الكرملين يلوّح بـردٍ حازم على استهداف موسكو

روسيا تقول إن ضرباتها على أوكرانيا دمّرت مقراً للمخابرات العسكرية

TT

الكرملين يلوّح بـردٍ حازم على استهداف موسكو

خبير يتفحص الأضرار التي لحقت بمبنى في موسكو خلال هجوم المسيّرات الثلاثاء (أ.ف.ب)
خبير يتفحص الأضرار التي لحقت بمبنى في موسكو خلال هجوم المسيّرات الثلاثاء (أ.ف.ب)

لوّح الكرملين بـردٍ حازم بعد تعرّض العاصمة الروسية لهجوم غير مسبوق بحجمه استخدمت خلاله ثماني مسيّرات. وندد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بـ«الهجوم الإرهابي»، ورأى انه يهدف إلى ترويع سكان موسكو، واتهم الغرب بتحويل أوكرانيا «كياناً معادياً لروسيا». وربطت موسكو بين هجوم المسيّرات والضربات القوية التي وجّهها الجيش الروسي على العاصمة الأوكرانية، وكشفت وزارة الدفاع الروسية عن أن ضرباتها المركّزة على كييف في اليومين الأخيرين أسفرت عن تدمير «مراكز صنع القرار»، وبينها مقر الاستخبارات العسكرية الأوكرانية.

واستيقظ الروس صباح الثلاثاء على أنباء هجوم بثماني طائرات مسيّرة استهدفت موقعين في العاصمة الروسية من دون أن توقع خسائر فادحة. ورجّحت أوساط إعلامية روسية أن يكون هدف المسيّرات ضرب طريق يسلكها عادة الرئيس الروسي خلال تنقله من مقر إقامته خارج موسكو إلى الكرملين، لكن الدفاعات الجوية نجحت في إسقاط خمس من المسيّرات باستخدام أنظمة صاروخية قصيرة المدى من طراز «بانتسير» في حين تم حرف 3 مسيّرات أخرى وتعطيل تحركها باستخدام آليات التعطيل الإلكتروني.

شرطي أمام مبنى أُصيب بأضرار في هجوم الطائرات المسيّرة في موسكو الثلاثاء (أ.ف.ب)

ويعدّ هذا الحادث الأسوأ منذ أن أعلنت موسكو في بداية الشهر أن الكرملين تعرّض لهجوم بمسيّرتين. ونفت كييف في حينها علاقتها بالأحداث ورجحت أن يكون معارضون روس شنوا الهجوم. بينما ألمحت جهات غربية إلى احتمال أن يكون الحادث مدبراً من جانب الأجهزة الروسية لتبرير توسيع الهجوم الروسي على المدن الأوكرانية واستهداف أركان القيادة في كييف.

ورأت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية أن الهجوم على موسكو الثلاثاء شكّل رداً أوكرانياً على تكثيف استهداف كييف ومدن أوكرانية أخرى في الأيام الماضية. ونشرت نداءً وجهه عمدة كييف فيتالي كليتشكو إلى رئيس أركان الجيش الأوكراني فاليري زالوجني مساء الاثنين وناشد فيه «استهداف سكان العاصمة موسكو». ووفقاً للوكالة، فقد دعا كليتشكو عبر برنامج تلفزيوني إلى تحقيق «توازن الرعب»، وقال إن «السؤال عن ذلك ينبغي طرحه على زالوجني... لماذا يمكن للروس أن يرعبوا العاصمة الأوكرانية بينما سكان موسكو ينعمون بالهدوء والراحة؟».

ملصق إعلاني يشجّع على التطوع في الجيش قرب شقة أصيبت في هجوم الطائرات المسيرة في العاصمة الروسية الثلاثاء (رويترز)

وجاء الهجوم على موسكو، بعد توجيه ضربات ليلية روسية جديدة بمسيّرات على العاصمة الأوكرانية كييف، أسفرت عن سقوط قتيل على الأقل، على ما قال رئيس بلدية المدينة فيتالي كليتشكو.

وشكّل الهجوم امتداداً لعمليات قصف مركّزة استخدمت فيها روسيا المسيّرات وقاذفات بعيدة المدى، وتواصلت الهجمات الروسية خلال الأيام الماضية على مطارات ومنشآت البنى التحتية في كييف وضواحيها وعدد من المدن الأوكرانية الأخرى.

عمل إرهابي

ورأى الرئيس الروسي، في تصريحات أدلى بها الثلاثاء، أن هدف الضربات الأوكرانية في موسكو «ترويع» السكان، واصفاً الهجوم بأنه «عمل إرهابي». وأشاد بدقة عمل الدفاعات الروسية، مشيراً إلى أن كييف «تتعمد استهداف مدنيين في حين أن كل الضربات الروسية موجّهة على منشآت ومواقع عسكرية». واستغل المناسبة ليكشف عن أن القوات الروسية نجحت في ضربة مركزة الأحد بتقويض مقرّ الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، وهو أمر أكدت تفاصيله في وقت لاحق الاثنين وزارة الدفاع الروسية.

الرئيس فلاديمير بوتين يتحدث مع المديرة العامة لوكالة المبادرات الاستراتيجية سفيتلانا شوبشيفا على هامش زيارته معرضاً في موسكو الثلاثاء (سبوتنيك - رويترز)

وشنّ بوتين هجوماً جديداً على حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وقال إنه خدع روسيا بتعهداته عدم التمدد نحو الشرق وسعى إلى ضم أوكرانيا، ملاحظاً أن الغرب «حوّل الإقليم الذي يسمى أوكرانيا في السنوات الأخيرة كياناً معادياً لروسيا».

وفي إشارة لافتة، قال بوتين إن جيش بلاده «واجه مثل هذه الهجمات في سوريا على الرغم من أن حجم العاصمة الروسية لا يقارن مع المدن السورية».

الاحتفاظ بحق الرد

في غضون ذلك، نددت الخارجية الروسية بهجوم القوات الأوكرانية على موسكو، بحسب ما قالت، وأكدت أن روسيا «تحتفظ بحقها في اتخاذ أكثر الإجراءات صرامة رداً على ذلك». وأفاد بيان الوزارة بأن «الهجمات التي حاولت كييف تنفيذها باستخدام طائرات من دون طيار ضد مناطق في موسكو وضواحيها، موجهة حصرياً ضد السكان المدنيين من أجل بث الذعر». وأضاف البيان أن «الدعم الغربي لنظام كييف يدفع القيادة الأوكرانية نحو مزيد من الأعمال الإجرامية المتهورة».

اللافت، أن وسائل إعلام روسية ربطت الهجوم بما وصف بأنه «تصاعد الغضب الأوكراني بسبب النجاحات التي حققتها روسيا خلال توجيه ضربات قوية ومركزة على منشآت البنى التحتية ومراكز صنع القرار قي أوكرانيا خلال الأيام الأخيرة. وبالإضافة إلى الإعلان عن استهداف جهاز المخابرات العسكرية، كشفت وسائل إعلام، عن أن الضربات الروسية أسفرت عن تدمير جزء كبير من ميناء أوديسا الذي يستخدم بكثافة لاستقبال التقنيات العسكرية الغربية، كما تؤكد موسكو.

مدينة ألعاب قرب الكرملين اليوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

وكان سيرغي براتشوك، مستشار رئيس الإدارة العسكرية لمنطقة أوديسا، قال إن القوات الروسية أطلقت وابلاً من ثمانية صواريخ «كاليبر» المجنحة على منطقة أوديسا.

لكن المثير في هذا الاستهداف أن الميناء يستخدم بالدرجة الأولى لتنفيذ «صفقة الحبوب» المبرمة تحت رعاية الأمم المتحدة.

وقال الخبير العسكري الروسي فلاديمير غونداروف إن موسكو سعت إلى توجيه ضرباتها بدقة بالغة لتـتجنب إصابة السفن المحملة بالحبوب، لكنها ضربت المستودعات التي تحوي الذخيرة والمعدات الغربية والبنية التحتية للميناء بهدف بتعطيل «الهجوم المضاد» الأوكراني، الذي تستعد له أوكرانيا بنشاط.

وقالت وكالة الإعلام الروسية، اليوم (الثلاثاء)، إن وزارة الداخلية الروسية وضعت فاليري زالوجني، القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، على إحدى «قوائم المطلوبين». وأفادت الوكالة نقلاً عن قاعدة بيانات المطلوبين لدى الوزارة، بأن البند المطلوب بموجبه زالوجني غير محدد.

وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو يرأس مؤتمراً دفاعياً في موسكو اليوم (وزارة الدفاع الروسية - رويترز)

في السياق، أعلنت وزارة الدفاع الروسية في إيجازها اليومي لمجريات العمليات العسكرية أن قواتها نجحت في استهداف «مراكز صنع القرار في أوكرانيا، حيث كانت أجهزة المخابرات الغربية تخطط لعمليات ضد روسيا، وحققت الضربة أهدافها بنجاح».

ووفقاً لبيان الوزارة، فقد أصابت الضربات الجوية الروسية ونيران المدفعية لمجموعة «الغرب» نقاط تمركز الأفراد والمعدات العسكرية في كوبيانسك، في حين تم صد أعمال «مجموعات تخريب واستطلاع أوكرانية» في لوغانسك وخاركيف، و«بلغت خسائر العدو على هذا المحور ما يصل إلى 40 جندياً، وتدمير 3 مركبات»

وفي دونيتسك وجّه الطيران العملياتي التكتيكي للجيش الروسي ضربات أسفرت عن مقتل 145 جندياً أوكرانياً، فضلاً عن تدمير مستودع ذخيرة تابع للقوات المسلحة الأوكرانية بالقرب من قرية كراسنوي، بحسب معلومات وزارة الدفاع الروسية.

وعموماً، فقد وجّه الطيران العملياتي والتكتيكي للجيش، وكذلك سلاح المدفعية لمجموعات القوات المسلحة الروسية ضربات خلال الـ24 ساعة الماضية إلى 88 وحدة مدفعية تابعة للقوات المسلحة الأوكرانية في مواقع إطلاق النار، ونقاط تمركز الأفراد والمعدات العسكرية في 96 موقعاً أوكرانياً.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: ينبغي تشديد قواعد تصدير الطائرات المسيّرة الأوكرانية

أوروبا نظام الهجوم بالطائرات المسيّرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

زيلينسكي: ينبغي تشديد قواعد تصدير الطائرات المسيّرة الأوكرانية

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه لا ينبغي للدول الأجنبية الراغبة في شراء طائرات مسيّرة أوكرانية أن تتمكن من التواصل مباشرة مع الشركات المصنعة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

‌قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقناة «سي.إن.إن» في مقتطفات من ​مقابلة بُثت أمس السبت إن روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة.

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يتبادلان التحية خلال اجتماع في طهران - 19 يوليو 2022 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يتفهم تحول انتباه العالم إلى الشرق الأوسط، لكن ذلك «ليس في صالح أوكرانيا». وأضاف زيلينسكي للطلاب في باريس، خلال…

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)

البابا ينتقد أولئك الذين يستغلون الدين لشنّ الحرب

البابا لاوون الرابع عشر (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر (رويترز)
TT

البابا ينتقد أولئك الذين يستغلون الدين لشنّ الحرب

البابا لاوون الرابع عشر (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر (رويترز)

جدّد البابا لاوون الرابع عشر، اليوم (الأحد)، دعوته إلى السلام في الشرق الأوسط، منتقداً أولئك الذين يستغلون الدين لشنّ الحرب.

وقال خلال زيارة رعوية إلى إحدى ضواحي روما: «اليوم، يعاني العديد من إخواننا وأخواتنا حول العالم من صراعات عنيفة، ناجمة عن الادعاء السخيف بأنّ المشاكل والنزاعات يمكن حلّها بالحرب». وأضاف: «يدّعي البعض أنّهم يستعينون باسم الله في هذه القرارات المميتة، ولكن لا يمكن للظلام أن يستعين بالله. إنّ السلام هو ما يجب أن يسعى إليه من يستعينون به».

وكان الحبر الأعظم قد جدّد في وقت سابق، الأحد، الصلاة من أجل ضحايا «العنف الوحشي للحرب» في الشرق الأوسط، مطالباً بإنهائها واستئناف الحوار.

وقال البابا الأميركي، خلال صلاة التبشير الملائكي الأسبوعية في الفاتيكان: «أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، منذ أسبوعين، تعاني شعوب الشرق الأوسط من ويلات الحرب». في إشارة إلى الحرب التي اندلعت مع الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأضاف: «أُجدد تضامني مع جميع الذين فقدوا أحباء في الهجمات على مدارس ومستشفيات ومناطق سكنية». وشدد البابا على أن الوضع في لبنان مقلق جداً. وتابع: «باسم مسيحيّي الشرق الأوسط، وباسم جميع النساء والرجال ذوي النوايا الحسنة، أتوجه إلى المسؤولين عن هذا الصراع. أوقفوا إطلاق النار! لتفتح أبواب الحوار من جديد!». وقال: «العنف لا يقود أبداً إلى العدالة والاستقرار والسلام الذي تتوق إليه الشعوب».


انتخابات بلدية في فرنسا تشكل اختباراً لليمين المتطرف

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون خلال التصويت في توكيه - باري - بلاج الأحد (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون خلال التصويت في توكيه - باري - بلاج الأحد (رويترز)
TT

انتخابات بلدية في فرنسا تشكل اختباراً لليمين المتطرف

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون خلال التصويت في توكيه - باري - بلاج الأحد (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون خلال التصويت في توكيه - باري - بلاج الأحد (رويترز)

توجّه الناخبون في فرنسا إلى صناديق الاقتراع الأحد، لانتخاب رؤساء البلديات في تصويت يحظى بمتابعة دقيقة، ويعد اختباراً لقوة اليمين المتطرف وقدرة الأحزاب الرئيسية على الصمود قبل سنة من الاستحقاق الرئاسي.

وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها في الساعة الثامنة صباحاً بالتوقيت المحلي، على أن تغلق في الساعة الثامنة مساء بالتوقيت المحلي. وستجرى جولة ثانية في عدد من المدن المتوسطة والكبيرة في 22 مارس (آذار).

ويدير رؤساء البلديات ما يقرب من 35 ألف بلدية تشمل مدناً كبرى، وأيضاً بلدات وقرى لا يزيد عدد سكانها على بضع عشرات. ويمكن لنتائج الانتخابات المحلية أن تعطي مؤشراً عن التوجه العام في البلاد، خصوصاً مع إجرائها في وقت قريب من الانتخابات الرئاسية التي تشير استطلاعات الرأي إلى إمكانية فوز حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بها.

ويولي الفرنسيون في العادة، أهميّة كبيرة للبلديات، غير أن الحرب في منطقة الشرق الأوسط طغت على الحملات المحلية، ما قد يرتدّ سلباً على نسبة المشاركة.

وبحلول منتصف نهار الأحد، كانت نسبة إقبال الناخبين منخفضة، حيث بلغت نحو 19 في المائة، أي بزيادة نقطة مئوية ‌واحدة فقط على ‌نسبة الإقبال بحلول منتصف النهار في الجولة الأولى من الانتخابات المحلية لعام 2020 خلال ‌جائحة «كوفيد - 19»، وبانخفاض عن نسبة 23 في المائة المسجلة في عام 2014.

والمعركة محتدمة للفوز برئاسة بلدية العاصمة الفرنسية التي يطمح اليمين المحافظ (حزب «الجمهوريون») مع مرشّحته وزيرة الثقافة السابقة رشيدة داتي، لسحبها من الحزب الاشتراكي الذي يمسك بزمامها منذ 25 عاماً. ويطمح اليمين المتطرّف لأن يحلّ محلّ اليمين في بعض الدوائر، أو يذلّل الحواجز القائمة أمام نسج تحالفات جديدة تمهيداً لانتخابات 2027.

اختبار لليمين المتطرف

وبدا أن حزب «التجمع الوطني»، المناهض للهجرة والمتشكك في الاتحاد الأوروبي، يواجه صعوبات في تحقيق مكاسب ملموسة في الانتخابات البلدية.

ومع وجود مرشحين منه في مئات البلديات، لا يتوقع الحزب تحقيق فوز ساحق، لكنه يأمل في إظهار أن شعبيته متزايدة، وتحقيق بعض الانتصارات الكبيرة التي قد تعزز حملته الرئاسية.

وقال فرنك أليسيو، مرشح حزب «التجمع الوطني» في مرسيليا، المدينة الثانية الكبرى في فرنسا: «إذا اتخذ سكان مرسيليا خياراً شجاعاً... فسيشجع ذلك الفرنسيين ويوضح لهم الخيار الذي سيتخذونه العام المقبل»، حسبما نقلت عنه وكالة «رويترز».

ويتعادل أليسيو في استطلاعات الرأي للجولة الأولى مع رئيس البلدية الاشتراكي الحالي بينوا ‌بايان، مما يمنح حزب «التجمع الوطني» فرصة لم تكن لتخطر ‌على البال في السابق، للوصول إلى السلطة في إحدى المدن الفرنسية الكبرى.

وفي مركز اقتراع بمرسيليا، قال عامل ‌البناء سيرج إنه لا يشعر بالقلق ولا بالأمل تجاه حزب «التجمع الوطني». وأضاف الرجل البالغ من العمر ‌61 عاماً، الذي رفض ذكر اسمه الكامل: «هم ليسوا أسوأ من غيرهم. لن يغير ذلك شيئاً. لا شيء يتغير، وهذه هي المشكلة»، مؤكداً أن الأمن يمثل أولوية قصوى بالنسبة له في هذه الانتخابات.

لويس ساركوزي (يسار) مرشح ائتلاف «إحياء مينتون» اليميني خلال تصويته في مينتون (جنوب شرق) الأحد (أ.ف.ب)

التركيز على الأمن

وتركز عادة عمليات التصويت في آلاف البلديات على قضايا وملفات محلية. لكن استطلاعات رأي تظهر أن مسألة الأمن تشكل أولوية لدى الناخبين، ‌بما يتسق أيضاً مع تركيز حزب «التجمع الوطني» على القانون والنظام.

ومن بين المدن الكبرى التي يستهدفها حزب «التجمع الوطني» مدينة تولوز في الجنوب، التي يبلغ عدد سكانها 180 ألف نسمة. ويمكن أن يفوز الحزب أيضاً في مدينة منتون، الواقعة بمنطقة الريفييرا، حيث يترشح لويس، نجل الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، بدعم من أحزاب الوسط.

رشيدة داتي مرشحة حزب «الجمهوريون» لمنصب عمدة باريس خلال تصويتها في باريس الأحد (إ.ب.أ)

ودفعت المخاوف الأمنية مدني سعداوي، وهو متقاعد يبلغ من العمر 70 عاماً، إلى التصويت لمرشحة اليمين رشيدة داتي لمنصب رئيسة بلدية باريس. وقال من مركز اقتراع في الدائرة العاشرة بباريس: «اليمين يدعو إلى الأمن، ولا يوجد أمن في فرنسا بأكملها».

تحالفات أحزاب

ويبرز تساؤل جوهري حول ماهية التحالفات التي سيعقدها حزب «التجمع الوطني» مع الأحزاب الأخرى بين جولتي الانتخابات، وما إذا كانت هذه الانتخابات ستنهي عقوداً من التباعد عن اليمين المتطرف.

وحقق اليسار نتائج جيدة في أنحاء فرنسا بالانتخابات البلدية الأحدث في 2020. لكنه أصبح أضعف حالياً، وهناك ترقب لمدى إمكانية احتفاظه بالعاصمة باريس ومدن فاز بها في المرة السابقة.

والسؤال الرئيسي الآخر هو ما إذا كانت أحزاب اليسار الرئيسية ستعقد تحالفات بين الجولتين مع حزب فرنسا الأبية اليساري المتشدد، أم لا. وستجرى جولة ثانية في 22 مارس، في جميع المدن التي لا تفوز فيها قائمة واحدة بأكثر من 50 في المائة من الأصوات.


الانتخابات البلدية في فرنسا... اختبار مبكّر لقوة اليمين المتطرف قبل «الرئاسية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدلي بصوته في الجولة الأولى من الانتخابات البلدية بفرنسا اليوم (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدلي بصوته في الجولة الأولى من الانتخابات البلدية بفرنسا اليوم (رويترز)
TT

الانتخابات البلدية في فرنسا... اختبار مبكّر لقوة اليمين المتطرف قبل «الرئاسية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدلي بصوته في الجولة الأولى من الانتخابات البلدية بفرنسا اليوم (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدلي بصوته في الجولة الأولى من الانتخابات البلدية بفرنسا اليوم (رويترز)

توجّه الناخبون في فرنسا إلى صناديق الاقتراع، الأحد، لانتخاب رؤساء البلديات، في تصويت يحظى بمتابعة دقيقة، ويعتبر اختباراً لقوة اليمين المتطرف وقدرة الأحزاب الرئيسية على الصمود قبل انتخابات رئاسية مقررة العام المقبل.

وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها في الساعة الثامنة صباحاً بالتوقيت المحلي (07:00 بتوقيت غرينيتش)، وتغلق في الساعة الثامنة مساء بالتوقيت المحلي. وستُجرى جولة ثانية في عدد من المدن المتوسطة والكبيرة في 22 مارس (آذار).

ويدير رؤساء البلديات ما يقرب من 35 ألف بلدية تشمل مدناً كبرى وأيضاً بلدات وقرى لا يزيد عدد سكانها على بضع عشرات.

ويمكن لنتائج الانتخابات المحلية أن تعطي مؤشراً عن التوجه العام في البلاد، خاصة مع إجرائها في وقت قريب من الانتخابات الرئاسية التي تشير استطلاعات الرأي إلى إمكانية فوز «حزب التجمع الوطني» اليميني المتطرف بها.

وبحلول منتصف النهار، كانت نسبة إقبال الناخبين منخفضة؛ إذ بلغت نحو 19 بالمائة؛ أي بزيادة نقطة مئوية ‌واحدة فقط عن ‌نسبة الإقبال بحلول منتصف النهار في الجولة الأولى من الانتخابات المحلية لعام 2020 خلال ‌جائحة ⁠«كوفيد-19»، وبانخفاض عن ⁠نسبة 23 بالمائة المسجلة في عام 2014.

اختبار لـ«حزب التجمع الوطني»

يواجه «حزب التجمع الوطني»، المناهض للهجرة والمتشكك في الاتحاد الأوروبي، صعوبات حتى الآن في تحقيق مكاسب ملموسة في الانتخابات البلدية.

ومع وجود مرشحين منه في مئات البلديات، لا يتوقع الحزب تحقيق فوز ساحق، لكنه يأمل إظهار أن شعبيته متزايدة، وتحقيق بعض الانتصارات الكبيرة التي قد تعزز حملته الرئاسية.

وقال فرانك أليسيو، مرشح «حزب التجمع الوطني» في مارسيليا، ثاني أكبر مدينة في فرنسا، لـ«رويترز»: «إذا اتخذ سكان مرسيليا خياراً شجاعاً... فسيشجع ذلك الفرنسيين ويوضح لهم الخيار الذي سيتخذونه العام المقبل».

ويتعادل ⁠أليسيو في استطلاعات الرأي للجولة الأولى مع رئيس البلدية الاشتراكي الحالي بينوا ‌بايان، مما يمنح «حزب التجمع الوطني» فرصة لم تكن لتخطر ‌على البال في السابق للوصول إلى السلطة في إحدى المدن الفرنسية الكبرى.

ناخبون يدلون بأصواتهم خلال الجولة الأولى من الانتخابات البلدية في فرنسا اليوم (أ.ف.ب)

وفي مركز اقتراع بمرسيليا، قال عامل ‌البناء سيرج، إنه لا يشعر بالقلق ولا بالأمل تجاه «حزب التجمع الوطني».

وأضاف الرجل البالغ من العمر ‌61 عاماً، والذي رفض ذكر اسمه الكامل: «هم ليسوا أسوأ من غيرهم. لن يغير ذلك شيئاً. لا شيء يتغير، وهذه هي المشكلة»، مؤكداً أن الأمن يمثل أولوية قصوى بالنسبة له في هذه الانتخابات.

التركيز على الأمن

تركز عادة عمليات التصويت في آلاف البلديات على قضايا وملفات محلية. لكن استطلاعات رأي تظهر أن مسألة الأمن تشكل أولوية لدى الناخبين، ‌بما يتسق أيضاً مع تركيز «حزب التجمع الوطني» على القانون والنظام.

ومن بين المدن الكبرى التي يستهدفها «حزب التجمع الوطني» مدينة تولوز في الجنوب، ⁠التي يبلغ عدد سكانها ⁠180 ألف نسمة. ويمكن أن يفوز الحزب أيضاً في مدينة منتون، الواقعة في منطقة الريفييرا، حيث يترشح لويس، نجل الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، بدعم من أحزاب الوسط.

ودفعت المخاوف الأمنية مدني سعداوي، وهو متقاعد يبلغ من العمر 70 عاماً، إلى التصويت لمرشحة اليمين رشيدة داتي لمنصب رئيسة بلدية باريس.

وقال من مركز اقتراع في الدائرة العاشرة بباريس: «اليمين يدعو إلى الأمن، ولا يوجد أمن في فرنسا بأكملها».

تحالفات أحزاب

ويبرز تساؤل جوهري حول ماهية التحالفات التي سيعقدها «حزب التجمع الوطني» مع الأحزاب الأخرى بين جولتَي الانتخابات، وما إذا كانت هذه الانتخابات ستنهي عقوداً من التباعد عن اليمين المتطرف.

وحقق اليسار نتائج جيدة في أنحاء فرنسا في أحدث انتخابات بلدية في 2020. لكنه أصبح أضعف حالياً، وهناك ترقب لمدى إمكانية احتفاظه بالعاصمة باريس، ومدن فاز بها في المرة السابقة.

والسؤال الرئيسي الآخر هو ما إذا كانت أحزاب اليسار الرئيسية ستعقد تحالفات بين الجولتين مع «حزب فرنسا الأبية» اليساري المتشدد.

وستُجرى جولة ثانية في 22 مارس في جميع المدن التي لا تفوز فيها قائمة واحدة بأكثر من 50 بالمائة من الأصوات.