مادورو في قبضة واشنطن... تصعيد أميركي يتجاوز فنزويلا

الأرجنتين رحّبت بـ«تقدّم الحرية» وإسبانيا عرضت الوساطة... والصين وروسيا وإيران أدانت «انتهاك القانون الدولي»

صورة أرشيفية لمادورو وزوجته لدى وصولهما إلى القصر الرئاسي في كاراكاس يوم 14 يناير 2024 (إ.ب.أ)
صورة أرشيفية لمادورو وزوجته لدى وصولهما إلى القصر الرئاسي في كاراكاس يوم 14 يناير 2024 (إ.ب.أ)
TT

مادورو في قبضة واشنطن... تصعيد أميركي يتجاوز فنزويلا

صورة أرشيفية لمادورو وزوجته لدى وصولهما إلى القصر الرئاسي في كاراكاس يوم 14 يناير 2024 (إ.ب.أ)
صورة أرشيفية لمادورو وزوجته لدى وصولهما إلى القصر الرئاسي في كاراكاس يوم 14 يناير 2024 (إ.ب.أ)

في التصريحات التي أدلت بها زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو إلى «الشرق الأوسط» بعيد إعلان نيلها جائزة نوبل للسلام مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قالت إن «مادورو سيرحل، شاء أم أبى». ولدى سؤالها عمّا إذا كانت على علم بوجود مخطط أميركي لإسقاط الرئيس الفنزويلي بالقوة، أجابت: «لن أدخل الآن في مثل هذه التفاصيل».

انفجار ضخم هزّ العاصمة الفنزويلية يوم 3 يناير (رويترز)

لا شك في أن تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصته، فجر السبت، مُعلناً سقوط نيكولاس مادورو في قبضة الولايات المتحدة، تصلح لتكون عنواناً للمرحلة التي تنتظر العالم في مستهل السنة الثانية من ولاية سيّد البيت الأبيض. لكنها كانت أيضاً الخاتمة الحتمية للتصعيد الأميركي في وجه النظام الفنزويلي وحلفائه الإقليميين، وللحشود العسكرية التي جمعتها واشنطن في مياه الكاريبي بذريعة مكافحة تجارة المخدرات.

سقوط مادورو بالقوة كان الهاجس الذي كان ترمب مسكوناً به منذ أشهر، خصوصاً أنه كان بدأ يشعر بالحاجة لانتصار حاسم على الجبهات الكثيرة التي فتحها، لا سيما أن سقوط الرئيس الفنزويلي سيلقى ترحيباً واسعاً في منطقة أميركا اللاتينية وخارجها، وسيكون رسالة شديدة الوضوح موجهة إلى طهران وقيادات النظام حول استعداد الولايات المتحدة للتدخل داخل إيران.

وهو ما لمَّح إليه زعيم المعارضة الإسرائيلي يائير لبيد، الذي قال في منشور على «إكس»، إنه «يجب على النظام في إيران أن يولي اهتماماً بالغاً لما يحدث في فنزويلا».

إلى جانب إيران، وجّه مسؤولون أميركيون اهتمامهم إلى كوبا. وقال السيناتور الجمهوري البارز والمقرّب من ترمب، ليندسي غراهام، في منشور على «إكس»: «كما قلتُ مراراً، من مصلحة الأمن القومي الأميركي التعامل مع (خلافة المخدرات) في جوارنا المباشر، التي تُعدّ فنزويلا محورها الأساسي. ومع إلقاء القبض على مادورو، تتجه (خلافة المخدرات) نحو الانهيار. حرّروا كوبا».

بدورها، قالت كاري لايك، الرئيسة التنفيذية للوكالة الأميركية للإعلام العالمي، على منصّة «إكس»: «حرّروا شعب إيران. حرّروا شعب كوبا. حرّروا شعب فنزويلا».

تهديدات متواصلة

كرَّر الرئيس الأميركي تهديداته لمادورو منذ أشهر. أولاً بالحشد الحربي الضخم غير المسبوق قبالة السواحل الفنزويلية، ثم بالضربات المتتالية في المياه الدولية ضد زوارق زعمت الولايات المتحدة أنها تنقل المخدرات، وبعد ذلك بالتلميح إلى القيام بعمل عسكري داخل الأراضي الفنزويلية، إلى أن أعلن منذ أسابيع أن «أيام مادورو رئيساً لفنزويلا باتت معدودة».

هذا التصعيد الذي وسم التصريحات الأميركية حول فنزويلا في الأسابيع الأخيرة، والذي كان يصدر دائماً عن الرئيس ترمب وليس عن وزير الخارجية ماركو روبيو الذي يقود الفريق العازم على إطاحة مادورو، جعل الرئيس الفنزويلي يستشعر قرب اللحظة الحاسمة ليعلن، يوم الجمعة، أنه على استعداد للتفاوض مع الأميركيين حول مكافحة المخدرات، وعودة الشركات الأميركية إلى حقوق النفط الفنزويلية «متى وأينما شاءت».

وبعد ساعات قليلة من تلك التصريحات، التي كشفت مدى قلق النظام الفنزويلي على مصيره، كانت قوات البحرية الأميركية تشُنّ هجوماً واسعاً على كاراكاس ومحيطها وعدد من القواعد العسكرية، يذكّر بالهجوم الذي قامت بها عام 1989 للقبض على الجنرال نورييغا في باناما.

السلطات الفنزويلية، بقيادة نائبة الرئيس دلسي رودريغيز التي أكّدت أنها تجهل مكان وجود مادورو، وأنها تتولّى قيادة البلاد مكانه، أعلنت أنها «ستقاوم الهجوم الأميركي»، الذي قالت إنه لا يهدف سوى إلى «وضع اليد على موارد البلاد الاستراتيجية من نفط ومعادن ثمينة»، بينما كان وزير الدفاع الفنزويلي، فلاديمير لوبيز، يعلن أن الجيش «يتصدّى» للهجوم الأميركي.

وتُفيد معلومات، منقولة عن مقرَّبين من مادورو، بأنه بعد التصعيد الأميركي في حشد مزيد من القوات الحربية وتصريحات ترمب، وشعور النظام بأن الضربة باتت قاب قوسين من حدوثها، رفض الرئيس الفنزويلي نصائح بعض مستشاريه بالتنحي، وكان يردد أمام الجميع: «لن يستسلم أحد هنا». ويعتقد مراقبون أن إقصاء مادورو سيلقى ترحيباً في أوساط كثير من المسؤولين السياسيين والعسكريين في النظام، كانوا يميلون منذ سنوات إلى انتقال الحكم سلمياً إلى المعارضة بعد فوزها في الانتخابات، لكن الدائرة الضيّقة للنظام، التي لا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليد الواحدة، كانت ترفض هذا الخيار، وتراهن على مواصلة القمع، وقطع الطريق أمام الاحتكام إلى رأي الأغلبية الذي كان النظام يلتفّ حوله في كل استحقاق انتخابي.

ترحيب أرجنتيني... وتنديد كوبي

أما الردود الإقليمية على العملية الأميركية، فقد تراوحت بين الترحيب الحار على لسان الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي قال إن «الحرية تتقدم»، والموقف الكوبي الذي دعا الأسرة الدولية إلى التحرك سريعاً ضد «الاعتداء الإجرامي» ضد فنزويلا. ودعت هافانا المجتمع الدولي إلى اتخاذ رد فعل ⁠عاجل، مُتّهمة الولايات المتحدة بممارسة «إرهاب دولة» ضد ​الشعب الفنزويلي، ومندّدة بتعرّض «منطقة سلام» لـ«اعتداء وحشي».

الحكومة الكولومبية من جهتها أعربت عن قلقها من التصعيد العسكري في المنطقة، ورفضها أي عمل عسكري أحادي من شأنه أن يُهدّد أمن المدنيين.

دولياً، طالبت روسيا بتوضيح «فوري» لملابسات عملية إلقاء القبض على مادورو. وقالت وزارة الخارجية الروسية، في بيان: «نشعر بقلق بالغ حيال التقارير التي تفيد بأن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته نُقلا بالقوة من البلاد نتيجة العدوان الأميركي اليوم. ندعو إلى توضيح فوري للوضع». وتابعت: «مثل هذه الأفعال، ​إذا كانت قد حدثت بالفعل، ⁠تمثل انتهاكاً غير مقبول لسيادة دولة مستقلة، والتي يشكل احترامها مبدأ رئيسياً من مبادئ ‌القانون الدولي».

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال اجتماع في قاعة الشعب الكبرى ببكين 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

بدورها، عبّرت ​بكين عن «صدمتها البالغة وإدانتها الشديدة لاستخدام الولايات المتحدة القوة ضد دولة ذات سيادة وضد رئيس دولة». وأكّدت «معارضتها الشديدة لهذا السلوك المهيمن الذي أقدمت عليه الولايات المتحدة، والذي ينتهك بشكل صارخ القانون الدولي ويمُسّ سيادة فنزويلا، ويهدد السلام والأمن في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي»، داعيةً الولايات المتحدة إلى «الالتزام بالقانون الدولي وأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ووقف انتهاك سيادة وأمن الدول الأخرى».

مادورو برفقة وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز في كاراكاس يوم 25 نوفمبر 2025 (إ.ب.أ)

ومن طهران، قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن «العدوان العسكري الأميركي على فنزويلا يُعدّ انتهاكاً صارخاً للمبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، والقواعد الأساسية للقانون الدولي، التي تحظر استخدام القوة»، وتابعت أنه «مثال صارخ على عمل عدواني يجب أن تدينه الأمم المتحدة وجميع الدول المعنية بسيادة القانون والسلام والأمن الدوليين إدانةً فوريةً لا لبس فيها»، وفق ما نقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية للأنباء.

أوروبياً، دعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إلى «ضبط النفس» واحترام القانون الدولي في فنزويلا. وقالت كالاس، عبر منصة «إكس»، إنها تحدَّثت هاتفياً مع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مذكِّرة إياه بأن الاتحاد الأوروبي يُشكّك في الشرعية الديمقراطية لمادورو.

وكتبت: «أكّد الاتحاد الأوروبي مرات عدة أنّ مادورو يفتقر إلى الشرعية، ودعا إلى انتقال سلمي للسلطة» في فنزويلا. وتابعت: «في كل الأحوال، يجب احترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ندعو إلى ضبط النفس».

بدورها، دعت وزارة الخارجية الإسبانية إلى التهدئة، وإلى «أن تكون جميع الإجراءات متوافقة مع القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة»، مؤكّدة استعدادها «للقيام بدور الوسيط للمساعدة في إيجاد حل سلمي وتفاوضي للأزمة الحالية».


مقالات ذات صلة

ترمب ساخراً من ماكرون: زوجته تعامله «بشكل سيّئ للغاية»

الولايات المتحدة​ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون (أ.ف.ب)

ترمب ساخراً من ماكرون: زوجته تعامله «بشكل سيّئ للغاية»

سخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من نظيره الفرنسي وزوجته خلال غداء خاص الأربعاء، فيما انتقد الدول الحليفة في الناتو لعدم انضمامها إلى الحرب ضد إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​  الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر البيت الأبيض متوجهاً إلى المحكمة العليا في واشنطن (ا.ف.ب)

توقيف رجل في ماساتشوستس بتهمة تهديد ترمب بالقتل

أُوقف رجل الأربعاء ووجهت إليه تهم في ولاية ماساتشوستس في شمال شرق الولايات المتحدة، لنشره تهديدات متكررة بالقتل عبر «فيسبوك» ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب،…

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية انفجار في بحيرة جيتغر غرب طهران (شبكات التواصل)

مضيق هرمز يقيّد مخرج الحرب

رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف الضغط على إيران عبر مضيق هرمز رابطاً أي نظر في وقف إطلاق النار بإعادة فتحه

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران- تل أبيب)
الولايات المتحدة​ أعضاء اتحاد الحقوق المدنية أمام المحكمة العليا في واشنطن دي سي (رويترز)

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

في سابقة تاريخية نادرة، حضر الرئيس دونالد ترمب شخصياً جلسة المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا الأميركية صباح الأربعاء

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) p-circle

بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الجدل في واشنطن والعواصم الأوروبية بعد تصريحاته الأخيرة التي تشير إلى أنه يدرس بجدية سحب الولايات المتحدة من «الناتو».

لينا صالح (بيروت)

الأرجنتين تدرج «الحرس الثوري» في قائمتها للمنظمات «الإرهابية»

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية - متداولة)
عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية - متداولة)
TT

الأرجنتين تدرج «الحرس الثوري» في قائمتها للمنظمات «الإرهابية»

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية - متداولة)
عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية - متداولة)

أدرجت الحكومة الأرجنتينية الثلاثاء الحرس الثوري الإيراني في قائمتها للأفراد والمنظمات «الإرهابية» وفق ما أعلنت الرئاسة الأرجنتينية في بيان.

وبحسب القرار الذي وقعه الرئيس خافيير ميلي، فإن إدراج الحرس الثوري الإيراني في هذه القائمة «يسمح بتطبيق عقوبات مالية وقيود عملياتية تهدف إلى الحد من قدرته على النشاط في البلاد». وجاء في النص أن الحكومة الأرجنتينية «عازمة على إعادة توجيه جمهورية الأرجنتين نحو الحضارة الغربية، مع إدانة ومحاربة أولئك الذين يريدون تدميرها».

ومنذ تولي ميلي السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2023، انحازت الحكومة الأرجنتينية بشكل واضح إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، ودعمت عملياتهما العسكرية ضد إيران. وفي يناير (كانون الثاني)، أضافت حكومة ميلي «فيلق القدس» التابع للحرس إلى قائمة الأفراد والمنظمات «الإرهابية».

كما يعتبر القضاء الأرجنتيني إيران و«حزب الله» اللبناني، مسؤولَين عن الهجوم على جمعية AMIA اليهودية في بوينوس أيرس عام 1994 والذي أسفر عن مقتل 85 شخصا وإصابة المئات.


واشنطن تعلن استئناف السفارة الأميركية لدى فنزويلا عملها بعد توقف 7 سنوات

السفارة الأميركية في كاراكاس (أ.ب)
السفارة الأميركية في كاراكاس (أ.ب)
TT

واشنطن تعلن استئناف السفارة الأميركية لدى فنزويلا عملها بعد توقف 7 سنوات

السفارة الأميركية في كاراكاس (أ.ب)
السفارة الأميركية في كاراكاس (أ.ب)

أعلنت الولايات المتحدة، الاثنين، أن سفارتها لدى فنزويلا استأنفت عملها بعد 7 سنوات على إغلاقها، وبعد نحو 3 أشهر من اعتقال قوات أميركية الرئيس السابق نيكولاس مادورو، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأميركية في بيان: «اليوم، نستأنف رسمياً العمل في سفارة الولايات المتحدة في كاراكاس؛ ما يمثل مرحلة جديدة لحضورنا الدبلوماسي في فنزويلا».


ناقلة روسية تتحدّى العقوبات النفطية الأميركية على كوبا

كوبا تعاني شحّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)
كوبا تعاني شحّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)
TT

ناقلة روسية تتحدّى العقوبات النفطية الأميركية على كوبا

كوبا تعاني شحّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)
كوبا تعاني شحّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أ.ف.ب)

تتّجه كوبا إلى اختبار جديد مع الولايات المتحدة، مع ترقّب وصول ناقلة نفط روسية خاضعة للعقوبات إلى الجزيرة، في وقت صعّد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته قائلاً إن «كوبا هي التالية»، ما يعكس تصاعد الضغط السياسي والاقتصادي على هافانا.

ومن المتوقع أن تصل ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين»، الاثنين، إلى ميناء ماتانزاس غرب كوبا، محمّلة بنحو 730 ألف برميل من النفط الخام، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن بيانات شركة «كبلر» لتحليل الشحن البحري. وكانت الناقلة قد أبحرت من ميناء «بريمورسك» الروسي في الثامن من مارس (آذار)، وخضعت لمرافقة من البحرية الروسية في أثناء عبورها القنال الإنجليزي قبل أن تواصل رحلتها منفردة في المحيط الأطلسي، بحسب البحرية البريطانية.

مرافقة عسكرية بريطانية

ورافقت فرقاطة روسية الناقلة «أناتولي كولودكين»، بينما راقبت البحرية الملكية البريطانية تحرك القطعتين الروسيتين من كثب، وفق ما أكّدت شبكة «سكاي نيوز». ونشرت بريطانيا السفينة «إتش إم إس ميرسي» المتمركزة في بورتسموث، إلى جانب مروحية من طراز «وايلدكات»، لتعقب الفرقاطة الروسية «آر إف إن سوبرازيتيلني» وناقلة النفط «أناتولي كولودكين» لمدة 48 ساعة في أثناء عبورهما القنال الإنجليزي.

وأوضح متحدث باسم البحرية الملكية أن العملية نُسّقت مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مشيراً إلى استخدام رادارات وأجهزة استشعار متطورة لجمع معلومات استخباراتية، قبل أن تنفصل السفينتان عند الطرف الغربي للقنال، حيث عادت الفرقاطة شرقاً بينما واصلت الناقلة طريقها نحو المحيط الأطلسي.

ويخضع عبور القنال الإنجليزي لقواعد «المرور العابر» في القانون الدولي، التي تضمن حرية الملاحة حتى للسفن الخاضعة للعقوبات. ولا تمنح العقوبات وحدها الدول حق اعتراض السفن في الممرات الدولية، ما لم يصدر تفويض دولي، أو تتوافر مبررات قانونية محددة؛ ما دفع البحرية الملكية البريطانية إلى الاكتفاء بالمراقبة، وجمع المعلومات دون اعتراض الناقلة الروسية.

ويأتي التحرك الروسي في تحدٍ مباشر للعقوبات النفطية التي فرضتها واشنطن منذ يناير (كانون الثاني)، والتي أدّت إلى خنق إمدادات الوقود في كوبا، التي تعاني أصلاً من أزمة اقتصادية حادة. وكانت آخر شحنة نفط وصلت إلى كوبا في التاسع من يناير من المكسيك، قبل أن توقف إرسالها تحت ضغط أميركي.

أزمة طاقة خانقة

تعيش كوبا على وقع نقص حاد في الوقود وانقطاعات كهربائية طويلة قد تتجاوز 20 ساعة يومياً، في ظلّ تراجع الإمدادات الخارجية. وفقدت هافانا أحد أبرز مزوّديها بالطاقة بعد إطاحة القوات الأميركية بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير، ما أنهى عملياً شراكة نفطية استمرت 25 عاماً.

مساعدات ينقلها أسطول منظمة «نويسترا أميركا» من المكسيك إلى هافانا بكوبا (أ.ف.ب)

وفي موازاة ذلك، أعلنت قافلة «نويسترا أميركا» أن البحرية المكسيكية عثرت على قاربين شراعيين كان قد انقطع الاتصال بهما في أثناء نقلهما مساعدات إنسانية إلى كوبا، مؤكدة أن الطاقمين «بخير». وقال متحدث باسم القافلة، السبت، إن «القاربين يواصلان رحلتهما إلى هافانا، والقافلة لا تزال ملتزمة بإنجاز مهمتها المتمثلة في إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة لشعب كوبا». وتأتي هذه القافلة ضمن مبادرة شعبية لنقل مواد غذائية وأدوية وحليب أطفال وإمدادات أساسية إلى الجزيرة، في ظل القيود المفروضة على شحنات الوقود والإمدادات الأخرى، والتي أسهمت في تفاقم انقطاع التيار الكهربائي، ودفع السلطات إلى تقليص الخدمات.

وكان الاتصال بالقاربين قد انقطع بعد مغادرتهما جزيرة موخيريس المكسيكية، وكان من المتوقع وصولهما بين 24 و25 مارس، دون توضيح أسباب الانقطاع، كما سادت حالة من الارتباك بعد إعلان أولي من خفر السواحل الأميركي عن العثور عليهما، قبل أن يتراجع لاحقاً، ويؤكد استمرار عمليات البحث، وتمكنت القافلة حتى الآن من إيصال نحو 20 طناً من المساعدات جواً وبحراً، شملت مواد غذائية وأدوية وألواحاً شمسية ودراجات هوائية.

موقف أميركي صارم

وكانت الولايات المتحدة قد أوضحت في 19 مارس أن تخفيفها الجزئي للعقوبات على النفط الروسي لا يشمل السماح بتوريده إلى كوبا أو كوريا الشمالية، في تأكيد على استمرار سياسة الضغط الأقصى على هافانا.

وفي هذا السياق، قال ترمب خلال مشاركته في منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي إن قاعدة مؤيديه «تريد القوة والانتصار»، مشيراً إلى العملية العسكرية الأميركية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي، ونقله إلى نيويورك لمحاكمته. وأضاف: «لقد بنيت هذا الجيش العظيم... أحياناً لا نمتلك خياراً»، قبل أن يردف: «كوبا هي التالية... لكن تظاهروا كأنني لم أقل شيئاً».

ورغم أن ترمب لم يوضح طبيعة الخطوات المحتملة تجاه كوبا، فإن تصريحاته تعكس توجهاً تصعيدياً، في وقت حذّر فيه الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل من أن أي «عدوان خارجي» سيواجه «مقاومة لا تُقهر».

تقارب روسي – كوبي

في المقابل، كثّفت موسكو وهافانا تعاونهما في السنوات الأخيرة، لا سيما منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وأكّد الكرملين في 20 مارس أنه يجري محادثات مع كوبا لبحث سبل دعمها، من دون التعليق على تقارير بشأن شحنات وقود روسية.

ويعزّز هذا التقارب علاقات تعود إلى الحقبة السوفياتية، في وقت تجد فيه كوبا نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وسط ضغوط أميركية متزايدة واحتمالات تصعيد إضافي في المرحلة المقبلة.