روسيا وأفريقيا نحو شراكة استراتيجية تتحدى «هيمنة الغرب»

أمن الغذاء ومكافحة الإرهاب وملفات التنمية على طاولة بوتين وزعماء القارة

بوتين يتوسط قادة أفريقيا (رويترز)
بوتين يتوسط قادة أفريقيا (رويترز)
TT

روسيا وأفريقيا نحو شراكة استراتيجية تتحدى «هيمنة الغرب»

بوتين يتوسط قادة أفريقيا (رويترز)
بوتين يتوسط قادة أفريقيا (رويترز)

سيطرت أجواء ودية (الجمعة)، خلال أعمال الجلسة العامة للقمة الروسية - الأفريقية الثانية في عاصمة الشمال الروسي سان بطرسبرغ. ومع حرص غالبية الزعماء الحاضرين على التذكير بإسهامات الاتحاد السوفياتي السابق في تحرير بلدانهم من الاستعمار الغربي، والتأكيد أن العلاقة مع روسيا تعد امتداداً للإرث التاريخي من الصداقة والتعاون، هيمنت ملفات عدة تشغل بال القارة الأفريقية حالياً، على النقاشات في الشق المفتوح من الجلسة، التي حضرها إلى جانب الرئيس فلاديمير بوتين رؤساء ومسؤولون من 49 بلداً أفريقياً.

وفي ظل توافق روسي أفريقي على رفض الهيمنة الغربية والدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب تشغل فيه القارة الأفريقية مكانة مرموقة، لم تخفِ العبارات البروتوكولية للزعماء الأفارقة قلق بلدانهم بسبب احتدام المواجهة مع الغرب واستمرار الحرب الأوكرانية التي تهدد الأمن الغذائي وأمن واستقرار العالم.

بوتين مع عدد من قادة أفريقيا في القمة الثانية بسان بطرسبرغ (تاس - إ.ب.أ)

ورغم تأكيد الأطراف التوجه «الاستراتيجي» للشراكة بين روسيا وبلدان القارة فقد برز نوع من التباين في الأولويات بين الطرفين. وفي حين انصبّ التركيز الروسي على المواجهة القائمة حالياً مع الغرب، وضرورات إيجاد آليات لزيادة تنسيق السياسات المالية والاقتصادية في مواجهة العقوبات الغربية، فإن الجانب الأفريقي ركز أكثر على متطلبات التنمية وبناء البنى التحتية وملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والتهديدات المعاصرة.

في خطابه الاستهلالي، شنَّ بوتين هجوماً قوياً على الغرب، وربط كل مصائب أفريقيا بالماضي الاستعماري في القارة. وقال الرئيس الروسي إن سبب «الوضع غير المستقر في الكثير من مناطق أفريقيا، يعود إلى إرث الحقبة الاستعمارية». وزاد أن «النزاعات العرقية والإثنية، لا تزال مستمرة ولم يتم حلها في الكثير من المناطق الأفريقية، والأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحادة لا تزال باقية ومتفاقمة». وقال بوتين: «هذا بالطبع، إرث ثقيل من الحقبة الاستعمارية، حيث ساد مفهوم (فرِّق تَسُدْ) الذي اتّبعته الدول الغربية في أفريقيا».

بوتين مع رئيس جنوب أفريقيا (رويترز)

وشدد الرئيس الروسي على أن القارة الأفريقية أصبحت لاعباً متزايد الأهمية على المسرح العالمي، ومركزاً جديداً للقوة. أيضاً، رمى بوتين بالمسؤولية عن ارتفاع الأسعار العالمي الذي تعاني منه القارة بشكل واسع، على الغرب، نافياً أن الحرب الأوكرانية سبب في تفاقم المشكلات الاقتصادية في العالم. وقال بوتين إن «السبب الحقيقي لارتفاع الأسعار عالمياً بما في ذلك المواد الغذائية، يعود ليس لأزمة أوكرانيا وإنما لسياسات غير محسوبة في مجال الطاقة اعتمدها الغرب». وأوضح أن «الأزمة في أسواق الأغذية ظهرت في أثناء مكافحة وباء فيروس كورونا عندما أغلقت الدول الصناعية مصانعها واضطرت لدعم سكانها على حساب الآخرين». وزاد أن «التيسير الكمي الذي تم بموجبه طبع العملات الورقية غير المغطاة، هو أيضاً أثّر في تفاقم الأزمة».

بوتين مع رئيسة جزر القمر أزالي السوماني (أ.ف.ب)

واتهم بوتين الغرب بأنه «لجأ في الطاقة إلى موارد صديقة للبيئة بسياسة غير مدروسة... خطأ وراء آخر وهو ما قلب الأمور رأساً على عقب في سوق الأسمدة وسوق الطاقة، وهذا هو السبب في ارتفاع الأسعار في جميع المجالات، والذي ظهر حتى قبل اندلاع الأزمة الأوكرانية». وأقرَّ بأن «أحداث أوكرانيا حفَّزت هذه العملية إلى حد ما، لكنها ليست السبب الأساسي للمشكلة».

وأكد الرئيس الروسي أن بلاده «متضامنة مع أفريقيا نحو عالم متعدد الأقطاب وترفض استغلال المناخ وحماية حقوق الإنسان لأغراض سياسية تعارض سياسة إملاء القواعد بدل القوانين، التي يفرضها الغرب».

وقال إن روسيا على استعداد لدرس مقترحات خاصة بتوسيع تمثيل أفريقيا في هيئة الأمم المتحدة بما في ذلك ضمن سياسة إصلاح مجلس الأمن الدولي.

وفي الملف الأمني الذي يشغل الأفريقيين كثيراً، قال إن روسيا تهتم بالتعاون الوثيق بين هيئات إنفاذ القانون الأفريقية والأجهزة الروسية المنوطة بذلك.

وأشار إلى المساعدة العسكرية الكبرى التي تقدمها بلاده لبلدان القارة، وقال إن عدداً من الدول الأفريقية يشارك في تدريبات عسكرية مع القوات الروسية، و«نزوّد نحو 40 دولة أفريقية بالأسلحة لجيوشها في إطار اتفاقيات ثنائية».

وتعهد بوتين بمواصلة هذا المسار، وقال إن روسيا مستعدة لتنشيط تحركاتها لدعم المشروعات التحديثية في القارة، وتقديم العون في مسائل إعداد الكوادر المؤهلة. لكنه تطرق مجدداً إلى المواجهة مع الغرب، وقال إن متطلبات زيادة التبادل التجاري وتنويعه تقف اليوم كواحدة من أولويات الطرفين، مشيراً إلى أهمية الانتقال نحو التعامل بالعملات الوطنية لتجاوز العقوبات الغربية وتحسين قدرات الأطراف على توسيع التعاون.

ولفت بوتين إلى أن النشاطات التي نُظمت على هامش القمة خلال يومين، دلّت على أن روسيا وأفريقيا تريدان توطيد تعاونهما في عدد من القطاعات، و«لدى رجال أعمالنا ما يعرضونه على زملائهم في أفريقيا».

وفي ملف الأمن الغذائي، تعهّد بوتين بزيادة واسعة في إمدادات الحبوب إلى القارة، وقال إن «حجم إمدادات الحبوب في العام الماضي بلغ 11 مليون طن، وخلال النصف الأول من هذا العام بلغ حجم الإمدادات 10 ملايين طن، على الرغم من كل العقوبات غير الشرعية ضدنا».

وأكد أن بلاده سوف توفر الإمدادات الغذائية اللازمة في إطار برنامج الأمم المتحدة، كما تنوي تطوير دعمها بلدان القارة في التكنولوجيات الزراعية. وقال بوتين لضيوفه: «مستعدون جنباً إلى جنب مع الدول الصديقة أن نعمل من أجل المستقبل وبناء شراكة استراتيجية متبادلة المنفعة. نقيم علاقات مع كل دولة أفريقية، ونقيم تلك العلاقات في إطار عالم متعدد الأقطاب».

بدوره، أعرب رئيس الاتحاد الأفريقي عثمان غزالي، عن ارتياح لـ«التعاون الفعال بين قارتنا وروسيا. وقد لمسنا في أثناء عملنا الأجواء الإيجابية والمستقبل الباهر لصداقتنا، لا سيما إذا ما انخرط في هذا العمل الشباب. علينا أن نهيئ الموارد البشرية، للعمل في مجال التكنولوجيا الرقمية ما يشجّع الاستثمارات الأجنبية».

ومع تأكيد كل الوفود الأفريقية رفض التركة الاستعمارية لكن تفاوتت الكلمات في الجلسة الموسَّعة بين أطراف ركزت فقط على الهيمنة الغربية وضرورات التعاون مع روسيا لمواجهة «الاستعمار الجديد» كما قال رئيس بوركينا فاسو والقائم بأعمال الرئاسة في مالي، وهما بلدان لعبت فيهما روسيا دوراً عسكرياً مباشراً لمواجهة الوجود الفرنسي.

وحض الطرفان الدول الأفريقية على تبني مواقفهما وأنه «يجب على قادة الدول الأفريقية ألا يكونوا دمية في أيدي الإمبرياليين والمستعمرين».

في حين ركزت كلمات أخرى للقادة الأفارقة على أهمية تصحيح «خطأ تاريخي» حرم القارة السمراء من التمثيل العادل في المؤسسات الدولية. وطالب بعضهم روسيا بأن تؤدي دوراً لتصحيح هذا الخطأ.

بوتين مع الرئيس التنزاني (رويترز)

وقال رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى إن البلدان الأفريقية لديها ثروات هائلة لا يتم استغلالها جيداً. ودعا روسيا إلى المساعدة في تطوير بناها التحتية.

وهو أمر ركز عليه رئيس الكونغو في مداخلته التي شددت على أن «هدفنا هو التنمية، لقد حاربنا الاستعمار في الماضي واليوم علينا أن نواجه تحديات معاصرة وأن نعمل من أجل رفاهية ما يصل إلى ملياري أفريقي بحلول عام 2050».

وزاد أن القارة الأفريقية تحتاج إلى الكهرباء، وأن نحو 600 مليون أفريقي يعيشون في الظلام. وزاد: «نحتاج إلى الكهرباء من أجل تدشين الصناعات، وعلينا بناء سكك الحديد والبنى التحتية للتجارة والنقل»، مذكّراً بأن القارة الأفريقية «لا تتوقع السخاء من أحد، ولا نقف ممدودي اليدين، ولكننا نرى أن للتعاون بين روسيا وأفريقيا مستقبلاً مشرقاً».

وفي كلمته دعا رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، إلى تعزيز تعاون البلدان الأفريقية مع مجموعة «بريكس». وقال إن «الشركاء في (بريكس) يشاركون في الدعم الاقتصادي لأفريقيا».

وزاد أن «الدول الأفريقية يجب أن تقرر مصيرها بنفسها كشعوب وككيان مشترك. لدينا مصادر وموارد علينا أن نستفيد بها من أجل مصلحة أفريقيا». وقال إن بلدان القارة تريد أن تقوم بتصدير المنتجات الجاهزة ذات القيمة المضافة، و«لا بد أن يكون هناك احترام لما نقوم به على المستوى الوطني. يجب علينا أن نوقف البلدان التي تستغل مواردنا الطبيعية عند حدها».

ورأى أن قمة روسيا - أفريقيا هي فرصة لتعميق وتعزيز التعاون الدولي والشراكة من أجل التنمية الأفريقية. مؤكداً الترحيب بتركيز القمة على التعاون والاستثمارات و«العمل على الاستفادة من قدراتنا وكفاءاتنا». وزاد أن «علينا مسؤولية أن نعمل من أجل السلام والأمن، وأن نبذل قصارى جهودنا للحد من الأزمات والصراعات والحروب. نحن في جنوب أفريقيا واثقون من أن المفاوضات والحوار هما السبيل الوحيد لحل الأزمات».

من جانبه أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن القمة تُعقد «في ظرف دولي بالغ التعقيد ومناخ عام يتسم بدرجة عالية من الاستقطاب». وقال إن الدول الأفريقية هي «دول ذات سيادة تنشد السلم والأمن وتبحث عن التنمية المستدامة التي تحقق مصالح شعوبها أولاً وتنأى بنفسها عن الصراعات»، مؤكداً الحاجة لمواجهة «عدد ضخم من التحديات التي تهدد محددات أمن القارة وحقوق الأجيال القادمة».

وحث السيسي بشكل غير مباشر، روسيا على دفع التسوية في الصراع الأوكراني، وقال إن «مصر كانت رائدة وسباقة في انتهاج مسار السلام». موضحاً أن حلحلة الصراعات يجب أن تتأسس على ميثاق الأمم المتحدة وضرورة التعامل مع مسببات الأزمات لا سيما المتعلقة بمتطلبات الأمن القومي للدول.

وقال إن مصر تندد بالعقوبات غير الشرعية خارج إطار القوانين الدولية. كما أكد أهمية إيجاد حلول عاجلة لأزمة الحبوب والأسمدة، مع البحث عن الدعم في مجال التكنولوجيات الزراعية لأفريقيا.

بوتين مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، برزت دعوات بعض القادة إلى وضع استراتيجية واضحة للتعاون المستقبلي بين روسيا وبلدان القارة، تقوم على «خريطة طريق» مدروسة وتضع سقفاً زمنياً لتنفيذ مشروعات حيوية مهمة. وشكَّلت هذه نقطة بارزة لم تتطرق إليها القيادة الروسية خلال الحوار، تضاف إلى مسألة القلق المتزايد على متطلبات الأمن الغذائي للقارة رغم التطمينات الروسية حول زيادة الصادرات من الحبوب. وهو أمر برز من خلال تركيز غالبية القادة الأفارقة على أهمية التعامل بشكل إيجابي مع المبادرة الأفريقية للسلام التي كانت بلدان القارة قد اقترحتها في وقت سابق. وهو أمر تجنب الرئيس الروسي الرد عليه في الجلسة المفتوحة، مكتفياً بالإشارة إلى أن هذا الموضوع «سيكون محور مناقشات خلال أعمال القمة»، وزاد أن «الوساطة الأفريقية للأزمة الأوكرانية مهمة لأن أفريقيا على استعداد لحل القضايا الدولية، وليست وساطة مما يسمى (العالم الديمقراطي الحر)».


مقالات ذات صلة

روسيا وأوكرانيا تستأنفان الهجمات بعد انقضاء هدنة عيد الفصح

أوروبا تصاعد الدخان جراء هجوم روسي على مدينة زابوريجيا الأوكرانية اليوم (أ.ب)

روسيا وأوكرانيا تستأنفان الهجمات بعد انقضاء هدنة عيد الفصح

أعلن كل من روسيا وأوكرانيا تجدد الهجمات بالمُسيّرات، الاثنين، بعد انقضاء هدنة مُدّتها 32 ساعة اتُّفق عليها لمناسبة عيد الفصح، وتبادل الطرفان الاتهامات بخرقها.

«الشرق الأوسط» (كييف )
تحليل إخباري مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)

تحليل إخباري هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

هزيمة انتخابية مؤلمة لرئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي مضى عليه 16 عاماً متواصلة في الحكم، تحوّل خلالها كابوساً لمؤسسات الاتحاد الأوروبي

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال قداس عيد الفصح الأرثوذكسي في كاتدرائية المسيح المخلص في موسكو (أ.ف.ب) p-circle

كييف وموسكو تتبادلان اتهامات بخرق هدنة عيد الفصح

تبادلت أوكرانيا وروسيا اتهامات اليوم (الأحد) بخرق هدنة قائمة لمناسبة عيد الفصح.

«الشرق الأوسط» (خاركيف (أوكرانيا))
أوروبا جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب) p-circle

هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تتعثر

اتهمت القيادة العسكرية الأوكرانية روسيا بانتهاك هدنة عيد الفصح الأرثوذكسي مراراً، مع تسجيلها 470 حادثة تتراوح بين الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة والقصف

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نيران تشتعل بمبنى أصابته مسيّرة أوكرانية في بيلغورود (رويترز)

روسيا: إصابة 5 في هجمات لأوكرانيا على منطقتين حدوديتين رغم الهدنة

قال حاكما منطقتَين حدوديَّتين روسيَّتين إنَّ طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت أهدافاً في منطقتَي كورسك وبيلغورود؛ مما أسفر عن إصابة 5 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، الاثنين، بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له، ما جعل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في حاجة إلى الموازنة بين علاقات إيطاليا الوثيقة بالفاتيكان وتحالفها مع ترمب، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأثار ترمب ضجة كبيرة بعد أن وصف البابا ليو بأنه «فظيع»، ما تطلب رداً مباشراً ونادراً من البابا الذي أكد أنه «لا يخشى» الإدارة الأميركية، وسيواصل التنديد بالحرب التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، والدفاع عن المهاجرين.

وأصدرت ميلوني، التي وطدت علاقاتها مع ترمب خلال السنوات القليلة الماضية، بياناً تدعم فيه البابا ليو الذي انطلق في جولة لزيارة أربع دول أفريقية، لكنها لم تشر بشكل مباشر إلى انتقادات الرئيس الأميركي.

وقالت: «نسأل الرب أن تساعد خدمة الأب الأقدس في تعزيز حل النزاعات وعودة السلام، داخل الدول وفيما بينها»، موضحة دعمها للبابا دون توجيه انتقادات صريحة لترمب.

واستغل معارضون سياسيون هذا التجاوز، ويعتقد هؤلاء أن قرب ميلوني من ترمب بات يشكل عائقاً انتخابياً في بلد ينظر 66 في المائة من سكانه بشكل سلبي للرئيس الأميركي بسبب سياسته الخارجية العدوانية.

وقال أنجيلو بونيلي، وهو شخصية بارزة في حزب «الخضر» المنتمي لليسار: «بصفتي كاثوليكياً، يتملكني شعور بالغضب من رئيسة وزراء تستحضر القيم المسيحية، لكنها لا تملك القوة والشجاعة للتنديد بإساءة ترمب غير المقبولة بحق البابا والعالم الكاثوليكي». وأشار بونيلي إلى منشور لترمب في وقت لاحق ظهرت فيه صورة له مولدة بالذكاء الاصطناعي تصوره في هيئة السيد المسيح.

غير أن نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، الذي كان أيضاً مرتبطاً بعلاقات جيدة مع ترمب في السابق، كان أكثر صراحة في انتقاده للرئيس الأميركي، وسلّط الضوء على محاولات اليمين المتطرف في أوروبا النأي بنفسه عن دائرة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» الأميركية الموالية لترمب.

وقال رئيس الوزراء السابق ماتيو رينتسي المنتمي لتيار يسار الوسط: «لم نشهد منذ قرون مثل هذا التصرف العدائي الصارخ ضد بابا الفاتيكان»، مضيفاً أنه من الضروري أن يدافع الكاثوليك وغيرهم على حد سواء عن البابا ليو.


ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

TT

ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)
بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)

دعا الفائز في الانتخابات المجرية، بيتر ماغيار، الرئيس المجري إلى دعوة البرلمان للانعقاد من أجل تشكيل حكومة جديدة «في أسرع وقت ممكن»، آملاً في أن يتولى منصب رئيس الوزراء خلفاً لـ فيكتور أوربان ابتداءً من الخامس من مايو (أيار)، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال ماغيار خلال مؤتمر صحافي عقده الاثنين عقب الفوز الساحق الذي حققه حزبه في انتخابات الأحد، إن حزبه «تيسّا» حصل على «تفويض غير مسبوق». وأضاف: «لم يصوّت الشعب المجري من أجل مجرد تغيير حكومة، بل من أجل تغيير كامل في النظام». ويتيح هذا التفويض الكبير لحزب «تيسّا» إطلاق برنامج إصلاحي واسع وطموح.

زلزال انتخابي يطيح أوربان

بعد الزلزال الانتخابي الذي رفض فيه الناخبون بأغلبية ساحقة رئيس الوزراء القريب من روسيا فيكتور أوربان، بدأ المجريون يتساءلون عما ينتظرهم في عهد زعيمهم الجديد بيتر ماغيار، الإصلاحي المؤيد لأوروبا الذي تعهّد بإحداث تحوّل جذري في الثقافة السياسية للمجر.

وخلال حملته الانتخابية، وعد ماغيار بإنهاء انجراف المجر نحو روسيا وإعادة توثيق علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين. كما تعهّد للناخبين بأنه بعد 16 عاماً من الحكم السلطوي وتراجع سيادة القانون في عهد أوربان، سيكافح الفساد ويؤسس لـ«مجر مسالمة وفعالة وإنسانية».

إلا أن طبيعة هذه التغييرات ما زالت غير واضحة بالكامل. فخلال سنوات حكمه الطويلة، حكم أوربان بأغلبية برلمانية تبلغ الثلثين؛ ما مكّنه من تمرير دستور جديد، وإعادة صياغة النظام الانتخابي، وإعادة تشكيل السلطة القضائية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض 7 نوفمبر 2025 (أ.ب)

أغلبية دستورية تتيح تفكيك إرث أوربان

حصل حزب «تيسّا» على تفويض مماثل، الأحد، بعدما فاز بـ138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان؛ ما يمنحه سلطة واسعة لإلغاء كثير من التشريعات التي سمحت لأوربان بتكديس الموالين له في المحاكم، والتلاعب بالنظام الانتخابي، وتقييد حرية الصحافة، وفق «أسوشييتد برس».

ورغم ذلك، تبرز عقبات محتملة قد تحُول دون تحقيق التغييرات الجذرية التي يأمل بها كثير من المجريين.

احتفالات تاريخية في بودابست

استُقبل فوز ماغيار بموجة احتفالات عارمة في شوارع بودابست مساء الأحد، حيث احتشد عشرات الآلاف، كثير منهم من الشباب؛ احتفالاً بما عدّوه بارقة أمل ستجعل المجر أكثر حرية وسعادة وأكثر اندماجاً في منظومة الديمقراطيات الأوروبية.

وفي أنحاء العاصمة، أطلق السائقون أبواق سياراتهم وشغّلوا أغاني مناهضة للحكومة، في حين ردد المتظاهرون هتافات في الشوارع.

وقال أدريان ريكسير خلال الاحتفالات إنه عاد من منزله في لندن إلى المجر «لأنني أردت حقاً أن يكون لصوتي أثر، وأنا في غاية السعادة».

وأضاف: «أخيراً يمكنني أن أقول إنني مجري فخور، أخيراً بعد 16 عاماً».

مخاوف من أغلبية الثلثين

كان كثير من المجريين ومراقبين أوروبيين قد خشوا أن تكون الأغلبية البسيطة غير كافية لتفكيك نظام أوربان بالكامل.

لكن آخرين ما زالوا مترددين بشأن ما قد تعنيه أغلبية الثلثين في يد حكومة جديدة، مع وجود مخاوف من نقل هذه السلطة الواسعة ببساطة من أوربان إلى خصمه.

وقال المحتفل دانييل كوفاتش: «من الصعب تصور أن حكومة تملك ثلثي البرلمان ستكون عادلة بالكامل، لكننا سنرى. نأمل أن تكون أربع سنوات واعدة».

أنصار حزب «تيسّا» الفائز بالانتخابات البرلمانية المجرية لعام 2026 خلال مسيرة النصر في بودابست 13 أبريل 2026 (د.ب.أ)

المؤسسات لا تزال بيد موالين لأوربان

شكّل فوز ماغيار وحزب «تيسّا» سابقة في تاريخ المجر ما بعد الشيوعية؛ إذ حصلا على عدد أصوات ومقاعد لم يسبق أن حققه أي حزب.

وقال بولتشو هونيادي، المحلل في مركز الأبحاث «بوليتيكال كابيتال» في بودابست، إن الأغلبية الدستورية لحزب «تيسّا» تمنحه صلاحيات واسعة للتراجع عن كثير من سياسات أوربان، لكن «المؤسسات الأساسية في البلاد يقودها أشخاص مثبتون في مواقعهم لسنوات طويلة».

وفي إطار جهوده لترسيخ سيطرته على النظام الديمقراطي المجري، عيّن أوربان حلفاء موالين له على رأس مؤسسات رئيسية، من هيئة الإعلام إلى مكتب الادعاء العام والمحكمة الدستورية.

وفي حالات عدة، مُدّدت ولايات مسؤولين أو جرى تعيين آخرين قبل انتهاء ولايات من سبقوهم، بما أبقى القيادات الموالية له في مواقعها لسنوات تتجاوز أي تغيير حكومي محتمل.

وكان ماغيار قد دعا في خطاب النصر، الأحد، هؤلاء المسؤولين، بمن فيهم الرئيس المجري، إلى التنحي طوعاً. وقال هونيادي: «بخلاف ذلك، لا يملكون فعلياً أدوات أخرى لإزاحتهم».

وعود بمكافحة الفساد واستعادة الأموال

يتهم ماغيار أوربان وحكومته بسوء إدارة الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، والإشراف على فساد غير مضبوط أدى، حسب قوله، إلى تراكم ثروات هائلة لدى دائرة ضيقة من المقربين من السلطة.

وتعهّد بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، وإنشاء «مكتب استعادة وحماية الأصول الوطنية» لاسترجاع ما وصفه بالمكاسب غير المشروعة لحلفاء أوربان.


القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
TT

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها بسوريا.

وخلصت المحكمة إلى أن «لافارج» التي استحوذت عليها مجموعة «هولسيم» السويسرية دفعت ملايين الدولارات بين عامي 2013 و2014 عبر فرعها «لافارج سيمنت سوريا»، لجماعات متطرفة ووسطاء لحماية مصنع الأسمنت في الجلبية بشمال سوريا.

وقالت رئيسة المحكمة القاضية إيزابيل بريفوست-ديسبريز: «كانت هذه الطريقة في تمويل المنظمات الإرهابية، وخصوصاً تنظيم (داعش)، أساسية في تمكين المنظمة الإرهابية من السيطرة على الموارد الطبيعية في سوريا؛ ما أتاح لها تمويل الأعمال الإرهابية داخل المنطقة وتلك المخطط لها في الخارج، وخصوصاً في أوروبا»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويأتي الحكم بعدما أقرّت «لافارج» عام 2022 في الولايات المتحدة بالذنب بتقديم دعم ماديّ لمنظّمات مصنّفة في واشنطن «إرهابية» ووافقت على دفع غرامة قدرها 778 مليون دولار، في تهمة غير مسبوقة لأي شركة.

وأتمّت «لافارج» بناء معمل الجلبية البالغة تكلفته 680 مليون دولار في عام 2010، قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام التالي بعد القمع الوحشي لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد للاحتجاجات المناهضة للحكومة حينذاك.

وسيطر عناصر تنظيم «داعش» على أجزاء واسعة من سوريا والعراق المجاور في عام 2014، حيث أعلنوا تأسيس «خلافة».

وبينما غادرت شركات أخرى متعددة الجنسيات سوريا في 2012، اكتفت «لافارج» بإجلاء موظفيها الأجانب وأبقت السوريين منهم حتى سبتمبر (أيلول) 2014 عندما سيطر عناصر تنظيم «داعش» على المصنع.

واتُهمت «لافارج سيمنت سوريا» بدفع أموال في عامي 2013 و2014 لوسطاء من أجل الحصول على المواد الأولية اللازمة لتشغيل المصنع من تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات، ولتأمين حرية تنقّل شاحنات الشركة وموظفيها.

برونو لافون الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» يصل إلى المحكمة في باريس 13 أبريل 2026 (أ.ب)

«هدف واحد هو الربح»

وإلى جانب «لافارج»، تشمل لائحة المتّهمين الرئيس التنفيذي السابق للشركة برونو لافون وخمسة مسؤولين سابقين في الأقسام التشغيلية أو الأمنية، ووسيطين سوريين، أحدهما لم يكن حاضراً في جلسات المحاكمة. وهم متّهمون بـ«تمويل الإرهاب» وانتهاك العقوبات الدولية.

وقال مكتب المدعي العام الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب في مرافعته الختامية في ديسمبر (كانون الأول)، إنّ «لافارج» مذنبة بتمويل منظمات «إرهابية» بـ«هدف واحد هو الربح».

وطالب المدعون العامون بفرض أقصى غرامة على شركة «لافارج» بقيمة 1.12 مليون يورو (1.3 مليون دولار) ومصادرة أصول بقيمة 30 مليون يورو.

كذلك، طالبوا بسجن لافون (69 عاماً) لمدة ست سنوات، في حين ينفي أي علم له بالمدفوعات غير المشروعة.

وقال المدعون إنّ الرئيس السابق للشركة «أعطى تعليمات واضحة» للحفاظ على تشغيل المصنع في قرار وصفوه بأنّه «صادم».

وخلال المحاكمة، قال كريستيان هارو، وهو نائب المدير الإداري السابق، إنّ قرار إبقاء المصنع مفتوحاً تم اتخاذه بسبب القلق على الموظفين المحليين.

وأضاف: «كان بإمكاننا أن نتنصل من المسؤولية ونبتعد، ولكن ماذا كان سيحدث لموظفي المصنع؟».

ووفق مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، فقد بلغت المدفوعات للجماعات المصنّفة منظمات «إرهابية» ما لا يقل عن 4.7 مليون يورو (5.5 مليون دولار).

شعار شركة «لافارج» الفرنسية للأسمنت على أحد مصانعها في باريس 7 أبريل 2014 (أ.ف.ب)

السعي للحصول على مساعدة «داعش»

من جانبها، قالت شركة «هولسيم» التي استحوذت على «لافارج» في عام 2015، إنّها لم تكن على علم بالتعاملات في سوريا.

أما القضية الأخرى المتعلّقة باتهامات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، فهي لا تزال جارية.

وفي عام 2019، تمكنت «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد وتدعمها واشنطن، من دحر تنظيم «داعش» من آخر مناطق سيطرته في سوريا.

وفي عام 2017، فُتح تحقيق في فرنسا بعد تقارير إعلامية عدة وشكويين قانونيتين في عام 2016، إحداهما من وزارة المالية بسبب انتهاك مفترض لعقوبة اقتصادية والأخرى من جماعات غير حكومية و11 موظفاً سابقاً في «لافارج» بسبب «تمويل الإرهاب».

وفي قضية مرفوعة في الولايات المتحدة، قالت وزارة العدل إنّ «لافارج» سعت للحصول على مساعدة من تنظيم «داعش» لإقصاء المنافسين، من خلال تطبيق «اتفاقية تقاسم الإيرادات» الفعّالة معهم.

وفي ذلك الوقت، ندد لافون الذي كان رئيساً تنفيذياً منذ عام 2007 إلى عام 2015 عندما تمّ دمج «لافارج» ضمن «هولسيم»، بتحقيق وصفه بـ«المنحاز».