مخاوف رسمية من تمدد أعمال الشغب والعنف في فرنسا

الحكومة تريد وأد الحركة الاحتجاجية في المهد وتجنب سيناريو العام 2005

رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)
رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)
TT

مخاوف رسمية من تمدد أعمال الشغب والعنف في فرنسا

رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)
رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)

تسعى باريس لخنق الحركة الاحتجاجية التي ترافقها أعمال شغب، احتجاجا على مقتل فتى في السابعة عشرة من عمره بالرصاص على يدي رجل شرطة بسبب عدم انصياعه لأوامره بوقف محرك سيارته والترجل منها. وفي الليلتين الماضيتين، شهدت مدينة نانتير الواقعة على مدخل باريس الغربي، حيث حصلت الحادثة صباح الثلاثاء، أعمال شغب واشتباكات وإحراق سيارات وإغلاق طرق قبل أن تمتد إلى ضواحي العاصمة الأخرى وإلى مدن رئيسية منها، ليون وتولوز وليل وديجون.

وأفاد جيرالد درامانان، وزير الداخلية، بأن ليلة الأربعاء إلى الخميس شهدت توقيف 150 شخصا في أنحاء مختلفة من البلاد، وأن عشرات منهم تم سوقهم أمام القضاء للمثول المباشر.

موظفو قطاع النقل يستعدّون لإزاحة عربة قطار محترقة في 29 يونيو (أ.ف.ب)

ويبدو أن الرئاسة والحكومة قلقتان من تطوّر الأحداث وأن تكون هذه المرة نسخة عما شهدته فرنسا، في ظروف مشابهة، في العام 2005 حيث أفضت وفاة مراهقين كانت تلاحقهما الشرطة، إلى ثلاثة أسابيع من أعمال العنف والشغب. ومن أجل احتوائها، عمدت السلطات وقتها إلى إعلان حالة الطوارئ في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) في 25 مقاطعة، وأبرزها الضواحي والمدن المحيطة بالعاصمة باريس والمعروفة بـ«إيل دو فرانس».

وثمّة ثلاثة مؤشرات تدلّ على قلق الحكومة وخطورة الوضع، أولها دعوة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى اجتماع طارئ لخلية الأزمات في وزارة الداخلية صباح الخميس لتدارس الوضع واتخاذ القرارات المناسبة. وثانيها قرار رئيسة الحكومة إليزابيث بورن إلغاء زيارة رسمية داخل فرنسا وطلبها من الوزراء عدم مغادرة البلاد إلا في حالة الضرورة. وثالثها، تأكيد وزير الداخلية قرار الحكومة نشر 40 ألف رجل شرطة في أنحاء البلاد مساء الخميس، منهم خمسة آلاف في المنطقة الباريسية وحدها لـ«إبراز حزم الدولة» في التعاطي مع المشاغبين، ما يعني أن وزير الداخلية سينشر أربعة أضعاف أعداد القوى الأمنية التي نشرت مساء الأربعاء والتي لم يزد عديدها على تسعة آلاف رجل.

ويمكن فهم أن الغرض الحقيقي الذي تسعى إليه الحكومة، وهو وأد الحركة الاحتجاجية في المهد ومنع تمدّدها إلى كافة أنحاء البلاد، علما أنها عرفت انتشارا سريعا ليل الأربعاء إلى الخميس، حيث لم يتردد المتظاهرون والمشاغبون في إغلاق بعض الطرق والاشتباك مع القوى الأمنية وإطلاق المفرقعات باتجاهها وإحراق عشرات السيارات ومهاجمة سجن قريبا من باريس وإحراق مقر للشرطة.

جانب من المسيرة البيضاء في نانتير في 29 يونيو (أ.ف.ب)

ولعل أحد أبرز معالم التشدد لجوء القوى الأمنية في مدينة نانتير، بعد ظهر الخميس، إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع على متظاهرين كانوا يشاركون في «مسيرة بيضاء» دعت إليها والدة الشاب القتيل تكريما لذكرى ابنها «نائل م» الذي قضى برصاص رجل شرطة أطلق النار عليه من مسافة قريبة. وقد شارك في المسيرة التي أريد لها أن تكون سلمية حوالي ستة آلاف شخص. وبدأ عدد من المتظاهرين برشق الشرطة بمقذوفات أمام المبنى الرئيسي للإدارة المحلية في نانتير، التي ردت بإطلاق الغاز المسيل للدموع لغرض تفريقهم.

بيد أن الحدث الأبرز حصل ظهر الخميس مع المؤتمر الصحافي الذي عقده ممثل النيابة العامة في مدينة نانتير، حيث كذّب فيه رواية الشرطي مطلق النار ورفيقه الشرطي الثاني. وقال باسكال براش، النائب العام في المدينة المذكورة، في إعلان للصحافة قبيل ظهر الخميس، إن «الشروط القانونية المفترضة لإطلاق النار لم تكن متوافرة»، ما يعني تكذيب رواية الشرطيين اللذين أكدا أنهما شعرا بالخطر معتبرين أن السائق يشكل تهديدا لهما وللسلامة العامة. وأكثر من ذلك وصف النائب العام ما حصل بأنه «عملية قتل غير متعمد». وبسبب هذه الخلاصة التي توصل إليها النائب العام، فقد أمر بفتح تحقيق قضائي عهد به إلى قاضيين سارعا لاستجواب أولي لمطلق النار ولزميله. وأفاد براش بأنه طلب وضع الأول قيد التوقيف الاحتياطي.

مواجهات بين متظاهرين والأمن الفرنسي في نانتير في 29 يونيو (أ.ب)

وتفيد التفاصيل التي كشف عنها المدعي العام أن الشاب المراهق الذي لم يكن قد بلغ سن الرشد القانونية (18 عاما) كان يقود سيارته بسرعة عالية في نانتير صباح الثلاثاء، يرافقه راكبان. وفشلت محاولة أولى قام بها رجلا شرطة على دراجتين ناريتين في إيقافه عند إحدى إشارات المرور، وأن السائق واصل الفرار على الأرصفة. وما أثار شكوك رجلي الأمن أن السيارة، وهي من نوع مرسيدس رياضية مسجلة في بولندا، يقودها سائق لا يحترم إشارات السير ولا يصغي لأوامر الشرطة. وبعد أن تمكن الشرطيان من اللحاق بالسيارة وأوقفاه، طلبا منه إيقاف محركها، لكنه، بدل ذلك، عمد فجأة للانطلاق بها مجددا، ما دفع أحد الشرطيين إلى إطلاق رصاص.

وبعكس رواية الأخيرين، أكّد المدعي العام أن حياتهما لم تكن أبدا مهددة وبالتالي فإن ادعاءاتهما بأن السائق حاول دهسهما غير صحيحة. ومن الواضح أن المدعي العام استند إلى صور الفيديو التي انتشرت سريعا منذ الاثنين، وتظهر تماما كيف انطلق السائق، وكيف أطلق أحد الشرطيين وعمره 38 عاما النار عليه من مسافة قريبة. ومن التفاصيل التي أوردها النائب العام أن مطلق النار حاول إسعاف الضحية بعد أن توقفت السيارة المسروقة عقب ارتطامها بحاجز. ورغم وصول الإسعاف سريعا، فإن الشاب نائل توفي في مكان الحادث.

وأفاد النائب العام بأن الشرطي الثاني أخلي سبيله بعد أن كان قد أوقف مع مطلق النار. وبينت الفحوص المخبرية أن الأخير لم يكن، عند حصول الحادثة، تحت تأثير المخدرات أو الكحول. ووفق تصريحات براش، فإن الشاب القتيل الذي لم يكن قد بلغ سن الرشد وفق القانون الفرنسي، أصيب برصاصة واحدة اخترقت ذراعه اليسرى ووصلت إلى القفص الصدري وقد تسببت بوفاته.

شرطة مكافحة الشغب اصطدمت بمتظاهرين في نانتير في 29 يونيو (إ.ب.أ)

وكان جيرالد درامانان قد كتب في تغريدة صباح الخميس، أن الأمن أوقف 150 شخصا خلال الليلة المنقضية، منددا بأعمال العنف التي تستهدف «رموز الجمهورية الفرنسية» من بلديات ومدارس ومراكز شرطة. وصباحا أيضا، سارع رئيس الجمهورية إلى الدعوة إلى اجتماع للخلية الأمنية عقد في مقر وزارة الداخلية المقابل للقصر الرئاسي بحضور رئيسة الحكومة إليزابيث بورن ووزير الداخلية والوزراء المعنيين وقادة الأجهزة الأمنية، لتقييم الوضع واتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهة موجة العنف الجديدة.

وبعد أن كان إيمانويل ماكرون قد عد الأربعاء أن مقتل الشاب نائل «عمل لا يمكن تفسيره» أو «التسامح إزاءه»، تغيرت لهجته صباح اليوم حيث اعتمد لغة متشددة. ووفق ما نقل عنه، فإنه ندد بأعمال العنف والشغب التي «لا يمكن تبريرها»، وأعرب عن «شجبه» لما جرى في الساعات الماضية التي تميزت بـ«مشاهد عنفية» استهدفت «مؤسسات الجمهورية». إلا أنه دعا كذلك إلى «الهدوء الكامل» ووضع حد لأعمال العنف، بيد أن هذه الدعوة لم تلق ولن تلقى على ما يبدو آذانا مصغية، والدليل ما حصل إبان «المسيرة البيضاء» التي شهدت، كما في الليلة السابقة في نانتير، اشتباكات مع الشرطة وأعمال عنف.

شرطيان يتفقدان سيارة محترقة بعد صدامات بشمال فرنسا في 29 يونيو (أ.ف.ب)

ويبدو أن التخوف الحكومي يتجاوز أعمال العنف إلى ما تعده السلطات «محاولة لتسخيرها لأغراض سياسية». وبالفعل، لم تتأخر الحكومة في التنديد بمن يسعون لهذا الغرض، فيما شنت قوى اليمين التقليدي واليمين المتطرف هجوما واسعا على اليسار، وتحديدا على حزب فرنسا المتمردة. وكما في كل مرة، أدلى السياسيون بدلوهم وثار الجدل بين اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف وبين اليسار، خصوصا حزب «فرنسا المتمردة» الذي يقوده المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون.

من جانب آخر، أثارت الحادثة الأخيرة الجدل بشأن القانون الذي يتيح لرجال الأمن إمكانية إطلاق النار عند «الشعور بالتهديد أو رفض الانصياع». وخلال العام الماضي، قتل 12 شخصا من السائقين لرفضهم الانصياع، وفق الشرطة.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: أحزاب معارضة تدعو للتظاهر رفضاً لإجراءات الحكومة

شمال افريقيا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

موريتانيا: أحزاب معارضة تدعو للتظاهر رفضاً لإجراءات الحكومة

دعا حزب معارض في موريتانيا إلى التظاهر يوم الأحد المقبل احتجاجاً على إجراءات اتخذتها الحكومة بسبب تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران 

الشيخ محمد (نواكشوط)
الولايات المتحدة​ مظاهرة احتجاجية ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في العاصمة واشنطن (أ.ف.ب)

مظاهرات واسعة النطاق ضد ترمب في الولايات المتحدة (صور)

خرج محتجون مناهضون لسياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى الشوارع في أنحاء الولايات المتحدة، أمس (السبت)، في إطار أحدث حملات حركة «لا ملوك».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متظاهر يحمل لافتة كُتب عليها «لا للملوك» مع رسم تاج مشطوب خلال احتجاج ضد سياسات ترمب أمام مبنى بلدية لوس أنجليس في 18 أكتوبر (رويترز)

رفضاً لـ«نزعته السلطوية»... ترقب لاحتجاجات أميركية واسعة ضد ترمب اليوم

يتوقع أن تشهد الولايات المتحدة اليوم (السبت) احتجاجات واسعة النطاق ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ثالث تحرك من نوعه في أنحاء مختلفة من البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

أفادت مصادر حقوقية في الجزائر بإطلاق سراح نحو 50 سجيناً من معتقلي الرأي، عشية عيد الفطر المبارك، بموجب عفو رئاسي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية احتشد آلاف الأتراك في ميدان ساراتشهانه أمام مبنى بلدية إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس في ذكرى اعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

تعهدت المعارضة التركية انتزاع السلطة من الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مقبلة وحل مشاكل البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

بريطانيا ستتخلى عن خطتها لتسليم جزر تشاغوس بعد معارضة ترمب

صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)
صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)
TT

بريطانيا ستتخلى عن خطتها لتسليم جزر تشاغوس بعد معارضة ترمب

صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)
صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)

علقت الحكومة البريطانية، السبت، اتفاقها للتنازل عن السيادة على جزر تشاغوس، التي تضم قاعدة دييغو غارسيا الجوية الأميركية البريطانية المشتركة، وهو الاتفاق الذي تعرض لانتقادات من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال المتحدّث البريطاني إن «دييغو غارسيا تعد موقعاً عسكرياً استراتيجياً بالغ الأهمية بالنسبة لكل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة. إن ضمان أمنها التشغيلي على المدى الطويل أولوية لنا وسيبقى كذلك، وهو السبب أساساً وراء هذا الاتفاق». وتابع أن لندن «تتواصل مع الولايات المتحدة وموريشيوس» في هذا الشأن.

وسبب سحب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دعمها للاتفاق أقرت لندن بنفاد وقت التشريع الخاص بالمصادقة على الاتفاق المتعلق بالجزر في المحيط الهندي في البرلمان.

ويمثل ذلك أحدث تداعيات لتدهور العلاقات بين حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر وإدارة ترمب.

جزيرة دييغو غارسيا في أرخبيل تشاغوس الذي أوصت محكمة العدل الدولية بإعادته إلى موريشيوس (أ.ب)

وذكرت صحيفة «التايمز» أن التشريع المزمع الذي يهدف لدعم صفقة نقل سيادة الجزر إلى موريشيوس، والذي يحتاج إلى دعم واشنطن، لن يدرج في جدول أعمال الحكومة البرلماني المقبل. وقال مكتب رئيس الوزراء كير ستارمر إن لندن ستحاول إقناع واشنطن بمنح موافقتها الرسمية.

وقال ناطق باسم الحكومة، في بيان: «لطالما قلنا إننا لن نمضي قدماً بالاتفاق إلا إذا حظي بدعم الولايات المتحدة»، في وقت أفادت تقارير بأن التشريع المتعلق بإعادة الأرخبيل الواقع في المحيط الهندي إلى موريشيوس كان مهدداً بعدم إقراره بسبب ضيق الوقت المتاح داخل البرلمان.

وكان ترمب قد أيد في بادئ الأمر الاتفاق، لكنه غير رأيه في يناير (كانون الثاني)، واصفاً الاتفاق لنقل سيادة الجزر، التي تضم القاعدة العسكرية المشتركة، بأنه «عمل ينطوي على غباء شديد» في منشور على موقع التواصل الاجتماعي «إكس». وفي فبراير (شباط)، قال ترمب إن الاتفاق كان «خطأ فادحاً» بعد أن كان يقول في وقت سابق إنه أفضل ما سيحصل عليه ستارمر.

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يدلي ببيان حول النشاط العسكري الأخير للمملكة المتحدة في مقر رئاسة الوزراء في «9 داونينغ ستريت» بوسط لندن 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ونص اتفاق مايو (أيار) الماضي بشأن تشاغوس على أن تسلّم بريطانيا الأرخبيل الواقع على بعد نحو 2000 كيلومتر شمال شرقي موريشيوس إلى مستعمرتها السابقة وتستأجر الجزيرة الأكبر دييغو غارسيا، الخاصة بالقاعدة. وبموجب الاتفاق، ستحتفظ بريطانيا بالسيطرة على القاعدة العسكرية ذات الأهمية الاستراتيجية من خلال عقد إيجار لمدة 99 عاماً يحافظ على العمليات الأميركية في القاعدة.

وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن ضمان الأمن التشغيلي طويل الأمد للقاعدة سيظل أولوية. وأضاف: «ما زلنا نعتقد أن الاتفاق هو أفضل وسيلة لحماية مستقبل القاعدة على المدى الطويل، لكننا نؤكد باستمرار أننا لن نمضي قدماً في الاتفاق ما لم تدعمه الولايات المتحدة. مستمرون في التواصل مع واشنطن وموريشيوس».

وشهد التحالف بين واشنطن ولندن توتراً خلال الأسابيع القليلة الماضية بسبب إحجام ستارمر عن المشاركة في الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ورفضه في بداية الصراع السماح لترمب باستخدام القواعد الجوية البريطانية في شن هجمات. ومنذ ذلك الحين سُمح للقوات الأميركية بتنفيذ ما وصفه رئيس الوزراء بأنها هجمات دفاعية. ودأب ترمب في توجيه الانتقادات لستارمر، قائلاً إنه «ليس ونستون تشرشل»، وإنه نسف ما يطلق عليها عادة «العلاقة الخاصة» بين بريطانيا والولايات المتحدة.

وبينما أيّد ترمب الاتفاق عندما تم التوقيع عليه، فإنه سرعان ما شن هجوماً عليه. وقال إن «المملكة المتحدة تخطط حالياً للتخلي عن جزيرة دييغو غارسيا... من دون أي سبب على الإطلاق».

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ب)

وأضاف: «لا شك في أن الصين وروسيا لاحظتا هذا التحرّك الذي يعكس ضعفاً تاماً»، معتبراً أن ذلك يبرر سعي الولايات المتحدة للاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك.

وتعد دييغو غارسيا إحدى قاعدتين سمحت بريطانيا للولايات المتحدة باستخدامهما في إطار ما تصرّ لندن على أنها «عمليات دفاعية» في حرب واشنطن على إيران.

وسبق لرئيس الوزراء كير ستارمر أن شدد على أن الأحكام القضائية الدولية السابقة أثارت شكوكاً حيال ملكية بريطانيا لجزر تشاغوس، ولا يمكن ضمان استمرارية عمل القاعدة إلا إذا تم التوصل إلى اتفاق مع موريشيوس.

ونقلت «بي بي سي» عن مسؤولين حكوميين قولهم إنه لم يجر التخلي عن الاتفاق بالكامل. لكنهم أشاروا إلى أنه لن يكون من الممكن إقرار التشريع المرتبط بها قبل حل البرلمان في الأسابيع المقبلة، فيما لا يتوقع بأن يتم طرح مشروع قانون جديد بشأن تشاغوس.

وأبقت بريطانيا سيطرتها على جزر تشاغوس بعدما نالت موريشيوس استقلالها في ستينات القرن الماضي. وطردت الآلاف من سكان تشاغوس الذي رفعوا دعاوى للمطالبة بتعويضات في المحاكم البريطانية. وفي 2019، أوصت محكمة العدل الدولية بإعادة بريطانيا الأرخبيل إلى موريشيوس. وكان من شأن الاتفاق أن يتيح لبريطانيا استئجار القاعدة لمدة 99 عاماً، مع خيار بتمديد المدة. ولم توضح الحكومة البريطانية كلفة الإيجار، لكنها لم تنف بأن المبلغ سيكون 90 مليون جنيه إسترليني (111 مليون دولار) سنوياً.


اتهام رجل سوداني بالتسبب في حادث بالقنال الإنجليزي أودى بحياة 4

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

اتهام رجل سوداني بالتسبب في حادث بالقنال الإنجليزي أودى بحياة 4

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت «الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة» في بريطانيا، اليوم (السبت)، إنَّها وجَّهت تهمة تعريض حياة الآخرين للخطر إلى رجل سوداني يبلغ من العمر 27 عاماً بعد موت 4 مهاجرين في أثناء محاولتهم عبور القنال الإنجليزي من فرنسا إلى بريطانيا على متن زورق صغير الأسبوع الماضي.

وأضافت الوكالة، المعنية بالتحقيق في الجريمة المنظمة، أنَّها وجَّهت إلى النور محمد علي، الذي أُلقي القبض عليه، أمس (الجمعة)، تهمة «تعريض حياة آخرين للخطر في أثناء رحلة بحرية» إلى بريطانيا.

ووقع الحادث، يوم الخميس، قبالة سواحل سانت إتيان أو مون قرب كاليه في شمال فرنسا.

قارب مطاطي يحمل مهاجرين يشق طريقه نحو إنجلترا في القنال الإنجليزي... 6 أغسطس 2024 (رويترز)

وقالت الوكالة إن القتلى الـ4، وهم امرأتان ورجلان لم يتم الكشف عن هوياتهم حتى الآن، لقوا حتفهم في أثناء محاولتهم ركوب زورق أجرة يستخدمه المهربون على نحو متزايد لتفادي الشرطة.

وأضافت أن 38 شخصاً أُعيدوا إلى شاطئ فرنسا بعد الواقعة، بينما واصل 74 مهاجراً الإبحار إلى بريطانيا.

وأوضحت الوكالة أنَّه من المتوقع أن يمثل علي، الذي من المعتقد أنَّه قاد الزورق، أمام المحكمة، اليوم (السبت).

وأصبح عدد الأشخاص الذين يعبرون القنال الإنجليزي طلباً للجوء في بريطانيا قضيةً ملحةً لرئيس الوزراء كير ستارمر، مثلما كانت كذلك لأسلافه في الحكومة البريطانية.


انتخابات المجر... قلق أوروبي وتوافق بين واشنطن وموسكو لدعم رئيس الوزراء

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)
TT

انتخابات المجر... قلق أوروبي وتوافق بين واشنطن وموسكو لدعم رئيس الوزراء

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال فعالية في بودابست - 7 أبريل 2026 (رويترز)

يوم الثلاثاء الماضي، نشرت وكالة «بلومبرغ» خبراً تضمّن نصّ مكالمة هاتفية بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، أُجريت ظهر السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقد قال الأخير لبوتين: «أنا في خدمتك متى احتجت إلى المساعدة»، مضيفاً: «إن صداقتنا بلغت مستوى عالياً، بحيث يمكنني أن أقدّم لك العون بأي شكلٍ كان».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرحب برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الكرملين - 28 نوفمبر 2025 (أ.ب)

يومها، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن عن قمة ستجمعه بالرئيس الروسي في العاصمة المجرية بودابست، وتنهي الحرب الدائرة في أوكرانيا في غضون أسبوعين. لكن تلك القمة لم تعقد، والحرب في أوكرانيا ما زالت تدور رحاها.

وقام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، بزيارة للجالية المجرية في غرب أوكرانيا، قبل 3 أيام من الانتخابات، وسبق أن وجّه أوربان انتقادات لزيلينسكي وعطّل تمويلاً أوروبياً لأوكرانيا، كما عرقل طلب كييف الانضمام إلى التكتل المؤلف من 27 دولة.

وتعطِّل المجر قرضاً من الاتحاد الأوروبي لكييف بـ90 مليار يورو (100 مليار دولار)، ما يضع المالية الأوكرانية تحت ضغوط هائلة في خضم حرب تخوضها البلاد في مواجهة الغزو الروسي. وتقول المجر، وهي من دول الاتحاد الأوروبي القليلة التي ما زالت تشتري الوقود الروسي، إنها ستُواصل عرقلة القرض إلى أن تسمح أوكرانيا مجدداً بعبور النفط الروسي أراضيها عبر خط أنابيب دروجبا.

فانس إلى جانب أوربان عندما قال «جئت لأساعد أوربان بكل ما أوتيت في هذه الانتخابات» (أ.ف.ب)

وفيما كانت وسائل الإعلام تتناقل الخبر الذي وزّعته «بلومبرغ»، كانت طائرة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس تهبط في مطار بودابست في زيارة تأييد وتضامن مع «الصديق فيكتور» الذي يخوض، الأحد، انتخابات حاسمة قد تؤدي إلى سقوطه بعد 16 عاماً من إمساكه السلطة بيد من حديد في المجر. لذلك لم تكن مستغربة زيارة فانس، وهي الأولى لمسؤول أميركي بهذا المستوى إلى المجر منذ 35 عاماً، كما لم تكن مستغربة التصريحات التي أدلى بها إلى جانب أوربان عندما قال «جئت لأساعد أوربان بكل ما أوتيت في هذه الانتخابات»، بعد أن اتهم الاتحاد الأوروبي بالتدخل فيها «بشكل لم يسبق أن رأيت له مثيلاً أبداً»، واصفاً التحالف بين المجر والولايات المتحدة بأنه «تعاون أخلاقي».

وتعهّد الرئيس ترمب، الجمعة، بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» للولايات المتحدة لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه أوربان في انتخابات الأحد. وأعلن ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي: «نحن متحمسون للاستثمار في الازدهار المستقبلي الذي سيتحقق بفضل استمرار قيادة أوربان»، الذي يواجه معركة صعبة في وجه منافسه المؤيد للاتحاد الأوروبي بيتر ماغيار.

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

وقبل يومين من موعد الانتخابات المرتقبة، احتشد أكثر من مائة ألف شخص في ساحة كبرى والشوارع المحيطة بها وسط العاصمة، لحضور حفل موسيقي يضم عشرات من أشهر نجوم الغناء في البلاد، في رسالة مفتوحة تحث المواطنين على التوجه إلى مراكز الاقتراع الأحد، والتصويت لإسقاط حكومة فيكتور أوربان.

هذا المشهد يظهر بوضوح أن الانتخابات المجرية ليست مجرد انتخابات أخرى في الروزنامة الأوروبية، ويؤكد أن نتائجها سوف تتجاوز الحدود الوطنية، وتنعكس على امتداد القارة الأوروبية من حيث كونها اختباراً حاسماً لقدرة الاتحاد الأوروبي على الصمود في وجه الصدمات الآيديولوجية، وأيضاً لقدرة القوى اليمينية المتطرفة على ترسيخ نموذجها السياسي البديل عن النظام الليبرالي الديمقراطي وتصديره خارج الحدود.

بيتر ماغيار زعيم المعارضة خلال الاحتفال بالعيد الوطني المجري في بودابست - 15 مارس 2026 (رويترز)

لم يعد الرهان في بودابست، فحسب، مقصوراً على استمرار زعامة أوربان أو سقوطه، بل حول قدرة المشروع الأوروبي على التعايش مع المؤامرات التي تحاول نسفه من الداخل، أو تُعيد صياغته.

منذ بداية ولايته الثانية على رأس الحكومة المجرية عام 2010، أجرى أوربان تعديلات عميقة في النظام السياسي المجري تحت شعار «الديمقراطية اللاليبرالية»، فألغى معظم المؤسسات الرقابية على نشاط السلطة التنفيذية، وأحكم سيطرته على وسائل الإعلام الكبرى، وأعاد تشكيل السلطة القضائية؛ ما أطلق صفارات الإنذار أكثر من مرة داخل الاتحاد الأوروبي. وبعد تحذيرات متكررة، اتخذ الاتحاد بحق المجر عقوبات مالية شديدة، أرفقها مؤخراً بتلميح إلى المباشرة بإجراءات الطرد من النادي الأوروبي، عقب فضائح التواطؤ مع موسكو.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى وصوله لحضور اجتماع المجلس الأوروبي في بروكسل - 18 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

لكن، ولأول مرة منذ 16 عاماً، يخوض أوربان انتخابات لم يعد ضامناً نتائجها، بل إن أحدث الاستطلاعات ترجّح فوز مرشح المعارضة، بيتر ماغيار، الذي انشق قبل سنوات عن الحزب الذي يقوده أوربان، ويعرف جيداً مواطن القوة والضعف لدى رئيس الوزراء الحالي. وقد اتهم ماغيار الولايات المتحدة بالتدخل في الانتخابات، على خلفية زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى بودابست لتأكيد دعم واشنطن لأوربان.

رئيس الوزراء فيكتور أوربان خلال حملته الانتخابية في 27 مارس 2026 (رويترز)

من هنا، تطرح هذه الانتخابات مجموعة من التساؤلات الأساسية على الصعيدين الأوروبي والدولي. أولاً: هل يمكن لحكومة تدعمها الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل أن تخسر انتخابات في منافسة حرّة ونزيهة؟ وثانياً: في حال خسر أوربان بفارق ضئيل، هل سيقبل بنتائج الانتخابات؟ وقد بيّنت التجارب المقارنة أن هذا النوع من الأنظمة يميل إلى التشكيك في النتائج التي تهدد استمراريته، ويلجأ إلى الطعن القانوني الذي قد يستغرق البت فيه فترة طويلة، بما قد يُهدد بحدوث صدام بين مؤسسات الدولة.

ثالثاً: ماذا سيكون رد فعل الاتحاد الأوروبي في حال خسر مرشح المعارضة بفارق ضئيل؟ هل سيستمر في المواجهة مع أوربان، ويذهب إلى تفعيل مواد الميثاق وصولاً إلى طرد المجر، بما يهدد صدقية الاتحاد بوصفه ضامناً للقيم والمبادئ الديمقراطية؟

زيلينسكي مع فيكتور أوربان (رويترز)

ورابعاً، ماذا ستكون تداعيات سقوط أوربان على حلفائه في أوروبا، الذين ينظرون إليه بوصفه نموذجاً سياسياً ناجحاً لكسر التوافق الليبرالي من داخل المؤسسات الأوروبية؟ فيكتور أوربان ليس مجرد حليف للقوى اليمينية المتطرفة في الاتحاد الأوروبي، بل هو مرجع رمزي لها قد تؤدي هزيمته إلى ضعضعة صفوفها، وفقدان الزخم الذي تميّز به صعودها في السنوات الأخيرة المنصرمة. لكن لا شك في أن فوز أوربان سيعطي هذه القوى دفعاً إضافياً، ويرسخ إمكانية تصدير النموذج المجري.

المجر على مفترق حاسم، والاتحاد الأوروبي أيضاً، لأن هذه الانتخابات لن تُحدد فحسب مستقبل المجر السياسي، بل ستحمل إجابة عن سـؤال أساسي يطرحه الأوروبيون على أنفسهم منذ فترة: إلى أي مدى يمكن للسبل الديمقراطية أن تجهض الجهود المتواصلة لتقويض سيادة القانون؟ ولا شك في أن نتيجة الانتخابات المجرية، أياً كانت، ستبدو لها تداعيات أبعد من بودابست بكثير، إذ تواجه الديمقراطيات الأوروبية تحديات يتوقف على كيفية الخروج منها مستقبل المشروع الأوروبي في السنوات المقبلة.