تركيا تواصل اتصالاتها بأطراف اتفاقية الحبوب بشأن التمديد المستقبلي

الأمم المتحدة تؤكد أن شق صادرات روسيا لم ينفذ حتى الآن

ميناء إيزمائيل حيث يجري تحميل السفن بالحبوب الأوكرانية (أ.ب)
ميناء إيزمائيل حيث يجري تحميل السفن بالحبوب الأوكرانية (أ.ب)
TT

تركيا تواصل اتصالاتها بأطراف اتفاقية الحبوب بشأن التمديد المستقبلي

ميناء إيزمائيل حيث يجري تحميل السفن بالحبوب الأوكرانية (أ.ب)
ميناء إيزمائيل حيث يجري تحميل السفن بالحبوب الأوكرانية (أ.ب)

أكدت تركيا استمرار اتصالاتها مع أطراف اتفاقية الممر الآمن للحبوب في البحر الأسود بشأن تمديدها في المستقبل. وقال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، إن اتصالات تجرى مع أطراف الاتفاقية الموقعة في يوليو (تموز) 2022، بإسطنبول بين روسيا وأوكرانيا بوساطة تركيا ورعاية الأمم المتحدة، حول موضوع تمديدها في المستقبل. وأضاف أكار، في مقابلة تلفزيونية السبت: «تم تمديد الاتفاقية لمدة شهرين (في 18 مايو / أيار الحالي). نواصل الاتصالات مع المشاركين فيها، وسنتحدث لاحقاً عن ذلك، وسنقيم الوضع، وسنعمل على تمديد الاتفاقات لفترة جديدة».

وتنص الاتفاقية على سماح روسيا بتصدير الحبوب الأوكرانية عبر ممر إنساني فتحه الأسطول الروسي في البحر الأسود، بشرط إتاحة وصول الحبوب والأسمدة الروسية إلى الأسواق، لكن العقوبات حالت، حتى الآن، دون تطبيق الشق الخاص بروسيا في الاتفاقية، حيث تعهدت دول العقوبات بعدم تقييد الصادرات الروسية من الأسمدة والحبوب والزيوت والغذاء، لكنها تستمر بمعاقبة شركات التأمين وخدمات السفن التي تتعامل مع موسكو.

وقالت الأمم المتحدة، الجمعة، إن الاتفاقية التي تسمح بخروج الحبوب من موانئ أوكرانيا المطلة على البحر الأسود، لم يستأنف العمل بها بصورة كاملة بعدما توقفت، قبل قرار روسيا بالموافقة على تمديدها.

وتم تعيين 3 موانئ أوكرانية للتصدير، لكن الأمم المتحدة قالت إن أي سفينة لم تحصل على تصريح بالإبحار صوب ميناء بيفديني الأوكراني، أحد الموانئ الثلاثة، منذ 29 أبريل (نيسان) الماضي.

وأكدت الأمم المتحدة، في بيان، أنها وتركيا «تعملان عن قرب مع باقي الأطراف بهدف استئناف العمليات بصورة كاملة، وإزالة جميع العوائق التي تعرقلها وتحد من نطاق الاتفاقية».

والثلاثاء الماضي، اتهمت أوكرانيا روسيا بإخراج ميناء بيفديني عملياً من مبادرة الحبوب، في الوقت الذي تشكو فيه روسيا من عدم قدرتها على تصدير الأمونيا عبر خط أنابيب إلى بيفديني بموجب الاتفاقية الموقعة في إسطنبول.

وأقرت الأمم المتحدة بأن الاتفاقية تشمل صادرات الأسمدة من روسيا، بما في ذلك الأمونيا، لكن لا توجد مثل هذه الصادرات حتى الآن.

وبحسب الاتفاقية، يمنح مركز التنسيق المشترك في إسطنبول، الذي يتكون من مسؤولين من أوكرانيا وروسيا وتركيا والأمم المتحدة، الإذن للسفن بالإبحار ويجري عمليات تفتيش لها قبل أن تتوجه إلى موانئ أوكرانيا وبعد الخروج منها.

وقالت الأمم المتحدة إن المركز لم يسجل أي سفن جديدة، الخميس، لكن جرى الاتفاق على تسجيل سفينتين، الجمعة، مشيرة إلى وجود 13 سفينة يجري تحميلها حالياً في الموانئ الأوكرانية، 6 منها في ميناء تشورنومورسك، و7 في ميناء أوديسا، وهما الميناءان الآخران لصادرات الحبوب بموجب الاتفاقية.

وقالت روسيا إن جهود الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تصطدم بموقف غير بناء من جانب بعض الدول الغربية فيما يتعلق بالشق الروسي من اتفاقية الحبوب، ما يعقد العملية لكن الاتصالات ستستمر حول ذلك. وأشارت إلى أنه إذا لم تُلبَّ مطالبها المتعلقة بتسهيل صادراتها من الحبوب والأسمدة، فإنها لن تمدد الاتفاق الذي يسمح بتصدير المنتجات نفسها من 3 موانئ أوكرانية على البحر الأسود إلى ما بعد 17 يوليو.

وأصدرت موسكو نفس التهديد والمطالب في مارس (آذار)، ثم وافقت الأسبوع الماضي على تمديد الاتفاق لمدة 60 يوماً. وكان الاتفاق قد أبرم أولاً في يوليو الماضي، بين موسكو وكييف بوساطة الأمم المتحدة وتركيا، في محاولة لتخفيف أزمة السلع العالمية التي تفاقمت بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وقالت وزارة الخارجية الروسية إن «عبور الأمونيا وكذلك تسليم حصص جديدة من الحبوب، مفهوم ضمناً في منطق الاتفاق، على الرغم من عدم ذكره حرفياً». وتساءلت: «لماذا يستمر تصدير المواد الغذائية الأوكرانية بنجاح، ولا تنقل الأمونيا الروسية من ميناء يوجني (بيفديني)؟».

كما اشتكت وزارة الخارجية الروسية من «عدم إحراز أي تقدم» فيما يتعلق بمطالبها الأخرى المطروحة منذ مدة طويلة، وهي السماح بتزويد روسيا بالآلات الزراعية وقطع الغيار، ورفع القيود المفروضة على التأمين ووصول السفن والبضائع الروسية إلى الموانئ، وإلغاء تجميد حسابات شركات الأسمدة الروسية وأنشطتها المالية.

وذكر المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، خلال تعليقه الأسبوع الماضي، على أنباء تفيد بأن الاتحاد الأوروبي لا يخطط بعد لإعادة ربط البنوك الروسية، بما في ذلك مصرف «روسيلخوزبنك»، بنظام سويفت رغم أن هذا أحد شروط استمرار اتفاقية الحبوب، أنه «على الرغم من كل جهود الأمم المتحدة، يصطدم غوتيريش بموقف غير بناء من جانب بعض الأطراف الغربية، وهذا الأمر يزيد فعلاً من تعقيد العملية. ربما يعقد تنفيذ الجزء الروسي من مبادرة البحر الأسود الاتفاقية، لكن كما قلنا ستستمر الاتصالات، لأنه تم تمديد الصفقة لمدة شهرين، لكن شهرين فترة قصيرة، وستنتهي بسرعة إلى حد ما».


مقالات ذات صلة

أوكرانيا: نحو مليون و535 ألف قتيل وجريح في صفوف الجيش الروسي منذ بدء الحرب

أوروبا يعمل عناصر الإنقاذ في موقع مركز تجاري تضرر جراء ضربة عسكرية روسية - في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا - في مدينة أوديسا الأوكرانية (رويترز)

أوكرانيا: نحو مليون و535 ألف قتيل وجريح في صفوف الجيش الروسي منذ بدء الحرب

 أعلن سلاح الجو الأوكراني، في بيان عبر تطبيق «تليغرام»، أن قوات الدفاع الجوي الأوكراني أسقطت 87 من أصل 107 طائرات مسيرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم على أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا مركبات «لينكس» القتالية على خط إنتاج في مصنع شركة «راينميتال» الألمانية للأسلحة والذخائر في أونترلوس بألمانيا يوم 6 يونيو 2023 (رويترز)

روسيا: مصانع الأسلحة الأوروبية الداعمة لأوكرانيا أهداف عسكرية محتملة

قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، اليوم (الأربعاء)، إن المصانع في أوروبا التي تنتج أسلحة لأوكرانيا أهداف عسكرية مشروعة ومحتملة لروسيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا شرطي وسكان يقفون أمام مبنى تعرض لأضرار جسيمة جراء ضربة صاروخية روسية بمنطقة كييف (رويترز) p-circle

روسيا تستهدف إمدادات الكهرباء في كييف مع اقتراب الشتاء

استهدفت روسيا منشآت للطاقة في أوكرانيا اليوم الأربعاء في هجوم واسع بالصواريخ والطائرات المسيّرة أسفر عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الليتواني ميندوغاس سينكيفيتشيوس في مقر الحلف ببروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب) p-circle

روته: لا تهديدَ روسياً وشيكاً على دول «الناتو»

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، اليوم الأربعاء، إنه ليس هناك تهديد وشيك لأراضي دول الحلف من روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء ليتوانيا مينداوغاس سينكيفيسيوس في مقر الحلف ببروكسل (أ.ب) p-circle

موسكو تلوّح بـ«النووي» و«الخارجية» تهدّد مراكز القرار في «ناتو» إذا تعرضت كالينينغراد لحصار

موسكو تلوّح بـ«النووي» و«الخارجية» تهدّد مراكز القرار في «ناتو» إذا تعرضت كالينينغراد لحصار... والحلف يستفيد من دروس مناورة عسكرية كبرى في أوروبا.

رائد جبر (موسكو)

أوكرانيا: نحو مليون و535 ألف قتيل وجريح في صفوف الجيش الروسي منذ بدء الحرب

يعمل عناصر الإنقاذ في موقع مركز تجاري تضرر جراء ضربة عسكرية روسية - في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا - في مدينة أوديسا الأوكرانية (رويترز)
يعمل عناصر الإنقاذ في موقع مركز تجاري تضرر جراء ضربة عسكرية روسية - في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا - في مدينة أوديسا الأوكرانية (رويترز)
TT

أوكرانيا: نحو مليون و535 ألف قتيل وجريح في صفوف الجيش الروسي منذ بدء الحرب

يعمل عناصر الإنقاذ في موقع مركز تجاري تضرر جراء ضربة عسكرية روسية - في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا - في مدينة أوديسا الأوكرانية (رويترز)
يعمل عناصر الإنقاذ في موقع مركز تجاري تضرر جراء ضربة عسكرية روسية - في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا - في مدينة أوديسا الأوكرانية (رويترز)

أعلن سلاح الجو الأوكراني، اليوم (الخميس)، في بيان عبر تطبيق «تليغرام»، أن قوات الدفاع الجوي الأوكراني أسقطت 87 من أصل 107 طائرات مسيّرة أطلقتها روسيا خلال هجوم على أوكرانيا خلال الليل.

وقال البيان إن القوات الروسية شنَّت هجوماً على أوكرانيا، خلال الليل، باستخدام 107 طائرات مسيرة من طراز «شاهد»، و«جيربيرا»، و«إيتالماس» وطرز أخرى، تم إطلاقها من مناطق أوريول وميليروفو وبريانسك وشاتالوفو الروسية، بالإضافة إلى دونيتسك وهفارديسكي بشبه جزيرة القرم المحتلة، حسبما ذكرت «وكالة الأنباء الوطنية الأوكرانية (يوكرينفورم)».

وأضاف البيان أنه تم صد الهجوم من قبل وحدات الدفاع الجوي ووحدات الحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة وفرق النيران المتنقلة التابعة لسلاحَي الجو والدفاع الجوي الأوكرانيين.

وبحسب البيانات الأولية، وحتى الساعة 08:00، صباح اليوم (الخميس)، أسقطت قوات الدفاع الجوي الأوكرانية 87 طائرة مسيرة روسية من طراز «شاهد»، و«جيربيرا»، و«إيتالماس» وطرز أخرى.

من جانبه، أعلن الجيش الأوكراني، اليوم، ارتفاع عدد قتلى وجرحى العسكريين الروس منذ بداية الحرب على الأراضي الأوكرانية في 24 فبراير(شباط) 2022، إلى نحو مليون و535 ألفاً و870 فرداً، من بينهم 1900 قُتلوا، أو أصيبوا، خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وجاء ذلك وفق بيان نشرته هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية، في صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وأوردته «وكالة الأنباء الوطنية الأوكرانية (يوكرينفورم)»، اليوم (الخميس).

وبحسب البيان، دمرت القوات الأوكرانية منذ بداية الحرب 12388 دبابة، و25464 مركبة قتالية مدرعة، و505 آلاف و55 نظام مدفعية، و2174 من أنظمة راجمات الصواريخ متعددة الإطلاق، و1683 من أنظمة الدفاع الجوي.

وأضاف البيان أنه تم أيضاً تدمير 443 طائرة حربية، و356 مروحية، و541 ألفاً و4383 طائرة مسيرة، و5126 صاروخ كروز، و35 سفينة حربية، وغواصتين، و155 ألفاً و887 من المركبات وخزانات الوقود، و4774 من وحدات المعدات الخاصة.

ويتعذر التحقق من هذه البيانات من مصدر مستقل.


وزير الخارجية الألماني يتوجه إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع بشأن غرب البلقان

 وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
TT

وزير الخارجية الألماني يتوجه إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع بشأن غرب البلقان

 وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ)

يتوجّه وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، اليوم (الخميس)، إلى مونتينيغرو للمشاركة في اجتماع على مستوى وزراء الخارجية حول التوسع المزمع للاتحاد الأوروبي في منطقة غرب البلقان.

ويلتقي الساسة في العاصمة بودجوريتسا في إطار ما يعرف باسم «عملية برلين» التي انطلقت عام 2014. ويسعى المشاركون، من بين أمور أخرى، إلى تعزيز التعاون الإقليمي مع دول غرب البلقان الست. ومن المقرر أن يقدم فاديفول ونظيره المونتينيغري إرفين إبراهيموفيتش ومفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع مارتا كوس معلومات لاحقاً عن نتائج الاجتماع، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الألمانية.

وتشمل الدول المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي في غرب البلقان مونتينيغرو وألبانيا وصربيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية. أمّا كوسوفو فهي مرشح محتمل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتسعى الدول الست جميعاً إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها تمر بمراحل مختلفة في هذا المسار.

وتُجرى مفاوضات الانضمام بين الاتحاد الأوروبي ومونتينيغرو وصربيا منذ عامي 2012 و2014 على التوالي. وبدأت عملية التفاوض مع ألبانيا ومقدونيا الشمالية عام 2022. وتحمل البوسنة والهرسك صفة دولة مرشحة للانضمام، لكنها لم تبدأ بعد مفاوضات الانضمام.

ووفقاً لأحدث تحليل أجرته المفوضية الأوروبية، قطعت مونتينيغرو أكبر شوط في عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وأكدت المفوضية مؤخراً أن البلاد يمكنها إتمام مفاوضات الانضمام بحلول نهاية عام 2026، إذا حافظت على وتيرة الإصلاحات الحالية.

ويعتزم فاديفول التوجه إلى إيطاليا في وقت لاحق اليوم للقاء نظيره الإيطالي أنطونيو تاجاني. ويعتزم الوزيران غرس شجرة بمناسبة مرور 75 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية الألمانية - الإيطالية. ومن المقرر بعد ذلك أن يشارك فاديفول وتاياني في العاصمة الإيطالية في احتفال بمناسبة يوم الوحدة الألمانية.


فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)

بين اقتصاد يكاد يتوقف عن النمو، ومالية عامة تستنزفها الديون، وشارع يستعيد لغة الاحتجاج، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فالحكومة مطالبة بتهدئة مطالب تتعلق بالأجور والقوة الشرائية والخدمات العامة، لكنها في الوقت نفسه تستعد لميزانية تقشفية يفترض أن تخفض الإنفاق بمليارات اليورو، فيما تقترب البلاد من استحقاق رئاسي سيزيد حساسية أي قرار اقتصادي.

وليس من السهل العثور على مؤشرات إيجابية عند مراجعة أداء الاقتصاد الفرنسي هذا العام، إذ تعكس الأرقام الرسمية حجم الضغوط التي تواجهها البلاد. وعلى الأرض، بدأت في 29 سبتمبر (أيلول) موجة جديدة من المظاهرات والإضرابات، بمسيرات وتجمعات لعناصر الإطفاء الذين لعبوا دوراً حاسماً في مكافحة حرائق الصيف الماضي، قبل أن ينضم إليهم موظفو القطاع العام استجابة لدعوات نقابية، ثم طلاب التعليم الثانوي الرسمي المطالبون بتحسين ظروف الدراسة. ولا تبدو قائمة المطالب مرشحة للتوقف عند هذا الحد.

وتخطط النقابات لتصعيد تحركها في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، في احتجاجات تشمل غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية، إلى جانب المطالبة بزيادة عامة في الأجور، ورفع موازنات المدارس والمستشفيات، وتوظيف مزيد من العاملين وتحسين ظروف العمل. وبالتوازي، يستعد ناشطون من حركة «السترات الصفراء» للعودة إلى الشوارع ومستديرات الطرق، احتجاجاً على ارتفاع أسعار مشتقات الطاقة، والمطالبة بتجميدها وفرض ضرائب أعلى على الشركات العاملة في القطاع.

هذا الحراك يعيد إلى الأذهان موجة الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا في 2018 و2019 تحت راية «السترات الصفراء»، والتي تحولت في مراحل منها إلى مواجهات وأعمال عنف وحرائق وتخريب للممتلكات واشتباكات مع قوات الأمن. ولا تزال تلك المشاهد حاضرة في الذاكرة الفرنسية، ما يضفي على عودة الاحتجاجات الحالية حساسية إضافية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد.

رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لو كورنو سيواجه صعوبات كبرى في إقرار موازنة عام 2027 (رويترز)

حكومة عاجزة

إزاء اتساع المطالب الاجتماعية، تجد حكومة سيباستيان لو كورنو نفسها أمام هامش ضيق للاستجابة، فيما تخشى أن تتقاطع موجة الاحتجاجات مع الاستنفار السياسي الذي يسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027.

ويأتي ذلك في وقت يستعيد فيه التضخم زخمه، إذ أعلن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية ارتفاع معدل التضخم في فرنسا من 2.6 في المائة في أغسطس (آب) إلى 3.4 في المائة في سبتمبر (أيلول). ويزيد ارتفاع الأسعار من الضغوط على الأسر، ولا سيما الشرائح الأقل دخلاً، مع تآكل قدرتها الشرائية.

وفي مواجهة ارتفاع أسعار الوقود، لجأت الحكومة إلى تقديم مساعدة مالية للمتضررين من زيادة أسعار البنزين والديزل، بينما استمرت الضغوط الناجمة عن أسعار الغاز والكهرباء.

وفي المقابل، تستعد الحكومة لعرض مشروع موازنة 2027، يوم الخميس، في وقت يتجه فيه إلى التقشف وخفض الإنفاق، ما يجعل من الصعب أن تلبي الإجراءات المالية الجديدة معظم المطالب التي يرفعها المحتجون.

وتستهدف الحكومة تحقيق وفر قدره 54 مليار يورو من خلال خفض الإنفاق وملاحقة البنود التي تعتبرها غير ضرورية، فيما تشمل إجراءاتها المقترحة المعاشات التقاعدية.

وتكشف احتياجات التمويل عن حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة الفرنسية؛ إذ تستعد باريس لاقتراض نحو 340 مليار يورو في 2027، بينما تقترب ديونها من 3.6 تريليون يورو، وفق مصادر حكومية، بزيادة نحو 60 مليار يورو عن مستواها في نهاية مارس (آذار).

ويضع هذا الوضع الحكومة أمام معادلة صعبة: احتواء الضغوط الاجتماعية في وقت تتطلب فيه أوضاع المالية العامة خفض الإنفاق، بينما يزيد اقتراب الانتخابات من حساسية القرارات المتعلقة بالأجور والخدمات والإنفاق الاجتماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال جلسة محادثات ثنائية الأربعاء (إ.ب.أ)

تكلفة الدين تضيق الخناق

ويزيد ضعف النمو وتدهور المالية العامة من كلفة اقتراض فرنسا من الأسواق، إذ تصل بعض عوائد سنداتها إلى نحو 4.8 في المائة. ويأتي ذلك في وقت يتوقع فيه أن يقتصر نمو الاقتصاد الفرنسي خلال 2026 على نحو 0.05 في المائة، وهو من أضعف معدلات النمو في الاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل، بلغت المديونية نحو 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة بفارق كبير السقف المحدد في قواعد الاتحاد الأوروبي عند 60 في المائة. كما تتزايد كلفة خدمة الدين، مع توقع وصول مدفوعات الفوائد إلى نحو 79 مليار يورو بنهاية العام الحالي.

وتبرز حدة التحول عند مقارنة الوضع الحالي بما كانت عليه أسواق الدين الفرنسية بين 2019 و2021، عندما تراجعت عوائد بعض السندات الحكومية إلى مستويات سالبة. وكانت تلك البيئة تسمح لباريس بالاقتراض بتكلفة شديدة الانخفاض، فيما قبل المستثمرون في بعض الحالات عائداً سالباً مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية.

أما اليوم، فقد ارتفعت تكلفة الاقتراض الفرنسية إلى مستويات تتجاوز تلك المسجلة في عدد من الاقتصادات الأوروبية التي كانت تواجه تقليدياً ضغوطاً أكبر في أسواق الدين، بينها اليونان وإسبانيا وإيطاليا. كما اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى أكثر من 1.2 نقطة مئوية، في مؤشر على ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون لتمويل فرنسا.

ومع استمرار ارتفاع الدين وضعف النمو، تزداد حساسية المالية العامة الفرنسية تجاه أسعار الفائدة؛ فكلما ارتفعت كلفة الاقتراض، اتسع الجزء من الموازنة المخصص لخدمة الدين، ما يضيّق المجال أمام الإنفاق على الخدمات العامة والسياسات الاجتماعية والاستثمار.

صعوبات إقرار موازنة عام 2027

لا يمكن فصل الضغوط التي تواجه الموازنة الفرنسية عن أزمة الطاقة، التي رفعت كلفتها بنحو 9 مليارات يورو في 2026، في وقت لا تبدو فيه مؤشرات على انحسار هذه الضغوط في المستقبل القريب. ومن المرجح أن يواجه رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو مهمة شاقة في تمرير مشروع موازنة 2027 أمام البرلمان، ولا سيما «الجمعية الوطنية»، في ظل اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية وما يرافقه من حسابات سياسية متزايدة.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، قد تجد الكتل السياسية نفسها أمام ضغوط متزايدة لمراعاة انعكاسات أي موازنة تقشفية على قواعدها الانتخابية، بما يفتح المجال أمام مفاوضات صعبة ومطالب برلمانية متعارضة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء تجربة العام الماضي، عندما سقطت حكومتان بعد إخفاقهما في تأمين الأغلبية اللازمة لتمرير موازنة 2026، ما دفع لو كورنو إلى تقديم تنازلات لنواب الحزب الاشتراكي سعياً إلى تأمين الدعم اللازم لإقرارها.

متظاهرون يشاركون في إضراب عام في باريس (إ.ب.أ)

اقتصاد كبير وثقل سياسي

ورغم الضغوط المالية، لا يزال الاقتصاد الفرنسي يحتفظ بثقل كبير على المستويين الأوروبي والعالمي. ووفق بيانات البنك الدولي لعام 2025، تحتل فرنسا المرتبة الثانية بين اقتصادات الاتحاد الأوروبي من حيث الناتج المحلي الإجمالي، بعد ألمانيا، إذ بلغ ناتجها نحو 3.366 تريليون دولار، مقابل 5.051 تريليون دولار لألمانيا. وعلى المستوى الأوروبي الأوسع، تأتي فرنسا في المرتبة الثالثة بعد ألمانيا وبريطانيا، التي بلغ ناتجها نحو 4.003 تريليون دولار.

وعالمياً، تحتل فرنسا المرتبة السابعة من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، وفق البيانات نفسها، خلف الولايات المتحدة والصين وألمانيا واليابان والهند وبريطانيا. ويمنحها ثقلها الاقتصادي، إلى جانب عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وقدراتها النووية، نفوذاً سياسياً يتجاوز الوزن الذي يعكسه حجم اقتصادها وحده.

لكن الضغوط المالية والاقتصادية الراهنة قد تزيد صعوبة الحفاظ على هذا الثقل داخل الاتحاد الأوروبي، حيث شكلت فرنسا وألمانيا لعقود محوراً رئيسياً في دفع عملية التكامل الأوروبي. ومع اقتراب نهاية الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون في ربيع 2027، تزداد أهمية الاستحقاق الرئاسي المقبل بالنسبة للسياسات الاقتصادية والمالية الفرنسية، في وقت يطرح فيه صعود اليمين القومي، وفي مقدمته حزب «التجمع الوطني»، احتمال حدوث تحولات في عدد من الملفات، بما فيها السياسة المالية والاقتصادية.