جولة «استراتيجية» لماكرون في منطقة الهندي - الهادئ

فرنسا تروج لـ«الخيار الثالث» عوض الالتحاق بأميركا أو الصين

ماكرون يلقي كلمة في نوميا، كاليدونيا الجديدة، الأربعاء (أ. ف. ب)
ماكرون يلقي كلمة في نوميا، كاليدونيا الجديدة، الأربعاء (أ. ف. ب)
TT

جولة «استراتيجية» لماكرون في منطقة الهندي - الهادئ

ماكرون يلقي كلمة في نوميا، كاليدونيا الجديدة، الأربعاء (أ. ف. ب)
ماكرون يلقي كلمة في نوميا، كاليدونيا الجديدة، الأربعاء (أ. ف. ب)

حطت طائرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، في مطار بور فيلا، عاصمة جمهورية فانواتو، الواقعة شمال شرق أستراليا، في محطته الثانية، بعد كاليدونيا الجديدة، للزيارة المطولة التي يقوم بها إلى منطقة المحيط الهادئ.

ويصل إيمانويل ماكرون إلى فانواتو التي كانت حتى استقلالها في عام 1980 مستعمرة مشتركة فرنسية - بريطانية، في أول زيارة يقوم بها رئيس فرنسي منذ الزيارة التي قام بها الرئيس شارل ديغول في عام 1966، وبعدها ينتقل إلى مملكة بابوازي ــ غينيا الجديدة ذات الكثافة السكانية الأعلى من بين جزر المحيط الهادئ (15 مليون نسمة)، والأراضي مترامية الأطراف، إذ تبلغ مساحتها 463 ألف كيلومتر مربع.

ترى المصادر الرئاسية الفرنسية أن جولة ماكرون «تاريخية» و«استراتيجية الطابع»، وهي تندرج في سياق الاستراتيجية العامة في منطقة الهندي ــ الهادئ؛ حيث لباريس مصالح أساسية اقتصادية وسياسية وعسكرية، بينما يزيد عدد السكان الفرنسيين فيها على 1.6 مليون نسمة (موزعين على كاليدونيا الجديدة وواليس وفوتونا وبولينيزيا الفرنسية وجزيرة ريونيون). وبفضل هذه الممتلكات، فإن فرنسا تتمتع بثاني أكبر منطقة اقتصادية خالصة على المستوى العالمي.

ويشكل إقليم كاليدونيا الجديدة الواقع على بُعد 16 ألف كيلومتر من فرنسا القارية العمود الفقري للحضور الفرنسي جنوب المحيط الهادئ. وفي حين تعرف البلاد مطالبة سكانها الأصليين «الكاناك» بالاستقلال عن فرنسا، فإن الاستفتاءات الثلاثة التي جرت في الأعوام 2018 و2020 و2021 أفضت كلها إلى فوز المطالبين بالبقاء في حضن الجمهورية الفرنسية. وتجدر الإشارة إلى أن «الكاناك» قاطعوا الاستفتاء الأخير.

في هذا السياق، قال ماكرون، في خطاب له في العاصمة نوميا، إنه إذا كانت كاليدونيا الجديدة فرنسية، فذلك «لأنها اختارت أن تبقى فرنسية». وإذ أعرب عن تفهه لـ«خيبة» المطالبين بالاستقلال، فإنه رأى أن اللاءات الثلاث تعني أنه «حان الوقت لبناء مشروع جديد بتناول مستقبل الإقليم في إطار الجمهورية الفرنسية» وليس خارجها.

ماكرون يتفاعل مع فتاة خلال عرض تقليدي في مطار بور فيلا عاصمة جمهورية فانواتو الأربعاء (أ.ف.ب)

إلا أن الرغبة في الاستقلال لم تنطفئ جذوتها، والدليل على ذلك أن ممثلي حزب «الاتحاد الكاليدوني» الاستقلالي رفضوا تلبية دعوة ماكرون للقائه والحديث حول مستقبل الإقليم، كذلك دعوا «الكاناك» إلى الامتناع عن حضور اللقاء الجماهيري الذي ضم ما لا يقل عن 10 آلاف شخص، غالبيتهم من أنصار البقاء في إطار الجمهورية.

ولم يفت ماكرون التنبيه إلى «مخاطر النزعة الانفصالية» التي «قد تفتح الباب للعنف»، في حين أن السلم المتوافر حالياً يعد «ثروة» للبلاد. وأعرب ماكرون عن رغبته في إعادة النظر في المؤسسات بداية العام المقبل، فضلاً عن الحاجة لإعادة تصويب النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد في الإقليم الذي وصفه بـ«المجحف» بحق السكان الأصليين ولصالح «البيض».

وتعد مناجم معدن النيكل الاستراتيجي الثروة الطبيعية الرئيسية للإقليم، إلا أن المستفيدين منها هي الشركات الفرنسية التي لا تترك إلا الفتات للسكان الأصليين.

في خطابه يوم الثلاثاء، أكد ماكرون أن بلاده تعد «قوة يعتد بها في منطقة الهندي - الهادئ». لكن الاتحاد الكاليدوني يتهم فرنسا بـ«تسخير الإقليم في استراتيجية التوازن التي تسعى إليها ما بين الولايات المتحدة والصين» في المنطقة.

وما تريده فرنسا حقيقة هو أن تطرح «خياراً مختلفاً» عن الخيارين الأميركي والصيني، وهي لذلك تعمل، وفق المصادر الرئاسية، على تعزيز حضورها متعدد الأشكال في المنطقة.

مواطنون من كاليدونيا الجديدة يلوحون بأعلام فرنسا خلال إلقاء ماكرون كلمة في نوميا الأربعاء (أ.ف.ب)

وتؤكد هذه المصادر أن دعوة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إلى باريس ليكون ضيف الشرف في احتفالات العيد الوطني في 14 يوليو (تموز) الحالي والعقود العسكرية التي تم التفاهم عليها، وتوثيق العلاقات بين باريس ونيودلهي... كل ذلك يندرج في سياق السعي الفرنسي لتكون لباريس كلمتها وللدفاع عن مصالحها الأساسية فيها.

وتعد منطقة الهندي ــ الهادئ نقطة الثقل في التجارة العالمية. لكنها في الوقت عينه تمثل مسرح عملية ليّ الذراع بين واشنطن وبكين، بينما تتخوف الدول المطلة من النزاع شبه المفتوح بين الطرفين.

ويبذل الطرف الأميركي جهوداً كبيراً ويعقد أحلافاً من أجل «احتواء» الصين ذات الطموحات الواسعة. بيد أن باريس لا تريد على المستوى الوطني ولا على مستوى الاتحاد الأوروبي الانجرار وراء السياسة الأميركية في المنطقة.

من هنا، المساعي التي يبذلها ماكرون والتي تعكسها زيارته الحالية لبناء ما يسميه قصر الإليزيه «الخيار الثالث».

وترى باريس أن دعوتها إلى قمة منتدى التعاون الاقتصادي الآسيوي ــ الهادئ بحضور القوى الكبرى في المنطقة تبين صواب سياستها، إلا أن تقريراً صادراً عن مجلس الشيوخ الفرنسي في عام 2022 أشار إلى «عدم التواؤم بين الطموحات الفرنسية من جهة والالتزامات المالية» من جهة أخرى.

لا شك أن «صفقة القرن» التي كانت أستراليا ستحصل بموجبها على 12 غواصة فرنسية تعمل بالدفع التقليدي واستبدال صفقة مع الولايات المتحدة وبريطانيا بها للحصول على غواصات تعمل بالدفع النووي، تركت أثراً كبيراً على فرنسا. وما فاقم خيبتها ودفعها للبحث عن حلول بديلة، أن العواصم الثلاث (واشنطن ولندن وكانبيرا) أقامت تحالفاً دفاعياً سمي «أوكوس» استبعدت منه باريس التي تعد الدولة الأوروبية التي لها أكبر قدر من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة. من هنا، التعويل على الشراكة مع الهند التي تحل بمعنى ما، محل أستراليا.

لكن سياسة ماكرون لا تلقى قبولاً في العديد من الأوساط التي تعول خصوصاً على المظلة الأميركية. والدليل على ذلك أن التصريحات التي أدلى بها لدى عودته من زيارة رسمية إلى الصين، حيث دعا إلى «عدم الالتحاق بأميركا»، مؤكداً أن «مصالح واشنطن ليست بالضرورة هي المصالح الأوروبية»، أثارت موجة من ردود الأفعال المنددة خصوصاً داخل الاتحاد الأوروبي. لكن يبدو أن ماكرون عازم على مواظبة السير في هذه السياسة التي يرى أنها تتلاءم مع مصالح بلاده الرئيسية في المنطقة. وهنا يكمن المعنى الأساسي لجولته الراهنة.


مقالات ذات صلة

موسكو تخشى امتداد حرب إيران إلى بحر قزوين... وتجدد عرضها للوساطة

أوروبا من لقاء سابق بين بوتين والرئيس الإيراني الراحل رئيسي في عشق آباد (تركمانستان) 29 يونيو 2022 (سبوتنيك-أ.ب)

موسكو تخشى امتداد حرب إيران إلى بحر قزوين... وتجدد عرضها للوساطة

موسكو تخشى امتداد حرب إيران إلى بحر قزوين... وتجدد عرضها للوساطة وتحذر من زعزعة استقرار الشرق الأوسط وتهديد التجارة وأمن الطاقة في العالم.

رائد جبر (موسكو )
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال لقاء سابق في كوريا الجنوبية (رويترز) p-circle

ترمب يطلب من الصين تأجيل زيارته «لنحو شهر» بسبب حرب إيران

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، أنه طلب من الصين تأجيل زيارته الرسمية «لنحو شهر»، بعدما كان من المقرر أن تمتد من 31 مارس (آذار) إلى 2 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعقد اجتماعاً لكبرى شركات إنتاج الأسلحة الأميركية يوم الجمعة بالبيت الأبيض (ا.ف.ب) p-circle

ترمب يجتمع الجمعة بكبار شركات الدفاع الأميركية لتسريع إنتاج الأسلحة

ترمب يجتمع الجمعة بكبار شركات الدفاع الأميركية لتسريع إنتاج الأسلحة... تقييمات تشير إلى أن واشنطن تستنفد مخزوناتها من الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية.

هبة القدسي (واشنطن)
أوروبا الشباب الكوبي يواجهون تحديات اقتصادية كبيرة فاقمتها العقوبات الأميركية (رويترز)

التحالفات الكوبية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

التحالفات الكوبية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»... لكن العقاب الجماعي يشكِّل انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي.

شوقي الريّس (هافانا)
تحليل إخباري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز في الكرملين 18 فبراير (د.ب.أ)

تحليل إخباري كوبا… وقائع انهيار معلن

يرفع النظام الكوبي راية الضحية ويستنجد بالتضامن الدولي معها، لكنه يتغاضى عن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في اتخاذ كثير من القرارات

شوقي الريّس (هافانا)

هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
TT

هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)

عندما أصابت طائرة مسيّرة من طراز «شاهد» إيرانية الصنع هنغاراً في قاعدة جوية بريطانية على الساحل الجنوبي لقبرص بعد دقائق من منتصف ليل 2 مارس (آذار)، كانت صفارات الإنذار قد دوّت بالفعل داخل القاعدة لتحذير الأفراد بضرورة الاحتماء.

لكن البريطانيين لم يُبلّغوا الحكومة القبرصية، وهو ما دفع الدولة الجزيرة في شرق المتوسط إلى المطالبة بإعادة تقييم وضع القاعدتين البريطانيتين على أراضيها في أكروتيري وديكيليا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وكانت السفينة الحربية البريطانية «إتش إم إس دراغون» تتجه، يوم الثلاثاء، نحو المياه قبالة قبرص لتوفير حماية إضافية من أي هجوم محتمل.

«نحتاج إلى فتح هذا النقاش»

في الأول من مارس، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه سيُسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدد ومحدود» يتمثل في ضرب مواقع تخزين الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها. وقد أثار هذا الإعلان قلق السلطات القبرصية؛ إذ بدا متناقضاً مع تأكيدات بريطانية سابقة بعدم استخدام القواعد في الجزيرة. ولاحقاً، أوضح مسؤولون بريطانيون أن القواعد المقصودة تقع في إنجلترا والمحيط الهندي، وليس في قبرص.

وفي مساء اليوم التالي، وحسب مسؤولين قبرصيين رفيعين تحدثا لوكالة «أسوشييتد برس» بشرط عدم الكشف عن هويتهما لعدم تخويلهما بالتصريح علناً، لم تُصدر السلطات البريطانية أي تحذير للحكومة القبرصية بشأن طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو قاعدة سلاح الجو الملكي في أكروتيري، ولا بشأن احتمال تعرّض قرية قريبة يسكنها ألف شخص للخطر.

ودفع هذا التطور الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس إلى الدعوة لإجراء «نقاش صريح ومفتوح» مع الحكومة البريطانية حول مستقبل القواعد.

وقال خريستودوليديس خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 20 مارس: «لن أتفاوض علناً، ولن أطرح طلبي على الملأ، لكننا بحاجة إلى فتح هذا النقاش. إن القواعد البريطانية في قبرص هي نتيجة من نتائج الحقبة الاستعمارية».

من جهته، قال مكتب ستارمر في بيان إنه تحدث مع خريستودوليديس خلال عطلة نهاية الأسبوع ليؤكد له أن «أمن قبرص يمثل أولوية قصوى للمملكة المتحدة كشريكين وأصدقاء مقربين». كما قيل إن ستارمر شدد مجدداً على أن قاعدة أكروتيري لن تُستخدم في أي ضربات أميركية ضد إيران.

بقايا الحكم الاستعماري

نالت قبرص استقلالها عن الحكم البريطاني في أغسطس (آب) 1960 بعد حملة تمرد استمرت أربع سنوات، لكن ذلك جاء بثمن تمثل في احتفاظ بريطانيا بقاعدتين تمتدان على مساحة 99 ميلاً مربعاً (256 كيلومتراً مربعاً).

ويكرّس دستور قبرص وجود هاتين القاعدتين، اللتين تتمتعان بقوة شرطة ومحاكم خاصة بهما، وتُعدان من الناحية القانونية الصارمة أراضي استعمارية بريطانية، وفقاً لكوستاس كليريديس، المدعي العام السابق للجزيرة.

وبعد نحو 66 عاماً، لا يزال كثير من القبارصة - ومن بينهم خريستودوليديس - ينظرون إلى القواعد باعتبارها تذكيراً بماضيهم الاستعماري. ويعيش نحو 10 آلاف مواطن قبرصي داخل أراضي القواعد ويخضعون لسلطتها.

وقد طُرحت سابقاً دعوات لإلغاء القواعد، لا سيما عندما تُستخدم في عمليات عسكرية بالمنطقة، لكن الاحتجاجات السلمية ضد استمرار وجودها أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه في السابق.

دور متوسع

ورغم أن إنشاء القواعد كان يهدف أساساً إلى مراقبة حركة الملاحة عبر قناة السويس وتأمين تدفق النفط من الشرق الأوسط، فإن دورها توسّع كثيراً.

فلا تزال قاعدة أكروتيري تضم طائرة التجسس الشهيرة «يو-2» التي تنفذ رحلات استطلاع على ارتفاعات عالية فوق الشرق الأوسط. كما شكّلت مركزاً لوجيستياً رئيسياً للعمليات الأميركية في العراق عام 2003، واستُخدمت لاحقاً في الحملة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق. وتضم القواعد أيضاً محطة تنصّت على قمة جبل لمراقبة الاتصالات في الشرق الأوسط وخارجه.

وقالت حكومات قبرص المتعاقبة إن بريطانيا ستبلّغ السلطات بأي عمل عسكري ينطلق من القواعد، لكن يُفهم هذا الالتزام باعتباره إجراءً بروتوكولياً أكثر منه إلزاماً قانونياً.

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أمام البرلمان، يوم الاثنين: «نؤدي دوراً قيادياً، بالتعاون مع جمهورية قبرص، في تنسيق القدرات المتزايدة في شرق المتوسط، لضمان بقاء هذه القاعدة السيادية محمية قدر الإمكان في ظل الظروف الراهنة وفي مواجهة التهديد الإيراني».


رئيس ألمانيا يعتبر الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران انتهاكاً للقانون الدولي ويصفها بـ«الكارثية»

رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير يلقي كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية (إ.ب.أ)
رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير يلقي كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية (إ.ب.أ)
TT

رئيس ألمانيا يعتبر الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران انتهاكاً للقانون الدولي ويصفها بـ«الكارثية»

رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير يلقي كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية (إ.ب.أ)
رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير يلقي كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية (إ.ب.أ)

في انتقاد صريح غير معتاد لسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخارجية، التي وصفها بأنها تمثل شرخاً في علاقات برلين مع أكبر حليف لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتبر رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران انتهاكاً للقانون الدولي ووصفها بالكارثية. وتحدث الرئيس شتاينماير الثلاثاء عن «خلاف عميق» مع واشنطن، واصفاً الحرب على إيران بأنها «خطأ كارثي» ينتهك القانون الدولي.

وفي هجوم لفظي لاذع، اتخذ شتاينماير موقفاً ‌أكثر انتقاداً بكثير من ‌المستشار فريدريش ميرتس، ‌الذي ⁠تجنب الرد على أسئلة ⁠حول شرعية الحرب. وانتقد ميرتس بشدة القيادة الإيرانية وأيّد العديد من الأهداف الرئيسية للحرب الأميركية الإسرائيلية، لكنه قال إنه لو تم التشاور مع برلين مسبقاً، «لكانت نصحت بعدم شنّ الحرب».

ويتيح منصب شتاينماير الشرفي بشكل كبير التحدث بحرية أكبر من السياسيين. وقال شتاينماير في كلمة ألقاها في وزارة الخارجية: «سياستنا الخارجية لن تصبح أكثر إقناعاً فقط بسبب ⁠امتناعنا عن وصف انتهاك للقانون الدولي ‌بأنه انتهاك ‌للقانون الدولي».

الذكرى الخامسة والسبعون لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية (إ.ب.أ)

ووصف شتاينماير الحرب بأنها ‌غير ضرورية و«خطأ كارثي سياسي»، وقال إن ولاية ترمب الثانية مثّلت ⁠شرخاً ⁠في العلاقات الخارجية الألمانية لا يقل عن ذلك الشرخ الذي أحدثه غزو روسيا لأوكرانيا.

وقال شتاينماير، كما نقلت عنه عدة وكالات أنباء عالمية: «أعتقد أنه لن يكون هناك عودة للعلاقات مع روسيا إلى المستوى الذي كانت عليه قبل 24 فبراير (شباط) 2022، وأعتقد أيضاً أنه لن يكون هناك عودة للعلاقات عبر الأطلسي إلى ما كانت عليه قبل 20 يناير (كانون الثاني) 2025»، أي عندما تسلم ترمب ولايته الثانية.

وأضاف، خلال فعالية بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية: «الخلاف عميق للغاية، وقد فُقدت الثقة في السياسة الأميركية، ليس فقط بين حلفائنا، بل في جميع أنحاء العالم».

رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير مع وزير الخارجية وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول الثلاثاء 24 مارس (إ.ب.أ)

ورغم أن منصب شتاينماير فخري إلى حد كبير، فإن لكلماته وزناً كبيراً في ألمانيا التي لم تُدن الحرب على إيران رسمياً. وقال شتاينماير، وزير الخارجية السابق: «لا تصبح سياستنا الخارجية أكثر إقناعاً لمجرد أننا لا نعتبر انتهاك القانون الدولي انتهاكاً له».

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الثلاثاء، إنه يعتقد أن إعلان ترمب عن إجراء محادثات مع إيران ربما يمثل نقطة تحول في الصراع الدائر منذ نحو شهر. وقال فاديفول لهيئة ‌البث الإقليمية «‌إم دي آر»: «هناك شيء ما يحدث، ‌وهذا ⁠أمر جيد في ⁠الفترة الراهنة التي تزيد فيها مخاطر التصعيد عن فرص احتواء هذا الصراع».

وعبّر فاديفول عن اعتقاده بأن ترمب أجرى محادثات ‌جادة مع إيران؛ لأنه «لولا ذلك لما قال ذلك ⁠بهذه ⁠الطريقة»، ولما كان سيؤجل هجومه الذي هدد به على محطات الطاقة الإيرانية.

وقال: «إنها بداية هشة، لكنها تمثل بداية على أي حال». وأضاف: «علينا جميعاً أن نسعى جاهدين لضمان ازدهار هذا التقدم وأن تكون هناك طريقة للسيطرة على هذا الصراع».

ودعا شتاينماير إلى مزيد من التباعد عن إدارة ترمب في الولايات المتحدة، وإلى التمسك الواضح بالقانون الدولي، وقال: «يجب أن نكون عمليين في التعامل مع هذه الإدارة الأميركية، وأن نركز على مصالحنا الأساسية... لكن الواقعية تعني أيضاً ألا ننحني».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض (أ.ب)

وشدد شتاينماير على أن السياسة الخارجية يجب أن تصبح أكثر براغماتية وفاعلية، لكنه أكد في الوقت نفسه أن «هذا لا يعني تجاهل القانون الدولي»، وأضاف وسط تصفيق الحضور: «لن تصبح سياستنا الخارجية أكثر إقناعاً إذا لم نسم انتهاك القانون الدولي باسمه... القانون الدولي ليس قفازاً قديماً يمكننا خلعه عندما يفعل الآخرون ذلك... بل هو أمر حيوي لبقاء كل من لا ينتمي إلى القوى الكبرى».

وأضاف أن لدى «الحكومة الأميركية رؤية عالمية مختلفة عن رؤيتنا، رؤية لا تُراعي القواعد الراسخة، ولا الشراكة، ولا الثقة التي بُنيت بشق الأنفس. لا يمكننا تغيير ذلك، بل علينا التعامل معه. لكن هذه هي قناعتي: ليس لدينا أي سبب يدفعنا إلى تبني هذه النظرة للعالم».

هاجم فولكر بيك، رئيس الجمعية الألمانية الإسرائيلية، تصريحات شتاينماير ووصفها بأنها «غير لائقة على الإطلاق». وقال إن النظام الإيراني «يهدد إسرائيل ويشن حرباً على وجودها منذ سنوات»، متهماً شتاينماير بـ«التغاضي عن هذه المخاطر».

هذه ليست المرة الأولى التي ينتقد فيها الرئيس الألماني الولايات المتحدة. ففي يناير، بعد وقت قصير من التدخل واعتقال الرئيس في فنزويلا، تحدث شتاينماير عن «انهيار القيم» في الولايات المتحدة، مؤكداً أنه لا ينبغي السماح للعالم بأن يتحول إلى «وكر للصوص».

وفي هذا السياق، قال فابيان ماندو، رئيس أركان الجيش الفرنسي، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة أصبحت حليفاً لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وهو أمر ينعكس على مصالح فرنسا وأمنها.

وأضاف ماندو في منتدى للأمن والدفاع في باريس: «فاجأنا حليفنا الأميركي، الذي لا يزال حليفاً، لكنه أصبح غير قابل للتوقع ‌على نحو متزايد، ولا ‌يكلف نفسه إخطارنا ‌عندما ⁠يقرر شن عمليات ⁠عسكرية». وتابع: «هذا يؤثر على أمننا ومصالحنا».

المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

فرنسا والولايات المتحدة حليفتان وثيقتان في حلف شمال الأطلسي، إلا أن الاستياء يتزايد في باريس على خلفية قرار واشنطن بشن حربها على ⁠إيران في الشرق الأوسط، وذلك ‌بعد ‌أن أغضب الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحلفاء الأوروبيين ‌من قبل بطموحاته المتعلقة بغرينلاند. وانتقد ‌ترمب حلفاءه لعدم رغبتهم في المشاركة في عمليات تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي يمر ‌عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية.

ميرتس يغادر مؤتمراً صحافياً على هامش القمة الأوروبية ببروكسل يوم 20 مارس (أ.ب)

قال ماندو: «تدخلنا في أفغانستان بناء على طلب الأميركيين، الذين استندوا إلى المادة الخامسة من ميثاق الحلف، ثم اختاروا الانسحاب دون أن يطلعونا على ذلك». وأضاف: «والآن يقررون التدخل في الشرق الأوسط دون إخطارنا. ومع ذلك، يبقى ما يهم القوات المسلحة الفرنسية هو إيجاد السبل لحماية المواطنين الفرنسيين الذين يمرون عبر المنطقة».

من جانب آخر، تعزز ألمانيا وجودها البحري في شمال الأطلسي لتخفيف العبء عن حلفائها. وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، على هامش زيارته لسنغافورة الثلاثاء، إن الفرقاطة الألمانية «سكسونيا» ستتولى مهام سفينة القيادة ضمن مجموعة المهام الدائمة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وذلك بعد أن قررت بريطانيا نقل المدمرة «إتش إم إس دراجون» إلى البحر المتوسط، مضيفاً أنه ناقش هذا الأمر مع نظيره البريطاني جون هيلي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)

كما ستقوم البحرية الألمانية، وفقاً لبياناتها، بنقل فرقاطة أخرى، وهي «براندنبورج»، إلى شمال الأطلسي. ويعد ذلك رداً على أنشطة عسكرية روسية في شمال الأطلسي، دون صدور بيانات رسمية بذلك.

وكانت بريطانيا قد نقلت المدمرة «إتش إم إس دراجون» إلى شرق البحر المتوسط بسبب الأوضاع في ظل الحرب الإسرائيلية - الأميركية ضد إيران. وبعد الهجوم بطائرة مسيرة على قاعدة بريطانية في قبرص، عززت بريطانيا وفرنسا - العضوتان في الناتو - وجودهما في المنطقة. وقد وصلت المدمرة البريطانية بالفعل إلى تلك المنطقة البحرية.


احتجاز شخصين يشتبه أنهما يتجسسان لصالح روسيا في ألمانيا وإسبانيا

شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)
شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)
TT

احتجاز شخصين يشتبه أنهما يتجسسان لصالح روسيا في ألمانيا وإسبانيا

شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)
شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)

أعلن مكتب المدعي العام الاتحادي في ألمانيا احتجاز شخصين في إسبانيا وغرب ألمانيا للاشتباه في أنهما يتجسسان لصالح الاستخبارات الروسية.

وأفادت أعلى سلطة ادعاء في ألمانيا بوقوع رجل أعمال ألماني، يعمل في توريد الطائرات المسيّرة وقطع غيارها إلى أوكرانيا، في مرمى استهداف جواسيس يشتبه في عملهم لصالح روسيا. وحسب المكتب، تم اعتقال امرأة رومانية تبلغ من العمر 45 عاماً في مدينة راينه بولاية شمال الراين - ويستفاليا، بالإضافة إلى اعتقال أوكراني يبلغ من العمر 43 عاماً في مدينة إيلدا الإسبانية.

وتتهم السلطات الألمانية هذين الشخصين بالتجسس على الشخص المستهدف بتكليف من جهاز استخبارات روسي. ووجه الادعاء العام الاتحادي لكليهما تهمة ممارسة أنشطة استخباراتية. ويشارك في التحقيقات الجارية فرع مكتب التحقيقات الجنائية في ولاية بافاريا، والمكتب الاتحادي لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية).

وذكر بيان المكتب أن المتهم الأوكراني بدأ بالتجسس على الرجل المستهدف اعتباراً من ديسمبر (كانون الأول) 2025، وأنه «جمع لهذا الغرض معلومات عبر الإنترنت وسجل مقاطع فيديو لمكان عمل الشخص المستهدف».

وعقب انتقاله إلى إسبانيا، تولت المتهمة الرومانية تنفيذ المهمة بدلاً منه اعتباراً من مارس (آذار) 2026 على أبعد تقدير، حيث قامت بزيارة العنوان الخاص للرجل المستهدف وتصويره بهاتفها المحمول. وأوضح الادعاء العام أن «عمليات التجسس كانت تهدف على الأرجح إلى التحضير لعمليات استخباراتية إضافية ضد الشخص المستهدف».

وفقاً للادعاء العام الاتحادي، يواجه كلاهما شبهات قوية بالعمل لصالح جهاز استخبارات خارجي. ومن المقرر مثول المرأة الرومانية، غداً الأربعاء، أمام قاضي التحقيق في المحكمة الاتحادية العليا للبت في إيداعها الحبس الاحتياطي، بينما لا يزال يتعين تسليم المتهم الأوكراني المعتقل في إسبانيا إلى ألمانيا.

يُذكر أن الادعاء العام أمر سابقاً باعتقال العديد من الجواسيس المشتبه في عملهم لصالح روسيا، كما تجري حالياً عدة محاكمات في هذا الصدد.

ويرى المكتب الاتحادي لحماية الدستور أن التهديدات المتمثلة في أعمال التجسس والتخريب والتضليل «الروسية» تفاقمت بشكل ملحوظ منذ الهجوم الروسي على أوكرانيا؛ مشيراً إلى أن هذه التهديدات عبارة عن مزيج من جهات حكومية وأخرى مدعومة من الدولة إضافة إلى أطراف خاصة.

ويرصد جهاز حماية الدستور استراتيجية روسية جديدة تعتمد على تجنيد أشخاص من أوساط «المجرمين الصغار» لتنفيذ عمليات تجسس أو تخريب مقابل مبالغ مالية. وتعزو الأجهزة الأمنية الألمانية هذا التوجه إلى أن العمليات الاستخباراتية التقليدية التي ينفذها جواسيس محترفون أصبحت أكثر صعوبة نتيجة العقوبات وزيادة يقظة الأجهزة الغربية.