في التصريحات التي أدلت بها زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو إلى «الشرق الأوسط» بعيد إعلان نيلها جائزة نوبل للسلام مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قالت إن «مادورو سيرحل، شاء أم أبى». ولدى سؤالها عمّا إذا كانت على علم بوجود مخطط أميركي لإسقاط الرئيس الفنزويلي بالقوة، أجابت: «لن أدخل الآن في مثل هذه التفاصيل».

لا شك في أن تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصته، فجر السبت، مُعلناً سقوط نيكولاس مادورو في قبضة الولايات المتحدة، تصلح لتكون عنواناً للمرحلة التي تنتظر العالم في مستهل السنة الثانية من ولاية سيّد البيت الأبيض. لكنها كانت أيضاً الخاتمة الحتمية للتصعيد الأميركي في وجه النظام الفنزويلي وحلفائه الإقليميين، وللحشود العسكرية التي جمعتها واشنطن في مياه الكاريبي بذريعة مكافحة تجارة المخدرات.
سقوط مادورو بالقوة كان الهاجس الذي كان ترمب مسكوناً به منذ أشهر، خصوصاً أنه كان بدأ يشعر بالحاجة لانتصار حاسم على الجبهات الكثيرة التي فتحها، لا سيما أن سقوط الرئيس الفنزويلي سيلقى ترحيباً واسعاً في منطقة أميركا اللاتينية وخارجها، وسيكون رسالة شديدة الوضوح موجهة إلى طهران وقيادات النظام حول استعداد الولايات المتحدة للتدخل داخل إيران.
The regime in Iran should pay close attention to what is happening in Venezuela
— יאיר לפיד - Yair Lapid (@yairlapid) January 3, 2026
وهو ما لمَّح إليه زعيم المعارضة الإسرائيلي يائير لبيد، الذي قال في منشور على «إكس»، إنه «يجب على النظام في إيران أن يولي اهتماماً بالغاً لما يحدث في فنزويلا».
As we celebrate this amazing achievement by our military commanded by @POTUS, we must remember the consequences of what has happened. An evil, narcoterrorist dictator has fallen, creating a path for freedom for the wonderful, highly intelligent, hard working people of Venezuela....
— Lindsey Graham (@LindseyGrahamSC) January 3, 2026
إلى جانب إيران، وجّه مسؤولون أميركيون اهتمامهم إلى كوبا. وقال السيناتور الجمهوري البارز والمقرّب من ترمب، ليندسي غراهام، في منشور على «إكس»: «كما قلتُ مراراً، من مصلحة الأمن القومي الأميركي التعامل مع (خلافة المخدرات) في جوارنا المباشر، التي تُعدّ فنزويلا محورها الأساسي. ومع إلقاء القبض على مادورو، تتجه (خلافة المخدرات) نحو الانهيار. حرّروا كوبا».
بدورها، قالت كاري لايك، الرئيسة التنفيذية للوكالة الأميركية للإعلام العالمي، على منصّة «إكس»: «حرّروا شعب إيران. حرّروا شعب كوبا. حرّروا شعب فنزويلا».
تهديدات متواصلة
كرَّر الرئيس الأميركي تهديداته لمادورو منذ أشهر. أولاً بالحشد الحربي الضخم غير المسبوق قبالة السواحل الفنزويلية، ثم بالضربات المتتالية في المياه الدولية ضد زوارق زعمت الولايات المتحدة أنها تنقل المخدرات، وبعد ذلك بالتلميح إلى القيام بعمل عسكري داخل الأراضي الفنزويلية، إلى أن أعلن منذ أسابيع أن «أيام مادورو رئيساً لفنزويلا باتت معدودة».
هذا التصعيد الذي وسم التصريحات الأميركية حول فنزويلا في الأسابيع الأخيرة، والذي كان يصدر دائماً عن الرئيس ترمب وليس عن وزير الخارجية ماركو روبيو الذي يقود الفريق العازم على إطاحة مادورو، جعل الرئيس الفنزويلي يستشعر قرب اللحظة الحاسمة ليعلن، يوم الجمعة، أنه على استعداد للتفاوض مع الأميركيين حول مكافحة المخدرات، وعودة الشركات الأميركية إلى حقوق النفط الفنزويلية «متى وأينما شاءت».
وبعد ساعات قليلة من تلك التصريحات، التي كشفت مدى قلق النظام الفنزويلي على مصيره، كانت قوات البحرية الأميركية تشُنّ هجوماً واسعاً على كاراكاس ومحيطها وعدد من القواعد العسكرية، يذكّر بالهجوم الذي قامت بها عام 1989 للقبض على الجنرال نورييغا في باناما.
السلطات الفنزويلية، بقيادة نائبة الرئيس دلسي رودريغيز التي أكّدت أنها تجهل مكان وجود مادورو، وأنها تتولّى قيادة البلاد مكانه، أعلنت أنها «ستقاوم الهجوم الأميركي»، الذي قالت إنه لا يهدف سوى إلى «وضع اليد على موارد البلاد الاستراتيجية من نفط ومعادن ثمينة»، بينما كان وزير الدفاع الفنزويلي، فلاديمير لوبيز، يعلن أن الجيش «يتصدّى» للهجوم الأميركي.
وتُفيد معلومات، منقولة عن مقرَّبين من مادورو، بأنه بعد التصعيد الأميركي في حشد مزيد من القوات الحربية وتصريحات ترمب، وشعور النظام بأن الضربة باتت قاب قوسين من حدوثها، رفض الرئيس الفنزويلي نصائح بعض مستشاريه بالتنحي، وكان يردد أمام الجميع: «لن يستسلم أحد هنا». ويعتقد مراقبون أن إقصاء مادورو سيلقى ترحيباً في أوساط كثير من المسؤولين السياسيين والعسكريين في النظام، كانوا يميلون منذ سنوات إلى انتقال الحكم سلمياً إلى المعارضة بعد فوزها في الانتخابات، لكن الدائرة الضيّقة للنظام، التي لا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليد الواحدة، كانت ترفض هذا الخيار، وتراهن على مواصلة القمع، وقطع الطريق أمام الاحتكام إلى رأي الأغلبية الذي كان النظام يلتفّ حوله في كل استحقاق انتخابي.
ترحيب أرجنتيني... وتنديد كوبي
أما الردود الإقليمية على العملية الأميركية، فقد تراوحت بين الترحيب الحار على لسان الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي قال إن «الحرية تتقدم»، والموقف الكوبي الذي دعا الأسرة الدولية إلى التحرك سريعاً ضد «الاعتداء الإجرامي» ضد فنزويلا. ودعت هافانا المجتمع الدولي إلى اتخاذ رد فعل عاجل، مُتّهمة الولايات المتحدة بممارسة «إرهاب دولة» ضد الشعب الفنزويلي، ومندّدة بتعرّض «منطقة سلام» لـ«اعتداء وحشي».
LA LIBERTAD AVANZAVIVA LA LIBERTAD CARAJO pic.twitter.com/yexGuQfKvF
— Javier Milei (@JMilei) January 3, 2026
الحكومة الكولومبية من جهتها أعربت عن قلقها من التصعيد العسكري في المنطقة، ورفضها أي عمل عسكري أحادي من شأنه أن يُهدّد أمن المدنيين.
دولياً، طالبت روسيا بتوضيح «فوري» لملابسات عملية إلقاء القبض على مادورو. وقالت وزارة الخارجية الروسية، في بيان: «نشعر بقلق بالغ حيال التقارير التي تفيد بأن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته نُقلا بالقوة من البلاد نتيجة العدوان الأميركي اليوم. ندعو إلى توضيح فوري للوضع». وتابعت: «مثل هذه الأفعال، إذا كانت قد حدثت بالفعل، تمثل انتهاكاً غير مقبول لسيادة دولة مستقلة، والتي يشكل احترامها مبدأ رئيسياً من مبادئ القانون الدولي».

بدورها، عبّرت بكين عن «صدمتها البالغة وإدانتها الشديدة لاستخدام الولايات المتحدة القوة ضد دولة ذات سيادة وضد رئيس دولة». وأكّدت «معارضتها الشديدة لهذا السلوك المهيمن الذي أقدمت عليه الولايات المتحدة، والذي ينتهك بشكل صارخ القانون الدولي ويمُسّ سيادة فنزويلا، ويهدد السلام والأمن في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي»، داعيةً الولايات المتحدة إلى «الالتزام بالقانون الدولي وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ووقف انتهاك سيادة وأمن الدول الأخرى».

ومن طهران، قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن «العدوان العسكري الأميركي على فنزويلا يُعدّ انتهاكاً صارخاً للمبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، والقواعد الأساسية للقانون الدولي، التي تحظر استخدام القوة»، وتابعت أنه «مثال صارخ على عمل عدواني يجب أن تدينه الأمم المتحدة وجميع الدول المعنية بسيادة القانون والسلام والأمن الدوليين إدانةً فوريةً لا لبس فيها»، وفق ما نقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية للأنباء.
أوروبياً، دعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إلى «ضبط النفس» واحترام القانون الدولي في فنزويلا. وقالت كالاس، عبر منصة «إكس»، إنها تحدَّثت هاتفياً مع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مذكِّرة إياه بأن الاتحاد الأوروبي يُشكّك في الشرعية الديمقراطية لمادورو.
I have spoken with Secretary of State Marco Rubio and our Ambassador in Caracas. The EU is closely monitoring the situation in Venezuela.The EU has repeatedly stated that Mr Maduro lacks legitimacy and has defended a peaceful transition. Under all circumstances, the principles...
— Kaja Kallas (@kajakallas) January 3, 2026
وكتبت: «أكّد الاتحاد الأوروبي مرات عدة أنّ مادورو يفتقر إلى الشرعية، ودعا إلى انتقال سلمي للسلطة» في فنزويلا. وتابعت: «في كل الأحوال، يجب احترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ندعو إلى ضبط النفس».
بدورها، دعت وزارة الخارجية الإسبانية إلى التهدئة، وإلى «أن تكون جميع الإجراءات متوافقة مع القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة»، مؤكّدة استعدادها «للقيام بدور الوسيط للمساعدة في إيجاد حل سلمي وتفاوضي للأزمة الحالية».






