلتئم في لحظة مفصلية وفي ظل مخاوف بشأن مستقبل الحرب، وهدفه تعبئة الوسائل لدعم أوكرانيا بشكل أكثر فعالية، ومن أجل إظهار وحدة (الغربيين) و(استعدادهم) للعمل». وينطلق الاجتماع بكلمة للرئيس ماكرون، وأخرى عن بُعد للرئيس الأوكراني.

ووزّعت الرئاسة الفرنسية ليلاً لائحة بالمسؤولين، الذين سيشاركون في الاجتماع «القمة»، وهي تضم أربعة رؤساء دول فنلندا ورومانيا وبولندا وليتوانيا، و15 رئيس حكومة؛ أبرزهم، إلى جانب المستشار الألماني، رؤساء حكومات إيطاليا وإسبانيا وهولندا والنرويج والبرتغال والدنمارك. واللافت أن الولايات المتحدة ستمثل بمساعدة وزير الخارجية، في حين تمثل بريطانيا والسويد وكندا وإيطاليا بوزراء الخارجية.

وسيبرز في الاجتماع غياب دول مثل المجر وسلوفاكيا والنمسا. وبرّرت باريس ذلك بانشغالهم بـ«أمور داخلية». وحرصت باريس على توجيه رسالة مفادها أن مشاركة 20 رئيس دولة وحكومة، والوزراء الذين يمثلون دولهم في الاجتماع الذي جرى التحضير له في «فترة زمنية قصيرة» توفر الدليل على ريادة الرئيس ماكرون في الملف الأوكراني.

ثمة مجموعة من الأهداف يسعى الاجتماع لتحقيقها؛ وهي مرتبطة بالسياق الذي تسير فيه، راهناً، الحرب في أوكرانيا، وآخِر تجلياته نجاح روسيا في السيطرة على مدينة أفدييفكا، في منطقة دونباس، وإحرازها تقدماً محدوداً إضافياً، في حين تشكو القوات الأوكرانية من ضعف تزويدها بالأسلحة والذخيرة، والضبابية التي تُغلّف السياسة الأميركية، حيث لم تنجح الإدارة في تمرير قانون منح كييف مساعدات إضافية بقيمة 60 مليار دولار، لذا فإن المجتمعين في باريس، الاثنين، سيعملون على «إعادة تعبئة ودرس كل الوسائل لدعم أوكرانيا بشكل فعال»، وإخراجها من الوضع الميداني الذي تعانيه في الوقت الحاضر. والهدف الثاني عنوانه «دحض الانطباع بأن الأمور تنهار، وإعادة تأكيد أننا لسنا مُتعَبين وأننا مصممون على إحباط العدوان الروسي. نريد أن نرسل رسالة واضحة إلى بوتين بأنه لن ينتصر في أوكرانيا... فنحن لسنا مستسلمين ولا انهزاميين، لن يكون هناك انتصار لروسيا في أوكرانيا».

ونقلت مصادر «الإليزيه» عن زيلينسكي تشديده، بمناسبة اجتماعه مع ماكرون، الأسبوع الماضي، على «ضرورة التوصل إلى التزام عملي بالغ الصلابة (من جانب الدول الداعمة)، ويتناسب مع ظروف المعركة، ويكون من شأنه قلب اتجاهها الراهن» الجانح باتجاه روسيا. وخلاصة «باريس» أن هناك مجموعة أمور تبرر الاجتماع: السياق الذي يجري فيه، والإرادة السياسية المتوافرة، والرغبة في فعل مزيد من أجل أوكرانيا، فيما الهدف الأبعد إفهام موسكو وبوتين ضرورة التخلي عن أوهام تحقيق الانتصار في الحرب الدائرة. يضاف إلى ما سبق أن القادة الأوروبيين يستشعرون قلق الرأي العام. من هنا، تبرز الحاجة إلى توضيح أن الجهد المبذول في أوكرانيا «يتعلق بمستقبل وأمن أوروبا»، وتأكيد ضرورة أن «تكون تعبئتنا على مستوى التحدي». وردّاً على الأجواء التي سادت في مؤتمر ميونيخ الأخير للأمن، والتي أخذت تتنامى في أوساط الرأي العام، لجأت المصادر الرئاسية الفرنسية إلى استخدام لهجة حازمة بقولها: «نحن عازمون ومتحفزون ومنخرطون من أجل تحقيق الانتصار في أوكرانيا، ومن أجل توفير الأمن والاستقرار في أوروبا، وحتى لا يكون لعدوانية روسيا تأثير علينا». ولمزيد من التوضيح، تؤكد هذه المصادر أن «هدفنا الرئيسي هو إدخال الشك إلى ذهن الرئيس الروسي، والقضاء على الفكرة التي يروّج لها والتي يصدّقها بعضهم من أنه سوف ينتصر في هذه الحرب».

تشكو باريس، ومعها الأوروبيون، من «العدوانية المتزايدة» التي تمارسها روسيا على عدة مستويات، سواء أكان في الفضاء السيبراني والإعلامي والدعائي، أم بث الأخبار الكاذبة، أم تحريك بعض الأشخاص العاملين لصالحها من أجل إرباك الرأي العام الأوروبي، وصولاً إلى التخلص من المعارض نافالني، أو اغتيال الطيار الروسي الذي لجأ إلى إسبانيا. وأشارت المصادر الفرنسية إلى التصريحات المهددة لنائب رئيس مجلس الأمن القومي ميدفيديف، الذي لا يفتأ يلوّح باستخدام الأسلحة النووية، أو التهديد مجدداً باحتلال مدينة أوديسا، وحتى العاصمة كييف. يضاف إلى ما سبق، ما تقوم به روسيا عسكرياً في بحر البلطيق أو في أفريقيا، من خلال مجموعة «فاغنر» التي تغيّر اسمها إلى «القوة الأفريقية». وخلاصة باريس أن روسيا تحولت إلى «عامل يضرب الاستقرار ويعمل من أجل الفوضى على المستوى العالمي».

مظاهرة في مدينة تورنتو الكندية السبت للمطالبة بتوفير الدعم لأوكرانيا (أ.ف.ب)

لن يكتفي القادة والمسؤولون المجتمِعون في قصر الإليزيه، الاثنين، بـ«تشخيص الوضع الميداني وحاجات أوكرانيا»، إذ إنهم سيعملون على استخلاص النتائج، والنظر في السبل والإمكانيات التي يتعين توفيرها لكييف، وما يستطيع كل طرف من الأطراف المجتمعة توفيره، سواء على صعيد التمويل أم التسليح أم التدريب، وضمان مدّ القوات الأوكرانية بالذخائر التي تشكو من نقصانها. تجدر الإشارة إلى أنه، في الأيام الأخيرة، عمدت مجموعة دول، مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا وهولندا، إلى توقيع «اتفاقيات أمنية» طويلة المدى «متوسطها عشر سنوات» مع أوكرانيا، للوقوف إلى جانبها ومساندتها وتوفير الدعم لها، مع الكشف عن مبالغ مالية مهمة، كألمانيا التي وعدت بتوفير 8 مليارات يورو، للعام الحالي، في حين وعدت فرنسا بمبلغ 3 مليارات يورو. ولأن باريس انتُقدت مراراً لضعف الدعم الذي تقدمه لأوكرانيا، سواء عسكرياً أم مالياً، فقد حرصت مصادر «الإليزيه» على الرد على ذلك بتأكيدها أن «مصير الحرب غير مرتبط فحسب بالمبالغ المالية التي يجري الإعلان عنها، بل أيضاً بفعالية الأسلحة الفرنسية التي تُقدَّم للقوات الأوكرانية»، مشيرة بالتحديد لمدافع «قيصر» المحمولة على عربات أو صواريخ «سكالب» بعيدة المدى ودقيقة التصويب. كذلك فإن الإشكالية الأخرى التي يتعين على الغربيين حلها تتناول توفير الذخائر، وخصوصاً قذائف المدفعية، حيث تشكو أوكرانيا من نقصها، ما ينعكس على أدائها الميداني.

وردّاً على الذين يتساءلون عن أسباب انعقاد الاجتماع في باريس، وليس في برلين مثلاً، قال قصر الإليزيه إن الدعوة جاءت من الرئيس الفرنسي، وهو يدعو إلى اجتماع في بلاده، وليس في بلد آخر، وألمانيا حرة التصرف لتنظيم ما تريد تنظيمه. وإذا استبعدت باريس الإعلان عن توفير أسلحة جديدة لأوكرانيا، بمناسبة الاجتماع، فإن لكل طرف أن يعلن عما يريد أن يقوم به لتحسين وتعزيز القدرات الأوكرانية، سواء أكان ذلك في الفضاء السيبراني أم الدفاع الجوي ونزع الألغام، والتدريب على استخدام الأسلحة الحديثة والمعقدة، سواء الطائرات غربية الصنع أم المدفعية أم المُسيّرات. ومن الأمور التي قد يأتي عليها الاجتماع، فرض عقوبات على الشركات التي تنسف أو تبدد مفعول العقوبات المفروضة على روسيا.


مقالات ذات صلة

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز) p-circle

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده.

«الشرق الأوسط» (موسكو- واشنطن)
العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

انتقد الرئيس الأوكراني، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها».

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلتقي رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في أثينا يوم 7 أكتوبر 2026 (رويترز) p-circle

ويتكوف وكوشنر يلتقيان مفاوضين أوكرانيين وأوروبيين

محادثات فلوريدا تختبر «هدنة الشتاء» وسط تحذيرات من تصعيد أخطر... زيلينسكي يرد على روبيو: «لسنا أمام طريق مسدود دبلوماسياً»

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم استخدمت إحدى الحملتين سبع هويات صحافية وهمية لنشر نحو 100 مقال في منصات إعلامية حول العالم وفق شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

«أوبن إيه آي» تحبط حملتَيْ تأثير مرتبطتَيْن بروسيا وإيران

حظرت «أوبن إيه آي» حسابات استخدمتها حملتان مرتبطتان بروسيا وإيران لإنشاء هويات صحافية وهمية ومركز أبحاث للترويج سراً لرسائل سياسية ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
آسيا صورة نشرها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لجندي من كوريا الشمالية وقع أسيراً في يد الجنود الأوكرانيين (حساب زيلينسكي على «إكس»)

كوريا الجنوبية تستدعي سفيرها لدى أوكرانيا

أعلنت كوريا الجنوبية، الخميس، استدعاء سفيرها لدى أوكرانيا وسط تفاقم خلاف دبلوماسي بشأن نقل أسيرَي حرب كوريين شماليين إلى سيول.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الحكومة الفرنسية تسابق اتساع الحراك الطلابي بإجراءات تهدئة

جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

الحكومة الفرنسية تسابق اتساع الحراك الطلابي بإجراءات تهدئة

جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)
جانب من تجمهر تلامذة أمام «ثانوية مونتاني» في باريس يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

يوماً بعد آخر، تسعى السلطات الفرنسية لـ«إطفاء» حراك تلاميذ التعليم الثانوي من خلال إعلان الاستجابة لمطالبهم الرئيسية. وأعلن وزير التربية إدوار جيفراي، ليل الخميس، في حديث تلفزيوني، أن وزارته أعدت «خطة طوارئ» نجحت في توفير «عدة آلاف» من الأساتذة لسد النقص الذي يشكو منه التلاميذ، والذي كان أحد مطالبهم الرئيسية.

وحسب جيفراي، فإن أجهزة وزارته أحصت ثلاثة آلاف معلم متوفرين وجاهزين لسدّ النقص في 514 ثانوية تشكو من الفراغ التعليمي الناتج عن غياب الأساتذة الأصيلين، فيما ثانويات عامة أخرى موجودة بشكل عام في ضواحي المدن الكبرى تشكو بشكل مزمن من هذا الغياب. كذلك، أكد الوزير المعني أنّ «المنصة الإلكترونية» التي أطلقتها وزارته لتلقي شكاوى التلاميذ والطلاب تلقى نجاحاً بارزاً، إذ إن ما لا يقل عن أربعين ألفاً منهم لجأوا إليها لهذا الغرض. وأكثر من ذلك، أفاد جيفراي بأنه سيُعطي مديري الأكاديميات القدرة على التعاقد مع أساتذة حيث تدعو الحاجة.

إجراءات لتهدئة الشارع

بعكس الكلمة المتلفزة لرئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الأربعاء، التي لم تحمل جديداً باستثناء الطلب من مديري الثانويات تخصيص نصف يوم تعليمي لـ«الحوار الديمقراطي الداخلي» مع التلامذة، وهو ما عدّه الكثير منهم بلا فائدة، فإن جيفراي لم يغلق الباب أمام احتمال زيادة الميزانية المخصصة لوزارة التربية التي ستبلغ العام المقبل 64 مليار يورو. إلا أن الميزانية الجديدة تنصّ أيضاً على إلغاء 1588 وظيفة تعليمية بسبب تناقص أعداد التلاميذ المتواصل.

وزير التربية الفرنسي إدوار جيفراي (وسط) في حوار مع التلامذة خلال زيارة إلى مدرسة ثانوية في مدينة كاشان يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

أما على المستوى الأمني، وبعد الانتقادات العنيفة التي وُجّهت إلى كيفية تعامل الشرطة والدرك مع المتظاهرين، فقد عمدت وزارة الداخلية إلى منع استخدام القنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين، فيما جهاز التفتيش الداخلي التابع للشرطة أعلن فتح 18 تحقيقاً بخصوص تجاوزات قد تكون ارتُكبت في أيام التظاهر الأخيرة. فالأنظار ما زالت تتركز على تلميذ فَقَدَ إحدى عينيه بسبب إصابته برصاصة مطاطية، وآخر يعاني من تشويه في وجهه، وثالث بُترت يده اليسرى بسبب قنبلة صوتية. لذا، أعلن لوران نونيز، وزير الداخلية، منع استخدام القنابل الصوتية في التعامل مع حراك التلاميذ والطلاب، وطلب التركيز على استخدام خراطيم المياه لتفريقهم.

تحذير مفوضية حقوق الإنسان

بيد أن هذه التدابير لم تُقنع المفوضية العليا لحقوق الإنسان التي أعلنت شابيا مانتو، الناطقة باسمها، من جنيف، عن «قلق» إزاء «الأحداث» التي شهدتها المظاهرات الأخيرة.

وزير التربية الفرنسي إدوار جيفراي خلال حوار مع التلامذة في كاشان يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وقالت هذه الناطقة إن المفوضية «تدعو جميع الأطراف إلى الإبقاء على سلمية المظاهرات والابتعاد عن اللجوء غير المتناسب للقوة من قِبل القوى الأمنية»، في انتقاد مباشر لأدائها في الأيام الأخيرة. وشددت المفوضية على ضرورة احترام المظاهرات السلمية، علماً بأن وزير الداخلية الذي يدافع دوماً عن أداء قواته، ويتهم عناصر «مشاغبة» بالتدخل، يؤكد احترام التجمعات والمظاهرات السلمية.

في المقابل، ينتقد التلاميذ والطلاب وأحزاب اليسار «القمع البوليسي» و«عنف الشرطة»، وتحديداً وحدات مكافحة الشغب. وتفيد آخر الإحصاءات بأن ما لا يقل عن 6877 شخصاً تم توقيفهم في الأيام الأخيرة، وأن 86 في المائة منهم من القاصرين. ويقول المشككون إنه من الصعوبة بمكان تصديق أن هذه النسبة المرتفعة من القاصرين تنتمي إلى فئة المشاغبين.

ووفق وزارة العدل، فإن 2376 شخصاً من الموقوفين تتم ملاحقتهم قضائياً، ومن بين هؤلاء 1923 قاصراً.

أحد المتظاهرين يعيد رمي قنبلة غاز مسيّل للدموع في اتجاه الشرطة خلال اشتباكات في باريس يوم 6 أكتوبر (د.ب.أ)

من جانبها، دعت «النقابة الفرنسية الديمقراطية للعمل» القريبة من الحزب الاشتراكي إلى مراجعة معمّقة لأساليب حفظ النظام. وقالت ماريليز ليون، أمينتها العامة، في تصريح إذاعي يوم الجمعة، إن «ما يثير القلق البالغ» أن وزارة الداخلية انتظرت أن تُبتر يد فتى يبلغ من العمر 15 عاماً قبل منع اللجوء إلى القنابل الصوتية. كما أعربت عن «تساؤلاتها» بشأن العديد من الأشخاص الذين تم توقيفهم منذ 28 سبتمبر (أيلول).

وتعمد السلطات، إلى جانب تركيزها على الاستعداد للاستماع والتجاوب مع المطالب المرفوعة، إلى الإيحاء بأن الحراك الطلابي آخذ في التراجع. ودليلها على ذلك تراجع عدد المشاركين في مظاهرات الخميس، بحيث لم يتجاوز سقف 71 ألف شخص، منهم 24 ألفاً في باريس وحدها.

تفاؤل حكومي

لكن الحقيقة أن قراءة دقيقة لما جرى في الساعات الـ72 الأخيرة تعكس واقعاً مخالفاً لنظرة الحكومة التفاؤلية.

فنقابات التلامذة، بدعم من زملائهم في التعليم الجامعي، قررت تنظيم «يوم تعبئة» خامس يوم الثلاثاء المقبل. والأمر المستجد أن الحراك الذي بدأ في ثانويات الضواحي طال نظيرتها الرسمية «المتميزة»، والواقعة في الأحياء الباريسية «الراقية»، مثل ثانوية «لويس لوغران» أو ثانوية «هنري الرابع» القريبة من «البانتيون».

طلاب في مدرسة «لوفر» يعبّرون عن تضامنهم مع حراك التلاميذ في باريس، يوم 9 أكتوبر (رويترز)

وأكثر من ذلك، فإن الحراك طال المدارس الكاثوليكية الخاصة، بحيث تعطّلت الدراسة في 61 في المائة من مؤسساتها في منطقة ليون، ثاني أكبر مدينة فرنسية وتقع وسط البلاد.

وكان لافتاً أن تلاميذ مدرسة «ماسيون» الخاصة المعروفة في باريس شاركوا بدورهم في المسيرة الطلابية إلى ساحة «لا ريبوبليك». ثم إن العنف لم يختفِ، إذ جرت اشتباكات في ساحة «الباستيل» والشوارع المتفرعة عنها عند تفريق المظاهرة، كما تم القبض على 504 من المتظاهرين الذين تعدّهم الشرطة من «المشاغبين»، فيما جرح 48 عنصراً أمنياً.

وأكثر من ذلك، فإن جميع الجامعات في باريس، بما فيها كلية العلوم السياسية، أصبحت متوقفة عن الدراسة، ما يُبيّن أن التضامن الطلابي مع تلاميذ التعليم الثانوي آخذ في الارتفاع، وهو ما تسعى السلطات إلى تفاديه.

وتراهن السلطات على قرب العطلات المدرسية، التي تبدأ يوم 17 الحالي وتمتد حتى الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث تقفل المدارس ويتفرق التلاميذ، وبالتالي تختفي المظاهرات وما يرافقها من أعمال شغب، ما يتيح للحكومة أن تكسب بعض الوقت لكي «تتنفس» قليلاً.

استحقاق 17 أكتوبر

غير أن هذه الآمال قد تصطدم بيوم «التعبئة العام» الذي دعت إليه العديد من النقابات، ومنها نقابات تلاميذ الثانوية والطلاب. وما يفاقم قلق السلطات احتمال تداخل المطالب، وتوحّد الحراك الاحتجاجي الطلابي والاجتماعي العام، ومنها الدعوات إلى استعادة حراك «السترات الصفراء» الذي اندلع في عامَي 2018 و2019 بسبب غلاء أسعار المحروقات.

جانب من المواجهات العنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن في باريس يوم 8 أكتوبر (رويترز)

وسعى رئيس الحكومة، في كلمته المتلفزة مساء الأربعاء الماضي، إلى التركيز على ما تقوم به حكومته لمحاربة ارتفاع أسعار الديزل المستخدم في القطاع الزراعي. كما قد يشمل الحراك قطاع الطيران، فيما ثمة دعوة كذلك صادرة عن نقابات قطاع النقل للتحرك يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول). وأخيراً، فقد صدرت دعوة للإضراب من نقابات رئيسية، للتنديد بغلاء المعيشة والتضخم وتراجع القوة الشرائية والمحافظة على المرتبات التقاعدية والوظيفة العمومية. وتأتي هذه المطالب مع انطلاق البحث في مشروع ميزانية العام 2027 في مجلس النواب.

ما سبق يعكس حجم الصعوبات التي تواجه الحكومة، وعجزها عن التعاطي معها بسبب سياسات التقشف وارتفاع المديونية، ما يحرم الحكومة من الاستجابة للمطالب المرفوعة، فيما الأصوات تتعالى للتحذير من الأزمة المالية التي تضرب فرنسا ومن تأثيرها على منطقة اليورو بشكل عام.


بريطانيا تفرج بكفالة عن رجلين اعتقلا في قاعدة جوية تستخدمها أميركا

ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)
ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)
TT

بريطانيا تفرج بكفالة عن رجلين اعتقلا في قاعدة جوية تستخدمها أميركا

ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)
ضباط شرطة في محيط قاعدة «فيرفورد» (أ.ب)

قالت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية، الجمعة، إنها أفرجت بكفالة عن رجلين من لاتفيا تم القبض عليهما، أمس الخميس، داخل قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي في شرق إنجلترا تستخدمها القوات الأميركية.

وأوضحت الشرطة أن الرجلين، 32 عاماً و36 عاماً، أفرج عنهما بشروط صارمة، في حين تتواصل التحقيقات، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاء القبض عليهما بعد أسابيع من الكشف عن مخطط مشتبه به لاستهداف قاعدة جوية بريطانية أخرى يستخدمها الجيش الأميركي، وهي قاعدة «فيرفورد»، مما أثار مخاوف بشأن الأمن في المواقع العسكرية في أنحاء بريطانيا.

وأوضحت الشرطة أنه لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى وجود صلة بين الواقعة التي حدثت في قاعدة «مولسوورث» الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، والمخطط المشتبه به ضد قاعدة «فيرفورد» الجوية في غرب إنجلترا، والتي استخدمها الجيش الأميركي لشن عمليات ضد إيران.

وقالت هيلين فلاناجان، رئيسة شرطة مكافحة الإرهاب في لندن التي تقود التحقيق: «يتمثل أحد محاور التحقيق الرئيسية في تحديد أي دافع محتمل وراء وجود هذين الرجلين في ذلك الموقع، بما في ذلك ما إذا كان الأمر مرتبطاً بأي نشاط إجرامي».


رئيس وزراء البرتغال يحذر القضاء من تسييس استخدام أميركا قاعدة جوية

رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)
رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)
TT

رئيس وزراء البرتغال يحذر القضاء من تسييس استخدام أميركا قاعدة جوية

رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)
رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو (يمين) يصافح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)

دافع رئيس وزراء البرتغال لويس مونتينيغرو، اليوم (الجمعة)، عن استخدام الولايات المتحدة قاعدة لاغيس الجوية خلال الحرب على إيران، وقال إنه قانوني تماماً، وحث القضاء على عدم إصدار أحكام سياسية، وذلك بعد أن فتح ممثلو الادعاء تحقيقاً الأسبوع الماضي حول سماح الحكومة باستخدام القاعدة.

وأضفى هذا التحقيق، الذي جاء بناء على شكوى من حزب معارض يساري، بُعداً قانونياً إلى قضية حساسة سياسياً. فقد قيّدت عدة دول أوروبية أو رفضت دخول الطائرات العسكرية الأميركية إلى مجالها الجوي أو قواعدها في سياق الحرب على إيران.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد انتقدت المعارضة اليسارية حكومة الأقلية المنتمية لتيار يمين الوسط، بسبب سماحها لطائرات النقل العسكري الأميركية باستخدام قاعدة لاغيس الجوية في أرخبيل الأزور بالمحيط الأطلسي خلال حرب إيران.

في المقابل، فرضت كل من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا وسويسرا قيوداً على هذه الرحلات، الأمر الذي أثار استياء واشنطن.

وقال مونتينيغرو أمام النواب خلال مناقشة برلمانية، بعد يوم من لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في لشبونة: «من الواضح أن للجميع الحق في إصدار أحكام سياسية بشأن القرارات، باستثناء السلطة القضائية، التي لا ينبغي لها إصدار أحكام سياسية».

وأضاف أنه يحترم التحقيق الجاري، وأنه «مطمئن جداً فيما يتعلق بالامتثال لجميع القواعد القانونية المعمول بها».

وقالت الحكومة إن البرتغال ليست طرفاً في الحرب، وإن استخدام قاعدة لاغيس يتوافق مع القانون الدولي، إذ لم يُسمح به إلا بعد حصول لشبونة على تأكيدات من واشنطن بأن أي عملية ستكون دفاعية وضرورية ومتناسبة، ومقتصرة على أهداف عسكرية.