تقارير: تطورات كاراباخ تُظهر أن روسيا المنغمسة بالحرب في أوكرانيا لم تعد شرطي القوقاز

روسيا المنغمسة بالحرب في أوكرانيا لم تعد شرطي القوقاز

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط) ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين الصورة) والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يحضرون مؤتمراً صحافياً عقب اجتماعهم الثلاثي في سوتشي بروسيا في 26 نوفمبر 2021 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط) ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين الصورة) والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يحضرون مؤتمراً صحافياً عقب اجتماعهم الثلاثي في سوتشي بروسيا في 26 نوفمبر 2021 (رويترز)
TT

تقارير: تطورات كاراباخ تُظهر أن روسيا المنغمسة بالحرب في أوكرانيا لم تعد شرطي القوقاز

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط) ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين الصورة) والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يحضرون مؤتمراً صحافياً عقب اجتماعهم الثلاثي في سوتشي بروسيا في 26 نوفمبر 2021 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (وسط) ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين الصورة) والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يحضرون مؤتمراً صحافياً عقب اجتماعهم الثلاثي في سوتشي بروسيا في 26 نوفمبر 2021 (رويترز)

في حين أنّ مباحثات السلام بين أذربيجان وانفصاليّي إقليم ناغورنو كاراباخ الأرمن، انطلقت الخميس، غداة انتصار باكو في عملية عسكرية خاطفة، تطرح تطورات كاراباخ الأخيرة تساؤلات حول مدى احتفاظ روسيا المنشغلة بالحرب في أوكرانيا، بنفوذها في خاصرتها الجنوبية بالقوقاز، حيث اعتبرت تقارير صحافية كثيرة أن موسكو تخسر نفوذها في هذه المنطقة ولم تعد شرطي حدود هناك.

 

أذربيجان تشن هجوماً خاطفاً

شنت أذربيجان، الثلاثاء 19 سبتمبر (أيلول)، هجوماً خاطفاً على انفصاليّي ناغورنو كاراباخ (الأرمن المدعومين من أرمينيا). بعد مرور أقل من 24 ساعة على اندلاع الأعمال القتالية، توصّل طرفا النزاع في الإقليم إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، عكس ملامحه الأولى فرض أذربيجان سيطرتها على الإقليم وإذعان السلطات الانفصالية لشروط باكو، خصوصاً لجهة الاستعداد لتسليم السلاح وإفساح المجال لتعزيز السيطرة العسكرية المباشرة للقوات الأذرية على المؤسسات الحيوية في الإقليم. وقد انطلقت مباحثات السلام بين أذربيجان وانفصاليي الإقليم الأرمينيين الخميس.

صورة ملتقطة في 19 سبتمبر 2023 تظهر دخاناً يتصاعد من ضربات المدفعية على قمة تل خارج ستيباناكيرت عاصمة المنطقة الانفصالية (ناغورنو كاراباخ) التي يسكنها الأرمن داخل الحدود الأذربيجانية (أ.ف.ب)

أعاد تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، صدر الأربعاء، انتصار أذربيجان الأخير إلى نتاج تغييرات في ميزان القوى، حيث أطلقت حرب روسيا في أوكرانيا قوى جديدة في مناطق الصراعات المجمدة في الفضاء السوفياتي السابق. وقد استفادت باكو من دعم تركيا وعائداتها النفطية، و«انشغال موسكو، شرطي المنطقة السابق، في الصراع ضد جارتها الكبيرة في الجنوب (أوكرانيا)».

وفق التقرير، أدى غزو روسيا لأوكرانيا إلى تجديد إمكانية استخدام القوة لتغيير الحدود، ما زاد الحيز المتاح لأذربيجان للمناورة. وقد ترك شلل النظام الدولي منذ الحرب في أوكرانيا مجالاً واسعاً للتدخل العسكري الأذربيجاني، في حين لم تعد روسيا شرطي القوقاز.

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف يلقي خطابه للشعب الأذربيجاني بعد العملية العسكرية الأذربيجانية في ناغورنو كاراباخ في باكو بأذربيجان، 20 سبتمبر 2023 (إ.ب.أ)

حرب ناغورنو كاراباخ الأولى

تعود جذور الصراع بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ إلى أواخر الحقبة السوفياتية حيث كانت الدولتان جزءاً من الاتحاد السوفياتي.

وناغورنو كاراباخ، المعروف باسم آرتساخ لدى الأرمن، هو منطقة جبلية تقع في الطرف الجنوبي من سلسلة جبال كاراباخ، داخل أذربيجان. وهو إقليم معترف به دولياً كجزء من أذربيجان، لكن سكانه البالغ عددهم 120 ألف نسمة هم في الغالب من العرق الأرمني. لديهم حكومتهم الخاصة القريبة من أرمينيا، ولكن غير معترف بها رسمياً من قبل أرمينيا أو أي دولة أخرى، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وبحسب «رويترز»، مع بدء انهيار الاتحاد السوفياتي، اندلعت حرب كاراباخ الأولى (1988 - 1994) بين الأرمن وجيرانهم الأذريين. وقُتل حوالي 30 ألف شخص، وانتهى الأمر بالجانب الأرميني بالسيطرة على ناغورنو كاراباخ نفسها ومساحات من 7 مناطق أذرية محيطة.

جندي من أصل أرميني يقصف بالمدفعية أثناء قتال مع القوات الأذربيجانية في منطقة ناغورنو كاراباخ الانفصالية، في هذه الصورة المنشورة في 29 سبتمبر 2020 (رويترز)

حرب 2020

تمكنت أذربيجان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، من خلال صراع قصير، من استعادة بعض الأراضي التي خسرتها سابقاً في ناغورنو كاراباخ وما حولها. ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن البلدان من التوصل إلى اتفاق بشأن تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة روسية، والذي أعقب النزاع.

وكان الهدف الأساسي لأذربيجان، بحسب تقرير صدر الثلاثاء عن مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، هو استخدام انتصارها العسكري في عام 2020 لتسهيل التنمية الاقتصادية الإقليمية والتواصل، وتحديداً من خلال تأمين الوصول إلى الطرق والسكك الحديدية إلى منطقة ناختشيفان (غرب كاراباخ) وما وراءها إلى تركيا. وهذا يتطلب عبور الأراضي الأرمينية، ولم تسفر المفاوضات بين الجانبين الأرميني والأذري عن نتائج ملموسة.

لكن رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، اعترف في مايو (أيار) 2023 بسيادة أذربيجان على ناغورنو كاراباخ، بحسب «لوفيغارو».

جنود أذربيجانيون في مركز تدريب وتجنيد عسكري وسط صراع ناغورنو كاراباخ، بالقرب من مدينة غانجا بأذربيجان، 23 أكتوبر 2020 (رويترز)

تراجع النفوذ الروسي بأرمينيا

منذ تفكك الاتحاد السوفياتي، كانت أرمينيا شريكاً أمنياً مهماً لروسيا، وتستضيف واحدة من القواعد العسكرية الروسية القليلة على أراضٍ أجنبية، علماً أن أرمينيا ظلت أيضاً عضواً في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي تحالف أمني لدول الاتحاد السوفياتي السابق، طورته موسكو كردّ على منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو».

ولكن أرمينيا عملت على نحو كبير على التخلص من نفوذ موسكو، وخصوصاً عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وعدم تدخل روسيا عسكرياً لحماية أرمينيا بعد هجوم أذربيجان على إقليم ناغورنو كاراباخ الانفصالي الأرميني في عام 2020.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يمين) يلتقي رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في سوتشي بروسيا، 9 يونيو 2023 (رويترز)

ففي وقت سابق من هذا العام، نفى رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بشكل مباشر إعلان الكرملين أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي ستستضيف تدريبات هذا العام في أرمينيا. كما رفض إرسال قوات للمشاركة في تلك التدريبات التي أجريت في نهاية المطاف في بيلاروسيا في وقت سابق هذا الشهر. حتى إن رئيس الوزراء الأرميني قال مؤخراً إن أرمينيا ارتكبت «خطأ استراتيجياً» باختيارها الاعتماد على روسيا وحدها لضمان أمنها.

وسبق لباشينيان أن قال في يناير (كانون الثاني)، مع تزايد التوترات بين يريفان وموسكو: «نحن لا ننتقد قوات حفظ السلام الروسية (في كاراباخ)، لكننا نعرب عن قلقنا بشأن أنشطتها، وهذا القلق له جذور طويلة الأمد».

ومنذ ذلك الحين، وصلت العلاقة بين الحليفين التقليديين إلى أدنى مستوى تاريخي، حيث قام باشينيان بعدة تحركات توضيحية، منتقداً ومبعداً بلاده عن روسيا أثناء محاولته مغازلة النفوذ في الغرب، وفق تقرير أصدرته الأربعاء صحيفة «غارديان» البريطانية.

رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي تتلقى زهوراً من رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خلال اجتماع في يريفان بأرمينيا في 18 سبتمبر 2022 (رويترز)

موسكو تتراجع عن دعم يريفان

عندما شنّت أذربيجان هجومها الثلاثاء على المنطقة الانفصالية الجبلية، أوضحت موسكو أن قواتها ليس لديها أي نية لمنع باكو من قصفها، بحسب تقرير صحيفة «غارديان».

ووفق صحيفة «غارديان»، فإن تقاعس روسيا في ناغورنو كاراباخ ليس جديداً. وبسبب انشغالها بحربها في أوكرانيا، لم تتحرك موسكو في الغالب عندما أنشأت أذربيجان نقطة تفتيش أمنية جديدة على طول ممر لاتشين في الربيع الماضي (الذي يصل إقليم ناغورني كاراباخ بأرمينيا)، ما أدى إلى قطع تدفق الأشخاص والبضائع بين أرمينيا والإقليم الانفصالي.

ولم تتمكن الوحدة الروسية المنتشرة في ناغورنو كاراباخ بعد وقف إطلاق النار عام 2020 من منع الأعمال العسكرية الأذربيجانية، بحسب تقرير «لوفيغارو»، ولا منع باكو من فرض حصارها على ممر لاتشين.

منظر يظهر نقطة تفتيش أذربيجانية عند مدخل ممر لاتشين، وهو الرابط البري الوحيد لمنطقة ناغورنو كاراباخ الانفصالية التي يسكنها الأرمن مع أرمينيا، 30 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

«بالنسبة للأرمن، تظل روسيا حليفاً فشل مرتين على التوالي (في حماية أرمينيا)»، يقول ثورنيك غوردادزي، الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس والمتخصص في شؤون القوقاز.

هذه هي المرة الثانية خلال 3 سنوات، التي تتخلى فيها روسيا عن أرمينيا الضعيفة، التي اعتمدت على دعمها العسكري. منذ فبراير (شباط) 2022، لم تعد موسكو تبدو قادرة على حماية أحد في المنطقة، حتى فرض نفسها كصانعة للسلام، وفق «لوفيغارو».

ومن خلال التخلي عن أرمينيا للمرة الثانية، تريد موسكو أيضاً «منع أذربيجان من الاقتراب أكثر من اللازم من تركيا»، توضح ماري دومولين، مديرة برنامج أوروبا، التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

متظاهرون يتجمعون لدعم كاراباخ للمطالبة بإعادة فتح ممر لاتشين الذي يربط منطقة ناغورنو كاراباخ بأرمينيا والتنديد بأوضاع الأزمة في المنطقة، في يريفان، في 2 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

أرمينيا تتجه نحو الغرب

في هذا الإطار، اعتبر تقرير لمجلة «فورين بوليسي» الأميركية، صدر الثلاثاء، أن اهتمام روسيا في صراع ناغورنو كاراباخ هو للحفاظ على دور موسكو كقوة إقليمية مهيمنة، وليس بالضرورة لضمان السلام. وهذا ما يفسر استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان، على الرغم من نشر 2000 جندي حفظ سلام روسي في ناغورنو كاراباخ في أعقاب حرب 2020. وتشعر أرمينيا، الحليف القديم والعضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، بالإحباط بشكل متزايد من موقف موسكو، حيث تراجعت يريفان مؤخراً عن استضافة تدريبات منظمة معاهدة الأمن الجماعي، واختارت بدلاً من ذلك إجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة من 11 إلى 20 سبتمبر 2023.

في هذه الصورة المنشورة التي التقطتها وزارة الدفاع الأرمينية، ونشرتها في 11 سبتمبر 2023، يحضر جنود أميركيون حفل افتتاح التدريبات المشتركة بين أرمينيا والولايات المتحدة «إيغل بارتنر 2023» (شريك النسر 2023) في مركز «زار» للتدريب خارج أشتاراك بأرمينيا (أ.ف.ب)

وعلّق نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، على وقت التدريبات المشتركة بين أرمينيا والولايات المتحدة، قائلاً إن التدريبات، التي تشارك فيها أرمينيا، وهي عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (العسكري الموالي لموسكو)، تتعارض مع «روح» الشراكة العسكرية للحلف، بحسب تقرير صدر الأربعاء عن صحيفة «بوليتيكو» الأميركية.

ولا تشير تحركات أرمينيا بالضرورة إلى تحول أوسع نطاقاً بعيداً عن روسيا، لأن الروابط الاقتصادية والأمنية والسياسية بين البلدين متأصلة للغاية. ومع ذلك، فإن هذه التحركات تُظهر أن موقف موسكو في المنطقة أصبح أكثر هشاشة. ولم تؤدِ حرب روسيا في أوكرانيا إلى تركيز الغالبية العظمى من القوات العسكرية الروسية في أوكرانيا فحسب، بل شكلت أيضاً تحدياً للموقف الدبلوماسي لموسكو، الذي يتطلع إلى الحفاظ على الوضع الراهن في كاراباخ بشروطه الخاصة، وفق تقرير «فورين بوليسي».

ممثلون للمجتمع الأرميني في ناغورنو كاراباخ ولحكومة أذربيجان وممثل عن فرقة حفظ السلام الروسية يحضرون محادثات السلام في مدينة يفلاخ الأذربيجانية، الخميس 21 سبتمبر 2023 (أ.ب)

توتر العلاقات الروسية الأرمينية

أدى الابتعاد عن موسكو من جانب رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، الذي حاول منذ تخلي روسيا عن أرمينيا عام 2020، أن ينوع تحالفاته من خلال الاقتراب من الغرب، إلى إثارة سخط الكرملين. فإضافة إلى مشاركة أرمينيا في مناورات عسكرية مع الولايات المتحدة، قدمت أيضاً مساعدات إنسانية إلى كييف، حيث زارتها السيدة الأرمينية الأولى، ما زاد من إرسال الإشارات المزعجة تجاه موسكو، وفق «لوفيغارو».

يقول تيغران غريغوريان، الخبير السياسي المقيم في يريفان، لصحيفة «موسكو تايمز» (صحيفة روسية تصدر من أمستردام)، في تقرير نُشر الثلاثاء، إن اندلاع القتال بين أذربيجان وإقليم ناغورني كاراباخ (المدعوم من أرمينيا) جاء في الوقت الذي أصبحت فيه العلاقات بين أرمينيا وروسيا، التي من المفترض أن تعمل كضامن أمني، أكثر توتراً في الأسابيع الأخيرة.

أحد أفراد قوات حفظ السلام الروسية يقف بجوار دبابة بالقرب من الحدود مع أرمينيا، بعد توقيع اتفاق لإنهاء الصراع العسكري بين أذربيجان والقوات المنتمية للعرقية الأرمينية، في منطقة ناغورنو كاراباخ، 10 نوفمبر 2020 (رويترز)

واعتبر غريغوريان أنه «بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، لم تتمكن موسكو من الوفاء بالتزاماتها، والآن تبنت بعض مواقف الجانب الأذربيجاني من الصراع».

وأضاف: «يبدو أن روسيا وأذربيجان لديهما علاقات أوثق الآن من أرمينيا وروسيا... العلاقات بين يريفان وموسكو تتدهور منذ فترة».

وسبق لرئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، أن قال في يناير، مع تزايد التوترات بين يريفان وموسكو: «نحن لا ننتقد قوات حفظ السلام الروسية (في كاراباخ)، لكننا نعرب عن قلقنا بشأن أنشطتها، وهذا القلق له جذور طويلة الأمد».

ومنذ ذلك الحين، وصلت العلاقة بين الحليفين التقليديين الروسي والأرميني إلى أدنى مستوى تاريخي، حيث قام باشينيان بعدة تحركات توضيحية منتقداً ومبعداً بلاده عن روسيا أثناء محاولته مغازلة النفوذ في الغرب.

صورة مأخوذة من مقطع فيديو مقدم من الخدمة الصحافية لوزارة الدفاع الروسية تظهر مدنيين يصلون إلى معسكر قوات حفظ السلام الروسية بالقرب من ستيباناكيرت في ناغورنو كاراباخ، 21 سبتمبر 2023 (إ.ب.أ)

مواقف الكرملين من أحداث كاراباخ

نقلت صحيفة «غارديان» عن رئيس لجنة الدفاع بالبرلمان الروسي، أندريه كارتابولوف، قوله يوم الثلاثاء، بعد بدء هجوم أذربيجان على ناغورنو كاراباخ، في بيان ردده مسؤولون روس آخرون خلال النهار: «طالما أن قوات حفظ السلام (الروسية في ناغورنو كاراباخ) نفسها ليست مهددة بأي شيء، فليس لها الحق في استخدام الأسلحة (لصد قوات أذربيجان)».

حتى إن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، بدا وكأنه يوافق ضمنياً على تصرفات باكو، قائلاً إن أذربيجان تتصرف «على أراضيها».

متظاهرون أرمن يتجمعون خلال احتجاج على تعامل حكومة بلادهم مع الوضع في منطقة ناغورنو كاراباخ... خارج المبنى الحكومي في وسط يريفان بأرمينيا، 20 سبتمبر 2023 (إ.ب.أ)

وعزا خبراء سلبية موسكو تجاه أرمينيا إلى الكراهية الشخصية التي يكنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لرئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان كزعيم وصل إلى السلطة في أرمينيا على موجة الثورة. وقال فلاديمير باستوخوف من جامعة كوليدج لندن: «تأمل موسكو في حدوث ثورة مضادة سريعة في يريفان، وتفترض أن الهزيمة (للانفصاليين الأرمن) في كاراباخ ستعجّل بها»، حسبما أفادت صحيفة «بوليتيكو».

وتقول ماري دومولين، المتخصصة في المجلس الأوروبي لصحيفة «لوفيغارو» في هذا السياق: «لم يشعر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالودّ تجاه رئيس الوزراء الأرميني باشينيان، الذي وصل إلى السلطة بعد ثورة. بعد حرب 2020 (بين أذربيجان وأرمينيا) كان بوتين بحاجة إلى باشينيان لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار (الموقّع بين باكو ويريفان وموسكو). اليوم يفضل بوتين حكومة جديدة أكثر تأييداً لروسيا في يريفان».

وتفضل موسكو، بحسب تقرير «لوفيغارو»، حلاً لأرمينيا على النمط الجورجي، من خلال اكتساب الكرملين سلطة في يريفان موالية لروسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشارك في مؤتمر عبر الفيديو مع مجموعة من المعلمين الحائزين على جوائز في مقر ولاية نوفو - أوغاريوفو خارج موسكو بروسيا، في 5 أكتوبر 2022 (رويترز)

الإعلام الروسي وتطورات الثلاثاء

سارع النقاد والشخصيات الإعلامية الموالية للكرملين إلى تضخيم أحداث يوم الثلاثاء في كاراباخ لصالح موسكو، وألقوا اللوم على رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بسبب «تملقه للغرب». ووصفت مارغريتا سيمونيان، رئيسة تحرير محطة «آر تي» الروسية الحكومية، التصعيد بأنه «مأساوي ويائس ومتوقع»، وقارنت باشينيان بيهوذا.

وكتبت سيمونيان على «تلغرام»: «باشينيان يطالب قوات حفظ السلام الروسية بالدفاع عن كاراباخ. ماذا عن الناتو؟».

وكتب المحلل السياسي الموالي للكرملين سيرغي ماركوف على «تلغرام»: «لقد خانت القيادة الأرمينية روسيا منذ فترة طويلة. أصدقاء أرمينيا الرئيسيون الآن هم أعداء روسيا؛ فرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة».

امرأة تحمل علم كاراباخ بينما يشارك جمع في مسيرة في يريفان بأرمينيا في 21 سبتمبر 2023 في أعقاب العمليات العسكرية الأذربيجانية ضد القوات الانفصالية الأرمينية في ناغورنو كاراباخ (أ.ف.ب)

تهديد لروسيا ومخاطر تطهير عرقي

اعتبر ثورنيك غوردادزي، أستاذ العلوم السياسية بباريس والمتخصص في القوقاز، أن الأذربيجانيين، الذين هم في موقع قوة الآن، قد يحاولون «طرد الروس من كاراباخ» (كقوة حفظ سلام). وإذا نجحوا في هذا الأمر، سيكون ذلك بمثابة نموذج للمناطق الانفصالية الأخرى في المنطقة حيث توجد قوات روسية، مثل أوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا، حتى ترانسنيستريا، وذلك من خلال إعطاء الأولوية للسيادة الكاملة على الأراضي، لدولة تضم أقلية انفصالية، وهذا إذا حصل فلن يكون في صالح موسكو.

ويخلق هجوم باكو الخاطف معادلة جيوسياسية معقدة، على الأقل كما كانت من قبل. كما أن خطر التطهير العرقي للأرمن في ناغورنو كاراباخ لم يختفِ مع استسلام الانفصاليين. وإذا قررت باكو مواصلة هجومها، فقد تتواجه أذربيجان وأرمينيا وجهاً لوجه. ومن خلال تحدي الحدود المعترف بها دولياً في أوكرانيا، فتح النظام الروسي الباب أمام كل أنواع الخلافات. منذ فبراير 2022، اهتزت جميع جدران البيت الروسي (السوفياتي) القديم، وفق تقرير صحيفة «لوفيغارو».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

طالب الرئيس الأوكراني بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة، وأشاد الرئيس الأميركي بنظيره الروسي، ويعتقد أن «أوكرانيا قد هُزمت عسكرياً».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)

زيلينسكي: حرب إيران تركت أوكرانيا معلّقة في انتظار مفاوضات السلام

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن بلاده تعيش حالة من الجمود في انتظار استئناف محادثات السلام بين واشنطن وطهران

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)

أوكرانيا تطلب توضيحاً من أميركا بشأن مقترح روسيا لوقف إطلاق النار

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن كييف ستطلب توضيحات من فريق الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب بشأن تفاصيل مقترح روسيا لوقف إطلاق نار قصير الأمد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا اشتعال النيران في سيارة بمنطقة بيلغورود الروسية بعد غارة أوكرانية (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

بروكسل تدرس تشديد شروط قرض 100 مليار دولار لكييف وسفيرة أميركا لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

فون دير لاين تتهم روسيا بإقامة «ستار حديدي رقمي»

اتهمت رئيسة المفوضية الأوروبية، روسيا، الأربعاء، بإقامة «ستار حديدي رقمي» عبر تقييد اتصال مواطنيها بالإنترنت للتستر على تدهور الأوضاع الاقتصادية نتيجة العقوبات.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))

فرنسا تستضيف اجتماعاً مخصصاً لحل الدولتين في يونيو

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
TT

فرنسا تستضيف اجتماعاً مخصصاً لحل الدولتين في يونيو

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الخميس، أن باريس ستستضيف اجتماعاً دولياً في 12 يونيو (حزيران) مخصصاً لحل الدولتين للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال بارو، في رسالة مصورة بُثت خلال تجمع من أجل السلام في تل أبيب، إن باريس ستستضيف «مؤتمراً دولياً حتى تتمكن منظمات المجتمع المدني الإسرائيلية والفلسطينية من إيصال أصواتها»، عقب قرار فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر (أيلول).

والاجتماع من تنظيم ائتلاف «حان الوقت» الذي يقدّم نفسه على أنه تحالف يضم 80 منظمة تعمل معاً لإنهاء النزاع من خلال اتفاق سياسي يضمن لكلا الشعبين الحق في تقرير المصير والحياة الآمنة.

وشارك مئات الأشخاص في المسيرة التي نُظمت، بعد ظهر الخميس، في تل أبيب، بحسب صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتعارض حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إحدى أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل، قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة تماماً في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتعمل هذه الحكومة على أرض الواقع على جعل حل الدولتين مستحيلاً، مع توسيعها نطاق الأنشطة الاستيطانية.


الادعاء العام الفرنسي يشتبه في ضلوع مراهق بهجوم سيبراني ضخم

خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)
خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)
TT

الادعاء العام الفرنسي يشتبه في ضلوع مراهق بهجوم سيبراني ضخم

خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)
خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)

أعلن مكتب المدعي العام في باريس، الخميس، عن اشتباه السلطات الفرنسية في وقوف مراهق (15 عاماً) وراء هجوم سيبراني واسع النطاق استهدف المنصة الوطنية للوثائق وأوراق الهوية وتسجيل المركبات، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

ويعتقد المحققون أن الفتى هو «المخترق» الذي قام بعرض ما بين 12 إلى 18 مليون سجل بيانات مسروق من موقع الوكالة الوطنية للوثائق المؤمنة للبيع.

وذكرت وزارة الداخلية الفرنسية أن الهجوم طال نحو 11.7 مليون حساب، مؤكدة في الوقت ذاته أن البيانات الحيوية (البيومترية) والمستندات المرفقة لم يتم الوصول إليها.

وقد تم احتجاز المراهق على ذمة التحقيقات.

ويتيح موقع الوكالة الوطنية للوثائق المؤمنة للمستخدمين تقديم الطلبات وحجز المواعيد، من بين خدمات أخرى.

وخلال الهجوم الذي وقع منتصف الشهر الجاري، تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية، والأسماء الكاملة، وعناوين البريد الإلكتروني، وتواريخ الميلاد، وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف.


تشارلز الثالث يعلن «تضامنه الدائم» مع الأميركيين في «نصب 11 سبتمبر»

ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)
ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

تشارلز الثالث يعلن «تضامنه الدائم» مع الأميركيين في «نصب 11 سبتمبر»

ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)
ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)

يختتم العاهل البريطاني الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا، الخميس، زيارة دولة إلى الولايات المتحدة استمرت أربعة أيام، بمراسم وداع رسمية في واشنطن يحضرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب، في ختام زيارة طغت عليها أبعاد رمزية ودبلوماسية في ظل توترات سياسية بين البلدين.

ومن المقرر أن يضع الملك إكليلاً من الزهور في «مقبرة أرلينغتون الوطنية» في ولاية فرجينيا، حيث يرقد عشرات الآلاف من قتلى الحروب الأميركية، إضافة إلى عدد من الرؤساء وقضاة المحكمة العليا السابقين، قبل أن يتوجه مع الملكة إلى برمودا.

تخفيف التوتر

وجاءت الزيارة التي تزامنت مع الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، في وقت تشهد فيه العلاقات بين لندن وواشنطن توتراً على خلفية حرب إيران، وانتقادات الرئيس الأميركي لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بسبب عدم انضمام بلاده إلى العمليات العسكرية.

وشكّل خطاب الملك أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي أبرز محطات الزيارة، أعقبه عشاء رسمي في البيت الأبيض، حيث شدد تشارلز على عمق الروابط العسكرية والثقافية بين البلدين، وعلى أهمية «حلف شمال الأطلسي»، في وقت يواصل فيه ترمب انتقاد أداء الحلف.

وفي نيويورك، أكد الملك «تضامنه الدائم مع الشعب الأميركي»، خلال زيارته النصب التذكاري لضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، حيث وضع برفقة الملكة باقة من الورود البيضاء ورسالة بخط اليد عند موقع برجَي مركز التجارة العالمي. وجاء في الرسالة: «نكرم ذكرى الأشخاص الذين فقدوا حياتهم بشكل مأساوي... ونقف متضامنين بشكل دائم مع الشعب الأميركي في مواجهة خسارتهم الفادحة»، وذلك بمناسبة مرور 25 عاماً على الهجمات التي أودت بحياة نحو 3 آلاف شخص.

والتقى تشارلز وكاميلا خلال الزيارة عائلات الضحايا والمسعفين الأوائل ومسؤولين محليين، كما رافقهما رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبرغ، الذي يرأس مؤسسة النصب التذكاري والمتحف.

علاقات متجذّرة

كما شارك الملك في فعالية أقيمت في دار «كريستيز» للمزادات، ركزت على الروابط الثقافية بين ضفتَي الأطلسي ودعم مؤسسة «كينغز تراست» للشباب، بحضور شخصيات بارزة، من بينها آنا وينتور وليونيل ريتشي ودوناتيلا فيرساتشي وستيلا مكارتني.

وأكّد تشارلز خلال المناسبة أن العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة «متجذرة في الإبداع المشترك والقيم»، مضيفاً: «معاً نكون أقوى». كما ناقش فرص الاستثمار في المملكة المتحدة مع قادة أعمال، بينهم مسؤولو شركات كبرى مثل «ألفابت» و«بلاكستون».

وفي إطار برنامج الزيارة، قام الملك أيضاً بزيارة مشروع للزراعة المستدامة في حي هارلم، في حين شاركت الملكة كاميلا في فعالية ثقافية في مكتبة نيويورك العامة احتفاءً بمرور مائة عام على شخصية «ويني ذي بوه»، بحضور الممثلة سارة جيسيكا باركر والكاتب هارلان كوبن.

وشهدت الزيارة إجراءات أمنية مشددة، جاءت بعد أيام من محاولة اغتيال استهدفت ترمب في واشنطن، في حين وصف مسؤولون بريطانيون الاستقبال الأميركي بأنه «حافل»، تضمن مراسم رسمية، وإطلاق 21 طلقة تحية، وعشاء دولة.

ورغم الأجواء الاحتفالية، ألقت الخلافات السياسية بظلالها على الزيارة، إلا أن تشارلز سعى في خطابه أمام الكونغرس إلى تهدئة التوتر، قائلاً: «مهما كانت خلافاتنا... فإننا نقف صفاً واحداً في تصميمنا على دعم الديمقراطية»، مؤكداً أن شراكة البلدين «وُلدت من رحم الخلاف، لكنها لم تكن أقل قوة بسببه».