قبل عامين تقريباً، في 18 فبراير (شباط) عام 2022، وصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على عجل إلى ميونيخ حيث ألقى كلمة في افتتاح مؤتمر الأمن، دعا فيها الغرب إلى فرض عقوبات استباقية على روسيا، لردعها عن إرسال جيشها المحتشد على حدودها آنذاك، إلى داخل أوكرانيا... وغادر فور إنهاء خطابه عائداً إلى كييف بعد أن فشل بمهمته، لتبدأ الحرب بعد 5 أيام في 24 فبراير.
يعود زيلينسكي إلى ميونيخ شخصياً بعد أن توجه للمؤتمرين العام الماضي، عبر دائرة الفيديو، لحشد دعم من الدول الغربية التي بات يسيطر عليها «التعب من الحرب».
ورغم أن الحرب في غزة ستأخذ حيزاً واسعاً من النقاشات في المؤتمر، فإن الحرب في أوكرانيا ما زالت تشكل أولوية لدى الغرب في مؤتمر يناقش أولاً الوضع الأمني في أوروبا، ويطغى عليه حضور العسكريين.

وسيلتقي زيلينسكي بنائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس، التي وصلت قبل يوم من انطلاق أعمال المؤتمر، وبعد أيام قليلة من تصديق مجلس الشيوخ أخيراً على حزمة مساعدات جديدة لأوكرانيا بانتظار موافقة مجلس النواب.
وتغيب روسيا للعام الثاني على التوالي عن حضور المؤتمر، الذي امتنع عن توجيه دعوة لممثليها، وكذلك لممثلي إيران الذين غيّبوا العام الماضي كذلك، بسبب قمع الاحتجاجات الشعبية.
ويزداد الهاجس الأمني أوروبياً، وألمانياً تحديداً، مع اقتراب نهاية عهد الرئيس الأميركي جو بايدن واحتمال عودة الرئيس السابق دونالد ترامب. ويخيف هذا السيناريو الألمان الذين بدأوا نقاشات جدية حول أمنهم في حال عودة ترمب... وتضمن الولايات المتحدة أمن ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتنشر صواريخ نووية في قواعد سرية في البلاد. لكن تهديدات ترمب في الأيام الماضية بأنه سيشجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الهجوم على الدول «التي لا تفي بالتزاماتها للناتو»، أشعل نقاشاً في ألمانيا حول الجهة التي يمكن أن تضمن أمنها في غياب الولايات المتحدة.

وكتب وزير المالية الألماني، كريستيان ليندنر، مقالاً في صحيفة «تسودويتشه تراينتوغ» يناقش فيه الاستعانة ببريطانيا وفرنسا، القوتين النوويتين، لضمان أمن ألمانيا في حال فوز ترمب.
وكان الرئيس الجمهوري السابق يشير فعلاً إلى ألمانيا بكلامه عن الدول المقصرة في الالتزامات حيال «الناتو»، وكان منتقداً علنياً ولاذعاً لها خلال فترة رئاسته. وسارعت ألمانيا بعد تصريحات ترمب الأخيرة للإعلان أنها ستنفق 2 في المائة من إنتاجها الإجمالي على الدفاع، وهو المعدل الذي يوصي به الحلف لدوله، ولم تلتزم به ألمانيا قبل الآن. ويكرر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس تأكيداته على ضرورة تقوية الجيش الألماني لكي يكون قادراً على الدفاع عن البلاد في السنوات المقبلة خوفاً من أي اعتداء روسي.
وقبيل انطلاق أعمال مؤتمر الأمن، قال بيستوريوس إن المؤتمر يهدف إلى توفير قوة دافعة «لوحدة العالم الحر والديمقراطي لمواصلة دعم أوكرانيا». وأضاف في مقابلة لشبكة التحرير الألمانية (RND) أن هذه ستكون «الإشارة الأكثر أهمية» التي يمكن أن تصدر عن المؤتمر. وانتقد بيستوريوس كذلك إلغاء الخدمة العسكرية الإجبارية في ألمانيا، وقال إن تعليقها كان قراراً «خطأ»، وأشار إلى أنه شخصياً يؤيد إعادتها.
ويعدّ الجيش الألماني ضعيفاً، وغير مجهز للقتال، ومعداته قديمة وغير مؤهلة.

وعمدت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية إلى إضعاف جيشها لطمأنة جيرانها من أنها لن تشكل تهديداً جديداً في المستقبل، ولطالما قاومت إنفاق 2 في المائة من ناتجها الإجمالي على دفاعها لهذه الأسباب التاريخية، وأيضاً لأن حجم اقتصادها يعني بأن إنفاقها العسكري قد يتعدى إنفاق الدول الأوروبية الأخرى.
ولكن الحرب في أوكرانيا دفعت بالسياسيين الألمان للانقلاب على هذا النهج، والإعلان عن إعادة تسليح وتقوية الجيش... وحتى الآن، وبعد عامين، تسير ألمانيا ببطء في هذا التحول، لكن المخاوف من عودة ترمب قد تسرع وتيرة تأهيل الجيش الألماني والإنفاق العسكري الدفاعي.

