مصر تدعو لـ«مقاربة شاملة» لتعزيز الوضع الأمني في أفريقيا

لمواجهة تحديات «الإرهاب» والتدخلات الخارجية التي تمس سيادة الدول

مصر تؤكد أهمية تعزيز منظومات الإنذار المبكر لمعالجة بؤر التوتر في القاهرة (الخارجية المصرية)
مصر تؤكد أهمية تعزيز منظومات الإنذار المبكر لمعالجة بؤر التوتر في القاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعو لـ«مقاربة شاملة» لتعزيز الوضع الأمني في أفريقيا

مصر تؤكد أهمية تعزيز منظومات الإنذار المبكر لمعالجة بؤر التوتر في القاهرة (الخارجية المصرية)
مصر تؤكد أهمية تعزيز منظومات الإنذار المبكر لمعالجة بؤر التوتر في القاهرة (الخارجية المصرية)

دعت مصر إلى ضرورة تبنِّي «مقاربة شاملة» لتعزيز الوضع الأمني في أفريقيا، وشددت على أن هذه «المقاربة» للتعامل مع مختلف التحديات المتشابكة وفي مقدمتها «الإرهاب» والتدخلات الخارجية التي تمس سيادة الدول، وأكدت «أهمية تعزيز منظومات الإنذار المبكر، وتفعيل أدوات الدبلوماسية الوقائية والوساطة؛ لمعالجة بؤر التوتر في مراحلها المبكرة، ومنع تفاقمه».

جاء ذلك خلال استعراض وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، السبت، التقرير السنوي عن أنشطة «مجلس السلم والأمن» أمام الدورة العادية لقمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا؛ حيث أشار إلى «التزام بلاده الراسخ بدعم منظومة السلم والأمن، بما يسهم في الوقاية من النزاعات، وصون سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، وتحقيق تطلعات شعوب القارة نحو الاستقرار والتنمية».

وترأس بدر عبد العاطي، السبت، وفد مصر المشارك في أعمال قمة الاتحاد الأفريقي التي تُعقد بمشاركة قادة الدول والحكومات الأفريقية في أديس أبابا، لبحث سبل تعزيز العمل الأفريقي، ومواجهة التحديات السياسية والأمنية والتنموية التي تشهدها القارة.

وسلط عبد العاطي الضوء على الدور المحوري لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، موضحاً أنها تواصل تحقيق تقدم ميداني رغم الفجوة التمويلية، مجدداً الدعوة لتوفير تمويل مستدام وقابل للتنبؤ للبعثة بما يمكِّنها من أداء مهامها على النحو المأمول.

جانب من المشاركين في أعمال قمة الاتحاد الأفريقي (الخارجية المصرية)

خبير الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، يقول إن دعوة مصر إلى تبنِّي «مقاربة شاملة» في أفريقيا، تعكس تحولاً نوعياً في فهم طبيعة التهديدات التي تواجه القارة، وتعيد التأكيد على أن الأمن في أفريقيا لم يعد مسألة عسكرية صرفة؛ بل منظومة مترابطة تشمل الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمائي والغذائي والمعلوماتي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المقاربة» التي تدعو إليها مصر تنطلق من خبرات رؤية واقعية لطبيعة الأزمات في القارة، فالإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، والنزاعات المسلحة في القرن الأفريقي، والصراعات الداخلية في بعض دول وسط أفريقيا وفي منطقة البحيرات العظمى، ليست ظواهر معزولة، بل بينها روابط؛ فكل منها تؤدي للأخرى، ويشير إلى أن «المقاربة» تُعيد الاعتبار لمفهوم الملكية الأفريقية للحلول؛ حتى لا تبقى القارة ساحة لتجارب أمنية خارجية؛ بل تصبح فاعلاً رئيسياً في صياغة استراتيجياتها الأمنية.

وحول قدرة «المقاربة» على الحد من الإرهاب والتدخلات الخارجية للدول، أجاب زهدي: «نعم، لكن وفق شروط». ويلفت إلى أن الإرهاب في أفريقيا لم يعد مجرد خلايا متطرفة، بل أصبح جزءاً من منظومات تمويل وتسليح عابرة للحدود، تتداخل فيها مصالح دولية، وأحياناً صراعات جيوسياسية تستخدم الفوضى كأداة نفوذ.

ويفسر أن «المقاربة الشاملة» قادرة على الحد من الإرهاب، إذا ارتكزت على 3 محاور متوازية هي، «دعم قدرات الجيوش الوطنية وأجهزة إنفاذ القانون، وتجفيف منابع التمويل غير المشروع، وتعزيز التنمية في المناطق الهشة».

أما فيما يتعلق بالتدخلات الخارجية، فيرى أن «غياب منظومة أمن جماعي - أفريقي فعالة، يفتح الباب أمام قوى دولية للتدخل تحت عناوين متعددة، فكلما كانت مؤسسات الاتحاد الأفريقي أكثر فاعلية، تقلصت الحاجة إلى التدخل الخارجي، وتعززت سيادة الدول». ويوضح أن «النزاعات في القارة باتت أكثر تعقيداً وأقل تقليدية؛ فنحن أمام صراعات داخلية ذات طابع سياسي – إثني، ونزاعات على الموارد الطبيعية، وانقلابات عسكرية، وتمدد لجماعات إرهابية في الفراغات الأمنية، والأصعب هو الحروب بالوكالة التي تتداخل فيها حسابات إقليمية ودولية».

بدر عبد العاطي ترأس السبت وفد مصر المشارك في أعمال قمة الاتحاد الأفريقي (الخارجية المصرية)

وعن تطورات الأوضاع في السودان، أكد الوزير بدر عبد العاطي، السبت، متابعة «مجلس السلم والأمن» المستمرة للأزمة، وحرصه على دعم الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وتلبي تطلعات شعبه نحو الأمن والاستقرار.

ونوه بالدور المحوري للثلاثي الأفريقي بمجلس الأمن A3 في الدفاع عن المواقف الأفريقية الموحدة، إلى جانب استمرار دعم الدول التي تمر بمرحلة انتقال سياسي، وتنظيم بعثات ميدانية واجتماعات تشاورية غير رسمية لتعزيز الاستقرار، مؤكداً التزام مجلس السلم والأمن بالاضطلاع بمهامه، داعياً الدول الأعضاء وجميع الشركاء إلى مواصلة دعم جهود إسكات البنادق بحلول عام 2030، وتحقيق تطلعات أجندة الاتحاد الأفريقي 2063.

ولفت عبد العاطي إلى أن «المجلس» واصل دعمه للدول التي تمر بمراحل انتقال سياسي، وعقد زيارات ميدانية واجتماعات تشاورية لتعزيز جهود الاستقرار، مجدداً التأكيد على احترام «المجلس» لسيادة الدول، ورفض أي تدخلات خارجية تمس وحدة وسلامة أراضيها.

عودة إلى خبير الشؤون الأفريقية الذي يتحدث عن أن منظومات الإنذار المبكر التابعة للاتحاد الأفريقي تمثل إحدى أهم أدوات منع النزاعات قبل انفجارها، لكن التحدي لا يكمن فقط في جمع المعلومات؛ بل في «سرعة اتخاذ القرار السياسي حتى يُمكن تفعيل أدوات الدبلوماسية الوقائية والوساطة، والذي يعني التحرك قبل تحول الخلافات السياسية إلى مواجهات مسلحة، ودعم الحوار الوطني في الدول التي تمر بانتقالات سياسية».

ويتابع: «كذلك تمكين حكماء أفريقيا وآليات الوساطة الإقليمية من العمل باستقلالية وفاعلية، مع توفير تمويل أفريقي مستدام لعمليات حفظ السلام».

وزير الخارجية المصري يبحث مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة تطورات الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

في غضون ذلك، أكد وزير الخارجية المصري خلال لقاء المبعوث الشخصي لسكرتير عام الأمم المتحدة إلى السودان، رمطان لعمامرة، السبت، على هامش أعمال القمة الأفريقية، على ثوابت الموقف المصري تجاه الأزمة السودانية، والتي تقوم على دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه، والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض أي محاولات للمساس بسيادته أو تقسيمه، أو إنشاء كيانات موازية، إلى جانب دعم هدنة إنسانية مؤقتة تؤدي إلى وقف إطلاق النار بشكل دائم، بما يُهيئ الأوضاع لعملية انتقالية تحقق تطلعات الشعب السوداني في الأمن والاستقرار والتنمية.

وبحسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية، السبت، تناول اللقاء استعراض نتائج الاتصالات التي تجريها مصر في إطار «الآلية الرباعية»، وتم تبادل الرؤى بشأن سبل تحريك الجمود الراهن، والدفع قدماً بالمسار السياسي، إلى جانب تقييم التطورات المرتبطة بحشد التمويل الإنساني، بما في ذلك اجتماع واشنطن الأخير، وبحث الخطوات المقبلة في الملف السوداني.


مقالات ذات صلة

توقيع عقد إعادة تأهيل أوتوستراد دمشق – نصيب مع شركة كويتية

المشرق العربي أوتوستراد دمشق - نصيب (محافظة درعا)

توقيع عقد إعادة تأهيل أوتوستراد دمشق – نصيب مع شركة كويتية

أوتوستراد نصيب – دمشق محور حيوي لحركة النقل والشحن والربط بين سوريا ودول الجوار.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية مقر «بنك مصر» في الإمارات (صفحة البنك على «فيسبوك»)

أزمة «المعاملات الإيرانية» تنهي حضور «بنك مصر» في الإمارات

أعلن بنكا «مصر» و«الأهلي المصري» في بيان مشترك، الثلاثاء، أن مصرف الإمارات المركزي أصدر موافقة مبدئية على طلب «البنك الأهلي» الاستحواذ على فروع «بنك مصر».

هشام المياني (القاهرة )
شمال افريقيا بائع الملابس المتهم بحيازة مواد مخدرة (وزارة الداخلية المصرية)

سيدة مصرية تثير جدلاً باتهام الأمن بتوقيف زوجها بسبب «إتاوة»

أثارت شكوى سيدة مصرية عن توقيف عناصر أمنية زوجها، بدعوى رفضه دفع «إتاوة» (مقابل مالي نظير عمله بائعاً متجولاً)، جدلاً واسعاً في مصر.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد مقر بنك مصر فرع الإمارات (صفحة البنك الرسمية على «إنستغرام»)

«الأهلي المصري» يتقدم للاستحواذ على عمليات «بنك مصر» في الإمارات

تقدّم البنك الأهلي المصري للاستحواذ على فروع «بنك مصر» بالإمارات، في خطوة تأتي بعد أسابيع من تهديد وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات على فرع البنك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل وزير الدفاع اليوناني في القاهرة الثلاثاء (الرئاسة المصرية)

مصر لتعزيز التعاون الدفاعي مع اليونان وقبرص دون المساس بتركيا

محادثات مصرية - يونانية - قبرصية على مستوى الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووزيري دفاع اليونان نيكولاوس دندياس وقبرص فاسيليس بالماس، لتعزيز التعاون الدفاعي والعسكري.

محمد محمود (القاهرة )

توترات الداخل الإثيوبي تهدد بإرباك توازنات القرن الأفريقي

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

توترات الداخل الإثيوبي تهدد بإرباك توازنات القرن الأفريقي

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

لم تعد الاضطرابات التي تواجهها حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد محصورة داخل حدود أقاليم متنازعة مع المركز. فمع اتساع رقعة الصراعات المسلحة في تيغراي وأمهرة وأوروميا، وتشكيل تحالف جديد يضم سبع جماعات مسلحة من مناطق وقوميات مختلفة، تعقدت أزمات الداخل الإثيوبي وتشابكت مع نزاعات حدودية مع الجيران، ما يهدد بإرباك توازنات منطقة القرن الأفريقي.

وباتت السياسة والأمن في إثيوبيا بحسب أليكس دي وال، المدير التنفيذي لـ«مؤسسة السلام العالمي»، أستاذ الأبحاث في جامعة تافتس، «متشابكين إلى حد كبير» مع أوضاع الصومال وإريتريا والسودان.

وقال دي وال لـ«الشرق الأوسط» إن المنطقة تشهد «فسيفساء من الصراعات، يرتبط فيها كل مستوى من الصراع بالمستوى الأعلى منه، بحيث تظل جذور النزاعات محلية، بينما تساعد العوامل الخارجية في إطالتها وجعل تسويتها أكثر صعوبة».

وتأتي هذه الصورة في أعقاب إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة أخيراً تشكيل «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، بهدف تغيير الحكومة الحالية. التحالف ضم خصوماً سابقين قاتلوا على جانبي حرب تيغراي بين 2020 و2022.

ولا يعني التحالف بالضرورة وجود جبهة عسكرية متماسكة؛ إذ لا تزال بين مكوناته خلافات عميقة. وقال ماغنوس تايلور، نائب مدير مشروع القرن الأفريقي في «مجموعة الأزمات الدولية» لـ«الشرق الأوسط» إن «قدرة الجماعات على العمل المشترك قد تعوقها المسافات الجغرافية والخلافات السياسية».

لكن أهمية التحالف تكمن في كونه يعكس تحولاً أوسع في الصراع، وهنا قالت هاجر علي، الباحثة في المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية «GIGA» لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة التي تعاني منها الدولة الإثيوبية في إدارة نظامها الفيدرالي تتيح اندلاع صراعات إقليمية منفصلة بالتزامن»، محذرة كذلك من أن أطراف هذه الصراعات قد تتنافس فيما بينها على الموارد والتمثيل السياسية.

وفي رأي إبراهيم إدريس، الباحث في الشؤون الأفريقية والدولية، فإن تدهور العلاقة بين المركز وتيغراي بعد تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا بات يهدد «سلامة النظام الهيكلي الفيدرالي» نفسه.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المعضلة لا تتوقف عند تيغراي، لأن القوميات الثلاث الأكثر تأثيراً في مسار الدولة الإثيوبية، وهي الأمهرة والتيغراي والأورومو، بات لكل منها، بدرجات مختلفة، صراع أو خلاف مع المركز».

وتكشف انتخابات يونيو (حزيران) الماضي واحدة من أبرز مفارقات المشهد الإثيوبي. فقد حصل «حزب الازدهار» بقيادة آبي أحمد على 438 مقعداً، ما ضمن له أغلبية برلمانية واسعة، لكن الانتخابات لم تتم في جميع الدوائر؛ من بينها تيغراي وأمهرة وأوروميا.

وقالت هاجر علي إنه «رغم أن الحزب يبدو متمتعاً بأغلبية برلمانية قوية، فإن هذا لا يعني أنه قادر فعلياً على معالجة القضايا الإثنية أو الإقليمية التي تتسبب في عدم الاستقرار وتفاقمه»، ولا ترى علي فصلاً واضحاً بين «المظالم المحلية» والصراع الأوسع على مستقبل الدولة.

ويبقى ملف تيغراي الأكثر قابلية لتحويل الأزمات المتفرقة إلى أزمة أوسع. فقد أنهى اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، حرباً استمرت عامين بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيغراي.

جنود من القوات الخاصة في أحد شوارع مدينة حميرة الإثيوبية (رويترز)

لكن الأزمة تصاعدت خلال العام الحالي، مع إعادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» بسط سيطرتها السياسية على الإقليم في مايو (أيار)، متهمة الحكومة الفيدرالية بعدم تنفيذ الاتفاق. وهنا أوضح تايلور إن اتفاق بريتوريا «لا يزال قائماً رسمياً، لكنه لم يعد فاعلاً على أرض الواقع».

ومع ذلك، لا يعتبر تايلور أن الباب السياسي أُغلق تماماً، مشيراً إلى وجود مجال للتفاوض، من خلال جهود الاتحاد الأفريقي.

وفي أمهرة، تواجه الحكومة معضلة مختلفة. فقد قاتلت قوات «فانو» إلى جانب الجيش الفيدرالي خلال حرب تيغراي، قبل أن تتحول إلى خصم للحكومة في 2023. وقال إدريس إن «التطور الأهم هو انتقال الحركة من خلاف سياسي إلى تبني السلاح كأداة لتغيير النظام».

وفي أوروميا، الإقليم الذي ينتمي إليه آبي أحمد نفسه، الذي لعبت احتجاجاته الشعبية دوراً محورياً في التغيرات السياسية التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة، واصل «جيش تحرير أورومو» تمرده ضد الدولة، ولم تؤدِ جولات التفاوض السابقة إلى تسوية شاملة.

وفي رأي هاجر علي فإن «صراع أوروميا يوضح أن الأزمة لا يمكن اختزالها في رد فعل على سياسات السنوات الأخيرة وحدها، فالنزاع هناك ممتد منذ عقود، وجزء كبير منه يتعلق بالعلاقة بين المركز والقوى الإقليمية».

وأشار إدريس إلى «انقسامات داخل الحركة السياسية الأورومية نفسها، مع ابتعاد قوى كانت جزءاً من البيئة التي دعمت صعود آبي عن الحكومة لاحقاً».

وهكذا أصبحت الحكومة، في آن واحد، أمام تمرد أمهري، وصراع مستمر في أوروميا، وانهيار متدرج لتفاهمها مع تيغراي، لكن ما يمنح هذه الصراعات بعداً إقليمياً أكثر خطورة هو علاقتها بالجوار، فإريتريا، التي انتقلت علاقتها بآبي أحمد من المصالحة التاريخية في 2018 إلى التحالف معه خلال حرب تيغراي، أصبحت مرة أخرى في موقع الخصم.

وفي فبراير (شباط) الماضي، اتهم وزير الخارجية الإثيوبي غديون تيموثيوس، إريتريا بدعم جماعات مسلحة داخل إثيوبيا، وقال تايلور إن «لإريتريا تاريخاً في دعم جماعات المعارضة الإثيوبية»، لكنه أشار إلى أن «تعاونها الحالي مع قوات تيغراي يتركز على السماح لها بالتحرك عبر الأراضي الإريترية وربما تقديم بعض المساعدات العسكرية التقنية».

وربط تايلور هذا التقارب بمخاوف أسمرة من طموحات إثيوبيا في الحصول على منفذ على البحر الأحمر، متحفظاً على وصف «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بأنها وكيل لإريتريا»، بينما ذهب إدريس إلى أن انعكاسات أزمة الموانئ، دفعت إريتريا إلى «موقع دفاعي».

ووضع أليكس دي وال هذا المشهد في سياق تاريخي أوسع، مشيراً إلى أن القرن الأفريقي عرف، منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي، نمطاً من الحروب دعمت فيه كل دولة متمردين يقاتلون حكومة الدولة الأخرى، واستمر جانب من هذا التشابك بعد الحرب الباردة، وإن تغيرت أسبابه وتحالفاته.

جنود من القوات الخاصة في إثيوبيا (رويترز)

وقال دي وال إن جذور الأزمات تظل «محلية»، لكن التشابكات الخارجية «تبقي الصراعات مستمرة وتجعلها مستعصية ويصعب حلها».

ويبرز السودان بوصفه من أكثر حلقات هذا التشابك حساسية، إلى جانب الأزمة مع الصومال بعد الاتفاق الذي وقعته أديس أبابا مع «أرض الصومال» مطلع 2024 للحصول على منفذ بحري. وترى هاجر علي أن «التركيز على الصراعات المسلحة وحدها قد يحجب ضغوطاً أخرى يمكن أن تزيد قدرة هذه الصراعات على إضعاف الدولة»، مشيرة إلى الظروف المناخية القاسية، وتداعياتها على الأمن الغذائي والبنية التحتية والنزوح، وقالت إن «الحروب الجارية قللت من قدرة الحكومة على التعامل مع مثل هذه الأزمات».

في مواجهة هذه الضغوط، تراهن الحكومة على المؤسسات السياسية والحوار الوطني بالتوازي مع العمليات الأمنية. ويعتقد دي وال أن المشكلة أعمق من مجرد غياب طاولة مفاوضات، وقال دي وال: «نحن أمام بيئة تدفع فيها كل الضغوط نحو استمرار الحرب».

وحتى عندما تبدأ المفاوضات، وفق تقديره، فإنها غالباً ما تركز على وقف إطلاق نار أو تشكيل ائتلاف أو إبرام صفقة سياسية، بدلاً من معالجة جذور النزاع وبناء «تسوية دائمة».

ورغم تعدد الضغوط، فإن الحكومة الإثيوبية لا تزال تحتفظ بأجهزة الدولة، وقوة عسكرية كبيرة، وأغلبية برلمانية واسعة، كما أن خصومها لا يشكلون حتى الآن كتلة سياسية أو عسكرية متجانسة. لكن هذا لا يلغي، تحولاً أساسياً في طبيعة الأزمة. وفي رأي دي وال فإن عكس هذا المسار يحتاج إلى «درجة أكبر بكثير من التعاون بين الدول الأفريقية، وكذلك مع دول العالم العربي والمجتمع الدولي». وخلص إلى أن «هذا التعاون غير موجود».


انتشار أمني كثيف في عاصمة جنوب السودان

رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
TT

انتشار أمني كثيف في عاصمة جنوب السودان

رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)
رئيس جنوب السودان سلفا كير يصل إلى القصر الرئاسي في جوبا (أ.ب)

شهدت جوبا؛ عاصمة جنوب السودان، انتشاراً أمنياً كثيفاً، الثلاثاء، فيما يُرتقب أن يحلّ الرئيس سلفا كير الحكومة قبل انتخابات ديسمبر (كانون الأول) المقبل، التي يخشى المجتمع الدولي أن تُغرق البلاد في مزيد من الاضطرابات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووقّع كير، الاثنين، قانوناً يسمح له بالبقاء في السلطة حتى موعد الانتخابات، وينص على إقالة نواب الرئيس، خصوصاً نواب المعارضة، من مناصبهم.

وأصدر جهاز الأمن الداخلي في جنوب السودان أمراً لكل عناصر قوات الأمن بارتداء الزي الرسمي والبقاء في حالة تأهب قصوى 3 أيام.

ولاحظ صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية»، الثلاثاء، انتشاراً أمنياً مكثّفاً في شوارع جوبا، حيث أُقيمت نقاط تفتيش. وفُرض طوق أمني في محيط المجمع الحكومي، كما أُغلق بعض الطرق الرئيسية، في إجراء نادر تشهده عاصمة جنوب السودان.

وقال مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته: «طُلب مني العودة إلى المنزل. لا أعرف ما يحدث».

ومن المقرر أن تُجري جنوب السودان، التي نالت استقلالها عن السودان عام 2011، أول انتخابات لها في 22 ديسمبر المقبل.

ونبّهت «لجنة حقوق الإنسان» بجنوب السودان في تقرير خلال أغسطس (آب) الماضي، إلى أن إجراء أول انتخابات في البلاد هذه السنة قد يؤجج النزاع الذي اشتدت حدّته في الأشهر الأخيرة ويزيد من خطر ارتكاب الفظائع.

ورأت «اللجنة» أن «تنظيم انتخابات من دون استراتيجية لترسيخ الديمقراطية... قد يسهم على العكس في إعادة إشعال النزاع وزيادة خطر ارتكاب جرائم فظيعة».

في عام 2018، أفضى اتفاق سلام، وَضع حدّاً لـ5 سنوات من الحرب الأهلية الدامية، إلى تشكيل حكومة وحدة بين طرفي النزاع سلفا كير ورياك مشار، اللذين تولّى كل منهما منصبَي الرئيس ونائب الرئيس، خلال مرحلة انتقالية كان يفترض أن تنتهي في عام 2022 بإجراء انتخابات أُرجئت مرات عدة.

وأُلقي القبض على مشار في مارس (آذار) 2025 ووُضع رهن الإقامة الجبرية.


مسلّحون مرتبطون ﺑ«القاعدة» قتلوا أكثر من 100 جندي مالي هذا الشهر

صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

مسلّحون مرتبطون ﺑ«القاعدة» قتلوا أكثر من 100 جندي مالي هذا الشهر

صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)

قال مصدران إن متشددين قتلوا ما يربو على 100 جندي في وسط مالي الشهر الحالي، في حين أعلن الجيش أنه أجلى القوات من المعسكر الذي تعرّض للهجوم وأنه قصف مواقع للعدو خلال عملية انتقامية استمرت أكثر من أسبوع، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

والهجوم الذي وقع في 10 سبتمبر (أيلول) في بلدة ديورا وآخر على مطار بلدة سيفاري هما الأحدث ضمن سلسلة هجمات تشنها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» على الحكام العسكريين في مالي الذين استولوا على السلطة في انقلابين عامي 2020 و2021.

وتحالفت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» في أبريل (نيسان) مع «جبهة تحرير أزواد»، هي جماعة انفصالية يقودها الطوارق، لتنفيذ هجمات في أنحاء مالي تسببت في مقتل وزير الدفاع المالي وأصابت المطار الرئيسي، ما سلّط الضوء على عدم إحراز المقاتلين الموالين للحكومة أي تقدم في مواجهة المتمردين.

وقال مصدر أمني إن 130 جندياً قُتلوا في الهجوم الذي وقع في 10 سبتمبر في ديورا واحتُجز خلاله أكثر من 100 رهينة. وقال مصدر دبلوماسي إن نحو 120 جندياً قُتلوا.

وذكر الجيش في مالي، في بيان صدر يوم السبت: «خلال هذه العملية، التي استمرت أكثر من أسبوع، سقط للأسف بعض إخواننا المقاتلين في ساحة الشرف، بينما تكبّد المهاجمون خسائر فادحة».

وأعلنت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الأسبوع الماضي مسؤوليتها عن هجوم العاشر من سبتمبر، قائلة إنه تسبب في مقتل 150 جندياً.

قصف مطار

وفي واقعة منفصلة، أعلنت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، أمس (الأحد)، أنها قصفت أنظمة دفاع جوي في مطار سيفاري، الذي يضم طائرات عسكرية وأخرى مسيّرة. وقالت الجماعة أيضاً إنها قتلت 33 مقاتلاً من القوات الموالية للحكومة في سيفاري وفي كونا، الواقعة أيضاً في وسط مالي.

تدعم مجموعة فيلق أفريقيا شبه العسكرية الروسية جيش مالي في القتال في كلا الموقعين.