في حين أن مساعدة المملكة المتحدة (بريطانيا) لأوكرانيا تستجيب لاحتياجات السياسة الداخلية البريطانية والتحرر بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن التزام لندن تجاه كييف هو أيضاً ثمرة ثقافة دبلوماسية متجذرة بعمق في المواجهة مع موسكو، وفق تقرير نشرته، اليوم (الجمعة)، صحيفة «لوموند» الفرنسية.
حتى قبل بدء الأعمال العدائية الروسية ضد أوكرانيا، في فبراير (شباط) 2022، كانت بريطانيا أول دولة أوروبية تزود كييف بأسلحة دفاعية وترسل مستشارين عسكريين. كما أن لندن هي أول من أعلن بعد ذلك عن إرسال دبابات ثقيلة إلى أوكرانيا، ثم صواريخ بعيدة المدى قبل أن تلعب بريطانيا كذلك دوراً رائداً من أجل تسليم طائرات مقاتلة لكييف، وافقت الولايات المتحدة على تسليمها للتو.
أشار التقرير إلى أن المملكة المتحدة كانت ولا تزال في طليعة الدول التي تساعد أوكرانيا عسكرياً. هذا الالتزام ليس فقط تعبيراً عن السخط على العدوان الروسي على أوكرانيا، أو الاستفادة من هذا الالتزام في قضايا سياسية داخلية بريطانية، بل هو أيضاً ثمرة ثقافة دبلوماسية متجذرة بعمق في المواجهة مع موسكو، التي عادت إلى الظهور اليوم بقوة متجددة، بعد توقف نحو 40 عاماً.
ثقافة جيوستراتيجية قديمة
لفت التقرير إلى أنه في عام 2022، عندما كانت باريس أو برلين تشككان في التحذيرات الأميركية بشأن النوايا العسكرية لموسكو (نية اجتياح أوكرانيا)، كانت لندن في المقابل تزود أوكرانيا بالفعل بالأسلحة. فإضافة إلى أن بريطانيا عضو في مجموعة العيون الخمس الذي يجمع أجهزة المخابرات الأميركية والكندية والنيوزيلندية والأسترالية والبريطانية، وكان لديها بالتالي معلومات استخبارية لم يتمكن الأوروبيون الآخرون من الوصول إليها، إلا أن موقفها الداعم لأوكرانيا (والمحذر من نوايا موسكو بالاجتياح) جاء نتيجة لثقافة دبلوماسية بريطانية وجيوستراتيجية عريقة، التي تشكلت بشكل خاص في القرن التاسع عشر عندما تنازعت الإمبراطوريتان الروسية والبريطانية على السيادة الاستعمارية في آسيا، ثم تعززت المواجهة خلال الحرب الباردة، وفق جان سيلفستر مونغرينييه، الباحث في المعهد الفرنسي للجغرافيا السياسية والمتخصص في أوراسيا ما بعد الحقبة السوفياتية.
يقول مونغرينييه أن للندن أيضاً مصلحة قديمة جداً في بحر البلطيق وبحر الشمال، وهي ساحة معركة أخرى مع روسيا، التي نتج عنها مؤخراً، بمبادرة من لندن، إنشاء قوة المشاة المشتركة، حيث يجمع هذا الجهاز العسكري الذي يعمل منذ عام 2018 بين الدنمارك والنرويج والسويد وفنلندا وهولندا وأيسلندا ودول البلطيق الثلاث (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا)، وكلها دول مشككة بنوايا موسكو. وعُقدت القمة الأولى لهذا التحالف المكرسة علانية ﻟ«احتواء» طموحات الكرملين في المنطقة، منتصف مارس (آذار) 2022 في بريطانيا، بينما كانت القنابل الروسية تتساقط على أوكرانيا.
على نطاق أوسع، اضطلعت المملكة المتحدة، بصفتها دولة في قيادة «الناتو»، بدور رائد في التدابير الرامية إلى «طمأنة» البلدان المجاورة لروسيا، وكذلك في إعادة تشكيل القوات الأوكرانية التي قوضها إلى حد كبير هجوم الميليشيات الموالية لروسيا في دونباس التي كانت مدعومة سراً من الجيش النظامي الروسي منذ عام 2014. ويضيف مونغرينييه: «بشكل عام، يُنظر إلى قطاع البلطيق-البحر الأسود في لندن على أنه قضية جيوسياسية مهمة».
وبينما أعطى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون ومن جاء بعده، في بعض الأحيان، انطباعاً باستغلال الوضع في أوكرانيا لأسباب سياسية محلية، حسب التقرير، فإن أحد المؤشرات وحده يشهد على صدق التزامهم. فبحسب معهد كيل للاقتصاد العالمي، وهي منظمة ألمانية تُدرج تعهدات الدعم العسكري لأوكرانيا، فإن مبلغ المساعدات البريطانية الممنوحة لأوكرانيا في فبراير بلغ نحو 10 مليارات دولار، على الرغم من وضع الميزانية الكارثي (في بريطانيا). على سبيل المقارنة، لم تتجاوز قيمة مساعدات فرنسا لأوكرانيا خُمس هذا المبلغ.

