موسكو تتهم واشنطن ولندن بتنسيق الهجمات الأوكرانية في البحر الأسود

لائحة عقوبات روسية جديدة تضم مسؤولين عسكريين وأمنيين في بريطانيا

TT

موسكو تتهم واشنطن ولندن بتنسيق الهجمات الأوكرانية في البحر الأسود

صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لقصفٍ براجمات الصواريخ في موقع غير محدد في أوكرانيا (وزارة الدفاع الروسية - أ.ف.ب)
صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لقصفٍ براجمات الصواريخ في موقع غير محدد في أوكرانيا (وزارة الدفاع الروسية - أ.ف.ب)

صعّدت موسكو لهجة اتهاماتها ضد لندن وواشنطن بالانخراط في الحرب الأوكرانية، بعد مرور يوم واحد على إعلان مسؤولين روس أن بلادهم تقترب من «المواجهة المباشرة» مع حلف شمال الأطلسي (الناتو). وأعلنت الخارجية الروسية أن أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية نسّقت بشكل مباشر هجمات على الأسطول الروسي في شبه جزيرة القرم، في حين نشرت وسائل إعلام قريبة من الكرملين تفاصيل عن تنشيط تحركات أنظمة المراقبة والرصد الغربية في البحر الأسود.

اتهامات بتورط عسكري مباشر

وفي امتداد لحملة موسكو القوية على الغرب، بعد الإعلان أخيراً عن تزويد أوكرانيا بشحنة من دبابات أميركية من طراز «ابرامز»، وجّهت الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، اتهامات مباشرة إلى لندن وواشنطن بتنسيق الهجمات الأوكرانية التي تركزت في الأسابيع الأخيرة على شبه جزيرة القرم. وكان نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف قال الثلاثاء: إن «الخيارات تتقلص أمام موسكو، والوضع ينزلق أكثر نحو مواجهة مباشرة مع حلف الأطلسي»، متعهداً بالانتصار على التكتل الذي وصفه بأنه «مثل محور هتلر».

ماريا زاخاروفا (وزارة الخارجية الروسية - إكس)

وقالت زاخاروفا، اليوم (الأربعاء): إن تنفيذ الهجوم الأوكراني على قيادة أسطول البحر الأسود الروسي في مدينة سيفاستوبول حصل بـ«تنسيق وثيق مع خبراء أميركيين وبريطانيين». وأضافت خلال تقديمها إيجازاً صحافياً أنه «في 22 سبتمبر (أيلول) تعرّضت سيفاستوبول للهجوم مرة أخرى، وليس هناك أدنى شك في أن الهجوم تم التخطيط له مسبقاً باستخدام وسائل الاستخبارات الغربية، ومعدات الأقمار الاصطناعية وطائرات الاستطلاع التابعة لدول (الناتو)، وتم تنفيذه بتحريض وتنسيق وثيق مع أجهزة المخابرات الأميركية والبريطانية».

وكانت كييف شنّت هجوماً صاروخياً قوياً على مقر الأسطول الروسي أسفر عن تدمير أجزاء منه.

وتزامنت الاتهامات الروسية الجديدة مع نشر وسائل إعلام قريبة من الكرملين معطيات عن تنشيط تحركات وسائل الاستطلاع والتجسس الغربية في البحر الأسود. وأفادت أرقام نُسبت إلى منصة «فلايت رادار» المتخصصة، بأن الأميركيين مع حلفائهم في «الناتو» ضاعفوا عدد طلعات الاستطلاع الجوي في محيط منطقة القرم ثلاث مرات.

جنود أوكرانيون يستعدون للمشاركة في العمليات العسكرية ضد القوات الروسية في إقليم دونيتسك أمس الثلاثاء (أ.ف.ب)

تصعيد النشاط التجسسي لـ«الناتو»

ووفق المعطيات ذاتها، نفّذت طائرات الاستطلاع الأميركية والطائرات من دون طيار الاستراتيجية، بالإضافة إلى طائرات الاستطلاع التابعة لدول «الناتو»، 21 رحلة جوية في منطقة شبه جزيرة القرم خلال الأسبوع من 18 إلى 24 سبتمبر. وقد غطت تحركات طائرات التجسس البريطانية منطقة الساحل الشرقي لرومانيا، بينما حلّقت طائرات الاستطلاع الاستراتيجي الأميركية فوق الجزء الأوسط والشرقي من البحر الأسود.

وتؤكد معلومات الموقع أن معظم هذه الطلعات الجوية (16 من أصل 21) قامت بها طائرات أميركية.

وتشير المعطيات الروسية إلى أنه بالمقارنة مع الوضع في مطلع العام، فقد ارتفعت وتيرة التحركات الغربية في البحر الأسود من طلعة واحدة في المتوسط أسبوعياً إلى عشرات الطلعات شهرياً. وتزامن هذا النشاط مع تنشيط الهجمات الأوكرانية على شبه جزيرة القرم.

وأفادت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية بأنه «قبل يوم من الضربة التي استهدفت مقر أسطول البحر الأسود، والتي نفذتها القوات الأوكرانية باستخدام صواريخ كروز، ارتفع نشاط الطلعات الاستطلاعية للطائرات الأميركية وحلفائها بشكل ملحوظ».

في الوقت ذاته، نقلت الوكالة عن رئيس تحرير مجلة «الدفاع الوطني» التابعة لوزارة الدفاع إيغور كوروتشينكو، أن الأميركيين أقاموا منظومة استطلاع ضاربة في منطقة البحر الأسود تشارك مباشرة في الأعمال القتالية ضد روسيا.

وشدد كوروتشينكو على أن مسيّرات «غلوبال هوك» الجوية الأميركية التي تحلّق فوق المياه المحايدة للبحر الأسود، سوف تصبح هدفاً مشروعاً للدفاع الجوي الروسي، ورأى أن «تدمير حتى واحدة منها سيقلل من خطر الهجمات الأوكرانية على شبه جزيرة القرم».

قائد أسطول البحر الأسود الروسي الذي قالت أوكرانيا إنها قتلته بالقصف على مقر الأسطول في شبه جزيرة القرم... لكنه ظهر اليوم حياً في فيديو وزّعته الخدمة الإعلامية لأسطول البحر الأسود الروسي (رويترز)

عقوبات ضد لندن

تزامن الحديث الروسي عن تكثيف التدخل الغربي المباشر في الحرب، مع تصعيد جديد ضد لندن. وأعلنت الخارجية الروسية الأربعاء عن إدراج 23 شخصاً من بريطانيا على لائحة العقوبات الروسية بسبب انخراطهم بشكل مباشر في الحرب إلى جانب أوكرانيا.

ووفقاً للقرار الذي نُشر نصه على المنصة الإلكترونية للوزارة، فقد حظرت موسكو دخول 23 بريطانياً إلى روسيا واتخذت ضدهم إجراءات.

وأشار القرار الروسي إلى أنه «مع تزايد انخراط لندن في الدورة المناهضة لروسيا (...) تم اتخاذ قرار بتوسيع قائمة العقوبات الروسية لتشمل ممثلين عن المؤسسة العسكرية السياسية والهيئة الصحافية والمجتمع العلمي في بريطانيا».

وضمت القائمة المحدثة رئيس أركان الدفاع في القوات المسلحة أنتوني راداكين الذي تقول موسكو: إنه يُشرف على تدريب مقاتلي القوات المسلحة الأوكرانية على الأراضي البريطانية، ورئيسة لجنة الاستخبارات المشتركة الحكومية، مادلين أليساندري، التي تشارك في صياغة استراتيجية لندن في الاتجاه الأوكراني، وكذلك رئيسة مجلس إدارة شركة «بي إيه إي سيستمز» الدفاعية كريسيدا هوغ.

كما تنطبق القيود الجديدة على موظفي المراكز النفسية البريطانية «المشاركين في جمع وتحليل المعلومات لمكافحة روسيا». وتشمل هذه المؤسسات المعهد الملكي للدراسات الدفاعية، ومؤسسة هنري جاكسون، ومعهد سيفيتاس للأبحاث.

وأشارت وزارة الخارجية الروسية، في قرارها، إلى أن «العمل على توسيع قائمة العقوبات رداً على تصرفات لندن العدائية سوف يستمر».

تحمل كلبها معها أمام منزل متضرر بفعل القتال في إقليم دونيتسك اليوم الأربعاء (رويترز)

وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا فرضتا أوائل الشهر الحالي عقوبات على 11 روسياً متهمين بشن هجمات إلكترونية على البنية التحتية الحيوية خلال جائحة «كوفيد - 19». شملت اللائحة أشخاصاً متهمين بالمسؤولية عن ابتزاز ما لا يقل عن 180 مليون دولار في جميع أنحاء العالم وما لا يقل عن 27 مليون جنيه إسترليني من 149 ضحية في المملكة المتحدة، وفقاً للوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة. ونص قرار العقوبات ضدهم على منعهم من دخول البلاد وتجميد أصولهم.

هجوم على خيرسون وتقدم في خاركيف

ميدانياً، كشفت وزارة الدفاع الروسية عن أن وحداتها الصاروخية نفذت هجوماً قوياً قبل يومين.

وقالت الوزارة في بيان: إن الجيش «وجّه في 25 سبتمبر ضربة بصواريخ عالية الدقة ضد مستودعات للأسلحة والذخيرة تابع للقوات الأوكرانية في منطقة كيسيليوفكا بمقاطعة خيرسون». وأسفرت الضربة الصاروخية، وفقاً لمعطيات الوزارة، عن انفجارات واندلاع النيران في 12 مستودع ذخيرة وتدميرها.

مسعفون في منزل أُصيب بالقصف في منطقة تسيطر عليها روسيا بإقليم دونيتسك اليوم الأربعاء (رويترز)

وأشارت الوزارة في بيانها إلى أن هذه المستودعات كانت تحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف طن من الذخيرة والقذائف من مختلف العيارات.

وتقع قرية كيسيليوفكا، على الضفة اليمنى لنهر الدنيبر، شمال غرب مدينة خيرسون، بالقرب من الطريق السريعة المؤدية إلى نيكولاييف.

في غضون ذلك، تحدث مسؤولون عسكريون روس عن إحراز تقدم ميداني مباشر على عدد من المحاور. خصوصاً في إقليم خاركيف (شرق). وقال رئيس الإدارة العسكرية المدنية الذي عيّنته موسكو في المنطقة فيتالي غانشيف: إن القوات الروسية «تقدمت بشكل جيد» في الآونة الأخيرة وحصلت على موطئ قدم في معاقل كانت تابعة للقوات الأوكرانية في السابق في منطقة خاركيف.

وزاد: «لقد تقدم مقاتلونا بشكل جيد للغاية (...) العدو يجلب المزيد والمزيد من الاحتياطيات الجديدة ويبدي مقاومة شرسة. إنهم يعانون بالفعل من خسائر فادحة للغاية».

ووفقاً لغانشيف، اتخذ الجيش الروسي مواقع «ملائمة استراتيجياً لمزيد من التقدم».

وكان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قد أعلن في اجتماع عسكري الثلاثاء، أن القوات المسلحة الروسية نجحت في توسيع منطقة السيطرة بالقرب من سينكوفكا وبتروبافلوفكا في منطقة كوبيانسك في محيط خاركيف.


مقالات ذات صلة

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

قال مصدر أوكراني لـ«رويترز»، الاثنين، إن إسرائيل تخاطر برد ​كييف دبلوماسياً وقضائياً إذا سمحت برسوّ سفينة تحمل حبوباً من الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا...

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.