الولايات المتحدة تواجه إخفاقات مع انتشار الإرهاب في غرب أفريقيا

سحب ألف عسكري من النيجر وإغلاق قاعدة جوية بمنطقة الساحل

قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)
قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)
TT

الولايات المتحدة تواجه إخفاقات مع انتشار الإرهاب في غرب أفريقيا

قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)
قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)

بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، سارعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات ومساعدات عسكرية إلى منطقة بغرب أفريقيا لمساعدة القوات الفرنسية هناك على وقف انتشار تنظيم «القاعدة» وغيره من الجماعات الإرهابية. وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان، ومع إنفاق مئات الملايين من الدولارات الأميركية على المساعدات الأمنية، باءت جهود مكافحة الإرهاب في هذه المنطقة بالفشل إلى حد كبير.

أعلنت ولاءها لـ«القاعدة» و«داعش»

الجماعات التي أعلنت ولاءها لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» قد باتت آخذة في الصعود، وقد أطاحت الانقلابات العسكرية بالحكومات التي يقودها المدنيون في مالي وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر، وأمر القادة الجدد القوات الأميركية والفرنسية بالخروج من البلاد، حتى إنهم في بعض الحالات دعوا مرتزقة روساً ليحلوا مكانهم. ومع قيام الولايات المتحدة بسحب ألف فرد من أفرادها العسكريين من النيجر وإغلاق قاعدة جوية تبلغ قيمتها 110 ملايين دولار في منطقة الساحل هناك بحلول سبتمبر (أيلول)، يسعى المسؤولون الأميركيون جاهدين للعمل مع مجموعة جديدة من الدول في غرب أفريقيا الساحلية لمحاربة التمرد المتطرف العنيف الذي يعتقدون أنه يتوغل بشكل مطرد إلى الجنوب.

التدريبات التي تركز على اقتحام المباني وإنقاذ الرهائن لا تتماشى مع واقع المتمردين في منطقة الساحل (نيويورك تايمز)

وفي هذا السياق، يقول كريستوفر بي. ماير، وهو كبير مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لشؤون سياسة العمليات الخاصة، في مقابلة مع «نيويورك تايمز»: «بالطبع، هذا أمر محبط، إذ إن رغبتنا العامة في تعزيز الحكومات الديمقراطية والحكم السليم هناك لم تسر بشكل جيد». وأضاف ماير أن «الجيش الأميركي حقق نجاحاً أكبر في تدريب قوات مكافحة الإرهاب المحلية، وذلك على الرغم من أن بعضهم شارك في الانقلابات العسكرية الأخيرة»، وتابع: «أنه لأمر مخيب للآمال عندما نستثمر في تلك العلاقة، ثم يُطلب منا المغادرة». ويقول مسؤولون أميركيون إنهم باتوا يعيدون النظر في نهجهم في مكافحة التمرد المتجذر في المخاوف المحلية، وليس العالمية، مشيرين إلى أن التنافس على الأراضي والإقصاء من السياسة وغيرهما من المظالم المحلية الأخرى أدت إلى زيادة صفوف المتشددين، بشكل أكبر من مجرد الاقتناع بالآيديولوجيات المتطرفة. وبدلاً من الاعتماد على القواعد الكبيرة والوجود العسكري الدائم، يقول المسؤولون إن الاستراتيجية الأميركية هناك ستركز بشكل أكبر على المبادرات الممولة جيداً التي تشمل الأمن والحكم والتنمية، حيث سيتم دفع تكاليف تدريب الجنود، وكذلك مشاريع الجديدة الخاصة بالكهرباء أو المياه. وقد تمت تجربة هذا النوع من النهج الشامل من قبل وحقق نجاحاً محدوداً، ويقول مسؤولون أميركيون وإخصائيون مستقلون في غرب أفريقيا إن هذا النهج يواجه عقبات كبيرة الآن.

يرعى البنتاغون تدريب الجنود المحليين في أفريقيا على التعامل مع «سيناريوهات» مكافحة الإرهاب (نيويورك تايمز)

ويقول دبلوماسي أميركي في المنطقة إن حكومات غرب أفريقيا يجب أن تتحمل جانباً من اللوم، وذلك لأن بعض هؤلاء الشركاء كانوا مهتمين بالبقاء في السُلطة أكثر من اهتمامهم بمحاربة الإرهاب. وأضاف الدبلوماسي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لتقديم تقييم صريح للحلفاء: «صحيح أن الأمر لم ينجح، هذا أمر واضح، لكني لا أؤمن بأن كون هذه الفكرة التي نشرناها لم تنجح، فإن ذلك يعني أن ما جرى كان خطأنا».

ويقول البعض إن الأجانب لم يفهموا أبداً الصراع، إذ قال ديمبا كانتي، وهو محامي في إحدى الشركات في باماكو، عاصمة مالي: «لكي تكون قادراً على المساعدة، فإنه يتعين عليك أن تعرف جذور المشكلة بشكل حقيقي، فقد كانوا متمركزين في كل مكان تقريباً في الأراضي المالية، ويحصلون على رواتبهم، لكننا كنا لا نزال نواجه نفس المشاكل».

وقد تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري ثنائي لأفريقيا منذ أكثر من عقد من الزمن، إذ ركزت استثماراتها إلى حد كبير على المعادن التي تلعب دوراً رئيسياً في اتجاه تحول الطاقة العالمي، كما أصبحت روسيا الشريك الأمني المفضل لعدد من الدول الأفريقية التي كانت ترحب في السابق بالمساعدة الأميركية، ما أدى إلى خلق ما يعدّه كثير من الخبراء منافسة على غرار الحرب الباردة.

قوات الأمن تحتفل بعد يوم واحد من الانقلاب العسكري في باماكو بمالي أغسطس 2020 (أ.ب)

مبعوث أميركي خاص

إلى منطقة الساحل

قال جيه. بيتر فام، وهو المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى منطقة الساحل، وهي المنطقة الشاسعة وشبه القاحلة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، التي تركزت فيها جهود الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب: «لقد قمنا بكثير من الأشياء الجيدة على المستوى التكتيكي، بما في ذلك تدريب القوات الخاصة، لكنها لم تكن مرتبطة باستراتيجية أكبر». وأشار فام إلى مشروع كهرباء أميركي طموح بقيمة 450 مليون دولار في بوركينا فاسو، الذي تم إيقافه مؤقتاً في عام 2022 بعد أن قام الجيش هناك بانقلاب، وقال: «نحن بحاجة إلى وجود استراتيجية متكاملة، وإلا فإننا سنكون كمَن يبني قلاعاً رملية على حافة الشاطئ».

لكن تطوير هذه الاستراتيجية سيكون صعباً، وذلك بالنظر إلى انشغال صانعي القرار في واشنطن بالأزمات المختلفة، خاصةً تلك الموجودة في قطاع غزة وأوكرانيا، وفي الوقت نفسه، تنتشر الجماعات التابعة لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في جميع أنحاء المنطقة، وفقاً لتقييمات الاستخبارات التابعة للأمم المتحدة والولايات المتحدة.

ويقول السيناتور كريس كونز، وهو عضو الحزب الديمقراطي عن ولاية ديلاوير والمتخصص في شؤون أفريقيا، في جلسة استماع الشهر الماضي: «ما يقلق نومي ليلاً هو عدد التنظيمات الإرهابية الأجنبية القوية جداً».

يرعى البنتاغون تدريب الجنود المحليين في أفريقيا على التعامل مع «سيناريوهات» مكافحة الإرهاب (نيويورك تايمز)

مالي... أزمة تتفاقم

كانت مالي أول دولة في منطقة الساحل يتزعزع استقرارها بسبب الجهاديين والمتمردين، وقد كان ذلك في أعقاب الحرب الأهلية في ليبيا، شمال شرقي البلاد في عام 2011، إذ عاد المتمردون الماليون المسلحون بشكل جيد، الذين كانوا يدافعون عن الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي إلى الوطن، بعدما قُتِل وبدأوا التمرد، وبدأت الجماعات الإسلاموية، بتشجيع من الفوضى، في الاستيلاء على المراكز الحضرية، مثل مدينة تمبكتو الصحراوية القديمة.

وتدخلت فرنسا عام 2013، وقامت بإخراج الجهاديين من المدن الشمالية، وعدّ كثير من الماليين أن هذه المهمة كانت ناجحة، ثم جاء تدخل أكبر بقيادة فرنسا، ما اجتذب دولاً أوروبية أخرى والولايات المتحدة، وامتد إلى الدول المجاورة لملاحقة الجهاديين.

وتفاقمت الأزمة، حتى مع قيام فرنسا بقتل مزيد من المقاتلين، وقامت الجماعات المسلحة بأعمال عنف في المناطق الريفية، ما تسبب في نزوح الملايين من ديارهم، وتحرك آلاف من أفراد القوات الأجنبية في مركبات مكيفة الهواء عبر منطقة الساحل، في محاولة للقضاء على قادة الإرهابيين، لكن هذه المنطقة لم تصبح أكثر أماناً!

حكومات مسؤولة عن انعدام الأمن

اعترفت فرنسا والولايات المتحدة بأن الحكومات التي كانوا يتعاونون معها يُنظر إليها على نطاق واسع محلياً على أنها فاسدة ومسؤولة جزئياً عن انعدام الأمن، لكنهم عملوا معها بشكل وثيق على أي حال، وذلك بحسب ألكسندر ثورستون، وهو الباحث في شؤون الإسلام والسياسة الأفريقية بجامعة سينسيناتي. وأضاف ثورستون: «لكن هذا شكل غريب من أشكال التناقض التي وقعنا فيها، فكيف يمكن الاعتماد على الأشخاص الذين ترى أنهم هم سبب المشكلة؟».

ومع تزايد التمرد، بدأ الناس في إلقاء اللوم على القوات الأجنبية. وعندما سقطت الحكومات في المنطقة، واحدة تلو أخرى، على مدى السنوات الأربع الماضية، وجدت المجالس العسكرية الجديدة أنه من السهل استغلال الانتقادات الموجهة إلى شركائها العسكريين لتحقيق مكاسب سياسية، ثم قاموا بطرد القوات الأجنبية، وكذلك آلاف من أفراد قوات «الأمم المتحدة». وتقول أورنيلا مودران، وهي الباحثة والمستشارة السياسية المقيمة في جنيف، التي تركز على السياسة والأمن في غرب أفريقيا، إن الغرب يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه يصدر مشكلاته الخاصة إلى منطقة الساحل، مشيرة إلى أنه في البداية كان مهووساً بقضية الهجرة، لكن الآن بات هناك إصرار غربي على قراءة كل شيء من خلال منظور روسيا. وأضافت مودران أنه يتعين على الولايات المتحدة التوقف عن التركيز على محاولة تقديم «عرض أفضل» من العرض الروسي.

لقد فشلت الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا إلى حد كبير (نيويورك تايمز)

النيجر... الصعود والهبوط

كان ذلك في النيجر، تلك الدولة الفقيرة التي يبلغ عدد سكانها 25 مليون نسمة، والتي تبلغ مساحتها ضِعف مساحة ولاية تكساس الأميركية تقريباً، حيث قُتل 4 جنود أميركيين، إلى جانب 4 جنود نيجريين ومترجم، في كمين عام 2017. وبعد ذلك، بقيت قوات الكوماندوز الأميركية بعيدة عن الخطوط الأمامية، إذ عملت من مراكز القيادة لمساعدة الضباط النيجريين في التعامل مع الاستخبارات واللوجستيات والمدفعية وغيرها من جوانب العمليات الكبيرة. وتمكنت قوات مكافحة الإرهاب المحلية التي تم تدريبها من قبل الولايات المتحدة وفرنسا من تقليص النشاط الإرهابي، وذلك باستخدام المعلومات الاستخبارية المستمدة من طائرات المراقبة من دون طيار «MQ-9 Reaper» التي كانت تحلق من القاعدة الجوية مترامية الأطراف في أغاديز، شمال البلاد.

ويقول محللون إن الهجمات الإرهابية ضد المدنيين انخفضت بنحو 50 في المائة عام 2023 مقارنةً بالعام السابق. وقال مسؤولون أميركيون إن قادة المجلس العسكري بدأوا يتجهون نحو روسيا من أجل الأمن، وإلى إيران من أجل صفقة محتملة بشأن احتياطيات اليورانيوم لديها. وقد احتج الدبلوماسيون والمسؤولون العسكريون الأميركيون هذا الربيع، وانتقدوا الحكومة العسكرية لفشلها في رسم مسار للعودة إلى الديمقراطية، واتهم المجلس العسكري الأميركيين بالتحدث معهم باستخفاف. وقال الجنرال الأميركي مايكل لانغلي، وهو رئيس قيادة البنتاغون في أفريقيا، في مقابلة مع الصحيفة: «كانت رسالة المجلس العسكري هي: لا نريد من أي شخص من الغرب أن يأتي إلى هنا ويخبرنا مع مَن يمكننا التعامل»، وأضاف: «أرى هذا الاتجاه في جميع أنحاء منطقة الساحل، لكن ردنا لا يزال كما هو، وهو أننا هنا للمساعدة». وقد أدى الانقلاب العسكري في النيجر إلى عكس النتيجة التي تم التوصل إليها بعد سنوات من الجهود الغربية لمكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا، وبالنسبة للمدنيين في منطقة الساحل، فقد أصبح الوضع الأمني أسوأ بشكل ملحوظ منذ استيلاء المجلس العسكري على السُلطة. ووفقاً لـ«الأمم المتحدة»، فقد تصاعدت وتيرة عمليات القتل غير القانوني والانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال بشكل حاد في الأشهر الأخيرة.

* «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

أوروبا النرويجي يوهانس كونغسنيس ناتلاند المحكوم بالسجن 20 عاماً لتوجّهه إلى إنجلترا لتنفيذ عملية قتل لحساب عصابة دولية مدعومة من إيران في صورة غير مؤرخة وزّعتها شرطة لندن (د.ب.أ)

السجن 20 عاماً لنرويجي خطّط لجريمة قتل مرتبطة بإيران في بريطانيا

قضت محكمة بريطانية بالسجن لمدة 20 عاماً على شاب نرويجي كان يخطط لارتكاب جريمة قتل في بريطانيا بعد تجنيده من قبل جماعة جريمة سويدية مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
أوروبا رجل يُشتبه في توجيهه تهديدات باغتيال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يصل تحت حراسة الشرطة إلى مقر النيابة العامة في العاصمة البولندية وارسو يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بولندا تعثر على متفجرات لدى متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء ووزير الدفاع

أعلنت النيابة البولندية العثور على متفجرات محلية الصنع في شقة رجل متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء دونالد توسك ووزير الدفاع فلاديسلاف كوسينياك-كاميش.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)

الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الفريق أول السعيد شنقريحة يبحث مع وزير دفاع دولة النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، التحديات الأمنية والتهديدات على الحدود المشتركة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أفريقيا تجمّع قرب موقع تحطم مروحية عسكرية في غابة إيغبوكودا بولاية أوندو النيجيرية يوم 6 أكتوبر 2026 (رويترز)

24 قتيلاً في هجومَيْن مسلّحَيْن بنيجيريا

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 جنود وشرطي، في هجومَيْن منفصلَيْن شنت أحدهما عصابة مسلحة والآخر أفراد يُشتبه في انتمائهم إلى جماعة متطرفة في نيجيريا.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.