مراسم دفن «سرية» لبريغوجين... «بطل روسيا» لم يجد مكاناً في «مقبرة العظماء»

بوتين غاب والنخب السياسية قاطعت... وإجراءات التشييع لفها الغموض

صورة يفغيني بريغوجين زعيم مجموعة «فاغنر» ودميتري أوتكين أحد قادة المجموعة في نصب تذكاري مؤقت في نيجني نوفغورود بروسيا 27 أغسطس 2023 (رويترز)
صورة يفغيني بريغوجين زعيم مجموعة «فاغنر» ودميتري أوتكين أحد قادة المجموعة في نصب تذكاري مؤقت في نيجني نوفغورود بروسيا 27 أغسطس 2023 (رويترز)
TT

مراسم دفن «سرية» لبريغوجين... «بطل روسيا» لم يجد مكاناً في «مقبرة العظماء»

صورة يفغيني بريغوجين زعيم مجموعة «فاغنر» ودميتري أوتكين أحد قادة المجموعة في نصب تذكاري مؤقت في نيجني نوفغورود بروسيا 27 أغسطس 2023 (رويترز)
صورة يفغيني بريغوجين زعيم مجموعة «فاغنر» ودميتري أوتكين أحد قادة المجموعة في نصب تذكاري مؤقت في نيجني نوفغورود بروسيا 27 أغسطس 2023 (رويترز)

مثلما كان في حياته محاطا بالغموض ومثيرا للجدل، فإن مراسم وداع زعيم «فاغنر» يفغيني بريغوجين ورفاقه أحيطت أيضا بكثير من السجالات وسيطر عليها الغموض والتكتم، فضلا عن الارتباك الذي ظهر من خلال تنظيم عمليات دفن الجثامين، وسط حضور شعبي وغياب رسمي كامل.

صورة لبريغوجين يقدم الطعام لبوتين عام 2011 (أ.ب)

حتى عصر الثلاثاء لم يكن معروفا أين وكيف سوف يدفن بريغوجين. ما اتضح خلال ساعات النهار أن قيادة «فاغنر» أو ما تبقى منها على الأقل، غيرت خططا كانت معدة لدفن زعيمها. وبعد أن كان قد أعلن صباحا أن جنازة بريغوجين سوف تنطلق في سان بطرسبورغ من ساحة عامة قريبة من المكتب الرئيسي للمجموعة، ليتم دفنه في مقبرة تاريخية شمال المدينة، تم إلغاء هذه المراسم من دون توضيح الأسباب، وأطلق المكتب الصحافي لـ«فاغنر» بعد ظهر الثلاثاء، بيانا مقتضبا شابه الغموض، نفى معطيات تناقلتها وسائل الإعلام حول ترتيبات الدفن، وأعلن أنه سيتم الإفصاح لاحقا عن مراسم وداع قائد «فاغنر».

مركز «فاغنر» في سان بطرسبورغ... قد يكون تحديد مصير أصولها الاقتصادية أكثر صعوبة من الأصول الأمنية (أ.ف.ب)

أيضا بات معروفا منذ الصباح، أن النخب السياسية البرلمانية الروسية لن تشارك في أي فعاليات متعلقة بدفن ضحايا حادث تحطم الطائرة الذي أسفر عن غياب الجزء الأكبر من الصف الأول في قيادة «فاغنر». وبعد إعلان الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف أن الرئيس فلاديمير بوتين لن يحضر مراسم التشييع، لاحظ صحافيون غطوا التحركات النشطة التي شهدتها ثلاث مقابر في سان بطرسبورغ غياب كل ممثلي الأحزاب والنخب السياسية والمالية والاقتصادية التي كان بريغوجين حتى وقت قريب يعد من أشد المقربين إليها.

وردة على علم يحمل شعار «فاغنر» في نصب تذكاري بالقرب من مركز المجموعة السابق في سان بطرسبورغ (رويترز)

وباستثناء وجود اثنين من أعضاء مجلس الدوما (النواب) أحدهما عن الحزب «القومي الليبرالي الديمقراطي» وآخر عن حزب «روسيا الموحدة» فقد نقلت وسائل إعلام مقربة من «فاغنر» أن «غياب النخب الروسية كان كاملا».

روس أمام نصب تذكاري مؤقت لتذكر زعيم «فاغنر» الراحل في موسكو أمس (أ.ف.ب)

لكن الأبرز من ذلك، أنه اتضح خلال ساعات النهار أن قيادة «فاغنر» أحاطت بسرية مطلقة خطط دفن زعيمها، واكتفت بالإعلان عن دفن بعض المقربين منه. وعزت بعض المصادر الإعلامية ذلك لعدم اتضاح الموقف حول مكان الدفن، وما إذا كان سوف يسمح بدفن بريغوجين في المقبرة التاريخية حيث يرقد عدد من الشخصيات المرموقة. وهو أمر له دلالات خاصة لأن بريغوجين الحاصل على ثلاثة أوسمة من رئيس البلاد، لديه أيضا لقب «بطل روسيا»، ما يوجب إقامة جنازة عسكرية بحضور رسمي وأن يدفن في مقبرة «تليق بلقبه»، وفقا لما أوردته شبكة «فانتانكا» المحلية في سان بطرسبورغ.

مشيعون يمشون إلى جانب سيارة تحمل جثمان فاليري تشيكالوف أحد قادة «فاغنر» خلال جنازته في سان بطرسبورغ بروسيا 29 أغسطس 2023 (رويترز)

دفن أبرز مساعدي بريغوجين

يوم الاثنين، بدأت كثير من المقابر في سان بطرسبرغ الاستعدادات لجنازات قادة «فاغنر» الذين لقوا حتفهم في حادث تحطم طائرة رجل الأعمال الثلاثاء الماضي. ومع تجمهر آلاف المشيعين، اتضح أن المنظمين اكتفوا بدفن فاليري تشيكالوف وهو أحد أقرب مساعدي بريغوجين.

صباح الثلاثاء، تم إغلاق مدخلي مقبرتين في سان بطرسبورغ، سيفيرنوي وسيرافيموفسكوي، حيث توقع الجميع أن يرقد بريغوجين. وسرعان ما بدأ الناس يتدفقون على مقبرة «سيفيرنوي» وتم إحضار تابوت وتجمعت سيارات التشييع، وكان من بين المشيعين أنصار بريغوجين، بالإضافة إلى أشخاص يرتدون قمصان «فاغنر». ولم يتضح إلا في وقت متأخر أن مراسم دفن بريغوجين قد تأجلت، وغادرت سيارات التشييع المكان بشكل مفاجئ.

يفغيني بريغوجين خلال مراسم دفن ديميتري مينشكوف (أ.ب)

والمعلومات المعروفة عن فاليري تشيكالوف البالغ من العمر 47 عاماً أنه كان يرأس شركات في سان بطرسبورغ مرتبطة ببريغوجين. وتم إدراجه على قوائم العقوبات الأوكرانية والأميركية.

وقد تم تعيينه في وقت سابق نائباً لبريغوجين في «فاغنر» وكان مسؤولاً عن لوجستيات النقل. وبين الأعوام 2011-2018، قاد تشيكالوف شركة خدمات في سان بطرسبورغ. في عام 2012، أصبحت هذه الشركة من الهياكل المتعاونة مع بريغوجين في تنفيذ عقد ضخم لتزويد الجيش الروسي بالمواد الغذائية.

كما ترأس تشيكالوف شركة «نيفا» التي تم إنشاؤها عام 2014، وامتلك نصف أصول الشركة. وتمتلك هذه الشركة مجموعة «يورو بوليس» التي نشطت منذ عام 2017، في سوريا. وكتبت «فونتانكا» نقلاً عن مصدر مقرب من وزارة الطاقة الروسية، أنه في ذلك الوقت، حصلت الشركة على حق حماية وتطوير حقول النفط والغاز في سوريا. وتخضع «يورو بوليس» لعقوبات الاتحاد الأوروبي منذ عام 2021.

 

جنازة «سرية» لبريغوجين

في الوقت نفسه، استمرت الاستعدادات لجنازة بريغوجين نفسه وسط ترتيبات وصفت بأنها سرية. لم تظهر أي معلومات محددة عن مكان جنازة رجل الأعمال إلا في وقت متأخر للغاية. لكن اللافت أن ترتيبات كبرى أقيمت في ساحة «فيلق كاديت» على جسر يونيفرسيتيتسكايا. القريبة من المكتب الرئيسي لـ«فاغنر» لكن اتضح لاحقا أن المراسم ألغيت.

اللافت أن منصات إعلامية قريبة من «فاغنر» كتبت أنه «لم يظهر أي حضور للأمن ورجال الشرطة في المنطقة» في إشارة إلى أن ترتيبات الجنازة لم يتم تنسيقها مع الجهات الرسمية.

وفي وقت لاحق تبين أن تناقض المعلومات حول الجنازة مرتبط بعدم منح مكان في مقبرة «سيفيرنوي» لدفن بريغوجين وأقرب مساعديه ديمتري أوتكين. ونقلت منصات أن التبرير كان «عدم وجود أماكن» وترددت معطيات عن أنه تم توجيه المجموعة لدفن رجل الأعمال في مقبرة «سيرافيموفسكي» مع أوتكين. وما زاد من حال الإرباك أن ترتيبات سريعة ظهرت في مقبرة ثالثة حيث وصلت إليها سيارات تنقل جثامين، قبل أن تغادرها بعد ساعات من دون القيام بعمليات الدفن.

تجمهر آلاف المشيعين لدفن فاليري تشيكالوف وهو أحد أقرب مساعدي بريغوجين (أ.ب)

وبدا أن قيادة «فاغنر» لم ترغب في الموافقة على دفن زعيمها في مقبرة «سيرافيموفسكي»، وكتبت «فونتانكا» أن «هذه مقبرة بسيطة، حيث تم دفن (الفاغنريين) الذين قتلوا في الحرب»، وكان بريغوجين نفسه قد خاض معارك وسجالات مع سلطات المدينة من أجل السماح بدفن قتلاه في هذه المقبرة، ووافقت السلطات بعد تمنع طويل، قالت وسائل إعلام إنه مرتبط بأن غالبية القتلى كانوا من أصحاب السوابق الذين أخرجهم بريغوجين من السجون وأرسلهم إلى ساحات القتال. في ذلك الوقت رد زعيم «فاغنر» بقسوة مذكرا بأن «هؤلاء قتلوا وهم يدافعون عن روسيا بينما البيروقراطيون الخونة يجمعون الأموال، ويقضون سهراتهم بأمان في منازلهم». لم يكن بريغوجين يعلم في ذلك الوقت أنه كان يخوض معركة للدفاع عن مكان قد يدفن فيه هو لاحقا. لكن اتضح لاحقا أن قيادة «فاغنر» دفنت زعيمها في مقبرة نائية وغير معروفة كثيرا، واكتفت المنصة الإعلامية للمجموعة ببث بيان مقتضب كتبت فيه: «تم دفن يفغيني بريغوجين في مقبرة بوروخوفسكوي، وكانت مراسم التشييع مغلقة واقتصرت على مقربين»، فيما لم تعلن أي تفاصيل عن مكان وموعد دفن الشخص الثاني في «فاغنر» ديمتري أوتكين.


مقالات ذات صلة

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

الاقتصاد صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، عبر شبكة معقدة من الإمدادات والأنابيب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: تخفيف العقوبات على نفط روسيا يساعدها في تمويل حربها على أوكرانيا

دان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تخفيف العقوبات على النفط الروسي بعدما مدَّدت الولايات المتحدة إعفاء يهدف لتخفيف حدة ارتفاع الأسعار جرَّاء حرب الشرق الأو

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ألكسندر لوكاشينكو رئيس روسيا البيضاء (أ.ب)

لوكاشينكو: مستعد للقاء ترمب فور إعداد «اتفاق كبير» بين أميركا وبيلاروسيا

قال ألكسندر لوكاشينكو، رئيس بيلاروسيا، إنه سيكون مستعداً للقاء نظيره الأميركي، دونالد ترمب، فور إعداد «اتفاق كبير» بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (مينسك)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

كثّفت القوات الأوكرانية هجماتها على مستودعات ومصافي النفط الروسية، التي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».


الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)

ذكرت الشرطة البريطانية، الأحد، أنها تُحقق فيما إذا كانت الهجمات بإشعال حرائق متعمدة على مواقع يهودية في لندن، من عمل وكلاء إيرانيين.

وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجال شرطة مكافحة الإرهاب يحققون في الهجمات التي استهدفت معابد يهودية ومواقع أخرى مرتبطة بالجالية اليهودية، بالإضافة إلى هجوم استهدف شركة إعلامية ناطقة باللغة الفارسية.

ولم يصب أي شخص في هذه الحرائق، وكان آخرها قد ألحق أضراراً طفيفة بمعبد يهودي في شمال لندن مساء أمس.

وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة، فيكي إيفانز، إن جماعة تُطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت عبر الإنترنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

وأضافت: «نحن على دراية بالتقارير العلنية التي تُشير إلى احتمال وجود صلات بين هذه الجماعة وإيران. وكما هو متوقع، سنواصل التحقيق في هذا الاحتمال مع تطور مجريات التحقيق».

وتابعت: «سبق أن تحدثت عن استخدام النظام الإيراني وكلاء من العناصر الإجرامية، ونحن ندرس ما إذا كان هذا الأسلوب يجرى استخدامه هنا في لندن».

ووصفت الحكومة الإسرائيلية «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بأنها جماعة حديثة التأسيس، يُشتبه في وجود صلات لها بجماعة تعمل «لحساب إيران»، وقد أعلنت هذه الأخيرة أيضاً مسؤوليتها عن هجمات استهدفت معابد يهودية في بلجيكا وهولندا.


حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

أثار تحذير وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مما وصفه بـ«آثار مدمّرة» قد تترتب على انسحاب محتمل للولايات المتحدة من البنية الأمنية الأوروبية تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك خطط موضوعة للتعامل مع هذا الاحتمال.

وقال فيدان إن مناقشات جارية حول كيفية إدارة آثار الانسحاب الأميركي المحتمل، أو التخفيف منها، مضيفاً أنه قد يكون «مدمراً» لأوروبا إذا جرى تنفيذه بطريقة غير منسقة.

واستند حديث فيدان، الذي أتى خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي اختتم أعماله في جنوب تركيا، الأحد، إلى تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في وقت سابق، بسحب بلاده من حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد أن رفض الأعضاء الأوروبيون في الحلف إرسال سفن لفتح مضيق هرمز عقب اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأدّى القرار الأوروبي إلى تفاقم الخلافات التي كانت قد تصاعدت منذ إعلان ترمب رغبته في الاستحواذ على غرينلاند.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

وتركيا هي ثاني أكبر قوة في «الناتو»، لكنها تواجه عقبات في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال فيدان إنه كان يُعبّر منذ فترة طويلة عن شكواه من أن دول الاتحاد الأعضاء في الحلف تتصرف كأنها «نادٍ منفصل»، وتتخذ قراراتها بمفردها، حتى لو كان ذلك يتعارض مع موقف الحلف، وأرجع الموقف الأميركي إلى هذا السبب.

خطة أوروبية

وجاءت تصريحات فيدان، بالتزامن مع تقارير في صحف تركية قريبة من الحكومة، تحدثت فيها عن تحركات أوروبية لوضع خطة بديلة تحسباً لأي تراجع محتمل في الدور الأميركي داخل «الناتو» وخيارات تركيا الاستراتيجية تجاه ذلك، بما فيها إمكانية تعزيز التحالف مع الصين وروسيا، الذي تحدّث عنه علناً رئيس حزب «الحركة القومية» الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، محبذاً فكرة أن تُشكل تركيا تحالفاً مع روسيا والصين.

وقال دولت بهشلي، رئيس حزب «الحركة القومية»، في كلمة أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، الثلاثاء الماضي: «إن موقع تركيا الجيوسياسي والجيوستراتيجي يستلزم سياسة خارجية حذرة ومتأنية ومتعددة الأبعاد»، معيداً بذلك التذكير بتصريحات أدلى بها العام الماضي حول الموضوع ذاته.

ولاحقاً، ذكرت صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية أن خطة بديلة لإعادة تشكيل هيكل الدفاع في أوروبا بدأت تتبلور، وذلك رداً على احتمال انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» وتفاقم أزمة الثقة في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.

رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي تحدث عن أهمية تحالف تركيا مع روسيا والصين (حساب الحزب في «إكس»)

وقالت الصحيفة، فيما يعد تأكيداً لحديث فيدان عن المناقشات حول تأثير الانسحاب الأميركي المحتمل على البنية الأمنية الأوروبية، إن الخطة البديلة، التي وصفتها بـ«الخطة ب»، جرى بحثها في اجتماعات رسمية واتصالات دبلوماسية، وكذلك عبر قنوات غير رسمية مثل مآدب العشاء، ما يعكس أنها لم تعتمد بوصفها سياسة رسمية بعد، لكنها في مرحلة تحضيرية متقدمة.

وحسب مسؤولين أوروبيين، فإن هذه الخطة لا تستهدف إنشاء بديل لـ«الناتو»، بل الحفاظ على قدرات الردع، خصوصاً في مواجهة روسيا؛ حيث تسعى الدول الأوروبية إلى لعب دور أكبر في هياكل القيادة داخل الحلف، وسد الفراغ الناتج عن تراجع القدرات الأميركية عبر إمكاناتها الخاصة.

وتطرقت صحيفة «ميلليت» إلى الشراكات الجديدة التي سيُسفر عنها هذا الانسحاب، بما في ذلك إمكانية التعاون العسكري بين تركيا وروسيا والصين.

ونقلت عن الأدميرال التركي المتقاعد، جيم غوردينيز، أن وجود نظام تعاون ثلاثي يجمع تركيا وروسيا والصين، مع إمكانية ضم إيران ودول أخرى مستقبلاً، سيكون كفيلاً بتغيير الجغرافيا السياسية العالمية.

روته يستبعد انسحاب أميركا

لكن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، نفى التكهنات حول إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، قائلاً إنه «يتفهم إحباط ترمب من الحلف، كما دعا أوروبا إلى تعزيز صناعتها الدفاعية». وقال روته، في مقابلة مع صحيفة «دي فيلت» الألمانية، الأحد: «لا أرى الولايات المتحدة تنسحب من (الناتو)، ولا أشك في استمرارها في حماية أوروبا بالأسلحة النووية». وأضاف الأمين العام لـ«الناتو»: «المظلة النووية الأميركية هي الضامن الأخير للأمن هنا في أوروبا، وأنا على يقين بأنها ستبقى كذلك».

جانب من لقاء ترمب وروته في واشنطن (أ.ب)

ويحتاج ترمب إلى موافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي على قرار الانسحاب من «الناتو»، وهو سيناريو يعد مستبعداً للغاية.

وكرر روته ما قاله بعد اجتماعه مع ترمب في البيت الأبيض، الأسبوع الماضي، عقب إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، قائلاً: «من الواضح أنه يشعر بخيبة أمل تجاه عدد من حلفاء (الناتو)، وأتفهم وجهة نظره».

وزير خارجية ليتوانيا كيستوتيس بودريس متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» (إعلام تركي)

في السياق ذاته، رفض وزير خارجية ليتوانيا، كيستوتيس بودريس، الدعوات إلى إنشاء هيكل دفاعي أو «جيش أوروبي» مستقل، مؤكداً ضرورة تركيز الجهود، بدلاً من ذلك، على تعزيز إطار حلف «الناتو» القائم.

ووجّه بودريس، في تصريحات على هامش مشاركته في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت، اللوم إلى الدول الأوروبية، قائلاً إنها لا تبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف «الناتو» المتفق عليها، مشككاً في جدوى العمل بشكل مستقل.

وقال: «إذا كنا لا نبذل ما يكفي لتحقيق خطط وأهداف حلف (الناتو)، بما في ذلك الولايات المتحدة، فكيف لنا أن نفعل ذلك بمفردنا؟». ورأى أن قمة «الناتو» المقبلة التي ستعقد في أنقرة، يوليو (تموز) المقبل، ستكون اختباراً حاسماً لوحدة الحلفاء ومصداقيتهم، مشدداً على ضرورة أن يعيد الأعضاء تأكيد التزاماتهم تجاه الحلف.