ما دوافع تركيا لإنهاء نزاع ساحل «أرض الصومال» بين الصومال وإثيوبيا؟

تربطها علاقات وثيقة بطرفي النزاع ووساطة هدفها الحفاظ على مصالحها

وزير الدفاع التركي خلال لقاء مع نظيريه الصومالي والإثيوبي في ختام جولة المفاوضات الثانية في أنقرة الثلاثاء (الخارجية التركية)
وزير الدفاع التركي خلال لقاء مع نظيريه الصومالي والإثيوبي في ختام جولة المفاوضات الثانية في أنقرة الثلاثاء (الخارجية التركية)
TT

ما دوافع تركيا لإنهاء نزاع ساحل «أرض الصومال» بين الصومال وإثيوبيا؟

وزير الدفاع التركي خلال لقاء مع نظيريه الصومالي والإثيوبي في ختام جولة المفاوضات الثانية في أنقرة الثلاثاء (الخارجية التركية)
وزير الدفاع التركي خلال لقاء مع نظيريه الصومالي والإثيوبي في ختام جولة المفاوضات الثانية في أنقرة الثلاثاء (الخارجية التركية)

ذهبت المفاوضات بين الصومال وإثيوبيا التي تتوسط فيها تركيا لحل النزاع على ساحل «أرض الصومال» على البحر الأحمر والتي أصبح يطلق عليها «عملية أنقرة» إلى جولة ثالثة ستعقد في 17 سبتمبر (أيلول) المقبل بعد انتهاء الجولة الثانية التي عقدت في العاصمة التركية يومي الاثنين والثلاثاء دون التوصل إلى نتيجة.

وستعقد الجولة الثالثة من المفاوضات وسط تفاؤل حذر من طرفي النزاع بالتوصل إلى اتفاق لإنهائه، ومراقبة، من كثب، من جانب المجتمع الدولي لما إذا كانت جهود أنقرة ستحل النزاع الذي قد يقود استمراره إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في منطقة غير مستقرة بالفعل.

وساطة تركية وترحيب دولي

وتدخلت تركيا لحل النزاع بين إثيوبيا والصومال، الذي ينذر بخطر التحول إلى صراع ساخن، بطلب من أديس أبابا. وتعد «عملية أنقرة» إحدى مبادرات الوساطة الدولية المهمة في الفترة الأخيرة. وأبلغ وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، نظيره التركي، هاكان فيدان، خلال اتصال هاتفي بينهما، الاثنين بالتزامن مع انعقاد الجولة الثانية للمفاوضات، أن الولايات المتحدة تدعم المفاوضات بين البلدين الأفريقيين الجارين.

وتنبع أهمية المبادرة التركية، بحسب مراقبين، من التوتر الذي تشهده البحار الإقليمية بسبب هجمات الحوثيين في اليمن على السفن المارة في البحر الأحمر منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وشنت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هجمات جوية وبحرية على أهداف للحوثيين في اليمن بداية العام لمنع وقوع هجمات.

مؤتمر صحافي مشترك لوزراء خارجية تركيا والصومال وإثيوبيا في ختام جولة المفاوضات الثانية في أنقرة الثلاثاء (الخارجية التركية)

تفاؤل بالحل

وقال فيدان، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيريه الصومالي أحمد معلم فقي، والإثيوبي، تاي أتسكي سيلاسي إن الجولة الثانية ناقشت ملفات أكثر وكانت شاملة أكثر من الجولة الأولى، وتم تناول بعض سبل الحلول المحددة خلال الاجتماعات، وتهدف هذه الصيغ إلى إزالة الخلافات القائمة والاتفاق على إطار عمل مقبول للجانبين، معربا عن امتنانه جراء هذا التقدم.

وأضاف فيدان أن الفرصة أتيحت للتركيز على التفاصيل والأبعاد الفنية للخطوات الملموسة التي يتعين اتخاذها، لافتا إلى أنه ثمة تقارب كبير بين الطرفين حول بعض المبادئ الأساسية والعناصر المحددة، ما يعد تقدما كبيرا.

وأوضح أن تركيا تهدف إلى إزالة المخاوف القائمة وحل المشكلات ليس لصالح الصومال وإثيوبيا فحسب، بل لصالح المنطقة بأكملها.

بدوره عبر سيلاسي عن ثقته بأن تركيا ستتوصل إلى الحل بشكل عاجل، وهو ما سيضمن لإثيوبيا منفذا مباشرا على البحر الأحمر، وعن تفاؤله بعقد اجتماعات مثمرة بشكل أكبر في الجولة الثالثة والأخيرة من المحادثات.

وأكد فقي أن الجولة الثانية من المفاوضات مع إثيوبيا سجلت تقدما، مشددا على عزم الصومال الحفاظ على سلامة أراضيه وسيادته ووحدته. وعبر عن أمله في «التوصل إلى حل نهائي في الجولة الثالثة في ظل الزخم الذي تحقق في الجولة الثانية».

مفاوضات مكوكية

كانت الجولة الأولى من المفاوضات عقدت يومي 1و2 يوليو (تموز) الماضي وتم الاتفاق على عقد الجولة الثانية في 2 سبتمبر المقبل لكن تركيا عملت مع الطرفين على تقديمها إلى 12 أغسطس (آب) الحالي. ولا يلتقي الجانبان الصومالي والإثيوبي وجها لوجه، ويقوم الوسيط التركي بنقل مطالب كل طرف للآخر.

وبدأت المشكلة بين الصومال وإثيوبيا في الأول من يناير (كانون الثاني) الماضي عندما وقعت الأخيرة اتفاقية مع منطقة «أرض الصومال» التي أعلنت انفصالها عن الصومال عام 1991 لكن لم تحظ باعتراف المجتمع الدولي، تشمل النقل البحري واستخدام ميناء بربرة على البحر الأحمر.

وبحسب ما رشح عن الاتفاقية، حتى الآن، فإنها تشمل استغلال إثيوبيا 20 كيلومترا من ساحل أرض الصومال على البحر الأحمر لمدة 50 عاما مقابل الاعتراف باستقلالها عن الصومال، مع منحها حصة من شركة الخطوط الجوية الإثيوبية.

وقال «رئيس» أرض الصومال، موسى بيهي عبدي، بعد توقيع الاتفاقية بأيام، إن إثيوبيا تسعى إلى استئجار جزء من الخط الساحلي لإقامة قاعدة بحرية، وليس للقيام بأنشطة تجارية كما كان يعتقد في السابق.

وتعتمد إثيوبيا، الدولة الحبيسة الواقعة في منطقة القرن الأفريقي، حاليا على جيبوتي المجاورة في معظم تجارتها البحرية، وقال رئيس وزرائها، آبي أحمد، إن «إثيوبيا أثبتت للعالم أن طلبها للوصول إلى البحر الأحمر هو طلب مشروع، وأنها تسعى فقط للوصول إلى البحر».

وقال مستشار الأمن القومي الإثيوبي، رضوان حسين، إن الاتفاقية تمهد الطريق لبلاده للتجارة البحرية في المنطقة بمنحها إمكانية الوصول إلى قاعدة عسكرية مستأجرة على البحر الأحمر، وإن «أرض الصومال» ستحصل على حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة.

وتزايد التوتر بين إثيوبيا والصومال، وهدد الطرفان بعضهما بعضا بالقوة العسكرية.

تركيا والصومال وقعا اتفاقية إطارية للتعاون العسكري والاقتصادي في 8 فبراير الماضي (وزارة الدفاع التركية)

علاقات وثيقة بالطرفين

وأبدت تركيا، التي ترتبط بعلاقات وثيقة بطرفي النزاع، قلقها حيال الاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال، وأكدت أن الالتزام بسيادة الصومال ووحدة أراضيه من متطلبات القانون الدولي.

وكان التطور الذي جعل تركيا جزءاً من هذا التوتر الإقليمي هو «الاتفاقية الإطارية للتعاون الدفاعي والاقتصادي» الموقعة مع الصومال في 8 فبراير (شباط) الماضي.

وبموجب هذه الاتفاقية، ستقوم تركيا، التي لديها بالفعل أكبر قاعدة عسكرية بالخارج في مقديشو، عاصمة الصومال، بحماية المياه الإقليمية الصومالية لمدة 10 سنوات والمساهمة في تنمية الموارد البحرية.

ومنذ حوالي أسبوعين، وبناء على هذه الاتفاقية، وقعت تركيا والصومال اتفاقية تقوم تركيا بموجبها بالبحث عن النفط والغاز في 3 مناطق قبالة سواحل الصومال في البحر الأحمر، بدءا من نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل، ووافق البرلمان التركي قبل أيام على مذكرة رئاسية بإرسال قوات إلى الصومال، بينها عناصر بحرية، لمدة عامين.

تركيا وقعت مع الصومال منذ أسبوعين اتفاقية للتنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحله في البحر الأحمر (وزارة الطاقة التركية)

وساطة تحركها المصالح

ورأى مراقبون أن الاندفاع التركي لإنهاء النزاع الصومالي الإثيوبي، عبر اتفاق يضمن وصولا لإثيوبيا إلى البحر الأحمر مع عدم المساس بوحدة الصومال وسيادته، مرجعه مصالحها في الصومال التي تتبلور في مجال الطاقة، واتخاذ الاحتياطات اللازمة تجاه مبادرة محتملة من إثيوبيا.

والصومال من بين الدول التي استثمرت فيها تركيا أكبر قدر من الاستثمارات السياسية والاقتصادية والعسكرية منذ عام 2011.

وتمتلك تركيا، التي تقدم الدعم الفني والتدريب للقوات المسلحة الصومالية ضمن نطاق اتفاقية التدريب والتعاون العسكري الموقعة في عام 2012، قاعدة عسكرية كبيرة في مقديشو، تعرف باسم «توركصوم» هي أكبر قواعد تركيا العسكرية بالخارج.

وفي 8 مايو (أيار) الماضي، قدم الممثل الخاص لرئيس الوزراء الإثيوبي، مولاتو تيشومي ويرتو، ووزير الخارجية تاي أتسكي سيلاسي، رسالة رسمية من رئيس الوزراء، آبي أحمد، تحتوي على طلبه للوساطة إلى الرئيس رجب طيب إردوغان، وذلك بعد 3 أشهر من توقيع الاتفاقية العسكرية والاقتصادية الإطارية بين أنقرة ومقديشو.

جانب من التدريبات العسكرية في القاعدة العسكرية التركية في مقديشو (توركصوم) (أرشيفية - الدفاع التركية)

وسبق ذلك اجتماع لوزيري خارجية إثيوبيا والصومال في نيروبي في 9 و10 مارس (آذار) لم يحقق أي نتائج.

وتولي إثيوبيا أهمية كبيرة للعلاقات مع تركيا، ويرجع طلبها الوساطة التركية إلى أسباب مهمة سواء على مستوى العلاقات الإقليمية أو الثنائية، إذ تتوتر علاقاتها مع جارتيها، السودان وجنوب السودان، بسبب الخط الحدودي المتنازع عليه، فضلا عن الخلافات مع مصر بسبب سد النهضة.

كما تشهد إثيوبيا، التي تتمتع بهيكل حكومي فيدرالي، توترات أحياناً داخل البلاد مع مناطق تيغراي وأمهرة وأوموريا، وكانت هناك صراعات مسلحة خطيرة للغاية، خاصة ما بين عامي 2020 و2022، مع جبهة تحرير شعب تيغراي في شمال البلاد، واتهم الغرب أديس أبابا بـ«التطهير العرقي».

وفي ظل هذه المشاكل، سعت إثيوبيا إلى تطوير التعاون العسكري والصناعي الدفاعي مع تركيا في السنوات الأخيرة، وتم توقيع اتفاقية للتعاون في مجال الصناعة الدفاعية بين البلدين في عام 2013، كما تم بعد ذلك التوقيع على اتفاقيات الإطار المالي والعسكري العسكري خلال زيارة آبي أحمد لأنقرة في أغسطس (آب) 2021.

وباعت تركيا، في نطاق هذا التعاون، طائرات مسلحة من دون طيار إلى إثيوبيا، استخدمت بشكل خاص ضد جبهة تحرير تيغراي.

وتنصح تركيا، التي تدخلت لحل المشكلة بين الصومال وإثيوبيا، البلدين بالتغلب على المشكلة من خلال الحوار ووفقا للقانون الدولي.


مقالات ذات صلة

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

شؤون إقليمية دخان يتصاعد عقب هجوم إسرائيلي في طهران (رويترز)

وساطة مصر وتركيا وباكستان لوقف «الحرب الإيرانية» تواجه تحديات

تلامس حرب إيران شهرها الثاني، بينما تتصاعد جهود دبلوماسية تتصدرها مصر وتركيا وباكستان، لوقف التصعيد وسط تهديدات أميركية وإسرائيلية وإيرانية متبادلة بالتصعيد.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا آلاف الأكراد رفعوا صور زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد نوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في «إكس»)

تركيا: «وفد إيمرالي» يزور أوجلان في ظل غموض حول مسار «السلام»

قام وفد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المعروف بـ«وفد إيمرالي» بزيارة إلى زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان، وسط غموض حول عملية السلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
شؤون إقليمية وزيرا الدفاع البريطاني والتركي خلال توقيع اتفاقية الدعم اللوجيستي وصيانة وتشغيل مقاتلات يوروفايتر تايفون في لندن الأربعاء (وزارة الدفاع التركية - إكس)

بريطانيا وتركيا توقعان اتفاقاً مليارياً في مجال الدفاع الجوي

وقعت تركيا وبريطانيا اتفاقية دعم فني ولوجيستي تتعلق بصيانة وتشغيل طائرات «يوروفايتر تايفون» تسعى تركيا لاقتنائها لتعزيز قدرات سلاحها الجوي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي ‌هاكان ‌فيدان  (أ.ف.ب)

وزير الخارجية التركي ونظيره الصيني يبحثان جهود إنهاء حرب إيران

كشف مصدر ​دبلوماسي تركي اليوم الأربعاء أن وزير الخارجية ‌هاكان ‌فيدان ​ناقش ‌الحرب ⁠على ​إيران وجهود إنهاء ⁠الصراع خلال اتصال هاتفي مع ⁠نظيره ‌الصيني وانغ ‌يي.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجّحة ارتفاع عدد الضحايا.

وتشهد منطقة شرق أفريقيا، منذ أسابيع، أمطاراً غزيرة أسفرت عن مقتل 81 شخصاً على الأقل، وتشريد الآلاف في كينيا المجاورة، هذا الشهر.

وفي تنزانيا، تسببت أمطار تُرافقها رياح قوية بانزلاقات تربة دمّرت منازل، فجر الأربعاء، في منطقة مبيا، وفقاً لما ذكر جعفر هانيو، مسؤول مقاطعة رونغوي؛ حيث وقعت الكارثة.

وقال، للصحافيين: «بلغ عدد القتلى 20 شخصاً»، موضحاً أنه جرى العثور على 18 جثة الأربعاء، وجثتين أخريين الخميس.

وأضاف: «أحد الضحايا طفل يبلغ عاماً ونصف عام»، داعياً السكان إلى «اتخاذ الاحتياطات اللازمة»، وسط توقع هطول مزيد من الأمطار. وحثّ هانيو سكان المناطق المعرَّضة لانزلاقات أتربة على إخلاء منازلهم.

وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية التنزانية هطول أمطار غزيرة في معظم أنحاء البلاد حتى الثلاثاء المقبل.

حقائق


جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
TT

جدل تعديل الدستور يتصاعد في الكونغو الديمقراطية

رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)
رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (رويترز)

يتصاعد الجدل في الكونغو الديمقراطية حول احتمالات تعديل الدستور، مع حديث متزايد عن فتح الباب أمام ولاية رئاسية ثالثة للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي، في ظل أزمات الحكومة مع المتمردين شرق البلاد.

تلك الأحاديث المحتملة التي أثارتها وسائل إعلام محلية يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدّث، لـ«الشرق الأوسط»، ضمن تحركات «جس نبض» لإضافة فترة ولاية جديدة، غير أنها تواجه تحديات عدة لتنفيذها، أبرزها المعارضة الشديدة لذلك، خاصة من الرئيس السابق جوزيف كابيلا.

وبعد أشهر من صدور حكم غيابي ضده، في سبتمبر (أيلول) 2025، بالإعدام من محكمة كونغولية، خرج الرئيس السابق جوزيف كابيلا، الذي حكم البلاد من عام 2001 إلى عام 2019، في مقابلة مع الصحيفة البلجيكية «لا ليبر بلجيك»، الاثنين الماضي، يدعو لإسقاط تشيسيكيدي.

وأكد كابيلا أن «الدستور لم يعد يُحترَم، بل يدوسه الرئيس ومحيطه»، على حد قوله. وشدد على ضرورة عدم المساس به.

تزامنت تلك الانتقادات الحادة مع حديث إعلام محلي عن وجود نقاشات داخلية بشأن مراجعة الدستور لفتح ولاية ثالثة للرئيس الحالي تشيسيكيدي.

ودعا حائز جائزة «نوبل للسلام»، الطبيب دنيس موكويغي، الرئيس تشيسيكيدي إلى «عدم الإصغاء للمحيطين بشأن تعديل الدستور،» محذراً من أن «أي تعديل دستوري في السياق الحالي سيكون خطأ تاريخياً»، وفق ما نقله للموقع الكونغولي «أكتوياليتي».

وتطرقت صحيفة «كونغو نوفو» للحديث المثار، وأكدت أن الأولوية يجب أن تكون الحفاظ على التماسك الوطني واحترام العقد الجمهوري.

ويرى المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه من المرجَّح أن ينتهي الجدل حول تعديل الدستور في الكونغو الديمقراطية إلى الإلغاء أو التجميد، بدلاً من التنفيذ.

وتُواجه أي محاولة لتمرير تعديل يسمح للرئيس الحالي فيليكس تشيسيكيدي بولاية ثالثة، مقاومة شديدة من المعارضة السياسية، وضغوطاً من المجتمع الدولي، وتحذيرات من شخصيات وطنية بارزة مثل حائز جائزة نوبل للسلام دنيس موكويغي، مما يجعل تنفيذ التعديل خطوة محفوفة بالمخاطر، وقد تهدد الاستقرار السياسي في البلاد، وفقاً لعيسى.

ويعتقد عيسى أن تصريحات الرئيس السابق جوزيف كابيلا وانتقاداته لتشيسيكيدي «تزيد من حجم الضغط الداخلي»، وتؤكد أن «أي مسار نحو تعديل الدستور سيواجه عقبات كبيرة قد تُجبر الأغلبية الحاكمة على التراجع أو البحث عن حلول وسط سياسية لتفادي أزمة أكبر، في ظل اضطرابات تزداد مع المتمردين شرق البلاد».

ويتابع: «في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مستقبل أي تعديل دستوري يظل غير مؤكَّد، وأن القوى السياسية المختلفة ستواصل مراقبة الوضع من كثب، مع احتمال أن تتحول النقاشات الحالية إلى حوار سياسي طويل، يؤجل أي قرار حاسم إلى وقت لاحق، لتجنب الانزلاق نحو أزمة سياسية أو اجتماعية واسعة».

وتشيسيكيدي بدأ ولايته الأولى منذ يناير (كانون الثاني) عام 2019 إلى 2023 قبل انتخابه مرة ثانية من 2024 إلى 2029، والدستور الحالي يقيّد الرئاسة بفترتين فقط كل منهما 5 سنوات، ما يعني أنه لا يمكنه الترشح لولاية ثالثة إلا بعد تعديل دستوري يتطلب موافقة البرلمان بأغلبية، والاستفتاء الشعبي.

ويرى عيسى أن التعديل يحتاج أيضاً إلى توافق سياسي واسع لتفادي أزمة في ظل تحديات كبيرة؛ أبرزها المعارضة السياسية القوية، والضغط الدولي، والانقسامات داخل الأغلبية الحاكمة، والمخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تنشأ، مما يجعل تنفيذ أي تعديل في الوقت الحالي أمراً صعباً للغاية. ويستدرك قائلاً: «لكنه غير مستبعَد، إذا تمكنت الأغلبية الحاكمة من تجاوز هذه العقبات وتوفير البيئة السياسية الملائمة».


الأمم المتحدة تصنّف تجارة الرقيق في أفريقيا «أخطر جريمة ضد الإنسانية»

يظهر شعار الأمم المتحدة داخل الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ب)
يظهر شعار الأمم المتحدة داخل الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة تصنّف تجارة الرقيق في أفريقيا «أخطر جريمة ضد الإنسانية»

يظهر شعار الأمم المتحدة داخل الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ب)
يظهر شعار الأمم المتحدة داخل الدورة التاسعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ب)

أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، أن تجارة الرقيق التي حصلت في أفريقيا عبر التاريخ تشكّل «أخطر جريمة ضد الإنسانية»، بتصويتها على قرار تقدّمت به غانا، التي تأمل أن يفتح الباب أمام تقديم اعتذارات والمحاسبة.

واعتُمد القرار وسط التصفيق بـ123 صوتاً، فيما عارضته 3 دول (الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين)، وامتنعت 52 دولة عن التصويت (بينها بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي).

وجاء في نصّه أن «الاتجار بالأفارقة المستعبدين واسترقاق الأفارقة القائم على العرق» هما أخطر الجرائم ضدّ الإنسانية، مع التنديد بـ«هذا التعسّف في حقّ البشرية اللاإنساني إلى أقصى الحدود والأطول أمداً».

ويسلّط النصّ الضوء على نطاق الظاهرة وطول أمدها وطابعها الهمجي والممنهج وتداعياتها التي ما زالت جلّية اليوم، في عالم يسوده «التمييز العرقي والاستعمار الجديد».

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن «مؤيّدي الاسترقاق والمستفيدين منه وضعوا عقيدة عرقية حوّلت أحكاماً مسبقة إلى شبه خلاصات علمية»، مشدّداً على أن «الجروح» ما زالت «عميقة»، وعلى ضرورة «التنديد بأكاذيب استعلاء البيض» و«العمل من أجل الحقيقة والعدالة وجبر الأضرار».

ويدعو القرار الدول إلى الانخراط في مسار يرمي إلى إصلاح الأضرار وتقديم اعتذارات رسمية وتعويضات لعائلات الضحايا واعتماد سياسات للتصدّي للتمييز وإعادة القطع الثقافية والدينية التي نهبت.

واعتبرت الولايات المتحدة من جانبها أن هذا النصّ «ينطوي على إشكالية كبيرة». وقال المندوب الأميركي دان نيغريا إن «الولايات المتحدة لا تعترف بالحقّ الشرعي في تعويضات عن أضرار لم تكن في الماضي غير قانونية بموجب القانون الدولي السائد في تلك الحقبة».

وهذه أيضاً وجهة نظر دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا التي امتنعت من جهتها عن التصويت.