مخاوف رسمية من تمدد أعمال الشغب والعنف في فرنسا

الحكومة تريد وأد الحركة الاحتجاجية في المهد وتجنب سيناريو العام 2005

رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)
رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)
TT

مخاوف رسمية من تمدد أعمال الشغب والعنف في فرنسا

رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)
رجل إطفاء يخمد نيرانا اشتعلت خلال المواجهات بين المتظاهرين والشرطة في 28 يونيو (رويترز)

تسعى باريس لخنق الحركة الاحتجاجية التي ترافقها أعمال شغب، احتجاجا على مقتل فتى في السابعة عشرة من عمره بالرصاص على يدي رجل شرطة بسبب عدم انصياعه لأوامره بوقف محرك سيارته والترجل منها. وفي الليلتين الماضيتين، شهدت مدينة نانتير الواقعة على مدخل باريس الغربي، حيث حصلت الحادثة صباح الثلاثاء، أعمال شغب واشتباكات وإحراق سيارات وإغلاق طرق قبل أن تمتد إلى ضواحي العاصمة الأخرى وإلى مدن رئيسية منها، ليون وتولوز وليل وديجون.

وأفاد جيرالد درامانان، وزير الداخلية، بأن ليلة الأربعاء إلى الخميس شهدت توقيف 150 شخصا في أنحاء مختلفة من البلاد، وأن عشرات منهم تم سوقهم أمام القضاء للمثول المباشر.

موظفو قطاع النقل يستعدّون لإزاحة عربة قطار محترقة في 29 يونيو (أ.ف.ب)

ويبدو أن الرئاسة والحكومة قلقتان من تطوّر الأحداث وأن تكون هذه المرة نسخة عما شهدته فرنسا، في ظروف مشابهة، في العام 2005 حيث أفضت وفاة مراهقين كانت تلاحقهما الشرطة، إلى ثلاثة أسابيع من أعمال العنف والشغب. ومن أجل احتوائها، عمدت السلطات وقتها إلى إعلان حالة الطوارئ في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) في 25 مقاطعة، وأبرزها الضواحي والمدن المحيطة بالعاصمة باريس والمعروفة بـ«إيل دو فرانس».

وثمّة ثلاثة مؤشرات تدلّ على قلق الحكومة وخطورة الوضع، أولها دعوة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى اجتماع طارئ لخلية الأزمات في وزارة الداخلية صباح الخميس لتدارس الوضع واتخاذ القرارات المناسبة. وثانيها قرار رئيسة الحكومة إليزابيث بورن إلغاء زيارة رسمية داخل فرنسا وطلبها من الوزراء عدم مغادرة البلاد إلا في حالة الضرورة. وثالثها، تأكيد وزير الداخلية قرار الحكومة نشر 40 ألف رجل شرطة في أنحاء البلاد مساء الخميس، منهم خمسة آلاف في المنطقة الباريسية وحدها لـ«إبراز حزم الدولة» في التعاطي مع المشاغبين، ما يعني أن وزير الداخلية سينشر أربعة أضعاف أعداد القوى الأمنية التي نشرت مساء الأربعاء والتي لم يزد عديدها على تسعة آلاف رجل.

ويمكن فهم أن الغرض الحقيقي الذي تسعى إليه الحكومة، وهو وأد الحركة الاحتجاجية في المهد ومنع تمدّدها إلى كافة أنحاء البلاد، علما أنها عرفت انتشارا سريعا ليل الأربعاء إلى الخميس، حيث لم يتردد المتظاهرون والمشاغبون في إغلاق بعض الطرق والاشتباك مع القوى الأمنية وإطلاق المفرقعات باتجاهها وإحراق عشرات السيارات ومهاجمة سجن قريبا من باريس وإحراق مقر للشرطة.

جانب من المسيرة البيضاء في نانتير في 29 يونيو (أ.ف.ب)

ولعل أحد أبرز معالم التشدد لجوء القوى الأمنية في مدينة نانتير، بعد ظهر الخميس، إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع على متظاهرين كانوا يشاركون في «مسيرة بيضاء» دعت إليها والدة الشاب القتيل تكريما لذكرى ابنها «نائل م» الذي قضى برصاص رجل شرطة أطلق النار عليه من مسافة قريبة. وقد شارك في المسيرة التي أريد لها أن تكون سلمية حوالي ستة آلاف شخص. وبدأ عدد من المتظاهرين برشق الشرطة بمقذوفات أمام المبنى الرئيسي للإدارة المحلية في نانتير، التي ردت بإطلاق الغاز المسيل للدموع لغرض تفريقهم.

بيد أن الحدث الأبرز حصل ظهر الخميس مع المؤتمر الصحافي الذي عقده ممثل النيابة العامة في مدينة نانتير، حيث كذّب فيه رواية الشرطي مطلق النار ورفيقه الشرطي الثاني. وقال باسكال براش، النائب العام في المدينة المذكورة، في إعلان للصحافة قبيل ظهر الخميس، إن «الشروط القانونية المفترضة لإطلاق النار لم تكن متوافرة»، ما يعني تكذيب رواية الشرطيين اللذين أكدا أنهما شعرا بالخطر معتبرين أن السائق يشكل تهديدا لهما وللسلامة العامة. وأكثر من ذلك وصف النائب العام ما حصل بأنه «عملية قتل غير متعمد». وبسبب هذه الخلاصة التي توصل إليها النائب العام، فقد أمر بفتح تحقيق قضائي عهد به إلى قاضيين سارعا لاستجواب أولي لمطلق النار ولزميله. وأفاد براش بأنه طلب وضع الأول قيد التوقيف الاحتياطي.

مواجهات بين متظاهرين والأمن الفرنسي في نانتير في 29 يونيو (أ.ب)

وتفيد التفاصيل التي كشف عنها المدعي العام أن الشاب المراهق الذي لم يكن قد بلغ سن الرشد القانونية (18 عاما) كان يقود سيارته بسرعة عالية في نانتير صباح الثلاثاء، يرافقه راكبان. وفشلت محاولة أولى قام بها رجلا شرطة على دراجتين ناريتين في إيقافه عند إحدى إشارات المرور، وأن السائق واصل الفرار على الأرصفة. وما أثار شكوك رجلي الأمن أن السيارة، وهي من نوع مرسيدس رياضية مسجلة في بولندا، يقودها سائق لا يحترم إشارات السير ولا يصغي لأوامر الشرطة. وبعد أن تمكن الشرطيان من اللحاق بالسيارة وأوقفاه، طلبا منه إيقاف محركها، لكنه، بدل ذلك، عمد فجأة للانطلاق بها مجددا، ما دفع أحد الشرطيين إلى إطلاق رصاص.

وبعكس رواية الأخيرين، أكّد المدعي العام أن حياتهما لم تكن أبدا مهددة وبالتالي فإن ادعاءاتهما بأن السائق حاول دهسهما غير صحيحة. ومن الواضح أن المدعي العام استند إلى صور الفيديو التي انتشرت سريعا منذ الاثنين، وتظهر تماما كيف انطلق السائق، وكيف أطلق أحد الشرطيين وعمره 38 عاما النار عليه من مسافة قريبة. ومن التفاصيل التي أوردها النائب العام أن مطلق النار حاول إسعاف الضحية بعد أن توقفت السيارة المسروقة عقب ارتطامها بحاجز. ورغم وصول الإسعاف سريعا، فإن الشاب نائل توفي في مكان الحادث.

وأفاد النائب العام بأن الشرطي الثاني أخلي سبيله بعد أن كان قد أوقف مع مطلق النار. وبينت الفحوص المخبرية أن الأخير لم يكن، عند حصول الحادثة، تحت تأثير المخدرات أو الكحول. ووفق تصريحات براش، فإن الشاب القتيل الذي لم يكن قد بلغ سن الرشد وفق القانون الفرنسي، أصيب برصاصة واحدة اخترقت ذراعه اليسرى ووصلت إلى القفص الصدري وقد تسببت بوفاته.

شرطة مكافحة الشغب اصطدمت بمتظاهرين في نانتير في 29 يونيو (إ.ب.أ)

وكان جيرالد درامانان قد كتب في تغريدة صباح الخميس، أن الأمن أوقف 150 شخصا خلال الليلة المنقضية، منددا بأعمال العنف التي تستهدف «رموز الجمهورية الفرنسية» من بلديات ومدارس ومراكز شرطة. وصباحا أيضا، سارع رئيس الجمهورية إلى الدعوة إلى اجتماع للخلية الأمنية عقد في مقر وزارة الداخلية المقابل للقصر الرئاسي بحضور رئيسة الحكومة إليزابيث بورن ووزير الداخلية والوزراء المعنيين وقادة الأجهزة الأمنية، لتقييم الوضع واتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهة موجة العنف الجديدة.

وبعد أن كان إيمانويل ماكرون قد عد الأربعاء أن مقتل الشاب نائل «عمل لا يمكن تفسيره» أو «التسامح إزاءه»، تغيرت لهجته صباح اليوم حيث اعتمد لغة متشددة. ووفق ما نقل عنه، فإنه ندد بأعمال العنف والشغب التي «لا يمكن تبريرها»، وأعرب عن «شجبه» لما جرى في الساعات الماضية التي تميزت بـ«مشاهد عنفية» استهدفت «مؤسسات الجمهورية». إلا أنه دعا كذلك إلى «الهدوء الكامل» ووضع حد لأعمال العنف، بيد أن هذه الدعوة لم تلق ولن تلقى على ما يبدو آذانا مصغية، والدليل ما حصل إبان «المسيرة البيضاء» التي شهدت، كما في الليلة السابقة في نانتير، اشتباكات مع الشرطة وأعمال عنف.

شرطيان يتفقدان سيارة محترقة بعد صدامات بشمال فرنسا في 29 يونيو (أ.ف.ب)

ويبدو أن التخوف الحكومي يتجاوز أعمال العنف إلى ما تعده السلطات «محاولة لتسخيرها لأغراض سياسية». وبالفعل، لم تتأخر الحكومة في التنديد بمن يسعون لهذا الغرض، فيما شنت قوى اليمين التقليدي واليمين المتطرف هجوما واسعا على اليسار، وتحديدا على حزب فرنسا المتمردة. وكما في كل مرة، أدلى السياسيون بدلوهم وثار الجدل بين اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف وبين اليسار، خصوصا حزب «فرنسا المتمردة» الذي يقوده المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون.

من جانب آخر، أثارت الحادثة الأخيرة الجدل بشأن القانون الذي يتيح لرجال الأمن إمكانية إطلاق النار عند «الشعور بالتهديد أو رفض الانصياع». وخلال العام الماضي، قتل 12 شخصا من السائقين لرفضهم الانصياع، وفق الشرطة.


مقالات ذات صلة

مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

شمال افريقيا مهاجرون أفارقة وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين

شارك مئات التونسيين، من بينهم نشطاء وممثلون عن المجتمع المدني، في مسيرة مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين في العاصمة تونس اليوم السبت.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

موريتانيا: أحزاب معارضة تدعو للتظاهر رفضاً لإجراءات الحكومة

دعا حزب معارض في موريتانيا إلى التظاهر يوم الأحد المقبل احتجاجاً على إجراءات اتخذتها الحكومة بسبب تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران 

الشيخ محمد (نواكشوط)
الولايات المتحدة​ مظاهرة احتجاجية ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في العاصمة واشنطن (أ.ف.ب)

مظاهرات واسعة النطاق ضد ترمب في الولايات المتحدة (صور)

خرج محتجون مناهضون لسياسات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى الشوارع في أنحاء الولايات المتحدة، أمس (السبت)، في إطار أحدث حملات حركة «لا ملوك».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متظاهر يحمل لافتة كُتب عليها «لا للملوك» مع رسم تاج مشطوب خلال احتجاج ضد سياسات ترمب أمام مبنى بلدية لوس أنجليس في 18 أكتوبر (رويترز)

رفضاً لـ«نزعته السلطوية»... ترقب لاحتجاجات أميركية واسعة ضد ترمب اليوم

يتوقع أن تشهد الولايات المتحدة اليوم (السبت) احتجاجات واسعة النطاق ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في ثالث تحرك من نوعه في أنحاء مختلفة من البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

أفادت مصادر حقوقية في الجزائر بإطلاق سراح نحو 50 سجيناً من معتقلي الرأي، عشية عيد الفطر المبارك، بموجب عفو رئاسي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
TT

انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

توجّه الناخبون المجريون بكثافةٍ إلى صناديق الاقتراع، الأحد، للإدلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً، في استحقاق تستحوذ نتائجه على متابعة مكثفة من المجتمع الدولي، خصوصاً من الولايات المتحدة وروسيا والبلدان الأوروبية.

ويختار 7.5 ملايين ناخب داخل المجر، إضافة إلى أكثر من 500 ألف مسجّلين في الخارج، بين خمسة أحزاب، وفقاً لنظام انتخابي أكثري مختلط يصبّ بدرجة كبيرة في مصلحة حزب «فيديش» الحاكم.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات مستوى قياسياً ظهر الأحد، إذ وصلت إلى 54.14 في المائة بين فتح مكاتب الاقتراع عند السادسة صباحاً (04.00 ت غ) والأولى من بعد الظهر بالتوقيت المحلي (11.00 ت غ)، في مقابل 40.1 في المائة عام 2022، وفقاً لمكتب الانتخابات الوطني.

وأشار محللون إلى أن نسبة المشاركة مرتفعة، خصوصاً في المدن متوسطة الحجم، وبين الناخبين الشباب، الأكثر ميلاً لدعم مرشح المعارضة بيتر ماغيار. وتحدث هؤلاء المحللون قبل الانتخابات عن نسبة مشاركة قياسية قد تصل إلى 75 في المائة.

بيتر ماغيار صاحب التوجهات الأوروبية المحافظة لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (إ.ب.أ)

وتوقعت استطلاعات رأي أجرتها مؤسسات مستقلة فوزاً كاسحاً لحزب «تيسا» بقيادة بيتر ماغيار ذي التوجهات الأوروبية والمحافظة الذي تمكّن خلال عامين من بناء حركة معارضة قادرة على منافسة أوربان، علماً بأن شعبية رئيس الوزراء ذي التوجهات القومية تراجعت بفعل تباطؤ النمو الاقتصادي في المجر.

وبعد الإدلاء بصوته في بودابست، دعا ماغيار، المجريين، إلى الاستنفار من أجل هذه «الانتخابات الحاسمة»، وقال: «نحن نختار بين الشرق والغرب، بين الدعاية والنقاش العام الصادق، بين الفساد وحياة عامة نزيهة، بين استمرار التدهور والانهيار الكامل للخدمات العامة أو إعادة الأموال الأوروبية وإنعاش الاقتصاد المجري».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان وزوجته أنيكو ليفاي لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

في المقابل، توقعت مؤسسات استطلاعات مقرّبة من السلطة فوز تحالف «فيديش» وحزب «الشعب الديمقراطي المسيحي» (كي دي إن بي) الذي يقوده أوربان الساعي إلى ولاية خامسة على التوالي.

وجدّد أوربان بعد إدلائه بصوته تحذيره من «أزمة كبرى» تنتظر أوروبا، وقال: «لحسن الحظ، لدينا الكثير من الأصدقاء في العالم، من أميركا إلى الصين، مروراً بروسيا والعالم التركي»، مضيفاً أنه لن يسمح للاتحاد الأوروبي بأن «يحرم» المجر من «مستقبلها وسيادتها».

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (يسار) ونائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتبادلان التحية في نهاية تجمع انتخابي في بودابست يوم 7 أبريل 2026 (رويترز)

وحظي أوربان قبل الانتخابات بدعم قوي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتمثّلَ هذا الدعم بزيارة لنائبه جاي دي فانس إلى بودابست، الأسبوع الحالي، امتدح خلالها مزايا فيكتور أوربان وانتقد تدخُّل «بيروقراطيي بروكسل»، حيث مقر الاتحاد الأوروبي. أما ترمب نفسه، فاتخذ الجمعة مواقف عدة داعمة لأوربان، إذ تعهد بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» الأميركية لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه الذي يراه مجسداً لمعركة مكافحة الهجرة والدفاع عن «الحضارة الغربية».

«حملة سلبية»

بات رئيس الوزراء المجري الذي جعل من بلده، البالغ عدد سكانه 9.5 ملايين نسمة، نموذجاً لـ«الديمقراطية غير الليبرالية» مثالاً تحتذي به عدد من الحركات اليمينية المتطرفة في مختلف أنحاء العالم. ويعد أوربان مقرّباً أيضاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وواظب على انتقاد العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا منذ غزوها أوكرانيا عام 2022.

ومع أن بروكسل تجنّبت التعبير علناً عن موقفها من الانتخابات المجرية، أكّد دبلوماسي أوروبي أن «معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستكون مسرورة بالتخلص من أوربان»، مشيراً إلى أن «الصبر بلغ حدّه الأقصى».

واتخذ أوربان (62 عاماً) مراراً مواقف مخالفة لتوجهات الدول الأعضاء الـ26 الأخرى، فيما جمّدت بروكسل التي تتهمه بتقويض دولة القانون مبالغ مخصصة لتمويل المجر تبلغ مليارات اليورو. وأكد أوربان خلال حملته عزمه مواصلة استهداف ما وصفه بـ«منظمات المجتمع المدني الوهمية، والصحافيين المأجورين، والقضاة والسياسيين».

ورأت أندريا شابو من «مركز العلوم الاجتماعية» في «جامعة ELTE» أن فوز أوربان «سيعني بوضوح (...) انزلاقاً نحو نظام استبدادي».

كذلك سعى أوربان إلى إعطاء انطباع بأنه سدّ منيع في وجه أوكرانيا، متهماً إياها بالسعي إلى جرّ المجريين إلى الحرب. لكنّ المحللين رأوا أن هذه الحجة لم تقنع مواطنيه في ظل الركود الاقتصادي في المجر واستشراء الفساد فيها بشكل فاضح.

وقالت أندريا شابو إن «فيديش» قرر «خوض حملة سلبية تماماً»، إذ لم تتضمن «طرحاً واحداً يمكن القول إنه قد يسهم فعلاً في توحيد الأمة، بل على العكس، لم يتحدث (الحزب) إلا عن الحرب».

أما بيتر ماغيار، البالغ 45 عاماً الذي زار مختلف المناطق المجرية منذ منتصف فبراير (شباط)، فقد تعهّد بتحسين الخدمات العامة، لا سيما في قطاعي الصحة والتعليم.

بيتر ماغيار ممثلاً عن حزب «تيسا» أثناء تصويته في بودابست الأحد (إ.ب.أ)

وخلال لقاء انتخابي، الخميس، دعا ماغيار الذي كان منتمياً سابقاً إلى «فيديش» إلى «إعطاء فرصة للتغيير»، مطلقاً سلسلة وعود، أبرزها مكافحة الفساد، وإعادة إحياء المؤسسات الديمقراطية، وجعل المجر عضواً أميناً في الاتحاد الأوروبي الذي تنتمي إليه منذ عام 2004.

اتهامات بالتدخل

وقال دانيال باشتور (60 عاماً) خلال لقاء انتخابي آخر أُقيمَ الجمعة: «من المهم أن تبدأ فعلاً حقبة جديدة، وأن تولد مجر جديدة قابلة للعيش». لكنّ لسائق سيارة الأجرة الخمسيني أتيلا شوكه رأياً مناقضاً، إذ اعتبر خلال تجمع انتخابي لأوربان الخميس أن «فوز (تيسا) سيكون أمراً فظيعاً بالنسبة للمجر».

وتتخوف المعارضة المجرية من أن يرفض أوربان الاعتراف بنتائج الانتخابات، فيما برزت اتهامات بتدخل روسي وبلجوء «فيديش» إلى شراء الأصوات على نطاق واسع. وردّ أوربان باتهام حزب «تيسا» بأنه «يتآمر مع أجهزة استخبارات أجنبية» للتلاعب بالنتائج.


روسيا وأوكرانيا تتبادلان اتهامات انتهاك «هدنة الفصح»

سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)
سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)
TT

روسيا وأوكرانيا تتبادلان اتهامات انتهاك «هدنة الفصح»

سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)
سكان يحملون سلالهم المليئة بالكعك والبيض التقليديين في أثناء مرورهم بمعرض للمعدات العسكرية الروسية المدمرة خلال احتفالات عيد الفصح في كييف الأحد (أ.ف.ب)

تبادلت أوكرانيا وروسيا، الأحد، اتهامات بخرق هدنة قائمة لمناسبة عيد الفصح الأرثوذكسي مئات المرّات، ورفض الكرملين تمديدها ما لم توافق كييف على شروطه.

وكانت الهدنة قد بدأت، السبت، عند الساعة الرابعة بعد الظهر (13:00 ت غ) على أن تستمر 32 ساعة، واتفق الطرفان على وقف الأعمال الحربية لمناسبة العطلة بعدما وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، على مقترح قدّمه نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قبل أكثر من أسبوع، مؤكداً أن كييف سترد بالمثل على أي انتهاك روسي. وأعلن زيلينسكي، السبت، أنه سيكون من الصواب تمديد وقف إطلاق النار، موضحاً أنه قدّم هذا الاقتراح إلى موسكو.

وفي المقابل، استبعد الكرملين هذا الاحتمال، الأحد، مشترطاً موافقة كييف على شروط موسكو لإنهاء الحرب التي اندلعت إثر غزو روسي واسع النطاق لأوكرانيا عام 2022. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف: «إلى حين امتلاك زيلينسكي الشجاعة لذلك، فإن العملية العسكرية الخاصة ستتواصل بعد انقضاء مهلة الهدنة».

وتستخدم روسيا عبارة «العملية العسكرية الخاصة» في حديثها عن هجومها على أوكرانيا. ورأى بيسكوف أن «السلام الدائم يمكن أن يأتي عندما نضمن مصالحنا، ونحقق الأهداف التي حددناها منذ البداية. يمكن القيام بذلك اليوم، لكن على زيلينسكي القبول بهذه الحلول المعروفة». وتطالب السلطات الروسية أوكرانيا بتنازلات سياسية وميدانية بينها الانسحاب الكامل من منطقة دونيتسك التي تسيطر موسكو عليها جزئياً. وترفض كييف هذه المطالب، معتبرة إياها استسلاماً.

أوكرانيون أمام شجرة مزينة ببيض عيد الفصح بمناسبة الاحتفال بعيد الفصح قرب كييف الأحد (إ.ب.أ)

أكثر من 3000 انتهاك

وكثيراً ما طالبت كييف بهدنة طويلة الأمد تسهل إجراء مفاوضات، لكن ترفض موسكو هذا المقترح معتبرة خصوصاً أن وقف إطلاق النار لمدة طويلة يتيح للجيش الأوكراني فرصة تعزيز قدراته. وكما كانت الحال خلال هدنة مماثلة، العام الماضي، شهدت الجبهة الممتدة على طول 1200 كيلومتر هدوءاً نسبياً.

وأفادت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني في منشور صباح الأحد بأن روسيا انتهكت الهدنة 2299 مرة. وبعد دقائق، اتهمت وزارة الدفاع الروسية، القوات الأوكرانية بانتهاك وقف إطلاق النار 1971 مرة. وتبادل الجيشان اتهامات بشن مئات الضربات المدفعية والهجمات بطائرات مسيّرة وهجمات عسكرية. ورغم ذلك، لفتت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني إلى أنه «لم تكن هناك ضربات صاروخية أو بقنابل جوية موجّهة أو بمسيّرات من طراز (شاهد)»؛ ما يشير إلى انخفاض نسبي في النشاط العسكري.

وعادة، تشن روسيا كل ليلة تقريباً مئات الهجمات على أوكرانيا بطائرات مسيّرة بعيدة المدى، وترد كييف بضرب الأراضي الروسية بعشرات الطائرات المسيّرة أيضاً. واتهم الجيش ومكتب المدعي العام في أوكرانيا، الأحد، القوات الروسية بإعدام 4 جنود أوكرانيين أُسروا، السبت، على الجبهة قرب قرية فيتيرينارني في منطقة خاركيف في شمال شرقي البلاد.

عناصر من القوات المسلحة الأوكرانية لدى احتفالهم بعيد الفصح الأرثوذكسي في منطقة خاركيف الأحد (أ.ف.ب)

«وهم»

نشر مراقبون عسكريون في موقع «ديب ستايت» المقرب من الجيش الأوكراني صوراً، مساء السبت، التقطتها طائرة مسيرة، تُظهر 4 أشخاص مستلقين على الأرض يرتدون زياً عسكرياً في منطقة حرجية، بينما يقف شخص آخر مسلحاً ويطلق النار عليهم، ولم يتسنَّ التحقق من صحتها.

وفي منطقة خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا، قال اللفتنانت - كولونيل فاسيل كوبزياك (32 عاماً)، صباح الأحد، إن الأوضاع «هادئة نسبياً» في منطقته، حسبما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية». وأفاد بأن وقف إطلاق النار لا يُطبّق «بشكل كامل»، لكنه لفت إلى أن تراجع حدة القتال سمح لجنوده بحضور قداس بمناسبة عيد الفصح في إحدى غابات المنطقة، بُعَيد فجر، الأحد، في ظلّ طقس شديد البرودة.

وفي منطقة كورسك الروسية المتاخمة لأوكرانيا، اتهم الحاكم ألكسندر خينشتاين كييف بخرق الهدنة، السبت، من خلال مهاجمة محطة وقود في بلدة لغوف بطائرة مسيّرة؛ ما أسفر عن جرح 3 أشخاص، بينهم رضيع. ومن جانبه، اتهم رئيس إدارة منطقة سومي الأوكرانية في شمال شرقي البلاد أوليغ غريغوروف الجيش الروسي بمهاجمة سيارة إسعاف بطائرة مسيّرة، ليل السبت - الأحد، ما أسفر عن جرح 3 مسعفين.

وفي مدينة زابوريجيا الكبيرة في جنوب شرقي أوكرانيا التي تبعد حالياً نحو 20 كيلومتراً عن الجبهة، قالت البائعة فيكتوريا (21 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن هذه الهدنة مجرد «وهم». وفي الأشهر الأخيرة، فشلت جولات عديدة من المحادثات بقيادة الولايات المتحدة في تقريب وجهات نظر الطرفين للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، وتعثّرت العملية بشكل متزايد مع تحوّل اهتمام واشنطن إلى إيران.

وأودت الحرب بمئات آلاف الأشخاص، وأجبرت الملايين على النزوح؛ ما يجعلها النزاع الأكثر عنفاً وحصداً للأرواح في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.


البابا ليو «أقرب من أي وقت مضى» إلى الشعب اللبناني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
TT

البابا ليو «أقرب من أي وقت مضى» إلى الشعب اللبناني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

قال البابا ليو الرابع عشر، الأحد، إنه «أقرب من أي وقت مضى» إلى الشعب اللبناني، وشدد على أن حمايته «واجب أخلاقي»، في وقت تتواصل الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» منذ أكثر من شهر.

وأسفرت الضربات الإسرائيلية على لبنان منذ الثاني من مارس (آذار) عن مقتل أكثر من ألفي شخص، حسب آخر حصيلة لوزارة الصحة اللبنانية السبت، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال البابا للحشود في ساحة القديس بطرس، في صلاة من أجل السلام، إنّه «أقرب من أي وقت مضى إلى الشعب اللبناني الحبيب» في الأيام الراهنة.

وأضاف: «إن مبدأ الإنسانية، المخطوط في ضمير كل شخص، الذي تقر به القوانين الدولية، يقتضي الواجب الخلقي في حماية السكان المدنيين من تبعات الحرب الشنيعة».

وجدد البابا ليو الرابع عشر دعوته للأطراف المتنازعة إلى «وقف إطلاق النار والبحث بشكل ملحّ عن حل سلمي».

وجاء كلام البابا غداة إخفاق إيران والولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاق خلال المحادثات التي أجريت بينهما في باكستان السبت لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

وكان البابا قد وجّه في صلاة من أجل السلام السبت أحد أقوى انتقاداته حتى الآن للحرب، داعياً إلى وضع حد للعنف.

وتوجّه إلى حكام الدول بالقول: «توقفوا! إنه زمن السلام! اجلسوا إلى طاولات الحوار والوساطة، لا إلى الطاولات التي يُخطط فيها لإعادة التسلح ويُبتّ فيها في أعمال الموت!».

وأضاف: «كفى عبادة للذات وللمال! كفى استعراضاً للقوة! كفى حرباً!».

ودعا رئيس الكنيسة الكاثوليكية مراراً إلى وقف التصعيد في الشرق الأوسط، وشدد على ضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي.

ويتوجّه البابا الاثنين إلى الجزائر في مستهلِّ جولة تستمر 11 يوماً في أفريقيا، يدعو خلالها إلى بناء الجسور مع العالم الإسلامي.