ملك بريطانيا يدعو لـ«تفاهم جديد» مع فرنسا لمواجهة تحديات البيئة والعدوان على أوكرانيا

تكريم استثنائي لتشارلز الثالث بتمكينه من إلقاء خطاب أمام مجلس الشيوخ الفرنسي

الملك تشارلز الثالث يلقي خطابه في مجلس الشيوخ الفرنسي قبيل ظهر الخميس (أ.ف.ب)
الملك تشارلز الثالث يلقي خطابه في مجلس الشيوخ الفرنسي قبيل ظهر الخميس (أ.ف.ب)
TT

ملك بريطانيا يدعو لـ«تفاهم جديد» مع فرنسا لمواجهة تحديات البيئة والعدوان على أوكرانيا

الملك تشارلز الثالث يلقي خطابه في مجلس الشيوخ الفرنسي قبيل ظهر الخميس (أ.ف.ب)
الملك تشارلز الثالث يلقي خطابه في مجلس الشيوخ الفرنسي قبيل ظهر الخميس (أ.ف.ب)

المحطة البارزة في اليوم الثاني لزيارة الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى فرنسا كانت في «قصر اللوكسمبورغ» مقر مجلس الشيوخ الفرنسي. وأفادت المصادر الفرنسية، بأن ملك بريطانيا هو من طلب أن تتاح له الفرصة لإلقاء كلمة في القصر المذكور، مفضلاً إياه على مقرّ مجلس النواب المطل على نهر السين؛ نظراً إلى أن تاريخه ملكي بامتياز.

ولأن باريس التي فرشت السجاد الأحمر تحت أقدام الثنائي الملكي، وأرادت إبراز رغبتها في تكريمه إلى أقصى الحدود التي يتيحها البروتوكول؛ فقد استضافته في وليمة تكريمية استثنائية في قاعة المرايا ليل الأربعاء - الخميس ومكّنته، في اليوم الثاني، من إلقاء خطاب في قاعة مجلس الشيوخ، حيث تجمّع 300 من أعضاء المجلسين (الشيوخ والنواب) وبحضور رئيسيهما جيرار لارشيه ويائيل براون - بيفيه وأعضاء من مجلس العموم واللوردات.

الملك تشارلز الثالث وعمدة باريس آن هيدالغو الخميس قريباً من كاتدرائية نوتردام (أ.ف.ب)

وكانت المرة الأولى في تاريخ البلدين تتاح لعاهل بريطاني فرصة كهذه، علماً أن الملكة إليزابيث الثانية زارت البرلمان عام 2004 والتقت أعضاءه. إلا أنها لم تلقِ خطاباً تحت قبة المجلس. واستُقبل تشارلز الثالث بموجة من التصفيق لدى وصوله وبأخرى دامت دقائق عدة ووقوف عند الانتهاء من خطابه.

تشارلز الثالث: فرنسا جزء من حياتنا

كان لافتاً في الكلمات الثلاث، التي أُلقيت الخميس، استذكار المحطات التاريخية التي اجتازتها العلاقات الفرنسية - البريطانية، والتركيز على الصداقة التي تجمعهما منذ 123 عاماً، أي منذ أن وقّع الطرفان «التفاهم الودي» الذي جعلهما في خندق واحد في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وقالت رئيسة البرلمان في كلمتها: إن البلدين «متحدان منذ أكثر من قرن في الدفاع عن الحرية والديموقراطية». أما رئيس مجلس الشيوخ، فقد استعاد ما قاله الشاعر والكاتب والسياسي الكبير فيكتور هوغو، الذي كتب يوماً أن «إنجلترا ستبقى دوماً أختاً لفرنسا».

وفي دعابة واضحة، أشار جيرار لارشيه إلى أن بريطانيا لم يتم غزوها سوى مرة واحدة «على يد فرنسا» قبل أكثر من ألف عام عندما غزاها دوق نورمانديا غيوم (غليوم بالعربية) المسمى «الفاتح» وأرسى حكمه هناك. وذكر لارشيه بجملة قالها الجنرال ديغول لرئيس الوزراء تشرشل عندما انتقل إلى لندن لمواصلة محاربة ألمانيا النازية، وفيها: «كلما تقدمت في تعلم اللغة الفرنسية، فهمت ما أقوله أنا بالإنجليزية».

واستعاد لارشيه عبارة للملكة إليزابيث الثانية في إحدى زياراتها إلى فرنسا عندما قالت: «صحيح أننا لا نقود سياراتنا من جانب الطريق نفسها، إلا أننا نذهب كلانا في الاتجاه نفسه». وخلص لارشيه إلى اقتراح أن يعمل البريطانيون والفرنسيون معاً في إطار الكومنولث ومنظمة الفرنكوفونية العالمية.

الثنائي الملكي في زيارتهما لسوق الزهور التي تحمل اسم الملكة إليزابيث الثانية في قلب باريس الخميس (أ.ف.ب)

في كلمته، التي ألقاها بالفرنسية والإنجليزية، ذكر تشارلز الثالث أنه قام بـ35 زيارة رسمية لفرنسا التي هي «جزء من حياتنا». ولأن دور الملك في رسم السياسة البريطانية محدود، وأن الخطاب الذي ألقاه أبرم أولاً على مستوى رئاسة الحكومة، فقد قال تشارلز الثلث وبكل تواضع إنه سيعمل «كل ما في وسعه من أجل تعزيز العلاقات الحتمية بين بريطانيا وفرنسا» ومنوهاً بالدور المناط بالبلدين اللذين يتحملان مسؤوليات أمنهما وأمن العالم في إطار مجلس الأمن ومجموعة السبع ومجموعة العشرين. وفي هذا السياق، دعا إلى إبرام «تفاهم جديد» يستلهم الماضي والتفاهم القديم الذي وقّع في عام 1904 من أجل «مواجهة تحديات العالم المحيط بنا». ولم تفته الإشارة إلى أن جده إدوارد السابع هو من وقّع «التفاهم» السابق قبل 120 عاماً؛ ما يستبطن رغبته في أن يتم التوصل إلى «التفاهم الجديد» في عهده. وسبق له، في حفل العشاء في قصر فرساي أن قال إنه «يتحتّم علينا جميعاً إعادة تقوية صداقتنا لنكون واثقين من أنّها في مستوى تحدّي هذا القرن الواحد والعشرين».

تحديان رئيسيان: حرب أوكرانيا والبيئة

ثمة ملفان رئيسيان تحدث عنهما ملك بريطانيا: الأول، الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث أكد أن باريس ولندن «عازمتان بشكل لا يلين» على الاستمرار في دعم أوكرانيا. وقال: «نحن نواجه اليوم عدواناً غير مبرر على قارتنا، ونحن نقف معاً إلى جانب الشعب الأوكراني، وعازمون على تمكينه من الانتصار، وأن تكون الغلبة لحرياتنا».

بيد أن التحدي الأكبر الذي يريد ملك بريطانيا مواجهته مع فرنسا عنوانه البيئة والاحتباس الحراري. ومعروف عنه اهتمامه القديم بهذا الملف الذي يرى فيه «التحدي الأكبر للألفية الراهنة».

الرئيس إيمانويل ماكرون والثنائي الملكي في حديث مع رجل إطفاء قريباً من نوتردام (أ.ب)

وشدد تشارلز الثالث على ضرورة العمل الجماعي من أجل «حماية العالم من التحدي الأخطر الذي هو التغيرات المناخية». و«التفاهم من أجل الاستدامة» الذي يريده مع فرنسا لصالح البيئة والمحافظة على التنوع الحيوي يصطدم بداية بتراجع بريطانيا عن عدد من التدابير الرئيسية المفترض بها أن تعكس اهتمامها الكبير بهذا الملف.

وشدد ملك بريطانيا على دور القطاع الخاص في مبادرات محاربة التصحر والتغيرات البيئية وفي ما لها من تأثيرات اقتصادية واجتماعية.

وتناول تشارلز الثالث هذا الملف مجددا في الكلمة التي ألقاها عصرا، إلى جانب الرئيس ماكرون، في اختتام أعمال الطاولة المستديرة التي عقدت في مقر المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي والتي خصصت ل»تمويل المناخ» أي لدور القطاع الخاص وتحديدا البنوك في تمويل المشروعات الخاصة لمواجهة التغيرات المناخية وما سمي «المنتجات المالية الخضراء».

وكان للثنائي الملكي برنامج حافل الخميس. فإلى جانب محطة مجلس الشيوخ، كانت هناك زيارة لكاتدرائية نوتردام في باريس برفقة الرئيس ماكرون وعقيلته؛ وزيارة لسوق الزهور الواقعة في قلب العاصمة وقريباً من الكاتدرائية المذكورة؛ في حين عمدت الملكة كاميلا وبريجيت ماكرون إلى إطلاق الجائزة الأدبية الفرنسية - البريطانية من القاعة الرئيسية للمكتبة الوطنية التاريخية.

ومن محطات الزيارة الأربعاء كان التوجه إلى ضاحية سان دوني، شمال العاصمة لزيارة كاتدرائيتها الشهيرة حيث دفن العديد من ملوك فرنسا، وهي تحفة معمارية تعود للفترة القوطية، والالتقاء بمجموعة من الشباب حول دور الرياضة في الاندماج الاجتماعي. وتعد سان دوني ذات كثافة سكانية عالية، حيث تعيش نسبة عالية من المهاجرين من الضواحي الأكثر فقراً، لكن سيكون لها دور مهم العام المقبل في تنظيم الألعاب الأولمبية التي تستضيفها العاصمة. ومساءً، عاد الثنائي الملكي إلى قصر الإليزيه للقاء أخير مع الرئيس ماكرون وعقيلته.


مقالات ذات صلة

ناقلة كيماويات هولندية بأشرعة معدنية كي تجري الرياح بما تشتهي البيئة

بيئة تُظهر هذه الصورة التي تم التقاطها في 16 فبراير 2024 منظراً لشراع في ناقلة المواد الكيماوية «إم تي كيميكال تشالنجر» في مرفأ روتردام بهولندا (أ.ف.ب)

ناقلة كيماويات هولندية بأشرعة معدنية كي تجري الرياح بما تشتهي البيئة

في خطوة رائدة، زُوّدَت ناقلة مواد كيماوية بأشرعة عملاقة من الألومنيوم لتمكين هذه السفينة من مخر عباب البحر بقوة الرياح رغم وزن حمولتها الكبير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
بيئة أبراج للطاقة الكهربائية عالية التوتر ومحطة محولات وتوربينات الرياح في نيميغن - هولندا (رويترز)

كيف نقلل من بصمة الطاقة المتجددة وكلفتها البيئية؟

تلعب تقنيات الطاقة المتجددة دوراً مهماً في المبادرات العالمية لخفض الانبعاثات الكربونية ومواجهة تحديات الاحترار العالمي.

هادي حداد (بيروت )
بيئة مجلات الشهر العلمية

تجارة الرمال غير الشرعية تتجاوز 200 مليار دولار سنوياً

من محنة «فقمات القيثارة» التي تكافح للبقاء على أرض جليدية تختفي إلى النضال من أجل فنجان قهوة مستدام، تتناول أحدث أعداد المجلات العلمية الصادرة في فبراير

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد جانب من الخطة الفرضية التي أُقيمت في منطقة جازان (الشرق الأوسط)

44 جهة حكومية وخاصة تترصد للتهديدات البيئية على السواحل السعودية

أظهرت 44 جهة حكومية وخاصة استعداداتها للترصد لأي تهديدات بيئية على السواحل السعودية.

بندر مسلم (جازان)
الاقتصاد وزير البيئة والمياه والزراعة يطلع على اكتشافات رحلة العقد على هامش المنتدى (الشرق الأوسط)

السعودية تنهي أول مسح شامل لتطوير قطاع السياحة الساحلية في البحر الأحمر

أنهت الحكومة السعودية «رحلة العقد لاستكشاف البحر الأحمر»، وهو أول مسح شامل بهدف تقديم تصور واضح عن بيئات الوجهة ودراسة أنواع الثدييات والتنوع الأحيائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

عامان على حرب أوكرانيا... وعقوبات جديدة بالمئات

جنديان أوكرانيان يطلقان قاذفة قنابل مضادة للدبابات باتجاه القوات الروسية في بلدة أفدييفكا الواقعة على خط المواجهة (رويترز)
جنديان أوكرانيان يطلقان قاذفة قنابل مضادة للدبابات باتجاه القوات الروسية في بلدة أفدييفكا الواقعة على خط المواجهة (رويترز)
TT

عامان على حرب أوكرانيا... وعقوبات جديدة بالمئات

جنديان أوكرانيان يطلقان قاذفة قنابل مضادة للدبابات باتجاه القوات الروسية في بلدة أفدييفكا الواقعة على خط المواجهة (رويترز)
جنديان أوكرانيان يطلقان قاذفة قنابل مضادة للدبابات باتجاه القوات الروسية في بلدة أفدييفكا الواقعة على خط المواجهة (رويترز)

احتاج الكرملين إلى عامين كاملين منذ اندلاع الحرب مع أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، ليُقرَّ في بداية 2024 بأنَّ المواجهة غدت «حرباً كاملة بين روسيا والغرب»، وأنَّ تداعياتها امتدَّت لتشمل كل مناحي الحياة، كما أنَّها غدت منعطفاً لإعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوى بما يشتمل على تغيير التحالفات وبناء التكتلات وإعادة هيكلة الخطط السياسية والعسكرية والاقتصادية. ومع حلول الذكرى الثانية للحرب فرض الرئيس الأميركي جو بايدن مئات العقوبات الجديدة على روسيا، متعهداً بجعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «يدفع ثمناً أعلى».

وقال بايدن: «اليوم، أعلن عن فرض أكثرَ من 500 عقوبة جديدة ضد روسيا، بسبب حربها المستمرة لغزو أوكرانيا، وبسبب وفاة (أليكسي) نافالني، الذي كان ناشطاً شجاعاً في مكافحة الفساد، وأشرسَ زعيم معارض للرئيس الروسي فلاديمير بوتين». وأضاف بايدن: «سوف تستهدف تلك العقوبات أفراداً، لهم صلة بسجن نافالني، بالإضافة إلى القطاع المالي الروسي والقاعدة الصناعية الدفاعية وشبكات مشتريات ومتهربين من العقوبات عبر قارات متعددة. وستضمن أن يدفع بوتين ثمناً باهظاً لعدوانه في الخارج وقمعه في الداخل».

وسرعان ما تحولت «العملية العسكرية الخاصة»، التسمية الرسمية للحرب، إلى حرب شاملة هجينة بين روسيا والغرب، استخدم فيها الطرفان كل أنواع الأسلحة والتكتيكات. ويمكن إجمال النتائج الميدانية المباشرة في توسيع رقعة السيطرة العسكرية الروسية داخل أراضي أوكرانيا بنحو 5 أضعاف، بالنظر إلى مساحة الأراضي التي يسيطر عليها حالياً الجيش الروسي.

ومع جمود خطوط التماس تقريباً، بدا أنَّ خرائط المواجهات تبدَّلت خلال عامين بشكل ملموس، إذ لم تعد روسيا وحدها تشن هجمات متواصلة على المدن بل ترد أوكرانيا بالمثل. مع ذلك، يضع خبراء عسكريون وأمنيون روس 5 مكاسب رئيسية حققتها موسكو بنتيجة العام الثاني للحرب، على رأسها تطوير قدرات روسيا على الهجوم، ونجاحها في تقليص حجم الخطر المتوقع من الجانب الآخر.


الاتحاد الأوروبي بين مطرقة الانكفاء الأميركي وسندان الانتكاسات الميدانية

زيلينسكي يخاطب المجلس الأوروبي في بروكسل الخميس (إ.ب.أ)
زيلينسكي يخاطب المجلس الأوروبي في بروكسل الخميس (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي بين مطرقة الانكفاء الأميركي وسندان الانتكاسات الميدانية

زيلينسكي يخاطب المجلس الأوروبي في بروكسل الخميس (إ.ب.أ)
زيلينسكي يخاطب المجلس الأوروبي في بروكسل الخميس (إ.ب.أ)

عندما وافقت القمة الأوروبية مطالع هذا الشهر، على حزمة المساعدات لأوكرانيا بقيمة 50 مليار يورو لفترة 4 سنوات، بعد تذليل عقبة الفيتو المجري، كانت تدرك جيداً أنها ليست أكثر من مجرد خشبة خلاص لمنع انهيار الجبهة العسكرية ومؤسسات الدولة، وأنها وحدها غير كافية لكي تحقق كييف أهدافها، خصوصاً بعد فشل الهجوم المضاد الذي كان الغرب يعوّل على إنجازاته المنشودة كمدخل يفضي إلى مفاوضات ترجى منها نتائج مقبولة.

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

منذ بداية الحرب في مثل هذا اليوم قبل عامين، والأوروبيون يرددون أن دعمهم لأوكرانيا لن يتوقّف طالما هي بحاجة إليه، وأن النصر الروسي ليس ضمن حساباتهم، لأنه سيكون وبالاً على القارة بأسرها. لكن في الغرف المغلقة، وبعيداً عن أنوار الإعلام الكاشفة، يعترف القادة الأوروبيون بأن اندفاعاتهم غير المشروطة وراء الموقف الأميركي ضد روسيا، كانت متسرعة وغير محسوبة عواقبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالدقة اللازمة، وفرضها وطيس المراحل الأولى وشبح الحرب الذي عاد يخيّم على أوروبا مرة أخرى.

صحيح أن الحرب باهظة تكاليفها أيضاً على موسكو، لكن الطرف الروسي، بعكس بلدان الاتحاد الأوروبي، معتاد على التقشف المديد ولا يصعب عليه ضبط الساحة الداخلية مهما بلغت درجة التذمّر والاعتراض على الحرب. إلى ذلك، يضاف أن معظم بلدان الاتحاد تشهد منذ فترة صعوداً مطرداً للمد اليميني المتطرف الذي ينادي جهاراً بوقف المساعدات الأوروبية لأوكرانيا والاتجاه نحو التسوية مع موسكو.

وما يزيد من تعقيدات «المأزق» الأوروبي أن حظوظ أوكرانيا في الصمود أمام الهجوم الروسي معدومة من غير واشنطن، وذلك باعتراف رئيس أوكرانيا نفسه عندما قال نهاية الشهر الماضي، في حديث إلى التلفزيون الألماني: «أوروبا وحدها غير قادرة على الصمود إذا قررت الولايات المتحدة وقف مساعداتها». وها هي واشنطن تجهد شهوراً لتمرير حزمة المساعدات الأخيرة إلى كييف، في الوقت الذي تهتز فيه العواصم الأوروبية على وقع مدفعية تصريحات دونالد ترمب الذي يواصل شقّ طريقه نحو الترشيح الجمهوري للرئاسة بين أدغال المحاكم، بينما تتراجع حظوظ جو بايدن تحت وطأة الزلّات المتكررة.

من جهة أخرى، ينظر الأوروبيون إلى أرقام المشهد المالي الأوكراني في التقارير الواردة إلى المفوضية ويطارحون أنفسهم السـؤال التالي: إلى متى؟ موازنة الدولة الأوكرانية لهذا العام تلحظ إيرادات لا تزيد على 43 مليار يورو تقابلها نفقات بضعف المبلغ، وتخصيص 36 في المائة من حزمة المساعدات الأوروبية المقررة لـ4 سنوات لسد جزء من العجز العام للسنة الحالية، علماً بأن 45 في المائة من هذه الموازنة، أي ما يعادل 22 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، مخصص للدفاع وما يستتبعه من إنفاق على التسليح والوقود والنقل ورواتب أفراد القوات المسلحة التي يبلغ عديدها 880 ألفاً، فضلاً عن الأجهزة الأمنية الأخرى. إلى كل ذلك، يضاف أن نسبة البطالة تجاوزت 25 في المائة، حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، بينما يعيش ملايين النازحين داخل الأراضي الأوكرانية على المساعدات المالية.

رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس وزراء السويد يوم 22 فبراير ودعوة لرص صفوف الأوروبيين للاستجابة لاحتياجات كييف العسكرية والمالية (صورة من المفوضية الأوروبية)

ويفيد معهد الاقتصاد العالمي في مدينة كييل الألمانية، وهو مرجع دولي لمتابعة المساعدات العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا، بأن التعهدات الدولية لمساعدة كييف تراجعت بنسبة 90 في المائة في الفصل الأخير من العام الماضي. كما تفيد المفوضية الأوروبية بأن المساعدات التي قدمتها بلدان الاتحاد بصورة مشتركة منذ بداية الحرب حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أي بعيد تأكيد فشل الهجوم الأوكراني المضاد، بلغت 84 مليار يورو مقابل 71 ملياراً قدمتها الولايات المتحدة، وأن ألمانيا قدمت مساعدات ثنائية بقيمة 21 مليار يورو، بينما بلغت المساعدات البريطانية 13 مليار يورو.

يوليا نافالنايا أرملة المعارض أليكسي نافالني في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ببروكسل أمس (أ.ف.ب)

إلى جانب ذلك، يفيد المعهد الدولي لبحوث السلم في استوكهولم، بأن موازنة الدفاع الروسية لهذا العام بلغت 129 مليار يورو، أي 3 أضعاف موازنة الدفاع الأوكرانية، ما يفسّر أن الجيش الأوكراني يطلق يومياً ألفي قذيفة على جبهات القتال مقابل 6 آلاف قذيفة يطلقها الجيش الروسي، في الوقت الذي تنقل فيه «واشنطن بوست» عن مصادر في الحكومة الأميركية، أن إدارة بايدن تخطط لمد أوكرانيا بمساعدات خلال السنوات العشر المقبلة تسمح لها فحسب، بالدفاع عن نفسها من غير استعادة الأراضي التي احتلتها روسيا.

أمام هذا المشهد القاتم، يترسّخ الاعتقاد لدى الأوروبيين بأن الحرب الأوكرانية ستواصل النزف لسنوات في خاصرة الاتحاد، وأنها قد تكون الفرصة الأخيرة لتعزيز قدراتهم العسكرية، ليس من باب إرضاء الولايات المتحدة، بل بسبب من الحاجة الحيوية لذلك.


الحرب الأوكرانية - الروسية تدخل عامها الثالث وسط تحول في زخمها

بايدن خلال زيارته إلى كييف في 20 فبراير 2023 (أ.ب)
بايدن خلال زيارته إلى كييف في 20 فبراير 2023 (أ.ب)
TT

الحرب الأوكرانية - الروسية تدخل عامها الثالث وسط تحول في زخمها

بايدن خلال زيارته إلى كييف في 20 فبراير 2023 (أ.ب)
بايدن خلال زيارته إلى كييف في 20 فبراير 2023 (أ.ب)

يعد استيلاء روسيا على مدينة أفدييفكا شرق أوكرانيا، قبيل حلول الذكرى الثانية لبدء الحرب الروسية الأوكرانية، أوضح إشارة على أن الرهان على إمكانية توقع نهاية قريبة لها، لا يزال بعيد المنال.

Rusya Savunma Bakanı Sergey Şoygu, Devlet Başkanı Vladimir Putin ile (AP)

بيد أن سقوط أفدييفكا قد يكون أوضح علامة حتى الآن على التحول في زخم الحرب مع دخولها عامها الثالث، في الوقت الذي تواصل فيه القوات الروسية هجماتها الناجحة في الشرق، وتستعد لإسقاط قرية روبوتين الاستراتيجية على خط المواجهة، مهاجمةً أيضاً المواقع الأوكرانية على الضفة الشرقية لنهر دنيبرو، على بعد أكثر من 200 كيلومتر إلى الغرب.

مجمع سكني أوكراني في خاركيف بعد تعرضه لقصف روسي (رويترز)

ويقول محللون عسكريون أن هذه الهجمات شبه المتزامنة تهدف إلى ممارسة الضغط عبر خط المواجهة من أجل تقليل قدرة كييف على الانسحاب، وتجديد القوات المنهكة، وإجبارها على حرق مخزونها الشحيح بالفعل من الذخيرة، في الوقت الذي تشتد فيه المطالبات الأوكرانية بتسريع الإفراج عن المساعدات العسكرية، وخصوصاً الأميركية منها، بعدما سببته من تشاؤم وأضرار معنوية وسياسية وعسكرية كبيرة.

أشخاص بجوار نهر دنيبرو في جزيرة تروخانيف بكييف منتصف فبراير الحالي (أ.ف.ب)

مكاسب روسية غير حاسمة

وبحسب معهد دراسات الحرب التابع لمعهد «أميركان إنتربرايز»، فقد حققت روسيا في الآونة الأخيرة، خمسة مكاسب مهمة، هي أفدييفكا ومارينكا وكريمينا وباخموت وتستعد لإكمال سيطرتها على روبوتين، التي كانت أوكرانيا قد استعادتها في هجوم الربيع الفاشل.

جنديان أوكرانيان يطلقان قاذفة قنابل مضادة للدبابات باتجاه القوات الروسية في بلدة أفدييفكا الواقعة على خط المواجهة (رويترز)

أسباب عدة تقف وراء هذا «التشاؤم»، الذي يتردد على ألسنة العديد من القادة العسكريين والمحللين. على رأسها، إصرار الرئيس الروسي على المضي قدماً في رهانه على إمكانية تحقيق تطويع قسري بالسلاح لأوكرانيا، والرسائل السياسية البالغة في مضمونها للداخل الروسي وللخارج، مع «وفاة» معارضه السياسي الأبرز، أليكسي نافالني، في اليوم نفسه لسقوط مدينة أفدييفكا.

سكان يمرون أمام مبانٍ مدمرة في سلوفيانسك إثر تعرضها لقصف روسي بعد سقوط بلدة أفدييفكا (د.ب.أ)

بيد أن «العامل» الروسي ليس وحيداً في الحسم بأن الحرب ستستمر، على الأقل حتى العام المقبل أو أكثر. فالعامل الروسي نفسه قد يكون هو السبب الرئيسي وراء كر سبحة الاتفاقات الاستراتيجية التي وقعتها أخيراً دول أوروبية رئيسية مع أوكرانيا، كبريطانيا وألمانيا وفرنسا والسويد، لتغيير دينامية المواجهة مع سيد الكرملين، بعدما تحسست القارة الأوروبية خطورة سقوط كييف على مستقبلها.

صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية الشهر الماضي لدبابات أوكرانية محترقة خلال صد «الهجوم المضاد» في جنوب أوكرانيا (إ.ب.أ)

ومع سعي دول الاتحاد الأوروبي لتحصين نفسها، بدا واضحاً أنها ترغب أيضاً في ممارسة الضغوط على الولايات المتحدة، أو على الأقل، على الطرف الذي فرض تجميد المساعدات الأميركية، ويهدد مجدداً بالانسحاب من حلف «الناتو»، ويحرض روسيا على مهاجمة من لا يفي بتعهداته المالية.

جندي أوكراني يجلس داخل دبابة ألمانية الصنع من نوع «ليوبارد 2 إيه 5» بالقرب من خط المواجهة (أ.ف.ب)

فالأوروبيون مدركون أهمية المساعدات الأميركية التي مكّنت بلداً «صغيراً» نسبياً بالمقاييس الإقليمية والدولية، من «كسر» صورة الجيش الروسي الذي لم يتمكن بعد عامين من القتال من تحقيق أي هدف استراتيجي في أجندة الرئيس فلاديمير بوتين، بحسب العديد من المحللين.

هل تصمد أوكرانيا؟

ورغم اعتراف رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، الجنرال كيريلو بودانوف، بالوضع الصعب الذي تواجهه القوات الأوكرانية، ويعاني من نقص في تجنيد عناصر جديدة، في مواجهة الجيش الروسي الذي يفوقه عدداً وتسليحاً، لكنه قال إن روسيا لديها مشاكل أيضاً. وأضاف أن الجيش الروسي المحترف تم تدميره إلى حد كبير في السنة الأولى من الغزو، مما يعني أنه يلقي الآن بمجندين غير مدربين في هجمات انتحارية..

بوتين يزور أحد أكبر مصانع روسيا والعالم للدبابات والعربات المدرعة (أ.ف.ب)

وهو يستخدم قذائف المدفعية بأكثر مما تستطيع روسيا إنتاجه. وعلى الرغم من أنها أرسلت مئات الدبابات في العام الماضي، فإن معظمها كانت نماذج قديمة مأخوذة من المخازن وتم تجديدها، في حين أن 178 فقط كانت جديدة. كما تراجعت الهجمات الصاروخية على المدن الأوكرانية في الأسابيع الأخيرة مع انخفاض الإمدادات الروسية. ويؤكد بودانوف أنه «ليس لديهم القوة»، ونتيجة لذلك، ستكافح روسيا لتحقيق هدفها الاستراتيجي الرئيسي المتمثل في الاستيلاء على جميع مناطق دونيتسك ولوهانسك الشرقية هذا العام.

رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل مؤتمرهما الصحافي في كييف (أ.ب)

ويرى مسؤولون ومحللون غربيون أن هذه القراءة، قد تكون واقعية، لكن الأمر مرهون بتوافر معطيات عدة، من بينها، تمكُّن أوكرانيا من خوض معركة دفاعية ذكية، ومواصلة إضعاف الجيش الروسي، خلال إعادة بناء قوتها، على أمل شن هجوم مضاد آخر ضد خصم قد يكون ضعيفاً في العام المقبل.

الرئيسان الفرنسي والأوكراني في قصر الإليزيه 16 فبراير بمناسبة التوقيع على معاهدة أمنية بين الطرفين (أ.ف.ب)

روسيا تعاني

وبحسب دراسة حديثة أجراها المعهد الملكي للخدمات المتحدة ومقره لندن، فمن المرجح أن تصل القوات الروسية إلى ذروتها قرب نهاية العام، ثم تعاني بشكل متزايد من نقص الذخيرة والمركبات المدرعة في عام 2025.

المستشار الألماني أولاف شولتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد توقيع الاتفاق الأمني (أ.ف.ب)

يقول المسؤولون الغربيون إن بوتين لم يتخل عن أهدافه المتمثلة في إخضاع أوكرانيا، لكن ليس لديه خطة رئيسية، ويراهن بدلاً من ذلك على أن القوة البشرية والمعدات الروسية ستنتصر. ويشير المسؤولون إلى أن إنتاج الذخيرة المحلي الروسي غير كافٍ لتلبية احتياجات الحرب، ويقولون إن العقوبات الغربية والتخلف التكنولوجي يتسببان في تأخير الصناعة الروسية وزيادة تكاليفها، مما يؤثر على جودة الأسلحة الجديدة، والقدرة على إصلاح الأسلحة المتضررة. وهو ما دعا روسيا للاعتماد بشكل متزايد على حلفاء، مثل إيران وكوريا الشمالية، لتزويدها بالمعدات اللازمة لمواصلة جهودها الحربية.

الرئيس الأوكراني يصافح نظيره الليتواني ويظهر الرئيس الأميركي وعدد من القادة الأوروبيين خلال اجتماع «مجلس أوكرانيا - الناتو» في فيلنيوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

هل يأتي الدعم الأميركي؟

غير أن العامل الأبرز لتحقيق هذه الأهداف يتمثل في الرد على سؤال جوهري، ليس فقط عن أسباب تراجع «شهية» الغرب وخصوصاً أميركا، عن دعم أوكرانيا، بل هل سيأتي الدعم الأميركي الإضافي، الذي يمنعه الجمهوريون في الكونغرس، أم لا؟ وتُجمع غالبية التحليلات على أنه قد يكون هو السبب الرئيسي وراء، ليس فقط سقوط أفدييفكا واحتمال سقوط غيرها، بل فشل «هجوم الربيع الأوكراني المضاد» برمته العام الماضي.

زيلينسكي خلال زيارته الأخيرة للكونغرس مع زعيمَي الديمقراطيين والجمهوريين في «الشيوخ» 12 ديسمبر 2023 (أ.ب)

ورغم أن الموقف الغربي احتاج لأكثر من سنة ونصف سنة ليتخلى عن تردده، منذ أن بدأ الهجوم الروسي على أوكرانيا، لكن وتيرته لا تزال بطيئة، وهو ما تظهره طبيعة المعدات العسكرية التي لا تزال قاصرة عن تلبية الاحتياجات الفورية لكييف.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رفقة رئيس الوزراء الهولندي مارك روته في زيارة لقاعدة جوية تحوي طائرات «إف - 16» (أ.ب)

وحتى الدعم الأميركي الذي كان سباقاً في التحذير من تبعات الهجوم الروسي وأهدافه، كان عرضة لانتقادات عدة، نتيجة «تدرجه» في تقديم المساعدات القتالية لأوكرانيا. فقد احتاج الأمر من إدارة الرئيس بايدن إلى شهور لتقديم أسلحة مضادة للدروع، ثم أسلحة للدفاع الجوي، وبعدها المدرعات ودبابات القتال، ثم السماح لـ«طرف ثالث» بتقديم طائرات «إف-16»، بينما لا تزال حتى الساعة تعارض تقديم أسلحة صاروخية بعيدة المدى، لتفادي استهداف العمق الروسي!

انقسام أميركي وأوروبي

اليوم ومع دخول الولايات المتحدة سباقاً رئاسياً شاقاً، بدا أن الانقسام السياسي، الذي وقف ولا يزال، وراء عدم حسم التردد الأميركي، يزداد تعمقاً، بعدما حجب الجمهوريون المساعدات عن أوكرانيا، وربطهم إياها بمعاركهم السياسية الانتخابية، في ظل صعود التيار اليميني الشعبوي، الممثل بالرئيس السابق دونالد ترمب، المرشح الأوفر حظاً للفوز بترشيح الحزب الجمهوري، والذي يحتمل أن يعود إلى سدة الرئاسة مرة أخرى. وهو ما قاد البعض إلى التساؤل عمّا إذا كانت عودة ترمب، قد تعني تخلي أميركا عن أهدافها الاستراتيجية، سواء تجاه روسيا أو تجاه علاقتها بالقارة الأوروبية، وعن موقف البنتاغون، الذي يعتقد على نطاق واسع، أنه الضامن الرئيسي للدفاع عن تلك المصالح، في الوقت الذي تحافظ فيه المؤسسة العسكرية على حياديتها من صراع الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماعه مع القائد الجديد للجيش ووزير الدفاع في كييف (د.ب.أ)

بيد أن هذا الانقسام، ينسحب أيضاً على الأوروبيين أنفسهم. فقد عُدّ حسمهم دعم أوكرانيا، كي تكون هي «خط الدفاع» الرئيسي عن حددوهم الشرقية مع روسيا، واستبعاد بولندا عن لعب هذا الدور، تعبيراً عن مخاوف أوسع لها جذور تاريخية، مع تصاعد النزعات الإمبراطورية السابقة، وصعود اليمين القومي المتشدد فيها، مترافقاً مع توقع أن تسفر انتخابات البرلمان الأوروبي المقبلة، عن احتلال هذا اليمين نحو 40 في المائة من مقاعده، الأمر الذي تخشى أوروبا من استغلال الرئيس الروسي له، وتغذيته لإثارة الانقسام وتفكيك الموقف الأوروبي.

موقف البنتاغون

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسط جنوده في منطقة خاركيف (الرئاسة الأوكرانية - أ.ب)

ورغم أن البنتاغون يبدو عاجزاً حتى الساعة، عن حض المؤسسة السياسية على التخلي عن ترددها في مواصلة دعم أوكرانيا، فيما تهديدات ترمب تتوالى، ليس فقط في التشكيك باستمرار هذا الدعم، بل التخلي عن الحلفاء في «الناتو». غير أن معطيات أخيرة تشير إلى احتمال حصول اختراق في هذه القضية.

بايدن مع زيلينسكي (أ.ب)

فقد كشفت الفوضى السياسية التي يعيشها الحزب الجمهوري عن نقاط ضعف، قد تلجأ إدارة بايدن إلى استغلالها، للضغط على رئيس مجلس النواب الجمهوري، مايك جونسون، الذي يمتنع حتى الساعة عن دعوة المجلس لعقد جلسة للتصويت على القرار الذي مرره مجلس الشيوخ، للموافقة على التمويل الطارئ بقيمة 60 مليار دولار. وقال بايدن: «إنهم يرتكبون خطأ كبيراً من خلال عدم التجاوب، والطريقة التي يتجاهلون بها تهديد روسيا، وتجاهل التزاماتنا».

يواجه جونسون مهمة صعبة في إقناع حزبه بالالتزام بتسوية حول أمن الحدود (أ.ف.ب)

ويجد جونسون، نفسه أمام 3 خيارات، «أحلاها مر»؛ إما طرح التمويل على التصويت واحتمال تنحيته من التيار اليميني المتشدد، وإما الاعتماد على الديمقراطيين لحمايته من العزل، في ظل التقارب الشديد في أصوات الحزبين، وإما قيام الديمقراطيين باستخدام إجراء تشريعي نادر ومعقد، لتخطي رئيس المجلس، وطرح التمويل على التصويت. وهو ما يرجحه العديد من المرقبين، ويعتقد على نطاق واسع أن البنتاغون لا يعارضه!


فريق نافالني: السلطات الروسية تهدد بدفنه في حرم السجن

أليكسي نافالني (أ.ب)
أليكسي نافالني (أ.ب)
TT

فريق نافالني: السلطات الروسية تهدد بدفنه في حرم السجن

أليكسي نافالني (أ.ب)
أليكسي نافالني (أ.ب)

هدد محققون روس اليوم (الجمعة)، بدفن أليكسي نافالني داخل مجمع السجون في المنطقة القطبية حيث توفي إذا لم توافق عائلته على إجراء مراسم دفن مغلقة، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن فريق المعارض الروسي البارز.

توفي نافالني في 16 فبراير (شباط) الحالي بعد ثلاث سنوات في السجن بتهم ينظر إليها على نطاق واسع على أنها رد انتقامي على حملته ضد الكرملين.

وترفض السلطات حتى الآن تسليم جثته لوالدته التي وصلت إلى مجمع السجون في شمال سيبيريا السبت الماضي.

والدة المعارض الروسي المتوفى أليكسي نافالني (رويترز)

وكتبت المتحدثة باسم نافالني كيرا يارميش على منصة «إكس»: «قبل ساعة اتصل محققون بوالدة أليكسي وأعطوها مهلة. أمامها ثلاث ساعات للموافقة على مراسم دفن سرية من دون وداع شعبي وإلا يُدفن أليكسي في المجمع».

وأضافت أن والدته ليودميلا نافالنايا «رفضت التفاوض... لأنه ليس لديها صلاحية اتخاذ القرار بشأن كيف وأين تدفن ابنها».

وقال فريق نافالني إن الكرملين «يخشى» المعارض حتى بعد وفاته، ويرفض السماح بجنازة شعبية يمكن أن تتحول إلى عرض، تأييدا له وضد بوتين.

ووصف الفريق في وقت سابق بوتين بـ«القاتل» الذي يحاول التستر على أفعاله بعدم السماح بتحليل جنائي مستقل لجثمان نافالني.

واعتقلت الشرطة الروسية مئات الأشخاص في مزارات تكريمية أقيمت لنافالني خلال الأسبوع المنصرم.

ولم يصدر عن بوتين أي تعليق بشأن وفاة نافالني.


اتفاقية تعاون بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة

ريشي سوناك جعل وقف الهجرة من فرنسا عبر قناة المانش أولوية لحكومته (أ.ب)
ريشي سوناك جعل وقف الهجرة من فرنسا عبر قناة المانش أولوية لحكومته (أ.ب)
TT

اتفاقية تعاون بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة

ريشي سوناك جعل وقف الهجرة من فرنسا عبر قناة المانش أولوية لحكومته (أ.ب)
ريشي سوناك جعل وقف الهجرة من فرنسا عبر قناة المانش أولوية لحكومته (أ.ب)

وقّعت بريطانيا اتفاقاً مع الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس»، اليوم الجمعة، للعمل معاً من أجل مكافحة الهجرة غير الشرعية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت وزارة الداخلية البريطانية، في بيان، أن الاتفاق ينص على تبادل المعلومات الاستخبارية بين «فرونتكس» وقوة الحدود البريطانية؛ للمساعدة في التصدي لعصابات تهريب البشر.

وأضافت الوزارة أن الاتفاق يشمل أيضاً التعاون في تطوير تقنيات جديدة، مثل استخدام الطائرات المُسيّرة لحماية الحدود.

وجعل رئيس الوزراء البريطاني المحافظ ريشي سوناك وقف الهجرة من فرنسا عبر قناة المانش أولوية لحكومته، قبل الانتخابات العامة، المقررة هذا العام.

وقّع الاتفاق المدير العام لقوة الحدود البريطانية فيل داغلس، والمدير التنفيذي لـ«فرونتكس» هانز لايتينز، في لندن، بحضور وزير الداخلية البريطاني جيمس كليفرلي، والمفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية يلفا يوهانسن.

وقال كليفرلي إن «جرائم الهجرة المنظمة وتهريب البشر من التحديات العالمية التي تتطلب حلولاً وطموحات مشتركة».

وأضاف أن «ترتيبات العمل بين المملكة المتحدة وفرونتكس هي خطوة حاسمة تاريخية أخرى في الحد من الهجرة غير الشرعية، وتأمين حدودنا، ووقف وصول القوارب».

وتقول بريطانيا إن عدد المهاجرين الذين يصلون إلى سواحلها الجنوبية في قوارب متهالكة انخفض بمعدل الثلث، العام الماضي، بعدما سجّل مستوى قياسياً بلغ 45 ألف مهاجر عام 2022.


روسيا توسّع قائمة مسؤولي الاتحاد الأوروبي الممنوعين من دخولها

وزارة الخارجية الروسية (وسائل إعلام روسية)
وزارة الخارجية الروسية (وسائل إعلام روسية)
TT

روسيا توسّع قائمة مسؤولي الاتحاد الأوروبي الممنوعين من دخولها

وزارة الخارجية الروسية (وسائل إعلام روسية)
وزارة الخارجية الروسية (وسائل إعلام روسية)

قالت وزارة الخارجية الروسية، اليوم (الجمعة)، إنها وسّعت بشكل كبير قائمة المسؤولين والسياسيين في الاتحاد الأوروبي الممنوعين من دخول روسيا، رداً على أحدث سلسلة من العقوبات التي فرضها التكتل.

ووافقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الحزمة الـ13 من العقوبات المتعلقة بأوكرانيا ضد روسيا، يوم الأربعاء، والتي تشمل حظر ما يقرب من 200 كيان وفرد متهمين بمساعدة موسكو في شراء الأسلحة أو التورط في اختطاف أطفال أوكرانيين، وهو ما تنفيه موسكو.

وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان نقلته وكالة «رويترز» للأنباء: «يواصل الاتحاد الأوروبي محاولاته غير المثمرة للضغط على روسيا من خلال إجراءات تقييدية أحادية الجانب».

وتابعت الوزارة: «رداً على هذه التصرفات العدائية، قام الجانب الروسي بتوسيع قائمة ممثلي المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشكل كبير، الذين ... أصبحوا ممنوعين من دخول أراضي دولتنا».

وأضافت أن قائمة المنع تشمل ممثلين لأجهزة إنفاذ القانون والمنظمات التجارية، الذين قدّموا المساعدة العسكرية لأوكرانيا وممثلي المؤسسات الأوروبية المشاركة في محاكمة المسؤولين الروس، وأولئك الذين جمعوا مواد لدعم فكرة مصادرة أصول الدولة الروسية.

وأكمل البيان أن قائمة المنع الروسية «تشمل أيضاً ممثلين للمجلس الأوروبي وأعضاء المجالس التشريعية لدول الاتحاد الأوروبي وأعضاء الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا الذين يدلون على نحو منهجي بتصريحات معادية لروسيا».


«عروس داعش» تخسر استئناف قرار سحب جنسيتها البريطانية

بيغوم «عروس داعش» خسرت معركتها القضائية
بيغوم «عروس داعش» خسرت معركتها القضائية
TT

«عروس داعش» تخسر استئناف قرار سحب جنسيتها البريطانية

بيغوم «عروس داعش» خسرت معركتها القضائية
بيغوم «عروس داعش» خسرت معركتها القضائية

خسرتْ شميمة بيغوم (24 عاماً)، التي جُرّدت من جنسيتها البريطانية، لسفرها إلى سوريا والانضمام لتنظيم «داعش» حين كانت في سن الـ15، الطعن الذي تقدمت به أمام محكمة الاستئناف بشأن قرار سحب الجنسية منها، وفقاً لما ذكرته «سي إن إن»، الجمعة.

وسافرت بيغوم إلى سوريا عام 2015 مع صديقتين من المدرسة للانضمام إلى التنظيم الإرهابي. وأثناء وجودها هناك، تزوجت من أحد مقاتلي «داعش» وعاشت عدة سنوات في الرقة.

ولاحقاً ظهرت في «مخيم الهول» للاجئين السوريين عام 2019، وتصدرت عناوين الأخبار باعتبارها «عروس داعش» بعد أن طلبت من حكومة المملكة المتحدة السماح لها بالعودة إلى وطنها من أجل ولادة ابنها.

جاء قرار محكمة الاستئناف البريطانية، الذي صدر الجمعة، بشأن ما إذا كانت بيغوم، التي سافرت إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم «داعش» عندما كانت طفلة، قد جُردت من جنسيتها البريطانية بشكل غير قانوني، كأحدث خطوة في معركة طويلة خاضتها ضد الحكومة.

وجردت المرأة من جنسيتها عام 2019، لأسباب تتعلق بالأمن القومي، بعد أن غادرت المملكة المتحدة، في 2015، إلى سوريا للانضمام إلى التنظيم عندما كانت في سن 15 عاماً. وتزوجت المراهقة هناك من متشدد من أصل هولندي يكبرها بثماني سنوات.

وطعنت الشابة على القرار في جلسة استماع بلندن في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وتوسّلت السماح لها بالعودة إلى بريطانيا، مؤكدة أنها لم ترتكب جريمة سوى «الحماقة».

الأخت الكبرى للفتاة البريطانية شميمة بيغوم، تحمل صورة أختها أثناء إجراء مقابلة مع وسائل الإعلام في وسط لندن (أ.ف.ب)

وقالت بيغوم، البالغة من العمر الآن 24 عاماً، إن القرار غير قانوني، ويرجع ذلك جزئياً إلى فشل المسؤولين البريطانيين في النظر بشكل صحيح فيما إذا كانت ضحيةً للاتجار، وهي حجة رفضتها محكمة أقل درجة في فبراير (شباط) 2023. ورفضت محكمة الاستئناف في لندن استئنافها، الجمعة، بعد استئناف في أكتوبر (تشرين الأول).

وقال متحدث باسم وزارة الداخلية: «أولويتنا تظل الحفاظ على سلامة وأمن المملكة المتحدة، وسندافع بقوة عن أي قرار يُتخذ للقيام بذلك».

ودعا محامو بيغوم، بريطانيا، إلى إعادتها هي وآخرين ممن بقوا في سوريا، ووصفوا رفض القيام بذلك بأنه «مشين».

وفيما يلي تاريخ القضية، ولماذا جذبت الكثير من الاهتمام الإعلامي:

يقول الخبير القانوني هارون صديقي، المختص بشؤون الإرهاب، في تقرير لـ«الغارديان»، الجمعة، إن بيغوم ولدت في إنجلترا لوالدين من أصول بنغلاديشية، وفي عام 2015، عندما بلغت الخامسة عشرة من عمرها، غادرت منزلها في شرق لندن مع اثنتين من صديقاتها في المدرسة، مما دفع إلى عملية مطاردة دولية للشرطة، للسفر إلى أراضي تنظيم «داعش» في سوريا.

وبعد فترة وجيزة من وصولها إلى سوريا، تزوجت بيغوم من مواطن هولندي يدعى ياغو ريديجك، وعندما هُزم تنظيم «داعش» من قبل تحالف يضم المملكة المتحدة والولايات المتحدة، تم القبض على مئات النساء والأطفال، بمن فيهم بيغوم التي عرفت باسم «عروس داعش» من قبل «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية، واحتُجزوا في مخيمات اللاجئين.

تم العثور عليها في مخيم الهول للاجئين في شمال شرق سوريا في عام 2019 من قبل صحافي في صحيفة «التايمز»، أخبرته أنها تأمل في العودة إلى المملكة المتحدة لكنها لم تندم على قرارها بالانضمام إلى «داعش».

ويضيف الخبير القانوني هارون صديقي أنه وسط غضب إعلامي واسع النطاق بشأن عدم ندم بيغوم، استخدم وزير الداخلية في ذلك الوقت، ساجد جاويد، صلاحياته، لسحب الجنسية إذا كان «هذا الحرمان في صالح المصلحة العامة». وفي كلمةٍ أمام نواب البرلمان، قال جاويد إن «جميع من سافروا إلى (داعش) قد دعموا تنظيماً إرهابياً، وبذلك أظهروا كراهيتهم لبلدنا وللقيم التي ندافع عنها».

ولا يسمح التشريع البريطاني بسحب الجنسية إذا أصبح الشخص عديم الجنسية، لكن جاويد أخبر عائلة بيغوم أنه نظراً لأن والديها من أصول بنغلاديشية، فيمكنها التقدم بطلب للحصول على جنسية ذلك البلد. فيما قالت بيغوم إنها لم تزر بنغلاديش مطلقاً، وقال وزير الخارجية البنغلاديشي إنها ستواجه عقوبة الإعدام حال ذهبت إلى هناك.

يُظهر مقطع فيديو التقطته كاميرات مراقبة، وتسلمته خدمة شرطة العاصمة في 23 فبراير 2015، بيغوم وهي تمر عبر الحواجز الأمنية في مطار غاتويك، جنوب لندن (أ.ف.ب)

وما زالت بيغوم تقيم في مخيم للاجئين تديره قواتٌ كرديةٌ في شمال شرق سوريا، بينما يخوض محاموها سلسلةً من المعارك القانونية منذ سحب جنسيتها. وعن الأسس التي استندت إليها في الموقف القانوني الأخير، قال هارون صديقي إن محامي بيغوم أبلغوا محكمة الاستئناف بأن قرار جاويد كان غير قانوني، لأنه لم ينظر فيما إذا كانت قد غُرر بها وتعرضت للاتجار، وبالتالي فقد انتهك الوزير بند حماية مكافحة العبودية في القانون البريطاني.

وبالمثل، قالوا إن قرار لجنة الاستئناف الخاصة للهجرة العام الماضي بتأييد حكم جاويد كان غير قانوني. وقال قضاة القضاة باللجنة إن ثمة «شكوكاً معقولة» شابت القضية في أن بيغوم تعرضت للاتجار لغرض الاستغلال الجنسي، وأنهم شعروا بقلقٍ من «استخفاف جاويد الواضح لأهمية التطرف والتغرير»، وأن «العوامل السياسية وليس الأمن القومي هي ما دفعت بتلك النتيجة». لكن في النهاية، قالت اللجنة إن القرار يعود إلى جاويد، الذي يزن تلك العوامل، بما في ذلك مصلحة الأمن القومي. وتردد هذا الاستنتاج في المرافعات في محكمة الاستئناف.

وعن احتمالات عودة بيغوم إلى المملكة المتحدة، قال الخبير القانوني المختص بشؤون الإرهاب، هارون صديقي: «ليس هناك احتمال لعودة بيغوم إلى المملكة المتحدة على المدى القصير. حتى لو قررت محكمة الاستئناف لصالحها، فنظراً لطبيعة القضية المهمة والاعتبارات السياسية، فمن المؤكد أن الحكومة سوف تستأنف. وحتى لو استأنفت، فهناك العديد من النساء البريطانيات المحتجزات في شمال شرق سوريا اللاتي احتفظن بجنسيتهن البريطانية ولم يتم إعادتهن».

ودعا محامو بيغوم، بريطانيا، إلى إعادتها هي وآخرين ممن بقوا في سوريا، ووصفوا رفض القيام بذلك بأنه «مشين».

هذه الصورة غير المؤرخة نشرتها شرطة العاصمة لندن تظهر شميمة بيغوم التي سافرت إلى سوريا عندما كانت مراهقة للانضمام إلى تنظيم «داعش» (أ.ب)

كانت قضية بيغوم موضوع جدل محتدم بين أولئك الذين يقولون إنها انضمت بإرادتها إلى جماعة إرهابية وآخرين يقولون إنها كانت طفلةً عندما غادرت، أو يجب أن تحاكم عن أي جرائم مزعومة في بريطانيا.

وعن التداعيات الأوسع للقضية، قال صديقي إن المملكة المتحدة تعرضت لانتقادات بسبب عدم إعادة رعاياها من شمال شرق سوريا، حيث أعادت اثنين فقط من البالغين حتى الآن، وهو ما يختلف عن سياسات حلفاء مثل كندا وأستراليا، وبعض الدول الأوروبية. كما أنها الدولة الوحيدة، إلى جانب البحرين، التي دأبت على إلغاء الجنسية بشكل متكرر.

وأفادت التقارير بوجود ما بين 20 و25 امرأة أو عائلة من ذوي الجنسية البريطانية ما زالت محتجزةً في مخيمات سورية، إلى جانب آخرين مثل بيغوم، الذين تم سحب جنسيتهم ويطعنون في القرار أمام المحاكم البريطانية.


الرئيس الفرنسي يدعو «للنظر في كيفية تعزيز الدعم لأوكرانيا»

مصافحة حارة بين الرئيسين الفرنسي والأوكراني في قصر الإليزيه يوم 16 فبراير عقب التوقيع على الاتفاقية الأمنية بين بلديهما (رويترز)
مصافحة حارة بين الرئيسين الفرنسي والأوكراني في قصر الإليزيه يوم 16 فبراير عقب التوقيع على الاتفاقية الأمنية بين بلديهما (رويترز)
TT

الرئيس الفرنسي يدعو «للنظر في كيفية تعزيز الدعم لأوكرانيا»

مصافحة حارة بين الرئيسين الفرنسي والأوكراني في قصر الإليزيه يوم 16 فبراير عقب التوقيع على الاتفاقية الأمنية بين بلديهما (رويترز)
مصافحة حارة بين الرئيسين الفرنسي والأوكراني في قصر الإليزيه يوم 16 فبراير عقب التوقيع على الاتفاقية الأمنية بين بلديهما (رويترز)

أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس إيمانويل ماكرون سيستضيف الاثنين المقبل اجتماعاً رفيع المستوى لدعم أوكرانيا، سيضم رؤساء دول وحكومات ووزراء يمثلون بلدانهم. ويأتي هذا الاجتماع في حين تدخل الحرب الروسية - الأوكرانية، السبت، عامها الثالث وسط مخاوف من تراجع الدعم الغربي والصعوبات التي تواجهها الإدارة الأميركية في تمرير مشروع قانون في مجلس النواب من شأنه في حال إقراره أن يوفر لكييف دعماً مالياً ضخماً يصل إلى 60 مليار دولار. كذلك، فإن الرأي العام الغربي، الأوروبي والأميركي، بدأ يرسل إشارات تنم عن «تعبه» من تواصل الحرب وضرورة الاستمرار في دعم أوكرانيا في حين أن الاقتصادات الغربية تعاني من تضاؤل نسب النمو.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الاثنين) في احتفال تقديم السلاح في باحة قصر الأنفاليد في باريس (أ.ف.ب)

وأفاد بيان الإليزيه بأن «اجتماع العمل سيوفر الفرصة للنظر في الوسائل المتاحة لتعزيز تعاون الأطراف المشاركة في دعم أوكرانيا». ولم توفر المصادر الرئاسية لائحة بأسماء كبار الشخصيات التي ستلبي دعوة ماكرون، إلا أن رئيس الدولة البولندية أفاد بأن ماكرون «دعا مجموعة من القادة الأوروبيين إلى باريس لمناقشة المقترحات الجديدة الخاصة بإيجاد حلول لدعم أوكرانيا»، وأنه شخصياً سوف يلبي الدعوة.

طموحات ماكرون

يوماً بعد آخر، يبدو أن الرئيس الفرنسي يريد أن يلعب دوراً رائداً أقله على المستوى الأوروبي في الوقوف إلى جانب أوكرانيا بعد أن اتُّهم، في الأشهر الأولى من الحرب، بأنه «يساير» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كذلك، فإن انتقادات شبه مباشرة وُجهت لفرنسا بسبب ضعف مساهمتها في توفير وسائل الدفاع الضرورية للقوات الأوكرانية. من هنا حرص باريس على أن تكون من أوائل الدول الأوروبية التي توقع، قبل أسبوع، اتفاقية أمنية شديدة الطموح مع أوكرانيا، في حين أن وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لو كورنو يجهد لإبراز المساهمة العسكرية المتنامية التي تقدمها بلاده إن على صعيد «تحالف المدفعية» المنبثق من «مجموعة رامشتاين» أو من خلال مجموعة الدفاعات الصاروخية الجوية.

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (الخميس) يثير مخاوف الأوروبيين لجهة سياسته الغامضة إزاء أوكرانيا في حال نجاحه في العودة إلى البيت الأبيض (إ.ب.أ)

بيد أن الأهم من ذلك أن إجماع باريس يحصل بعد أيام من تحقيق القوات الروسية نجاحاً عسكرياً بالسيطرة على مدينة «أفديفكا» الواقعة في منطقة الدونباس، والشكوى الأوكرانية من أن الهزيمة التي تلقتها ميدانياً سببها افتقارها للذخيرة، خصوصاً قذائف المدفعية. ويفيد تقرير صادر عن المخابرات الأستونية بأن مقابل كل عشر قذائف مدفعية تطلقها القوات الروسية لا تقابل إلا بقذيفة أوكرانية واحدة.

ويضيف التقرير أن روسيا وفرت لقواتها، في عام 2023، ما بين 3 و4 ملايين قذيفة، وأنها حصلت على ذخائر إضافية من بيلاروسيا وإيران وكوريا الشمالية التي مدتها بما يقارب مليوني قذيفة. وفي المقابل، فإن الاتحاد الأوروبي الذي وعد كييف في شهر مارس (آذار) الماضي بمدها، خلال عام واحد، بمليون قذيفة مدفعية من عيار «155 ملم»، أخفق في بلوغ هدفه بحيث لن يقدم للقوات الأوكرانية «سوى» 520 ألف قذيفة، إلا أن وزير الخارجية الأوكراني ديمترو كوليبا صحّح، يوم الاثنين الماضي، بمناسبة اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل، الأرقام بتأكيده أن ما حصلت عليه بلاده من القذائف لا يزيد على 400 ألف، وأنها بحاجة إلى 2.5 مليون قذيفة في عام 2024.

ممثل السياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل خلال كلمة له في ميونيخ في 18 الجاري يدق ناقوس الخطر داعياً لتوفير مزيد من الدعم للقوات الأوكرانية (إ.ب.أ)

إزاء هذا الوضع المقلق، سارع مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الأربعاء الماضي، إلى توجيه رسالة مكتوبة إلى وزراء خارجية الاتحاد ينبّههم فيها من أن «التأخر في تسليم القذائف له ثمن إنساني مرتفع يدفعه الأوكرانيون من حياة جنودهم، كما أنه يضعف القدرات الدفاعية لأوكرانيا»، مؤكداً أن أوكرانيا «بحاجة ملحة للقذائف وبكميات كبيرة».

وأضاف بوريل في رسالته: «أعتقد أنه من واجبي ومسؤوليتي أن أدعوكم، مرة أخرى، للنظر فيما يمكن القيام به من أجل دعم أوكرانيا». ومما اقترحه بوريل أن تلجأ الدول الأوروبية إلى الاستعانة بمخزوناتها من القذائف، وأن تستحصل على المزيد منها من خلال المشتريات حيث هي متوافرة. ولم يفته أن يطالب بـ«توفير تمويل فوري» لهذه المشتريات. وبحسب المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «فايننشال تايمز» اللندنية، فإن الأوروبيين يسعون حالياً لجمع 1.4 مليار يورو لشراء القذائف «حيث تتوافر»، مشيرة إلى أن الجمهورية التشيكية تقود الجهود في هذا السياق، «لكنه بحاجة إلى أن يقدم الآخرون الأموال». وتجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي أقر أخيراً مساعدات مالية لأوكرانيا حتى عام 2027 بقيمة 50 مليار يورو.

وترى مصادر أوروبية في باريس أن مشكلة الأوروبيين مزدوجة: فمن ناحية عليهم أن يبينوا أنهم قادرون على الحلول محل الأميركيين في توفير الدعم العسكري والاقتصادي والمالي لأوكرانيا لتمكينها من استعادة أراضيها المحتلة وحرمان موسكو من تحقيق النصر في هذه الحرب، أو على الأقل تمكين الجانب الأوكراني من الذهاب إلى مفاوضات (من المفترض أن تحصل يوماً ما)، من موقع قوة. ومن جانب آخر، يستشعر الأوروبيون أن الغياب الأميركي يلقي بثقله عليهم وهم يأخذون بعين الاعتبار النزعة الانعزالية الأميركية التي يركب موجتها الرئيس السابق دونالد ترمب الساعي للفوز بولاية رئاسية ثانية في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وهذا العامل يتداخل مع ضعف اقتصاداتهم وحاجتهم لشد الأحزمة وخفض نفقاتهم.

وأخيراً ثار جدل في فرنسا حيث نصت الاتفاقية الأمنية مع أوكرانيا على توفير دعم لها خلال العام الحالي قيمته 3 مليارات يورو، في حين أكد برونو لومير، وزير الاقتصاد، بعد يومين فقط على توقيع الاتفاقية، أنه يتعين على الحكومة خفض مصاريفها بما يقارب عشرة مليارات يورو.

تبدو هذه المعادلة عصية على الحل، لكن الأوروبيين يعون خطورة الوضع على التوازنات الاستراتيجية في قارتهم. وما يزيد من وطأتها «الغموض» و«انعدام اليقين» في ما يخص السياسة الأميركية وتداعياتها الداخلية ليس فقط على مصير الحرب الروسية - الأوكرانية، بل أيضاً وخصوصاً على المستقبل الأوروبي. فهل سينجح القادة الأوروبيون في اجتماعهم المقبل في باريس في العثور على المخارج الضرورية لحل الإشكالية الصعبة؟ السؤال مطروح والجواب في الآتي من الأيام.


بوتين يعلن تحديث جميع القوات النووية الروسية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
TT

بوتين يعلن تحديث جميع القوات النووية الروسية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الجمعة، تحديث 95 بالمائة من القوات النووية الاستراتيجية الروسية، وأن القوات الجوية تسلمت للتو أربع قاذفات جديدة فرط صوتية وقادرة على حمل رؤوس نووية.

أدلى بوتين بهذه التصريحات، في كلمة مسجلة بمناسبة الذكرى السنوية لـ«يوم المدافع عن أرض الآباء» في روسيا، وهو احتفال خاص بالقوات المسلحة.

وأشاد الرئيس الروسي، عشية الذكرى الثانية لاندلاع الحرب في أوكرانيا، بالجنود الذين يقاتلون هناك، ووصفهم بأنهم أبطال يقاتلون من أجل «الحقيقة والعدالة».

وقال: «اليوم، وصلت حصة الأسلحة والمعدات الحديثة في القوات النووية الاستراتيجية إلى 95 في المائة».

وأضاف: «التالي هو التطوير والإنتاج المتسلسل للنماذج الواعدة، وإدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري».

وفي الشهر الماضي، نقلت وسائل إعلام رسمية عن رئيس الشركة المصنعة لصاروخ «زيركون» الفرط صوتي قوله إن إدخال الصاروخ إلى الخدمة «ليس إجراءً سريعاً»، ويحتاج «قدراً معيناً من الاختبارات».


بعد عامين على الحرب... ما الأسباب وراء ثقة روسيا بالنصر؟

جنود روس يصطفون خلال حفل افتتاح النصب التذكاري لأفراد الخدمة الروسية الذين قتلوا خلال الحرب (رويترز)
جنود روس يصطفون خلال حفل افتتاح النصب التذكاري لأفراد الخدمة الروسية الذين قتلوا خلال الحرب (رويترز)
TT

بعد عامين على الحرب... ما الأسباب وراء ثقة روسيا بالنصر؟

جنود روس يصطفون خلال حفل افتتاح النصب التذكاري لأفراد الخدمة الروسية الذين قتلوا خلال الحرب (رويترز)
جنود روس يصطفون خلال حفل افتتاح النصب التذكاري لأفراد الخدمة الروسية الذين قتلوا خلال الحرب (رويترز)

عندما غزت روسيا أوكرانيا قبل عامين، كانت المقاومة الشرسة التي أبدتها القوات المسلحة للبلاد والدعم الغربي الساحق لكييف ـ إلى جانب بعض التجاوزات العسكرية الواضحة من جانب موسكو ـ من أسباب زيادة الآمال في قدرة الجيش الأوكراني على صد القوات الغازية.

وبعد مرور عامين، يبدو أن الآمال في تحقيق النصر الأوكراني تتضاءل على نحو متزايد، كما هو الحال مع التعهدات الغربية بدعم أوكرانيا.

في الوقت الحالي، لا تزال المساعدات العسكرية الأميركية بقيمة مليارات الدولارات غير معتمدة، مع احتمال حدوث المزيد من الصراعات في المستقبل، وتزايد إرهاق الحرب ونقص التمويل في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية الأميركية - وهو تصويت قد يشهد تنصيب إدارة أقل تعاطفاً مع الحرب الأوكرانية.

وفي ساحة المعركة، كانت الخطوط الأمامية ثابتة على نطاق واسع لعدة أشهر، باستثناء المكاسب الأخيرة التي حققتها القوات الروسية في شرق البلاد.

جندي روسي يقف بالقرب من مبنى مدمر في أفدييفكا (رويترز)

وتستمر كييف في الإصرار على أنها لا تحصل على الأدوات المناسبة لمحاربة روسيا بأقصى قدر من الفعالية، وكانت هناك تقارير عن تراجع الروح المعنوية بين قوات الخطوط الأمامية التي تواجه نقصاً في الذخيرة والأفراد. كما أدت الاحتكاكات السياسية الداخلية واستبدال القائد العسكري الشعبي الجنرال فاليري زالوجني إلى إثارة المخاوف بشأن المضي قدماً في الاستراتيجية العسكرية.

وقال جيمس نيكسي، رئيس برنامج روسيا وأوراسيا في مركز الأبحاث «تشاتام هاوس» إن «هذا العام هو الأصعب بالنسبة لأوكرانيا حتى الآن في هذه الحرب، ويرجع ذلك جزئياً إلى القلق بشأن استبدال زالوجني والانسحاب من أفدييفكا، ولكن في الغالب، بسبب عدم اليقين الهائل بشأن مستوى المساعدة الغربية»، وفقاً لتقرير لشبكة «سي إن بي سي».

وتابع: «أعتقد أنه بالنسبة لأوكرانيا، هناك فرق بسيط للغاية بين الرئيس الذي لا يستطيع تقديم مساعدات فتاكة والرئيس الذي لن يقدم مساعدات فتاكة. وبالنسبة للأوكرانيين، هذا هو الشيء نفسه، وهو سؤال وجودي». وأضاف نيكسي: «لذا فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يراهن حقاً بكل ما في وسعه على المرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترمب لأنه يعتقد أنه قادر على الفوز مهما كانت نتيجة الانتخابات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني)».

وقال: «بعبارة أخرى، يشعر بوتين بهذا الضعف، كما فعل في كثير من الأحيان في الماضي، وهو على حق تماما. ويبقى أن نرى ما إذا كانت ثقته مبررة، لكنه على الأقل يعرف بشكل أو بآخر ما هو تحت تصرفه هذا الصيف، أو في هذا الوقت من العام المقبل أو حتى بعد ذلك، ولا تستطيع أوكرانيا ببساطة أن تقول الشيء نفسه».

في حين أنه من المرجح أن يهيمن على الغرب هذا العام الاقتتال السياسي الداخلي قبل الانتخابات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبرلمان الاتحاد الأوروبي، فإن «روسيا لا تواجه أياً من هذه القيود»، كما قال نيكسي، مشيراً إلى أن موسكو «مستعدة لإلحاق قدر كبير من الضرر بروسيا نفسها في السعي لتحقيق النصر».

الدخان يتصاعد من أحد المباني في باخموت موقع أعنف المعارك مع القوات الروسية في منطقة دونيتسك (أ.ب)

تعزيز الثقة الروسية

من المؤكد أن روسيا تبدو متحمسة مع دخول الحرب عامها الثالث، حيث تعززت ثقتها بالتقدم الأخير - كان الاستيلاء على أفدييفكا الأسبوع الماضي أهم انتصار خلال تسعة أشهر، تليه مكاسب إقليمية أصغر هذا الأسبوع - والتخلص من المعارضين السياسيين في الداخل، قبيل الانتخابات الرئاسية الشهر المقبل.

وغني عن القول أنه من المتوقع أن يفوز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتصويت بسهولة، خاصة أن معظم المنتقدين يعيشون في منفى اختياري، أو ممنوعون من المشاركة السياسية، أو مسجونون أو ميتون، وكان آخرهم أليكسي نافالني الذي توفي في سجن ناء بالقطب الشمالي الأسبوع الماضي.

في حين أن مصائر الحرب لا يمكن التنبؤ بها، يشير المحللون السياسيون إلى أن روسيا تملك الكثير من الأوراق فيما يتعلق بما يحدث في الحرب.

قال كورت فولكر، سفير الولايات المتحدة السابق لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمبعوث الخاص إلى أوكرانيا، لشبكة «سي إن بي سي» إنه وجد أن هناك «الكثير من القلق بشأن الغرب والولايات المتحدة، على وجه الخصوص» خلال محادثاته مع المسؤولين الإقليميين والقادة العسكريين في أوكرانيا.

وتساءل: «هل سنقدم مستويات الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا التي قدمناها، والتي ما زالوا بحاجة إليها؟ لأنه من دون ذلك، فإنهم يشعرون بالقلق من أن روسيا لديها المزيد من الموارد، وسوف تستمر في الضغط على الجبهة، وستستمر في شراء الطائرات من دون طيار والصواريخ وإطلاقها على المدن الأوكرانية، وبالتالي فإن هذه الحرب تستمر كما هي - ليس بالضرورة بخسائر فادحة ولكن كما هي - دون استعادة الأراضي».

جنود روس يسيرون وسط الأنقاض بالقرب من سيارة مدمرة في أفدييفكا بأوكرانيا (رويترز)

روسيا تحسب المكاسب

في الأشهر الأولى من الحرب في أوكرانيا في ربيع عام 2022، تعرضت الاستراتيجية والتكتيكات العسكرية الروسية للانتقاد والسخرية في كثير من الأحيان، خاصة عندما اضطرت القوات الروسية إلى التراجع بسرعة على الجبهة الشمالية بعد محاولة فاشلة للوصول إلى العاصمة كييف.

وفي ذلك الوقت، كان يُنظر إلى القوات الروسية على نطاق واسع على أنها سيئة التجهيز وسيئة التدريب وغير منظمة، لكن محللي الدفاع لاحظوا أن الجيش الروسي تكيف وأن قوة مسلحة أكثر تنظيماً وتنسيقاً وتفاعلية ظهرت العام الماضي، وفقاً لتقرير «سي إن بي سي».

ولا يسخر أحد الآن من التكتيكات العسكرية الروسية، حيث تحصنت القوات في مواقع دفاعية شديدة التمكين والتي أحبطت هجوماً مضاداً أوكرانياً في الصيف الماضي، أو تشن عمليات هجومية، في شرق أوكرانيا في الأغلب، وفقاً للتقرير.

وتشجع الجيش وسط الاستيلاء على أفدييفكا في دونيتسك بعد أشهر من القتال العنيف. ووصف بوتين ذلك بأنه «نجاح مطلق»، مضيفا أنه «يحتاج إلى البناء عليه».

ويقول محللون إن النصر جاء في لحظة مناسبة لبوتين قبل الانتخابات المقررة في 15 و17 مارس (آذار)، وإن روسيا كانت تتطلع إلى «إثارة الذعر في الفضاء المعلوماتي الأوكراني وإضعاف الروح المعنوية الأوكرانية».

جنود أوكرانيون يقومون بتشغيل مدفع ألماني مضاد للطائرات بالقرب من مدينة أوديسا بجنوب أوكرانيا (إ.ب.أ)

ولم تؤكد روسيا أو تنفي أن ما يصل إلى 47 ألف جندي روسي، وفقاً للتقديرات الأوكرانية، ربما لقوا حتفهم في المعركة الطويلة من أجل أفدييفكا. وفي حين أنه من المستحيل الحصول على أرقام دقيقة وحديثة، فإن العدد الإجمالي للجنود الذين قتلوا أو جرحوا في الحرب، من كلا الجانبين، يبلغ نحو 500 ألف، حسبما قال مسؤولون أميركيون في أغسطس (آب) الماضي.

يشير المحللون إلى أن ما يهم موسكو هو الشكل الذي سيبدو عليه فوز أفدييفكا بالنسبة للشعب الروسي قبل الانتخابات - وما هي الإشارة التي يرسلها إلى الغرب؛ أي إن روسيا في حالة حرب طويلة الأمد، وهي عازمة على تحقيق أهدافها في أوكرانيا، مهما كان الثمن.

القوى العاملة

في الوقت الحالي، تحتل روسيا ما يقرب من خمس أراضي أوكرانيا، وأظهرت قدرتها على تعبئة مئات الآلاف من الرجال للقتال متى شاءت، ما يسلط الضوء على ميزة أخرى تتمتع بها على أوكرانيا، التي كانت تشعر بالخجل من الحاجة إلى تعبئة المزيد من المدنيين للقتال.

وأوضح فولكر: «أعتقد أنه ما دام بوتين في السلطة، فإن الحرب مستمرة، لأنه لا يهتم بعدد الروس الذين يقتلهم، وأنه سيستمر في إطلاق موجة بعد موجة (من الأفراد) على الخطوط الأمامية... ويقتل عشرات وعشرات الآلاف».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

ودعا الجيش الأوكراني إلى تعبئة 500 ألف جندي إضافي، لكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أبدى قلقه، ووصفها بأنها قضية «حساسة». كانت التعبئة بمثابة «مسألة ساخنة بين الحكومة والجيش» لم يعد من الممكن تجنبها، وفقاً لديفيد كيريتشينكو، المحلل في مركز تحليل السياسات الأوروبية.

وتابع: «الأمر الواضح هو أن أوكرانيا ليس أمامها خيار سوى حشد المزيد من الناس». وأشار إلى أن الرجال والنساء الذين يقاتلون منذ 23 شهرا يعانون من إرهاق شديد وخسائر فادحة.

وقال كيريتشينكو: «يحدث الخلاف حول التعبئة في وقت تقترب فيه معظم المساعدات العسكرية الأميركية المصرح بها من الاستنفاد ولم يقم الكونغرس بعد بتمرير حزمة مساعدات جديدة... اضطرت أوكرانيا إلى وقف كثير من عملياتها العسكرية مؤقتاً بسبب نقص الأسلحة، ويبدو الوضع على الجبهة صعباً. وفي الوقت الراهن، على الأقل، يعدّ القتال استنزافياً إلى حد كبير، وهو ما يصب في صالح روسيا. ومع ذلك، لا يوجد ما يشير إلى أن أوكرانيا ستنهي مقاومتها».