قوات كييف تستعد لصدّ هجوم ثالث على أفدييفكا في شرق البلاد

الجيش الروسي يقول إنّه دمّر 17 مسيّرة أوكرانية فوق القرم

شرطي أوكراني يقف في أثناء إجلاء المدنيين في أفدييفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)
شرطي أوكراني يقف في أثناء إجلاء المدنيين في أفدييفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)
TT

قوات كييف تستعد لصدّ هجوم ثالث على أفدييفكا في شرق البلاد

شرطي أوكراني يقف في أثناء إجلاء المدنيين في أفدييفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)
شرطي أوكراني يقف في أثناء إجلاء المدنيين في أفدييفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

بعدما شنت موسكو في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) هجوماً واسع النطاق بهدف الاستيلاء على أفدييفكا، الواقعة في شرق أوكرانيا، أعلنت كييف، الثلاثاء، أنها تتوقع هجوماً روسياً ثالثاً على المنطقة، بينما أعلن الجيش الروسي، الثلاثاء، أنّه أسقط 17 مسيّرة أوكرانية فوق البحر الأسود وفوق شبه جزيرة القرم التي تُستهدف بانتظام بهذا النوع من الهجمات.

مبنى سكني متضرر في أفدييفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

تقع مدينة أفدييفكا الصناعية في دونباس بشرق أوكرانيا، وهي عملياً على خط المواجهة منذ ما قبل الغزو الروسي في فبراير (شباط) 2022، إذ كانت تحاول القوات الانفصالية الموالية لموسكو احتلالها منذ عام 2014.

وقال رئيس بلدية أفدييفكا فيتالي باراباش: «سيكون هناك بالتأكيد موجة ثالثة. يعيد العدو تجميع صفوفه بعد الموجة الثانية من الهجمات غير الناجحة. إنه بصدد إعادة بناء احتياطاته سواء من حيث المعدات أو الأفراد». وأضاف في حديث مع قناة تلفزيونية أوكرانية: «من المرجح جداً أن يكونوا مستعدين للموجة الثالثة، لكن الظروف الجوية لا تسمح لهم باستخدام المعدات».

جندي أوكراني يقوم بتحميل قذيفة في نظام إطلاق صواريخ صغير متعدد الأطراف قبل إطلاق النار على القوات الروسية في موقع بالقرب من خط المواجهة (رويترز)

شنت القوات الروسية هجوماً على أفدييفكا في العاشر أكتوبر، لكن محاولتها الأولى ألحقت بها خسائر فادحة، كما نقلت وكالات أنباء عدة.

ورغم الهجمات المستمرة، فإن القوات الأوكرانية تؤكد أنها لا تزال صامدة، ولا يزال نحو 1600 شخص يقيمون في أفدييفكا التي كانت تضمّ نحو 30 ألف نسمة قبل بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.

من داخل أحد الخنادق العسكرية في مدينة دونيتسك الأوكرانية (إ.ب.أ)

وبخصوص استهداف القرم، لم تصدر حتى الآن معلومات عن كييف بشأن هذه الهجمات. ومنذ بدء كييف هجومها المضاد هذا الصيف، كثّفت هجماتها على شبه الجزيرة الواقعة في البحر الأسود والتي استولت عليها روسيا في عام 2014.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت ودمرت ما مجموعه 17 طائرة مسيرة أطلقتها أوكرانيا في وقت مبكر من الثلاثاء فوق البحر الأسود وشبه جزيرة القرم. وأضافت الوزارة على تطبيق «تلغرام» أن 9 طائرات مسيرة دمرتها أنظمة الدفاع الجوي، واعترضت منظومة الحرب الإلكترونية 8. وكان حاكم ميناء سيفاستوبول على البحر الأسود ميخائيل رازفوجاييف، الذي عينته روسيا، قد قال في وقت سابق إن الحطام سقط على سطح منزل في قرية أندرييفكا، في ضواحي سيفاستوبول، ما أدى إلى اشتعال النيران فيه فترة وجيزة. ولم ترد معلومات عن سقوط ضحايا محتملين.

وأكدت الحكومة الروسية أنّ أوكرانيا أطلقت السبت صواريخ «كروز» على حوض لبناء السفن يقع على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة، مشيرة إلى أنّ الصواريخ ألحقت أضراراً بسفينة، وتسبّبت في سقوط حطام على الرصيف.

وقد أفاد تقييم استخباراتي صادر عن وزارة الدفاع البريطانية بشأن تطورات الحرب في أوكرانيا، الثلاثاء، بأنه وفق ما ذكرته مصادر أوكرانية وروسية يوم السبت الماضي، من شبه المؤكد أن هناك أضراراً لحقت بسفينة حربية روسية صغيرة بُنيت حديثاً، بعد أن تعرضت للقصف في أثناء وجودها بحوض بناء السفن، زاليف، في مدينة كيرتش الواقعة شرق شبه جزيرة القرم.

جنديان أوكرانيان يقومان بأعمال صيانة لدبابة في منطقة زابوريجيا الجمعة (رويترز)

وجاء في التقييم الاستخباراتي اليومي المنشور على منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، أن السفينة «أسكولد» من فئة «كاراكورست»، والتي كانت قد دُشنت في عام 2021، لم يبدأ عملها ضمن البحرية الروسية.

ووقع الحادث على مسافة أبعد إلى الشرق من القرم، من معظم الضربات بعيدة المدى التي أعلنت أوكرانيا مسؤوليتها عنها. وأشار التقييم الاستخباراتي إلى أنه من المرجح أن تتسبب قدرة أوكرانيا على ضرب البنية التحتية لبناء السفن في شبه الجزيرة، في دفع روسيا إلى التفكير في الانتقال بعيداً عن خط المواجهة، ما سيؤدي إلى تأخير تسليم السفن الجديدة. وفي سبتمبر (أيلول)، شنّت كييف هجوماً صاروخياً في مدينة سيفاستوبول على مقرّ أسطول البحر الأسود الروسي.

ومن ناحية أخرى، أعلن معهد دراسات الحرب الأمريكي، مساء الاثنين، نقلاً عن مدونين عسكريين روس، أن الجيش الأوكراني نفذ عمليات ناجحة في خيرسون. وقال التقرير إن مجموعات هجومية صغيرة عبرت نهر دنيبرو، ووصلت إلى الجانب الآخر، ما أدى إلى تحويل موارد قتالية روسية كبيرة، وصرف الانتباه عن مواقع أخرى على طول الجبهة.

عمال الطوارئ يظهرون في موقع غارة بطائرة مسيرة في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا (إ.ب.أ)

وقد قُتل أحد مساعدي القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية فاليري زالوزني عندما انفجرت إحدى هدايا عيد ميلاده. وأعلن زالوزني على «تلغرام» الاثنين: «توفي اليوم مساعدي وصديقي المقرب في ظروف مأساوية في عيد ميلاده بين أقاربه». وكتب في منشوره: «إنه ألم لا يوصف، وخسارة فادحة للقوات المسلحة الأوكرانية ولي شخصياً»، وأضاف أن الميجور غينادي تشاستياكوف ترك وراءه زوجة و4 أطفال. وذكرت الشرطة في بيان أن المعلومات الأولية تشير إلى أن تشاستياكوف قُتل بقنبلة يدوية. وأصيب ابنه (13 عاماً) بجروح خطيرة. وعثرت الشرطة على 5 قنابل يدوية أخرى غير منفجرة في الشقة. وتصدر زالوزني عناوين الصحف مؤخراً بتصريحات لمجلة «ذا إيكونوميست» البريطانية بأن حملة أوكرانيا الدفاعية ضد الغزو الروسي قد وصلت إلى طريق مسدودة. وانتقد مكتب الرئيس الجنرال بسبب تصريحاته التفصيلية.

عاصمة القرم سيفاستوبول (إ.ب.أ)

من جهة أخرى، أطلقت وزارة الدفاع الروسية، دفعة من الجنود الأوكرانيين السابقين الذين قرروا الانضمام إلى القوات المسلحة الروسية ضمن كتيبة «بوغدان خميلنيتسكي». وذكر مراسل وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء، أن «جنود الكتيبة أقسموا اليمين بالولاء الوطني لروسيا، والالتزام بالدستور الروسي، وكذلك بكل ما يتطلب منهم من أوامر عسكرية من القيادة العليا، بالإضافة إلى القسم العسكري الذي يتضمن الوفاء والدفاع بشجاعة عن الوطن».

ووفق المراسل أُدخلت الكتيبة الأوكرانية ضمن التشكيل التكتيكي القتالي العملياتي الروسي «كاسكيد»، في نهاية أكتوبر الماضي، حيث ضمت أفراداً من العسكريين السابقين في القوات المسلحة الأوكرانية الذين أعلنوا عن رغبتهم في القتال إلى جانب روسيا. وأكد قائد الكتيبة، أندريه تيششينكو، أن المقاتلين سيتوجهون إلى خط المواجهة بعد أداء القسم، وأنهم تدربوا على مختلف الأسلحة في ساحات التدريب.

سيارات تسير على جسر القرم السبت الماضي (أ.ب)

وقال تيششينكو: «لقد أقسمنا بالفعل للشعب الأوكراني، لكن لم تحدث خيانة للشعب الأوكراني، فالشعب الأوكراني الآن رهينة لنظام كييف الإجرامي، ونؤدي القسم للشعب الروسي، ولكن دون خيانة الشعب الأوكراني»، مضيفاً: «نحن إخوة، فالشعب الأوكراني والروسي هما واحد».

وأضاف تيششينكو، كما نقلت عنه الوكالة الألمانية، أن معايير اختيار «كاسكيد» هي الحالة المعنوية والجسدية، بالإضافة إلى ذلك، يُفحص كل مقاتل أوكراني لمعرفة ما إذا كان قد ارتكب جرائم عسكرية أو جنائية. وقال القائد إن «العقود ستُبرَم مع المتطوعين بشروط عامة».

وفي الوقت نفسه، يعتقد الجنود الأوكرانيون السابقون أنفسهم أنهم سيقاتلون من أجل تحرير بلادهم من حكم فولوديمير زيلينسكي، ويجري الاعتراف بالروس بوصفهم شعباً له حقوقه في أوكرانيا.


مقالات ذات صلة

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

أوروبا ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس في دافوس (أ.ب) play-circle

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف الخميس

الكرملين يتوقع عقد اجتماع بين بوتين وويتكوف، الخميس، وتقارير تتحدث عن عرقلة اتفاق ما بعد الحرب في أوكرانيا بسبب أزمة غرينلاند

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد محطة معالجة النفط في حقل ياراكتا النفطي التابع لشركة إيركوتسك للنفط في منطقة إيركوتسك - روسيا (رويترز)

روسيا: توقعات بعجز كبير في الميزانية العامة بفعل نقص عائدات النفط

من المرجح أن تظهر الميزانية الفيدرالية الروسية عجزاً كبيراً مع بداية هذا العام، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى نقص عائدات النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا العلم الأوكراني على قبة البرلمان في العاصمة الأوكرانية كييف (رويترز - أرشيفية)

انقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن برلمان أوكرانيا جراء ضربات روسية

تسببت ضربات شنتها روسيا بعد منتصف الليل على منشآت الطاقة الأوكرانية بانقطاع وسائل التدفئة والمياه والكهرباء عن مبنى البرلمان في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا موقع تشرنوبل (أرشيفية - صفحة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس»)

انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبل النووية في أوكرانيا

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية انقطاع الكهرباء عن محطة تشرنوبيل الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مبانٍ سكنية دون كهرباء خلال انقطاع التيار بعد استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة روسية ليلية وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز) play-circle 00:31

هجوم روسي يقطع الكهرباء والمياه والتدفئة عن آلاف المنازل في كييف

رئيس بلدية كييف يقول إن قوات روسية شنت هجوماً بطائرات مسيّرة وصواريخ ‌على ‌العاصمة ‌الأوكرانية ⁠في ​وقت ‌مبكر اليوم، مما أدى إلى انقطاع المياه والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

بداية تمايز في المواقف الأوروبية من أزمة غرينلاند

نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)
نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)
TT

بداية تمايز في المواقف الأوروبية من أزمة غرينلاند

نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)
نوك عاصمة غرينلاند كما بدت الثلاثاء تغطي الثلوج منازلها (أ.ف.ب)

سؤالان تطرحهما المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا حول عزم الرئيس دونالد ترمب الاستحواذ على جزيرة غرينلاند القطبية. الأول: هل الدول الأوروبية مستعدة للذهاب، حتى النهاية، في المواجهة مع الإدارة الأميركية رغم النتائج الكارثية، والتكلفة المرتفعة المترتبة على ذلك؟ والثاني: هل سيحافظ الاتحاد الأوروبي، المعني الأول بالأزمة، على وحدة الموقف المتشدد أم أنه مع مرور الأيام سوف تتفاوت المقاربات وفق مصلحة كل عضو من الأعضاء الـ27 الذين يشكلون الاتحاد الأوروبي؟

يعزو مصدر سياسي فرنسي صعوبة الموقف الأوروبي إلى الترابط العضوي بين الحلف الأطلسي من جهة والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية، حيث إن الأكثرية الساحقة من دول الاتحاد تنتمي أيضاً إلى الحلف (باستثناء النمسا وآيرلندا ومالطا وقبرص) الذي تعود القيادة فيه ومنذ ولادته في خمسينات القرن الماضي إلى الطرف الأميركي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً الأربعاء في جلسة المنتدى الاقتصادي الـ56 في منتجع دافوس (سويسرا) (رويترز)

ويرى المصدر أن أي شرخ تتسبب به أزمة غرينلاند في العلاقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية بسبب مطامع الأولى «سوف ينعكس حكماً على الحلف العسكري الوحيد المتبقي في العالم اليوم... الأوروبيون، رغم تعزيزهم للميزانيات الدفاعية، غالباً بضغط من ترمب، وإطلاق المشاريع المشتركة في قطاع الصناعات الدفاعية، وسعيهم لإنشاء جيش أوروبي، ما زالوا بحاجة إلى المظلة الأميركية-الأطلسية، خصوصاً النووية منها».

الأوروبيون بحاجة لـ«الأطلسي»

ويتزايد إحراج الأوروبيين مع تواتر تقارير عدد من قيادات الأركان لديهم (ومنها الألمانية، والفرنسية) ترجح تمكن روسيا من شن هجمات على الدول الأكثر هشاشة في الاتحاد الأوروبي (دول بحر البلطيق خصوصاً تلك التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي قبل تفككه في نهاية العام 1991 ومنها إستونيا، وليتوانيا، ولاتفيا)، قبل أن يتحول الاتحاد إلى قوة رادعة، عدا كونهم بحاجة اليوم إلى الدعم الأميركي في ملف الحرب الأوكرانية.

ولعل أكبر ترجمة لهذه الحاجة أن ما يسمى «تحالف الراغبين» الذي يضم 35 دولة غالبيتها الساحقة أوروبية لم ينجح في التوافق على إجراءات عملية لنشر قوة عسكرية أوروبية لطمأنة كييف بأن روسيا لن تهاجمها مجدداً بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، أو اتفاقية سلام، إلا بعد حصولها على «تطمينات» أميركية بأن واشنطن منخرطة في توفير «شبكة الأمان» للقوة الأوروبية التي يمكن نشرها على الأراضي الأوكرانية بعيداً عن خطوط القتال.

وباختصار، فإن القارة القديمة رغم أنها تتشكل من سوق تضم 450 مليون مواطن، وتتمتع بجيوش قوية، ما زالت بحاجة إلى الراعي الأميركي للسنوات القادمة. وما يفاقم حاجتها هذه أن القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد هي فرنسا التي لا تريد تقاسم القرار بشأنها مع أي جهة خارجية رغم «الانفتاح» الذي أظهره الرئيس ماكرون لجهة أخذ «المصالح الأوروبيةّ» بعين الاعتبار فيما يخص استخدام هذه القوة.

والحال أنه لا يوجد شيء ملموس قد برز حتى اليوم، بل إن النقاشات الجارية ما زالت في بداياتها. كذلك تجدر الإشارة إلى أن الرأي العام الفرنسي ليس متحمساً لتطور من هذا النوع.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشاركاً الثلاثاء في إحدى دورات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (رويترز)

وتعد فرنسا وألمانيا أقرب حليفين، وأقرب دولتين مؤثرتين داخل الاتحاد الأوروبي الذي نشأ بفضل التقارب بينهما بعد الحرب العالمية الثانية. وفيما يعد الموقف الفرنسي الأكثر تشدداً إزاء مخططات ترمب وكلمات الرئيس ماكرون تدل على ذلك، فإن المستشار الألماني فريدريتش ميرتس يلجأ إلى مقاربة أقل تشنجاً. ولم يتردد في توجيه انتقاد مبطن لماكرون كما نقلت عنه صحيفة «لو موند» بقوله: «الرئيس والحكومة الفرنسيان يفضلان أحياناً الرد بطريقة أكثر تشدداً مما نتمناه نحن».

وأضاف ميرتس الذي، بعكس ماكرون، لم يشر أبداً إلى احتمال استخدام آلية «محاربة الإكراه» التي تمكن الأوروبيين من الإضرار بالاقتصاد الأميركي، أن ما تريده ألمانيا هو «التوصل إلى حلول بالتشاور بيننا وبين الطرف الأميركي، وأن الإدارة الأميركية تعرف أننا قادرون على الرد على إجراءاتها». ويضيف: «إن أكبر مخاوفي في الوقت الراهن هو على أمن أوروبا. ليس غرينلاند، بل أوكرانيا... والتهديد لأمن أوروبا يأتي حالياً من الشرق أكثر مما يأتي من الغرب».

ينتمي ميرتس إلى حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» المعروف بمدى تمسكه بالعلاقة مع واشنطن، وبالحلف الأطلسي. وجاءت كلمات ينس شبان، رئيس كتلته في مجلس النواب الألماني بالغة التعبير، إذ قال في حديث لصحيفة «زود دويتشه زيتونغ» السبت: «يمكننا أن نضرب أقدامنا في الأرض عشر مرات... لكن في الوقت الحالي لسنا قادرين على ضمان أمننا بأنفسنا»... بل ذهب أبعد من ذلك، بالتعبير عن «تفهمه» للموقف الأميركي، ولمطالب ترمب.

واستعاد المسؤول البرلماني الألماني حجة رئيسة لترمب التي تدفعه للاستحواذ على غرينلاند بقوله: «السؤال هو ما إذا كنا، حلف شمال الأطلسي وأوروبا، نحمي هذه الجزيرة بما فيه الكفاية، وهي تكتسب أهمية استراتيجية متزايدة، من قوى أخرى مثل روسيا. دونالد ترمب محق في هذه النقطة».

دعوات للتهدئة

ليست ألمانيا وحدها التي ترفض القطيعة مع الولايات المتحدة. إذ إن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء إستونيا سابقاً، لا تتردد في الدعوة إلى التبصر في الأمور، وهي تؤكد أن الأوروبيين «لا يستطيعون التخلي عن 80 عاماً من العلاقات الأطلسية». كذلك، فإن جيورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، والمعروفة بقربها من ترمب لجأت إلى أسلوب فكاهي للتعبير عن دهشتها إزاء من لا يتردد في إطلاق التهديدات بقولها: «هل علينا الخروج من الحلف الأطلسي؟ هل سيتم إغلاق القواعد الأميركية، ووقف العلاقات التجارية مع واشنطن؟ وهل علينا أن نهاجم مطاعم ماكدونالد»؟

جنود إنقاذ تابعون للبحرية الأميركية يقفون على سطح الغواصة «USS New Hampshire» بعد أن ظهرت على سطح الجليد خلال تدريبات في المحيط المتجمد الشمالي شمال خليج برودهو ألاسكا (رويترز)

ومن جانبها، ورغم استخدامها أحياناً لهجة متشددة، لا تتردد أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، في الدعوة إلى «المحافظة على فرصة للتفاوض» مع ترمب الذي وقعت معه اتفاقية التجارة في شهر يوليو (تموز) الماضي، والذي بموجبه فرض الرئيس الأميركي رسوماً بنسبة 15 في المائة على الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة مقابل صفر رسوم على مجموعة كبيرة من الصادرات الأميركية باتجاه القارة القديمة. أما مراك روته رئيس وزراء هولندا السابق و«الابن» المدلل لترمب الذي ناداه يوماً بـ«الوالد»، فإنه يصر على أن «أفضل طريقة للتعاطي مع الأزمة هي الدبلوماسية الهادئة». وسبق له أن تواصل مع ترمب وهو يسعى للحفاظ على تجنب الاهتزازات داخل المنظمة التي يديرها.

لا شك أن ما قاله ترمب في دافوس لجهة رفضه اللجوء إلى القوة العسكرية للسيطرة على الجزيرة القطبية من شأنه «إراحة» الأوروبيين بعض الشيء. بيد أن هؤلاء مصرون، بأكثريتهم الساحقة، على عدم إتاحة الفرصة له ليضع اليد على أراضٍ تابعة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي وفي الحلف الأطلسي من جانب زعيمة هذا الحلف، والقوة الكبرى فيه.


بسبب ترمب... الدنمارك تواصل نشر قوات في غرينلاند

قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)
قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)
TT

بسبب ترمب... الدنمارك تواصل نشر قوات في غرينلاند

قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)
قوات مسلحة دنماركية وفرنسية تظهر خلال تدريب عسكري في غرينلاند (رويترز)

أعلن الجيش الدنماركي أنه يواصل نشر قوات في غرينلاند، الإقليم الدنماركي الذي يطمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في السيطرة عليه، كما وصلت طواقم ومعدات أوروبية.

وقالت القيادة الدنماركية للقطب الشمالي، الأربعاء، عبر موقع «فيسبوك»: «للمرة الأولى، انتشر متخصصون ينتمون إلى وحدة النخبة في القوات الخاصة التابعة للجيش الدنماركي في التضاريس الأكثر وعورة في غرينلاند، على ساحل بلوسفيل».

وأوضحت أن الهدف من هذا الانتشار هو «تعزيز الوجود في القطب الشمالي».

في موازاة ذلك، ذكرت قناة «دي آر» الدنماركية أن الفرقاطة الدنماركية «بيتر ويليمس» انضمت إلى تدريبات دنماركية يشارك فيها عسكريون من دول أوروبية مختلفة، بدأت الأسبوع الفائت في غرينلاند.

وذكرت قيادة القطب الشمالي أن الفرقاطة الفرنسية «لا بروتاني» تجري أيضاً مناورات مشتركة مع السفينة الدنماركية «تيتيس» في شمال المحيط الأطلسي.

وكان الجيش الفرنسي قد أعلن إرسال الفرقاطة المذكورة إلى شمال الأطلسي؛ بهدف إجراء «تقييم للوضع في منطقة استراتيجية».

ووصف هذا الانتشار بأنه «مساهمة منتظمة للبحرية الوطنية في أمن الفضاءات البحرية المشتركة، وفي المقاربات الأوروبية وفي الجبهة الشرقية لحلف شمال الأطلسي».

من جهته، أفاد الجيش الدنماركي، الثلاثاء، بأن قواته «تعزز وجودها في غرينلاند وشمال الأطلسي، وتجري تدريبات بالتعاون مع دول حليفة».

وبعد بضعة أيام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيستحوذ على غرينلاند «بطريقة أو بأخرى»، أرسلت 8 دول أوروبية بضع عشرات من العسكريين إلى الجزيرة، استعداداً للتدريبات مع الجيش الدنماركي.

وغادر قسم من هؤلاء لاحقاً، بمَن فيهم 15 جندياً ألمانياً وسويدياً، لكن آخرين يستمرون في الوصول.

وقال وزير الدفاع السلوفيني بوروت سايوفيتش، الأربعاء، إن ضابطين من بلاده سيتوجهان إلى غرينلاند نهاية الأسبوع.

وفي منتدى دافوس الأربعاء، أكد الرئيس الاميركي أنه لن يستخدم «القوة» لوضع اليد على غرينلاند، لكنه دعا إلى «مفاوضات فورية» لضم الجزيرة.

وكان قد اتهم، السبت، 8 دول أوروبية أرسلت عسكريين إلى غرينلاند، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بممارسة «لعبة بالغة الخطورة»، مهدداً بفرض مزيد من الرسوم الجمركية عليها.


غوتيريش ينتقد قادة «يزدرون القانون الدولي» تزامناً مع خطاب ترمب في «دافوس»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش ينتقد قادة «يزدرون القانون الدولي» تزامناً مع خطاب ترمب في «دافوس»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)

انتقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الأربعاء، القادة الذين «يزدرون القانون الدولي»، وذلك فيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابه في «منتدى دافوس» في سويسرا.

وقال غوتيريش عبر منصة «إكس»: «عندما يتعامل القادة بازدراء مع القانون الدولي، وينتقون القواعد التي يطبقون ويتجاهلون غيرها، فإنهم يقوّضون النظام العالمي ويؤسسون لسابقة خطيرة».

وأضاف: «وحين تتمكن قلة من الأفراد من تشويه السرديات العالمية للأحداث، والتأثير في الانتخابات، أو فرض اتجاهات النقاش العام، نكون أمام حالة من اللامساواة وفساد يطال المؤسسات وقيمنا المشتركة».

وقال الرئيس الأميركي، في خطابه أمام «منتدى دافوس»، إن الولايات المتحدة هي «محرّك» الاقتصاد العالمي، مضيفاً: «عندما تزدهر أميركا يزدهر العالم... وعندما تسوء أحوالها، تسوء أحوال الجميع»، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحاول الرئيس الأميركي التركيز على جهوده لكبح التضخم وتحفيز الاقتصاد الأميركي. لكن ظهوره في هذا التجمع الذي ضمّ نخبة العالم، ركّز أكثر على شكواه من الدول الأخرى. وكرّر مراراً أن الولايات المتحدة هي الأقدر على السيطرة على غرينلاند، وسخر من معظم دول أوروبا لمعارضتها الفكرة.

وقال ترمب: «أنا أحب أوروبا وأريد أن أراها مزدهرة، لكنها لا تسير في الاتجاه الصحيح». وأضاف: «نريد حلفاء أقوياء، لا حلفاء ضعفاء».