«لاهوت التحرر» يفقد مؤسّسه الكاهن الكاثوليكي البيروفي غوستافو غوتيرّيس عن 96 عاماً

قاومت الحركة محاولات النازية لوضع يدها على الكنيسة وانحازت إلى ثورات أميركا اللاتينية ضد الظلم الاجتماعي

«لاهوت التحرر» انحاز إلى جانب الفئات الاجتماعية الأقل حظاً والكاهن االبيروفي غوستافو غوتيرّيس لعب دوراً مهماً في هذه الحركة (أ.ف.ب)
«لاهوت التحرر» انحاز إلى جانب الفئات الاجتماعية الأقل حظاً والكاهن االبيروفي غوستافو غوتيرّيس لعب دوراً مهماً في هذه الحركة (أ.ف.ب)
TT

«لاهوت التحرر» يفقد مؤسّسه الكاهن الكاثوليكي البيروفي غوستافو غوتيرّيس عن 96 عاماً

«لاهوت التحرر» انحاز إلى جانب الفئات الاجتماعية الأقل حظاً والكاهن االبيروفي غوستافو غوتيرّيس لعب دوراً مهماً في هذه الحركة (أ.ف.ب)
«لاهوت التحرر» انحاز إلى جانب الفئات الاجتماعية الأقل حظاً والكاهن االبيروفي غوستافو غوتيرّيس لعب دوراً مهماً في هذه الحركة (أ.ف.ب)

مطلع العقد السادس من القرن الماضي شهدت أميركا اللاتينية، بالتزامن مع انتشار حركات التحرر التي توّجها انتصار الثورة الكوبية، نشوء تيّار لاهوتي مسيحي، في الكنيستين الكاثوليكية والإنجيلية، تحت اسم «لاهوت التحرر» (Liberation Theology)، يقوم على مبدأ أساسي يرى أن الإنجيل يفرض خيار الانحياز إلى الفقراء، ويستند إلى العلوم الإنسانية والبحوث الاجتماعية لتحديد وسائل تفعيل هذا الخيار.

شهدت أميركا اللاتينية في العقد السادس من القرن الماضي نشوء تيّار لاهوتي مسيحي في الكنيستين الكاثوليكية والإنجيلية تحت اسم «لاهوت التحرر» (أ.ف.ب)

أوّل الذين استخدموا هذا المصطلح كان الكاهن الكاثوليكي البيروفي غوستافو غوتيرّيس والعالم اللاهوتي الإنجيلي البرازيلي روبيم آلفيش في سلسلة من البحوث التي استندت إلى نتائج أعمال مجمع الفاتيكان الثاني، وإلى دراسات لاهوتية عدّة وضعها كهنة ومبشرون مسيحيون أوروبيون في النصف الأول من القرن الفائت، خصوصاً في ألمانيا لمواجهة محاولات الحركة النازية وضع يدها على الكنيسة.

ومع انتشار هذا التيّار في أوساط العمال والطبقات الشعبية، أصبح دعاته يتعرّضون للانتقاد والملاحقة من جانب المؤسسة الكنسية التي راحت تتهمهم بترويج الفكر الشيوعي والتحريض على التمرد والتخريب. وفي عام 1954 طلب البابا بولس الثاني عشر من جميع «الكهنة العمال» أن يعودوا إلى ممارسة نشاطهم الرعوي والكف عن «التحريض السياسي».

امرأة تصلي على جثمان الكاهن الكاثوليكي البيروفي غوستافو غوتيرّيس في العاصمة ليما (أ.ف.ب)

يعدّ المؤرخون أن «لاهوت التحرر» نشأ في مثل هذه الأيام من عام 1954 مع صدور الوثيقة الختامية لمجمع الفاتيكان الثاني التي تضمّنت تعريفاً جديداً للعلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والعالم، عندما اجتمع عدد من أساقفة أميركا اللاتينية الذين كانوا يشاركون في ذلك المجمع، وتعهدوا تطبيق توصيات تلك الوثيقة في بلدانهم.

مع بداية النصف الثاني من القرن الفائت نشط تيار «لاهوت التحرر» في جميع أرجاء أميركا اللاتينية، وانتشر دعاته على نطاق واسع في البرازيل، والمكسيك، والأرجنتين، ونيكاراغوا والسلفادور.

البابا فرنسيس بابا الفاتيكان (أ.ف.ب)

الأب أوسكار روميروس، رئيس أساقفة سان سلفادور، عُدَّ حليفاً لثورة سلفادور ضد الطغمة العسكرية الحاكمة وتكلم ضد الظلم الاجتماعي والعنف، وحظي باحترام القوى اليسارية عالمياً في السبعينات من القرن الماضي. اغتيل عام 1980 خلال تقديمه موعظة الأحد أمام كنيسته، لكن لم تتم إدانة أي شخص في الجريمة، رغم أن الأمم المتحدة افتتحت تحقيقاً حول عملية الاغتيال. وتبين أن أحد قادة القوى اليمينية هو من أعطى الأوامر لعملية الاغتيال. في عام 2015 عدّه البابا فرانسيس شهيداً وفي عام 2018 أصبح قديساً.

وعندما انتصرت الثورة الساندينية في نيكاراغوا في يوليو (تموز) 1979، كان بين أعضاء الحكومة التي شكّلتها أربعة كهنة من حملة لواء «لاهوت التحرر»، أبرزهم وزير الثقافة إرنستو كاردينال الذي شاعت صورة له بعد سنوات راكعاً يتلقى التوبيخ من البابا البولندي يوحنا بولس الثاني الذي رفض مصافحته خلال زيارته إلى نيكاراغوا، الذي كان وضع بين الأهداف الرئيسية لحبريته محاربة الشيوعية في أوروبا ولاهوت التحرر الذي وصفه بأنه خطر أساسي يهدد الكنيسة.

في جنازة مارشلو بيريز الكاهن الكاثوليكي (أ.ف.ب)

وكانت مخاوف المحافظين من انتشار هذا التيار قد دفعت بالحملة الانتخابية للرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان إلى وضع وثيقة في عام 1980، أدرجت فيها مكافحة لاهوت التحرر ضمن أهداف استراتيجية الأمن القومي، وجاء فيها «تلعب الكنيسة الأميركية اللاتينية دوراً حيوياً في تحديد مفهوم الحرية السياسية. لكن استطاعت القوى الماركسية اللينينية استخدام الكنيسة سلاحاً سياسياً ضد الملكية الخاصة ونظام الإنتاج الرأسمالي، ونشرت في أوساط المؤمنين أفكاراً شيوعية أكثر منها مسيحية».

مساء الثلاثاء الماضي غاب غوستافو غوتيرّيس عن 96 عاماً، بعد أن أحدثت بحوثه ودراساته ثورة في منهجية النشاط الكنسي والخطاب الديني المسيحي، استحق عليها التكريم والإثناء في الكثير من الأوساط الأكاديمية في أميركا اللاتينية والعالم.

تخرّج غوتيرّيس في كلية الطب بجامعة ليما، ثم نال إجازة في الفلسفة وعلوم النفس من جامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا، وإجازة في اللاهوت من جامعة ليون الفرنسية وأخرى من جامعة روما. درّس اللاهوت في جامعة البيرو الكاثوليكية، وفي عدد من الجامعات الأميركية. حاضر عشرات المرات في الولايات المتحدة وأوروبا، وشارك بصفته مستشاراً لاهوتياً في أعمال مجمع الفاتيكان الثاني، وفي عام 2003 نال جائزة «أمير أستورياس» الإسبانية عن مسيرته ومساهماته في العلوم الإنسانية.

أفراد من السكان الأصليين من قبيلة «ماشكو بيرو» على نهر لاس بيدراس في مقاطعة مادري دي ديوس في بيرو (أ.ب)

في عام 1971 صدر له «آفاق لاهوت التحرر» الذي يعدّه الباحثون أكثر المؤلفات تأثيراً في المشهد اللاهوتي العالمي، والذي يقال إن البابا الراحل بنيديكت كان يجهد في أبحاثه ومنشوراته لدحض الكثير من الأفكار التي يتضمنها ويدعو إلى اعتناقها. وكان غوتيرّيس أهدى ذلك المؤلف إلى كاهن برازيلي تعرّض للتعذيب قبل اغتياله على يد «فرقة اصطياد الشيوعيين» إبان الحكم الدكتاتوري.

اللاهوت بمفهوم غوتيرّيس هو اتحاد تام ودائم بين الفكر والفعل، وتنديد صريح بالمظالم التي يتعرض لها الفقراء، والتزام اجتماعي تجاه الفئات الضعيفة والمهمشة، ومواجهة حتمية مع النظام الاستعماري والليبرالي الجديد في أميركا اللاتينية، النظام الذي أطلق عليه البابا فرنسيسكو «عولمة اللامبالاة».

عندما سئل غوتيرّيس عن رأيه في مقولة اللاهوتي الإنجيلي البريطاني وليام تمبل بأن الباحث اللاهوتي هو إنسان فطن ومثقف يمضي حياته بين الكتب بحثاً عن أجوبة دقيقة حول أسئلة لا يطرحها أحد، أجاب: «الأسئلة التي أطرحها أنا هي التالية: أين سينام الفقراء؟ كيف نخاطب الله انطلاقاً من معاناة الأبرياء؟ وكيف نتحدث عن القيامة عندما يموت الفقراء قبل الأوان؟ وكيف نتحدث عن الله الآب عندما لا يكون الناس إخوة وأخوات؟».


مقالات ذات صلة

فرنسا تعترف بـ«مداهمات الميناء القديم» في مرسيليا جريمة ضد الإنسانية

أوروبا حملات الاعتقال والتهجير الجماعي التي شهدها الميناء القديم بمدينة مرسيليا  والمعروفة تاريخياً بـ«رافل Vieux-Port» (ويكيبيديا)

فرنسا تعترف بـ«مداهمات الميناء القديم» في مرسيليا جريمة ضد الإنسانية

القضاء الفرنسي يصنف مداهمات «رافل» بمرسيليا عام 1943 جريمة ضد الإنسانية، منهياً عقوداً من الصمت، لينتصر للضحايا ويعيد كتابة الذاكرة التاريخية.

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ صاروخ «باك - 3» الذي يعمل على منظومة الدفاع الجوي «باتريوت» (شركة لوكهيد مارتن)

«جنرال موتورز» تسلّم دفعة أولى من مكوّنات صواريخ اعتراضية تلبية لحاجات واشنطن

أعلنت شركة «لوكهيد مارتن» أنها تسلّمت من «جنرال موتورز» الدفعة الأولى من مكوّنات صواريخ اعتراضية أُنتجت على نحو معجّل لتلبية الحاجات المتزايدة للولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا أولريش زيغموند مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» في انتخابات ساكسونيا-أنهالت يتلقى التهاني من قيادات الحزب بعد فوزه في ماغديبورغ شرق ألمانيا يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«البديل لألمانيا»... وليد إنكار النخب الغربية وعجزها

ترى مراسلة صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، لور ماندفيل، أن الصعود الكبير لحزب «البديل من أجل ألمانيا» لا يمكن فصله عن موجة شعبوية أوسع تضرب الغرب منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قاعدة «آندروز» المشتركة بالولايات المتحدة 14 أغسطس (أ.ف.ب)

تحليل إخباري استراتيجية ترمب للأمن القومي... نحو نظام عالمي جديد؟

يمكن اختصار «استراتيجية الأمن القومي» التي أطلقها الرئيس ترمب في 5 نقاط: أميركا أولاً، والسلام عبر القوة، والردع، وتقاسم الأعباء، والمنافسة بين القوى الكبرى.

المحلل العسكري
يوميات الشرق كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

كيف فكّكت تكنولوجيا الـ«DNA» لغز الابن الفرنسي السري لهتلر؟

يفند تحقيق تاريخي بالحمض النووي ادعاءات «ابن هتلر السرّي»، كاشفاً مأساة عائلة فرنسية عاشت وهم النسب للديكتاتور النازي.

كوثر وكيل (لندن)

تحالفات كوبا الخارجية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

كوبا تعاني شحّاً حادّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أرشيفية - أ.ف.ب)
كوبا تعاني شحّاً حادّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تحالفات كوبا الخارجية تتصدع تحت وطأة الإعصار «الترمبي»

كوبا تعاني شحّاً حادّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أرشيفية - أ.ف.ب)
كوبا تعاني شحّاً حادّاً في البنزين بعد ضغوط أميركية لوقف صادرات الطاقة إلى الجزيرة (أرشيفية - أ.ف.ب)

كلما سُئل الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن كوبا يكرر الإجابة نفسها: «أعتقد أنها باتت وشيكة السقوط»، ويفاخر بأنها من غير النفط الفنزويلي «ليست قادرة على البقاء».

لكن ترمب ليس أول رئيس أميركي يتوقع السقوط الوشيك لنظام الأخوين كاسترو، وقد سبقه 66 عاماً من الحصار والضغوط المتواصلة، ونهاية الحرب الباردة التي كانت كوبا خلالها حلقة مفصلية في الاستراتيجية السوفياتية، وتعاقب قبله على البيت الأبيض اثنا عشر رئيساً، راهنوا على استحالة استمرار النظام الكوبي الذي ينازع منذ سنوات لكن من غير أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو خلال خطابه في الاحتفال بالذكرى الـ65 لانتصار الثورة في سانتياغو بكوبا مطلع يناير 2024 (أ.ب)

بعد نجاح العملية العسكرية الأميركية التي انتهت بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فجر الثالث من يناير (كانون الثاني)، عدّ ترمب أن قطع الإمدادات النفطية الفنزويلية، البالغة 28 ألف برميل يومياً، سيكون القشّة التي تقصم ظهر النظام الكوبي. كما هدد بفرض عقوبات على الدول التي قد تُصدِّر المحروقات إلى الجزيرة، مستهدفاً المكسيك على وجه الخصوص. وكان يدرك أن مثل هذا القرار سيمثل ضربة قاسية لبلد يواجه أشد أزماته الاقتصادية منذ انتصار الثورة عام 1959، ويعاني انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة يومياً، والنقص الحاد في المواد الغذائية الأساسية والأدوية، فضلاً عن تراجع احتياطاته من العملات الأجنبية.

هموم كوبا ومتاعبها لم تعد فحسب مقصورة على الحصار الاقتصادي وأزمة التموين الحادة التي تعاني منها، بل بات نفوذها في الأوساط اليسارية الدولية يتراجع بشكل ملحوظ منذ سنوات. فدول مثل البرازيل والمكسيك وتشيلي، إلى جانب روسيا والصين، اكتفت بإدانة الحصار الأميركي والتعهد بتقديم مساعدات إنسانية، في مؤشر إلى تراجع شرعية الثورة الكوبية على الساحة الدولية، بفعل غياب الديمقراطية والقمع الممنهج للحريات الأساسية. ويضاف إلى ذلك عجز الحلفاء التقليديين للثورة الكوبية عن تقديم العون، في ظل الظروف الدولية الراهنة، وفي مواجهة الحزم الذي تبديه واشنطن في تطبيق «عقيدة دونرو»، التي تكرس حق الولايات المتحدة في الإمساك بزمام الأمور في القارة الأميركية وفرض كلمتها الفصل في شؤونها. ومن أبرز المؤشرات على ذلك أن البرازيل لم تُحرك ساكناً حتى الآن لنجدة النظام الكوبي، فيما اقتصرت الخطوة المكسيكية على إرسال مساعدات غذائية. أما نيكاراغوا، فقررت إغلاق أبوابها أمام هجرة المواطنين الكوبيين، في حين أعلنت غواتيمالا ترحيل جميع الأطباء الكوبيين الذين يقدمون خدماتهم على أراضيها منذ سنوات.

كوبيون يسيرون خلال انقطاع التيار الكهربائي في هافانا (أرشيفية - إ.ب.أ)

لكن الوضع، رغم صعوبته، قابل لمزيد من التعقيدات بالنسبة إلى سكان الجزيرة، كما يقول دبلوماسي أوروبي في هافانا، يخشى أن يؤدي بقاء النظام الكوبي على شفا الانهيار لفترة طويلة إلى إحراج الإدارة الأميركية، إذا أصرت على ما يسمّيه «العقاب الجماعي الذي يشكّل انتهاكاً صارخاً لأحكام القانون الدولي». ويذكر هذا الدبلوماسي بأن الأزمات الإنسانية السابقة التي عصفت بالجزيرة تسببت في هروب الآلاف نحو شواطئ فلوريدا، ويتساءل: هل الولايات المتحدة مستعدة لأن تكون مسؤولة عن مجاعة عشرات الآلاف من الأطفال على بُعد أميال من سواحلها؟

وتُفيد دراسة أعدَّتها السفارة السويسرية في هافانا، التي تؤدي دور الوسيط بين الولايات المتحدة وكوبا، بأن الأزمة الاقتصادية الراهنة في الجزيرة هي الأقسى في تاريخها، وأن السبيل الوحيد للخروج منها مرهون بموقف واشنطن، واستعداد النظام الكوبي للتجاوب مع المطالب الداخلية بمزيد من الحرية، ومع الشروط السياسية التي تمليها الإدارة الأميركية. في أي حال، باتت جميع الخيارات اليوم مرة بالنسبة إلى النظام الكوبي، الذي جعل طوال عقود من قدرته على مقاومة جارته اللدود مأثرةً تشهد على صلابته: إما أن يتنازل أمام واشنطن ويتخذ تدابير من شأنها أن تكتب نهايته، مثل إجراء انتخابات حرة، وإما أن يواجه أزمة إنسانية لا تُحمد عقباها.

ناقلة نفط روسية في طريقها إلى كوبا (أرشيفية - رويترز)

المسألة الكوبية هي أيضاً «مسألة شخصية» بالنسبة إلى الإدارة الأميركية الحالية. فالرجل الذي يتولى وزارة الخارجية في واشنطن، ماركو روبيو، ينحدر من أبوين كوبيين هاجرا بعد وصول كاسترو إلى السلطة، ويعدّ سقوط النظام الكاستري تحقيقاً لحلم يراوده منذ الطفولة. وخلال مثوله مؤخراً أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، أكد أن الضغط على الجزيرة لا يستهدف إسقاط النظام، لكنه استدرك سريعاً قائلاً: «إننا نتطلع إلى تغيير النظام». ويتماهى هذا الموقف مع توجهات كثيرين من أبناء الجالية الكوبية - الأميركية النافذة، التي تُعد أحد الخزانات الانتخابية الرئيسية للحزب الجمهوري. أما الرئيس ترمب، فقد توقع «أن يأتوا إلينا راغبين في التوصل إلى اتفاق... وسنكون أسخياء معهم».

لكن كوبا ليست فنزويلا. فمنذ وصول فيديل كاسترو إلى السلطة عام 1959، حاولت الولايات المتحدة إسقاط النظام بمختلف الوسائل، بما في ذلك اللجوء إلى القوة، كما حدث خلال عملية الإنزال العسكري الفاشلة في «خليج الخنازير» عام 1961، والتي كادت تؤدي إلى مواجهة نووية مع موسكو في العام التالي. كذلك، أقرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بمحاولات عدة لاغتيال كاسترو. ومنذ تسعينات القرن الماضي، تفرض واشنطن عقوبات على الشركات الأجنبية التي تستغل الأصول الأميركية التي أممتها الثورة في كوبا.

وتتمتع القوات المسلحة الكوبية بدرجة من الجاهزية والتدريب تفوق نظيرتها الفنزويلية، فيما يفرض الحزب «الشيوعي» الكوبي سيطرته الكاملة على مفاصل البلاد. وعلى خلاف فنزويلا، لا توجد في كوبا معارضة سياسية منظمة أو منظمات مدنية قوية، فضلاً عن أن غالبية المعارضين البارزين غادروا الجزيرة إلى المنفى، إلى جانب 3 ملايين كوبي آخرين منذ قيام الثورة. ويضاف إلى ذلك أن ديلسي رودريغيز، رئيسة فنزويلا بالإنابة، ليست موجودة في هافانا. وحتى لو كانت هناك، فإن الولايات المتحدة لا تعرف من تكون، ولا كيف تتصل بها من دون علم الاستخبارات الكوبية، كما يقول دبلوماسي مكسيكي في هافانا.


5 قتلى في المكسيك عقب العاصفة «راشيل» والإعصار «سيمون»

الأمواج تضرب الشاطئ بينما لا يزال الإعصار «سيمون» نشطاً قبالة ساحل المكسيك (رويترز)
الأمواج تضرب الشاطئ بينما لا يزال الإعصار «سيمون» نشطاً قبالة ساحل المكسيك (رويترز)
TT

5 قتلى في المكسيك عقب العاصفة «راشيل» والإعصار «سيمون»

الأمواج تضرب الشاطئ بينما لا يزال الإعصار «سيمون» نشطاً قبالة ساحل المكسيك (رويترز)
الأمواج تضرب الشاطئ بينما لا يزال الإعصار «سيمون» نشطاً قبالة ساحل المكسيك (رويترز)

أسفرت العاصفة المدارية «راشيل» عن مقتل أربعة أشخاص أثناء مرورها في شمال غرب المكسيك، وفق ما أعلن مكتب المدعي العام في ولاية باها كاليفورنيا، الاثنين، بعدما كان الإعصار «سيمون» تسبب بمقتل شخص.

ولقي أربعة أشخاص من عائلة واحدة، بينهم قاصران، حتفهم جراء الفيضانات الناجمة عن الأمطار الغزيرة التي سببتها العاصفة «راشيل»، وفق ما أوضح المصدر ذاته.

وعُثر على الجثث الأربع في ضواحي مدينة إنسينادا في ولاية باها كاليفورنيا المكسيكية، وهي منطقة فقيرة وقليلة العمران، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم انحسار العاصفة، ما زال خمسة أشخاص في عداد المفقودين. وأنقذت قوات الأمن 32 شخصاً حاصرتهم المياه في مواقع متفرقة من المنطقة، لا سيما باستخدام مروحيات.

وإلى الجنوب، في ولاية غيريرو المكسيكية، تسبب الإعصار «سيمون» بمقتل شخص يبلغ 71 عاماً جراء «انهيار جدار»، وفق ما ذكرته الحاكمة إيفلين سالغادو، الاثنين.

وكان الإعصار مرشحاً للتسبّب بأضرار أكبر، إلا أن سرعة رياحه تراجعت مع مروره فوق المناطق الجبلية خلال تقدّمه البطيء بمحاذاة الساحل.

وغيّر «سيمون» مساره بعدما كان متوقعاً أن يضرب اليابسة بشكل مباشر خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وتوقعت أحدث نشرة للمركز الوطني للأعاصير في الولايات المتحدة أن يبتعد الإعصار حالياً عن السواحل المكسيكية، مع احتمال أن يتجه نحو اليابسة في ولاية سينالوا، مساء الأربعاء.

ويتوقع الخبراء موسم أعاصير أكثر شدة، بسبب ظاهرة «إل نينيو» المناخية التي تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ.


القضاء البرازيلي يسمح لفلافيو بولسونارو بزيارة والده الخاضع للإقامة الجبرية

القضاء البرازيلي يسمح لفلافيو بولسونارو بزيارة والده الخاضع للإقامة الجبرية
TT

القضاء البرازيلي يسمح لفلافيو بولسونارو بزيارة والده الخاضع للإقامة الجبرية

القضاء البرازيلي يسمح لفلافيو بولسونارو بزيارة والده الخاضع للإقامة الجبرية

سمحت المحكمة العليا البرازيلية، الاثنين، للسيناتور اليميني فلافيو بولسونارو المتصدّر في السباق الرئاسي، بزيارة والده الرئيس السابق جايير بولسونارو الخاضع للإقامة الجبرية بعد انقضاء مدّة منعه.

ويُعدّ فلافيو الأوفر حظّاً للفوز في جولة الإعادة المقرّرة في 25 أكتوبر (تشرين الأول) أمام الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بعدما حصل في الجولة الأولى على 47 في المائة من الأصوات مقابل 45 في المائة للولا.

وجاء قرار المحكمة مشروطاً بعدم إشراك السيناتور والده في الحملة الانتخابية، علماً بأنه كان مُنع من زيارته في يوليو (تموز) بعدما قرأ رسالة منه عبر منصة «يوتيوب»، رغم حظر استخدام جايير بولسونارو لوسائل التواصل الاجتماعي، سواء بصورة مباشرة أو عبر طرف ثالث.

واعتبر القاضي ألكسندر دي مورايس آنذاك أن بولسونارو الأب انتهك شروط العقوبة المفروضة عليه إثر إدانته بمحاولة الانقلاب في أعقاب هزيمته أمام لولا في انتخابات 2022.

وانقضت الأحد مدّة تعليق حق فلافيو بولسونارو في الزيارة، والبالغة 90 يوماً.

وفي حين سمح القاضي باستئناف الزيارات، لكنه حظر أن يكون لها «هدف سياسي أو انتخابي»، وفقاً للقرار الذي اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال فلافيو بولسونارو للصحافيين في برازيليا إنه سيزور والده صباح الثلاثاء. وأضاف: «أنا متشوق. مرّت أكثر من ثلاثة أشهر منذ رأيته آخر مرة»، واصفاً قرار المنع بأنه «يفتقر إلى المعايير، والإنسانية، والأساس القانوني».

ويُنظر إلى جايير بولسونارو باعتباره زعيم التيار اليميني المتطرف في البرازيل. وقد اختار نجله مرشّحاً للرئاسة بدلاً منه، بعدما مُنع من العمل السياسي حتى عام 2030.