على الرغم من محاولة الحكومة الألمانية تخفيض التوتر في علاقتها مع الصين، يوم وصول وفد حكومي صيني كبير إلى برلين عبر تأجيل نشر استراتيجيتها الجديدة التي تحدد علاقتها ببكين، فإنها لم تنجح بذلك بشكل كامل. فقبل دقائق من صعود المستشار الألماني أولاف شولتز إلى المنبر للتحدث للصحافيين، وإلى جانبه ضيفه رئيس الوزراء الصيني لي كيانغ، خرج التقرير السنوي للاستخبارات الألمانية التي حددت الصين بأنها تشكل «التهديد الأكبر» لألمانيا من ناحية عمليات التجسس والتخريب.
وعلى بعد أمتار من مقر المستشارية، حيث كان شولتز يستقبل ضيفه الصيني، عقد رئيس الاستخبارات توماس هالدنفانغ ووزيرة الداخلية نانسي فايرز مؤتمراً صحافياً للكشف عن التقرير.
وحدد تقرير الاستخبارات 4 دول على رأسها الصين، على أنها زادت من علميات التجسس على ألمانيا العام الماضي، وهي إضافة إلى الصين روسيا وإيران وتركيا.
وذكر التقرير أن ألمانيا كانت على رأس الدول الأوروبية التي جذبت استثمارات صينية العام الماضي في مجال التكنولوجيا، مضيفاً بأن هذا الأمر يمكّنها من «ليس فقط مواكبة أو التقدم في هذا المجال، ولكن أيضاً يفتح أمامها الباب للتدخل السياسي والتجسس وارتكاب عمليات تخريب».

وكانت الحكومة الألمانية مهّدت لزيارة الوفد الصيني لمحادثات حكومية رفيعة المستوى، هي الأولى منذ العام 2021 والتي جرت عن بعد بسبب وباء كورونا، باستكمال التوقيع على استحواذ شركة «كوسكو» الصينية المرتبطة بالدولة، على جزء من مرفأ هامبورغ، بعد تأجيل لأشهر بسبب اعتراض وزراء داخل الحكومة، وتحذيرات من المخابرات، بأن هذا سيترك أكبر مرفأ في أوروبا عرضة «للابتزاز الصيني».
وبعد أشهر من التأجيل، وافق المستشار على أن تستحوذ «كوسكو» على 24.99 في المائة من حاويات في المرفأ؛ ما يعني أنها لن تتمتع بحق التصويت على قرارات تتعلق بالمرفأ.
وعلى الرغم من هذه الخطوة التي ترجمها محللون على أنها بادرة حسن نية ألمانية، قبيل بدء المشاورات الحكومية الصينية - الألمانية، فإن نقاط الالتقاء بين الطرفين تتقلص.
فعوضاً عن نشر ورقة تفاهمات في نهاية المشاورات، التي تستمر 3 أيام، عقد الرجلان مؤتمراً صحافياً في بداية المشاورات أكد فيه شولتز أن ألمانيا «لا تريد الانفصال كلياً من الناحية الاقتصادية» عن الصين، وبأنها تريد الاستمرار بالعمل معها عن قرب.
وكرر شولتز دعوته للصين باستخدام نفوذها وتأثيرها على روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا، مضيفاً أيضاً أن على الصين ألا تزود موسكو بالأسلحة. وحرص على شكر ضيفه الصيني على موقف بلاده الرافض «للتهديدات النووية» أو استخدام الأسلحة النووية.

وفي إشارة إلى عدم حصول المشاورات بشكل حضوري منذ العام 2018، قال شولتز: إن «الحوار المباشر» مع الصين «ضرورة الآن أكثر من العادة»؛ لأنه يساعد على الفهم وتبادل الآراء المختلفة. وتحدث شولتز كذلك عن أن النقاشات ستتناول العمل سوياً على مشاريع لمواجهة التغير المناخي والاستثمار في الطاقة النظيفة.
وهذه هي الزيارة الخارجية الأولى لرئيس الوزراء الصيني، الذي ينتقل الأربعاء مع الوفد المرافق إلى مدينة ميونيخ لعقد لقاءات مع رؤساء كبار الشركات الألمانية، مثل «بي إم في» و«سيمنز».
وتستعد ألمانيا لنشر استراتيجية التعاون مع الصين في الأسابيع المقبلة، والتي أعلنت الحكومة عنها بعد الحرب في أوكرانيا التي أجبرتها على مراجعة علاقتها بروسيا وسط دعوات لعدم تكرار الأخطاء نفسها مع الصين.
وتعد الصين حالياً الشريك التجاري الأكبر لألمانيا. وعدد كبير من الصناعات الألمانية يعتمد على التبادل التجاري والصناعي مع الصين.
وتعلو أصوات منذ أشهر لتقليص الاعتماد التجاري الألماني على الصين، وتنويع مصادر التبادل التجاري أكثر.
وقد ألمحت استراتيجية الأمن القومي الأولى، التي كشفت عنها برلين الأسبوع الماضي، توجهات سياستها المقبلة مع الصين، بعد أن سمت بكين على أنها «شريك وغريم يزداد حدة» في ورقتها تلك. وفي وقت يدعو فيه حزب «الخضر» المشارك في الحكومة إلى التشدد مع الصين، يحاول الاشتراكيون الذين يقودون الحكومة اعتماد موقف أقل حدة.
ويكرر شولتز أنه من الضروري إكمال العلاقة التجارية مع الصين، وأنه لا يمكن قطع العلاقة كلياً. ومع ذلك يشدد على ضرورة تنسيق الاستراتيجية الألمانية تجاه الصين مع الشركاء في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

ونقلت صحف ألمانية، قبيل بدء المشاورات الصينية - الألمانية في برلين، حصول تنسيق مع بروكسل وواشنطن حول الصين، خاصة وأن المشاورات تأتي في وقت كان وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في بكين.
وتحاول ألمانيا الموازنة بين الموقفين الفرنسي والأميركي من الصين، خاصة بعد تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى عودته من زيارة للصين قبل أسابيع إلى «عدم الانجرار» خلف السياسة الأميركية تجاه بكين.
وكانت حكومة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل بدأت المشاورات الحكومية مع الصين، التي لا تجريها ألمانيا عادة إلا مع الدول التي تتمتع معها بعلاقات خاصة، وعقدت 5 اجتماعات طوال فترة حكمها منذ العام 2005 وحتى خروجها من السلطة عام 2021. واعتمدت ميركل على سياسة تقارب مع الصين مبنية على التجارة، كما فعلت مع روسيا التي بنت معها علاقة مقربة مبنية على الاقتصاد؛ ما جعل ألمانيا معتمدة على الغاز الروسي في السنوات الماضية.
وتتعرض ميركل لانتقادات حادة بسبب سياساتها تلك والتي أظهرت هشاشتها منذ الحرب الروسية في أوكرانيا. وتريد ألمانيا اليوم تفادي تكرار الخطأ نفسه مع الصين، خاصة وسط مخاوف من إمكانية حصول تصعيد عسكري صيني في تايوان؛ ما قد يجعل ألمانيا عاجزة عن التحرك ضد الحكومة الصينية خشية على مصالحها الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن المشاورات الحكومية في برلين لن تركز فقط على الاقتصاد، بل ستتناول مواضيع سياسية خاصة حول أوكرانيا وأيضاً تايوان كما أكدت دوائر حكومية.
وكان الرئيس الألماني فرانك فالتر ستاينماير قد استقبل رئيس الوزراء الصيني قبل يوم في قصر بيل فو، ودعا إلى أن تستخدم بكين نفوذها مع موسكو لوضع حد للحرب في أوكرانيا.









