الولايات المتحدة تواجه إخفاقات مع انتشار الإرهاب في غرب أفريقيا

سحب ألف عسكري من النيجر وإغلاق قاعدة جوية بمنطقة الساحل

قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)
قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)
TT

الولايات المتحدة تواجه إخفاقات مع انتشار الإرهاب في غرب أفريقيا

قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)
قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)

بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، سارعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات ومساعدات عسكرية إلى منطقة بغرب أفريقيا لمساعدة القوات الفرنسية هناك على وقف انتشار تنظيم «القاعدة» وغيره من الجماعات الإرهابية. وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان، ومع إنفاق مئات الملايين من الدولارات الأميركية على المساعدات الأمنية، باءت جهود مكافحة الإرهاب في هذه المنطقة بالفشل إلى حد كبير.

أعلنت ولاءها لـ«القاعدة» و«داعش»

الجماعات التي أعلنت ولاءها لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» قد باتت آخذة في الصعود، وقد أطاحت الانقلابات العسكرية بالحكومات التي يقودها المدنيون في مالي وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر، وأمر القادة الجدد القوات الأميركية والفرنسية بالخروج من البلاد، حتى إنهم في بعض الحالات دعوا مرتزقة روساً ليحلوا مكانهم. ومع قيام الولايات المتحدة بسحب ألف فرد من أفرادها العسكريين من النيجر وإغلاق قاعدة جوية تبلغ قيمتها 110 ملايين دولار في منطقة الساحل هناك بحلول سبتمبر (أيلول)، يسعى المسؤولون الأميركيون جاهدين للعمل مع مجموعة جديدة من الدول في غرب أفريقيا الساحلية لمحاربة التمرد المتطرف العنيف الذي يعتقدون أنه يتوغل بشكل مطرد إلى الجنوب.

التدريبات التي تركز على اقتحام المباني وإنقاذ الرهائن لا تتماشى مع واقع المتمردين في منطقة الساحل (نيويورك تايمز)

وفي هذا السياق، يقول كريستوفر بي. ماير، وهو كبير مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لشؤون سياسة العمليات الخاصة، في مقابلة مع «نيويورك تايمز»: «بالطبع، هذا أمر محبط، إذ إن رغبتنا العامة في تعزيز الحكومات الديمقراطية والحكم السليم هناك لم تسر بشكل جيد». وأضاف ماير أن «الجيش الأميركي حقق نجاحاً أكبر في تدريب قوات مكافحة الإرهاب المحلية، وذلك على الرغم من أن بعضهم شارك في الانقلابات العسكرية الأخيرة»، وتابع: «أنه لأمر مخيب للآمال عندما نستثمر في تلك العلاقة، ثم يُطلب منا المغادرة». ويقول مسؤولون أميركيون إنهم باتوا يعيدون النظر في نهجهم في مكافحة التمرد المتجذر في المخاوف المحلية، وليس العالمية، مشيرين إلى أن التنافس على الأراضي والإقصاء من السياسة وغيرهما من المظالم المحلية الأخرى أدت إلى زيادة صفوف المتشددين، بشكل أكبر من مجرد الاقتناع بالآيديولوجيات المتطرفة. وبدلاً من الاعتماد على القواعد الكبيرة والوجود العسكري الدائم، يقول المسؤولون إن الاستراتيجية الأميركية هناك ستركز بشكل أكبر على المبادرات الممولة جيداً التي تشمل الأمن والحكم والتنمية، حيث سيتم دفع تكاليف تدريب الجنود، وكذلك مشاريع الجديدة الخاصة بالكهرباء أو المياه. وقد تمت تجربة هذا النوع من النهج الشامل من قبل وحقق نجاحاً محدوداً، ويقول مسؤولون أميركيون وإخصائيون مستقلون في غرب أفريقيا إن هذا النهج يواجه عقبات كبيرة الآن.

يرعى البنتاغون تدريب الجنود المحليين في أفريقيا على التعامل مع «سيناريوهات» مكافحة الإرهاب (نيويورك تايمز)

ويقول دبلوماسي أميركي في المنطقة إن حكومات غرب أفريقيا يجب أن تتحمل جانباً من اللوم، وذلك لأن بعض هؤلاء الشركاء كانوا مهتمين بالبقاء في السُلطة أكثر من اهتمامهم بمحاربة الإرهاب. وأضاف الدبلوماسي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لتقديم تقييم صريح للحلفاء: «صحيح أن الأمر لم ينجح، هذا أمر واضح، لكني لا أؤمن بأن كون هذه الفكرة التي نشرناها لم تنجح، فإن ذلك يعني أن ما جرى كان خطأنا».

ويقول البعض إن الأجانب لم يفهموا أبداً الصراع، إذ قال ديمبا كانتي، وهو محامي في إحدى الشركات في باماكو، عاصمة مالي: «لكي تكون قادراً على المساعدة، فإنه يتعين عليك أن تعرف جذور المشكلة بشكل حقيقي، فقد كانوا متمركزين في كل مكان تقريباً في الأراضي المالية، ويحصلون على رواتبهم، لكننا كنا لا نزال نواجه نفس المشاكل».

وقد تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري ثنائي لأفريقيا منذ أكثر من عقد من الزمن، إذ ركزت استثماراتها إلى حد كبير على المعادن التي تلعب دوراً رئيسياً في اتجاه تحول الطاقة العالمي، كما أصبحت روسيا الشريك الأمني المفضل لعدد من الدول الأفريقية التي كانت ترحب في السابق بالمساعدة الأميركية، ما أدى إلى خلق ما يعدّه كثير من الخبراء منافسة على غرار الحرب الباردة.

قوات الأمن تحتفل بعد يوم واحد من الانقلاب العسكري في باماكو بمالي أغسطس 2020 (أ.ب)

مبعوث أميركي خاص

إلى منطقة الساحل

قال جيه. بيتر فام، وهو المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى منطقة الساحل، وهي المنطقة الشاسعة وشبه القاحلة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، التي تركزت فيها جهود الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب: «لقد قمنا بكثير من الأشياء الجيدة على المستوى التكتيكي، بما في ذلك تدريب القوات الخاصة، لكنها لم تكن مرتبطة باستراتيجية أكبر». وأشار فام إلى مشروع كهرباء أميركي طموح بقيمة 450 مليون دولار في بوركينا فاسو، الذي تم إيقافه مؤقتاً في عام 2022 بعد أن قام الجيش هناك بانقلاب، وقال: «نحن بحاجة إلى وجود استراتيجية متكاملة، وإلا فإننا سنكون كمَن يبني قلاعاً رملية على حافة الشاطئ».

لكن تطوير هذه الاستراتيجية سيكون صعباً، وذلك بالنظر إلى انشغال صانعي القرار في واشنطن بالأزمات المختلفة، خاصةً تلك الموجودة في قطاع غزة وأوكرانيا، وفي الوقت نفسه، تنتشر الجماعات التابعة لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في جميع أنحاء المنطقة، وفقاً لتقييمات الاستخبارات التابعة للأمم المتحدة والولايات المتحدة.

ويقول السيناتور كريس كونز، وهو عضو الحزب الديمقراطي عن ولاية ديلاوير والمتخصص في شؤون أفريقيا، في جلسة استماع الشهر الماضي: «ما يقلق نومي ليلاً هو عدد التنظيمات الإرهابية الأجنبية القوية جداً».

يرعى البنتاغون تدريب الجنود المحليين في أفريقيا على التعامل مع «سيناريوهات» مكافحة الإرهاب (نيويورك تايمز)

مالي... أزمة تتفاقم

كانت مالي أول دولة في منطقة الساحل يتزعزع استقرارها بسبب الجهاديين والمتمردين، وقد كان ذلك في أعقاب الحرب الأهلية في ليبيا، شمال شرقي البلاد في عام 2011، إذ عاد المتمردون الماليون المسلحون بشكل جيد، الذين كانوا يدافعون عن الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي إلى الوطن، بعدما قُتِل وبدأوا التمرد، وبدأت الجماعات الإسلاموية، بتشجيع من الفوضى، في الاستيلاء على المراكز الحضرية، مثل مدينة تمبكتو الصحراوية القديمة.

وتدخلت فرنسا عام 2013، وقامت بإخراج الجهاديين من المدن الشمالية، وعدّ كثير من الماليين أن هذه المهمة كانت ناجحة، ثم جاء تدخل أكبر بقيادة فرنسا، ما اجتذب دولاً أوروبية أخرى والولايات المتحدة، وامتد إلى الدول المجاورة لملاحقة الجهاديين.

وتفاقمت الأزمة، حتى مع قيام فرنسا بقتل مزيد من المقاتلين، وقامت الجماعات المسلحة بأعمال عنف في المناطق الريفية، ما تسبب في نزوح الملايين من ديارهم، وتحرك آلاف من أفراد القوات الأجنبية في مركبات مكيفة الهواء عبر منطقة الساحل، في محاولة للقضاء على قادة الإرهابيين، لكن هذه المنطقة لم تصبح أكثر أماناً!

حكومات مسؤولة عن انعدام الأمن

اعترفت فرنسا والولايات المتحدة بأن الحكومات التي كانوا يتعاونون معها يُنظر إليها على نطاق واسع محلياً على أنها فاسدة ومسؤولة جزئياً عن انعدام الأمن، لكنهم عملوا معها بشكل وثيق على أي حال، وذلك بحسب ألكسندر ثورستون، وهو الباحث في شؤون الإسلام والسياسة الأفريقية بجامعة سينسيناتي. وأضاف ثورستون: «لكن هذا شكل غريب من أشكال التناقض التي وقعنا فيها، فكيف يمكن الاعتماد على الأشخاص الذين ترى أنهم هم سبب المشكلة؟».

ومع تزايد التمرد، بدأ الناس في إلقاء اللوم على القوات الأجنبية. وعندما سقطت الحكومات في المنطقة، واحدة تلو أخرى، على مدى السنوات الأربع الماضية، وجدت المجالس العسكرية الجديدة أنه من السهل استغلال الانتقادات الموجهة إلى شركائها العسكريين لتحقيق مكاسب سياسية، ثم قاموا بطرد القوات الأجنبية، وكذلك آلاف من أفراد قوات «الأمم المتحدة». وتقول أورنيلا مودران، وهي الباحثة والمستشارة السياسية المقيمة في جنيف، التي تركز على السياسة والأمن في غرب أفريقيا، إن الغرب يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه يصدر مشكلاته الخاصة إلى منطقة الساحل، مشيرة إلى أنه في البداية كان مهووساً بقضية الهجرة، لكن الآن بات هناك إصرار غربي على قراءة كل شيء من خلال منظور روسيا. وأضافت مودران أنه يتعين على الولايات المتحدة التوقف عن التركيز على محاولة تقديم «عرض أفضل» من العرض الروسي.

لقد فشلت الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا إلى حد كبير (نيويورك تايمز)

النيجر... الصعود والهبوط

كان ذلك في النيجر، تلك الدولة الفقيرة التي يبلغ عدد سكانها 25 مليون نسمة، والتي تبلغ مساحتها ضِعف مساحة ولاية تكساس الأميركية تقريباً، حيث قُتل 4 جنود أميركيين، إلى جانب 4 جنود نيجريين ومترجم، في كمين عام 2017. وبعد ذلك، بقيت قوات الكوماندوز الأميركية بعيدة عن الخطوط الأمامية، إذ عملت من مراكز القيادة لمساعدة الضباط النيجريين في التعامل مع الاستخبارات واللوجستيات والمدفعية وغيرها من جوانب العمليات الكبيرة. وتمكنت قوات مكافحة الإرهاب المحلية التي تم تدريبها من قبل الولايات المتحدة وفرنسا من تقليص النشاط الإرهابي، وذلك باستخدام المعلومات الاستخبارية المستمدة من طائرات المراقبة من دون طيار «MQ-9 Reaper» التي كانت تحلق من القاعدة الجوية مترامية الأطراف في أغاديز، شمال البلاد.

ويقول محللون إن الهجمات الإرهابية ضد المدنيين انخفضت بنحو 50 في المائة عام 2023 مقارنةً بالعام السابق. وقال مسؤولون أميركيون إن قادة المجلس العسكري بدأوا يتجهون نحو روسيا من أجل الأمن، وإلى إيران من أجل صفقة محتملة بشأن احتياطيات اليورانيوم لديها. وقد احتج الدبلوماسيون والمسؤولون العسكريون الأميركيون هذا الربيع، وانتقدوا الحكومة العسكرية لفشلها في رسم مسار للعودة إلى الديمقراطية، واتهم المجلس العسكري الأميركيين بالتحدث معهم باستخفاف. وقال الجنرال الأميركي مايكل لانغلي، وهو رئيس قيادة البنتاغون في أفريقيا، في مقابلة مع الصحيفة: «كانت رسالة المجلس العسكري هي: لا نريد من أي شخص من الغرب أن يأتي إلى هنا ويخبرنا مع مَن يمكننا التعامل»، وأضاف: «أرى هذا الاتجاه في جميع أنحاء منطقة الساحل، لكن ردنا لا يزال كما هو، وهو أننا هنا للمساعدة». وقد أدى الانقلاب العسكري في النيجر إلى عكس النتيجة التي تم التوصل إليها بعد سنوات من الجهود الغربية لمكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا، وبالنسبة للمدنيين في منطقة الساحل، فقد أصبح الوضع الأمني أسوأ بشكل ملحوظ منذ استيلاء المجلس العسكري على السُلطة. ووفقاً لـ«الأمم المتحدة»، فقد تصاعدت وتيرة عمليات القتل غير القانوني والانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال بشكل حاد في الأشهر الأخيرة.

* «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

المشرق العربي طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)

آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

لا تزال التهم القضائية الصادرة بحق آلاف السوريين خلال فترة حكم النظام البائد، تطارد الناشطين والسياسيين الذين يكتشفون وجود أحكام غيابية لا تزال سارية بحقهم.

منصور حسين (دمشق)
أفريقيا عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)

مقتل 5 أشخاص بهجوم إرهابي في نيجيريا

مقتل 5 أشخاص في هجوم إرهابي في نيجيريا والجيش يحبط هجوما لبوكو حرام ويعتقل 4 إرهابيين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يتحدث خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

الشرع: سوريا باشرت «رحلة التعافي والنهوض» إيذاناً بنهاية 47 عاماً من العزلة

قال الشرع إنه «في رحلة الصراع السورية بين الخير والشر، وضعت الحرب أوزارها وتوقف نزيف الدم، وتوقف الهدم والدمار، وبدأت سوريا رحلة التعافي والنهوض».

علي بردى (نيويورك)
آسيا متطوعون يقفون على طريق قرب الحدود الباكستانية الأفغانية في كورام بباكستان 16 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

باكستان تحبط محاولة تسلل من أفغانستان لعناصر من «فتنة الخوارج»

محاولة التسلل انطلقت من مواقع تابعة لحركة «طالبان» الأفغانية بولايتيْ نانجارهار وباكتيا، إلا أن القوات الباكستانية المنتشرة على طول الحدود تصدت لها

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
أفريقيا صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مسلّحون مرتبطون ﺑ«القاعدة» قتلوا أكثر من 100 جندي مالي هذا الشهر

قال مصدران إن متشددين قتلوا ما يربو على 100 جندي في وسط مالي الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (دكار)

اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
TT

اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)

بعد شهور من المناوشات، تتجه «جبهة تحرير تيغراي» إلى فصل جديد من المعارك مع الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا عززها انضمام قوى أخرى عبر تدشين تحالف مسلح لإسقاط الحكومة، وسط مخاوف من اتساع نطاق القتال.

وما يحدث يعيد للأذهان معارك عام 2020 بين الجانبين، التي شهدت مقتل الآلاف وانتهت بعد وساطات توجت بـ«اتفاق بريتوريا» في 2022، ومنذ ذلك الحين لم تخل تلك الفترة من اتهامات بانتهاك الاتفاق من الطرفين.

ويرى برلماني إثيوبي لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة لن تكرر سيناريو الحرب السابقة ولن تقود الاضطرابات الحالية لموجة صدام أوسع وستحسم المعارك في فترة قصيرة.

ويتفق معه محلل إثيوبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «جبهة تيغراي» رغم انضمامها لتحالف مسلح قبل أيام، فإن لديها تصدعات داخلية وقلة في العتاد والسلاح وتتمركز فقط في 3 مناطق من 12 منطقة بالإقليم، مستبعداً توسع الحرب.

النزاع يتسع

وشهدت مناطق في شمال إثيوبيا، الجمعة، انقطاعاً في خدمة الإنترنت، حسبما أفاد موقع «نت بلوكس» المتخصص في رصد اضطرابات الشبكات، مع احتدام المعارك بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي»، بحسب ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك هذا الأسبوع، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

ويخشى الأهالي تكرار سيناريو انقطاع الاتصالات، وحصار الإمدادات الذي فرضته الحكومة الفيدرالية على إقليم تيغراي خلال الحرب الأهلية الأخيرة (2020-2022)، التي أودت بقرابة 600 ألف شخص.

وهذا السيناريو يحمل أيضاً هذه المرة، تشابهاً مع تكرار «جبهة تحرير تيغراي» استراتيجيتها في حرب 2020، وتقدمها جنوباً عبر إقليم أمهرة نحو العاصمة أديس أبابا، وسط هدف محتمل من الهجوم في إقليم عفر وهو قطع خطوط الإمداد القادمة من جيبوتي، التي تمر عبرها الغالبية العظمى من شحنات التجارة الدولية لإثيوبيا بما فيها الوقود.

وشنّت الجبهة بالفعل هجمات على إقليمي أمهرة وعفر، مؤكدة أنها تردّ بذلك على هجمات شنتها القوات الفيدرالية.

مخاوف من توسع دائرة الاضطرابات في إثيوبيا (رويترز)

ويري البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التطورات العسكرية الأخيرة في إقليم تيغراي «لن تعود بالبلاد إلى مأساة حرب عام 2020، من جراء تراجع قدرات جبهة تحرير شعب تيغراي وفقدانها للحاضنة الشعبية؛ حيث يُقاد أبناء الإقليم إلى القتال قسراً وسط استياء شعبي من جراء تداعيات الحروب السابقة التي لم يتفادَ المواطنون آثارها بعد».

ولا يختلف معه المحلل في الشأن الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، مؤكداً أن «ما يُثار إعلامياً بشأن التطورات العسكرية في إقليم تيغراي ينطوي على تضخيم ومبالغات مخالفة للواقع»، مشيراً إلى أن المواجهات الميدانية «تقتصر حالياً على 3 جبهات فقط من أصل 12 جبهة بالإقليم، وما يجري هو توظيف إعلامي وحرب نفسية تهدف للضغط ليس أكثر».

وقبل أيام، أعلنت 7 جماعات معارضة للحكومة الفيدرالية في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، عن تحالف يهدف إلى إطاحة السلطة الحاكمة في أديس أبابا.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991وحكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018، ما ساهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي وحشدت قواتها على حدود الإقليم.

وتتزايد المخاوف من تحول الصراع في إثيوبيا إلى نزاع إقليمي أوسع نطاقاً، في وقت تحظى «جبهة تحرير تيغراي» بدعم من إرتيريا التي يقول مراقبون إنها تتخوف من غزو إثيوبيا لأراضيها بهدف الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر.

ورغم ذلك، يعدّ البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد، أن التحالفات بين فصائل معارضة «ستكون هشة وستعمق عزلتها وتفقدها أي ثقة لدى الشارع الإثيوبي»، مؤكداً أن الحكومة المركزية برئاسة آبي أحمد «باتت اليوم أكثر قوة وتفوقاً من أي وقت مضى، بفضل التطوير الشامل وتحديث الترسانة العسكرية بالتقنيات والتكنولوجيا الحديثة، مقارنة ببدايات الأزمة التي تولى فيها السلطة وسط تحديات وتجهيزات محدودة».

ويؤكد البرلماني الإثيوبي أن «المواجهات الجارية لن تتعدى كونها جولات محدودة ستُحسم خلال فترة قصيرة ثم تعود إثيوبيا إلى مسار الاستقرار والأمن».

واستبعد عبد الصمد امتداد رقعة المواجهات أو اندلاع حرب شاملة، مستنداً إلى حالة الانقسام المدني والعسكري التي تعاني منها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وانشقاق قياداتها الميدانية البارزة، فضلاً عن النقص الحاد في العتاد والسلاح مقارنة بوضعها في المواجهات السابقة.

أزمات

وبينما لا يزال نحو مليون نازح في إقليم تيغراي، يبدو الوضع مع المواجهات الجديدة صعباً، مع مسارعة سكان الإقليم منذ الخميس إلى تخزين المواد الغذائية والنقد والسلع الأساسية، وقال سامويل غيبري سلاسي (37 عاماً)، الذي يعمل في متجر للتوابل في ميكيلي، عاصمة تيغراي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «توجد مخاوف عميقة من احتمال انقطاع الخدمات المصرفية وشبكات الاتصالات والكهرباء وإمدادات السلع الأساسية مرة أخرى».

ولذا يؤكد البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التحالفات الجديدة بلا حاضنة شعبية وستفقد تأثيراتها سريعاً.

وأكد عبد الصمد أن التحالفات المعلنة بين مجرد هيكل ولد ميتاً لا تعكس أي ثقل حقيقي على الأرض في ظل تلك الأزمات الشعبية، مشدداً على أن التطورات المرتقبة لن تتعدى كونها خروقاً أو تحديات أمنية محدودة ومحصورة، قد تؤدي إلى بعض التبعات السياسية والأمنية الروتينية، دون أن تشكل تهديداً يتجاوز هذا النطاق.


مقعد دائم وحق الفيتو... هل تدخل أفريقيا مجلس الأمن؟

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
TT

مقعد دائم وحق الفيتو... هل تدخل أفريقيا مجلس الأمن؟

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)

رفع قادة أفريقيا بقوة مطالب إصلاح مجلس الأمن الدولي خلال جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة منذ يومين في مدينة نيويورك، وذلك بالدعوة إلى حصول القارة الأفريقية على مقعدين دائمين في المجلس مع حق «الفيتو»، وهي مطالب تواجه تحديات كبيرة.

وفي خطاباتهم أمام الجمعية العامة، شدد القادة الأفارقة على أن القارة، التي تُمثل ربع أعضاء الأمم المتحدة، تعاني «الإقصاء»، معتبرين أن استمرار هذا الوضع «يضعف شرعية الأمم المتحدة، ويتناقض مع مبدأ المساواة في السيادة».

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)

الخطاب الأفريقي

كان خطاب رئيس كينيا، ويليام روتو، هو الأقوى والأكثر صرامة، حين قال إن «كل أمة ذات سيادة، ومتساوية بموجب ميثاق الأمم المتحدة. ومع ذلك، وفيما يتعلق بأخطر قضايا الحرب والسلام، تمتلك 5 دول سلطة دائمة لا تمتلكها الدول الـ188 الأخرى».

وأوضح روتو أن «أفريقيا تضم 54 دولة عضواً، أي أكثر من ربع هذه الجمعية، ومع ذلك ليس لها صوت دائم في الهيئة المنوط بها المسؤولية الرئيسية عن السلم والأمن الدوليين»، مشيراً إلى أن أفريقيا كثيراً ما تكون موضوع قرارات مجلس الأمن، «لكنها مستبعدة بشكل دائم من النقاش».

فيما أكد رئيس غانا، جون دراماني ماهاما، أن «أفريقيا هي موطن لـ1.5 مليار نسمة، أي أكثر من 18 في المائة من البشرية، وتُشكل أكبر كتلة تصويت إقليمية في هذه الجمعية العامة، ومع ذلك، لا تزال بلا مقعد دائم واحد في مجلس الأمن، وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق».

وأكد ماهاما: «يجب منح أفريقيا تمثيلاً دائماً في مجلس الأمن، بكامل الحقوق والمسؤوليات»، مشدداً على أن «إصلاح مجلس الأمن ليس منةً لأفريقيا؛ بل هو حتمية لشرعية ومصداقية وبقاء الأمم المتحدة».

لقاء الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الجلسة السنوية الـ81 لقادة العالم (أ.ف.ب)

من جهته، قال رئيس نيجيريا بولا أحمد تينوبو، في خطاب ألقاه نائبه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن «العالم في عام 2026 لا يمكن أن يظل أسيراً لتوزيع القوة الذي كان قائماً في عام 1945. ولا يمكن لأفريقيا أن تستمر في ملء جدول أعمال مجلس الأمن وتظل غائبة عن عضويته الدائمة».

وطالب رئيس نيجيريا بضرورة أن تحصل أفريقيا على مقعدين دائمين في مجلس الأمن الدولي، مع حق «الفيتو»، بالإضافة إلى 5 مقاعد غير دائمة.

العقبة الأولى

وتعتمد السردية الأفريقية على أن مجلس الأمن الدولي تأسس عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت أفريقيا تحت الاستعمار الغربي؛ حيث إنه من أصل 51 عضواً مؤسساً للأمم المتحدة لم يكن هناك سوى 4 دول أفريقية هي: مصر، وإثيوبيا، وليبيريا، وجنوب أفريقيا. وفي هذا السياق قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن هذا الوضع «غير عادل، ولا يمكن الدفاع عنه».

إد مليباند وزير الخارجية البريطاني خلال جلسة لمجلس الأمن (أ.ف.ب)

ولكن مطالب الإصلاح التي ترفعها أفريقيا تتطلب تعديلاً لميثاق الأمم المتحدة، وهذا يحتاج إلى موافقة ثلثي الجمعية العامة، وموافقة جميع الأعضاء الدائمين الخمسة، حسب المادة 108 من الميثاق، وهنا تكمن العقبة الكبرى.

وتؤيد الولايات المتحدة منح أفريقيا مقعدين دائمين في مجلس الأمن، دون حق «الفيتو»، وهو موقف ترفضه الدول الأفريقية؛ لأنه في نظرها يكرس هرمية جديدة، ويمنحها «عضوية من الدرجة الثانية».

أما روسيا والصين فتُظهران تعاطفاً خطابياً مع «الجنوب العالمي»، ولكنها أصدرت تحذيراً واضحاً من فتح الميثاق، بسبب مخاوف من أي خطوة قد تضعف نفوذها أو قد تفتح الباب أمام منافسين مثل الهند واليابان، لدخول مجلس الأمن. فيما فرنسا وبريطانيا تظهران قدراً من الانفتاح النسبي، ولكن مع كثير من الحذر.

الرئيس البوروندي السابق وعضو لجنة العقلاء في الاتحاد الأفريقي (رويترز)

نماذج إصلاح

وسط الضغط الأفريقي، تبرز نماذج إصلاح جديدة، منها ما تقترحه «مجموعة الأربعة»، التي تضم ألمانيا والبرازيل والهند واليابان، والتي تضغط من أجل الحصول على مقاعد دائمة لنفسها، مع حصول أفريقيا على مقعدين دائمين.

أما مجموعة «التوحد من أجل التوافق»، فتعارض بشكل صريح منح أي مقاعد دائمة جديدة، وتفضل التوسع في المقاعد غير الدائمة فقط، في ظل تحذيرات من أن توسيع مجلس الأمن إلى 26 عضواً قد يزيد الشرعية، لكنه يُقلل الفعالية والسرعة في اتخاذ القرارات، خصوصاً في الأزمات.

ومن هنا يبرز السياق الجيوسياسي الراهن؛ حيث إن التوتر بين الولايات المتحدة والصين، والحرب في أوكرانيا والحرب في الشرق الأوسط، تجعل القوى الكبرى أقل استعداداً للتنازل عن أدوات السيطرة، بل إن الإصلاح قد يبدو «ترفاً» في أوقات الاستقطاب الحاد.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (أ.ف.ب)

الصراع الداخلي

وفي الوقت الذي يجمع فيه قادة أفريقيا، في خطاباتهم، على مطلب إصلاح مجلس الأمن ومنح القارة مقعدين دائمين، لا يمتلكون آلية واضحة لتحديد الدول التي ستشغل هذين المقعدين، في ظل تنافس قوي بين مراكز القوة في القارة.

ويحتدم التنافس بين دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر والجزائر والمغرب وإثيوبيا، ما يزيد من تعقيد الموقف الأفريقي، إذ يبدو أن إصلاح مجلس الأمن قد يفتح باباً لصراعات داخلية في القارة، ويُعيد إلى الواجهة تاريخاً من الحروب الإقليمية الدامية.

ورغم وجود اتفاقية تنص على أن الاتحاد الأفريقي هو الجهة التي ستختار ممثلي القارة في مجلس الأمن، فإنها لا تحدد آلية واضحة لذلك، ما يجعل حسم المسألة صعباً. وتوصف هذه المنافسة بأنها «معركة صامتة»، يؤجل الأفارقة الخوض فيها خشية أن تضعف موقفهم في الأمم المتحدة.


إثيوبيا: تحالف خصوم سابقين يفتح جبهة جديدة ضد آبي أحمد

رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

إثيوبيا: تحالف خصوم سابقين يفتح جبهة جديدة ضد آبي أحمد

رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء آبي أحمد يزور جيبوتي الخميس وفي استقباله الرئيس إسماعيل غيلة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وصل آبي أحمد للسلطة في إثيوبيا عام 2018 مدفوعاً بالسلام وتوحيد بلاده التي عانت لعقود من الصراعات، ونال جائزة نوبل إثر ذلك المسار، غير أنه يجد نفسه بعد 8 سنوات أمام مشهد دراماتيكي جعل أبرز حلفاء الأمس أعداءه اليوم.

وتتّسع تلك الخسائر بإنشاء تحالف مسلح ضد آبي أحمد يقوده بعض حلفاء الأمس، وتحقيق سيطرة ميدانية شمال البلاد تُضاف لجبهة متوترة مع إريتريا، التي كانت أحد داعميه في حربه ضد جبهة تحرير تيغراي عام 2020، قبل أن تنقلب العلاقة بين البلدين إلى خصومة متصاعدة.

ويختلف خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» حول تطوّر هذه الأزمة، بين من يرى أنها مرشحة للتفاقم، ومن يعتبر أنها مؤقتة ومرحلية. غير أنهم يجتمعون على أنها تعود لأسباب منها اتساع هوة الخلافات بين آبي أحمد وحلفائه، والدعم الخارجي لا سيما من أسمرة.

تحالف غير متوقع

دخلت الأزمة الإثيوبية، الأحد، مرحلة جديدة مع إعلان سبع قوى مسلحة، بينها «جبهة تحرير شعب تيغراي» و«حركة فانو الوطنية في أمهرة» و«جيش تحرير أورومو»، تشكيل تحالف أطلق عليه «تحالف القوى الإثيوبية من أجل البقاء»، معلناً هدفه إنهاء حكم رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية شاملة.

والمفارقة، بحسب حديث الخبير في الشؤون الأفريقية علي محمود كلني لـ«الشرق الأوسط»، تتمثل في أن بعض هذه القوى كانت حتى وقت قريب تقاتل في معسكرات متعارضة. ويُعد تحول موقف فانو في أمهرة، بحسب كلني، «أحد أبرز مؤشرات تبدل خريطة التحالفات بين أصدقاء الأمس بعد دعمها الظهور الأول لإطار يجمع عدداً من أبرز القوى المسلحة المعارضة للحكومة».

وكانت فصائل «فانو» قاتلت إلى جانب القوات الفيدرالية ضد جبهة تيغراي خلال حرب 2020 - 2022، قبل أن تتحول إلى مواجهة الحكومة وسط تصاعد الخلافات بشأن أمن إقليم أمهرة وترتيبات ما بعد اتفاق بريتوريا، ولا سيما بعد قرار الحكومة عام 2023 حلّ القوات الخاصة التابعة للأقاليم ودمج أفرادها في الجيش والشرطة، وهي خطوة أثارت مخاوف واسعة في أمهرة من إضعاف قدرات الإقليم الأمنية. ومنذ 2023، يخوض مقاتلو «فانو» والقوات الفيدرالية مواجهات مسلحة في الإقليم.

وفي تيغراي، لم تُنهِ اتفاقية بريتوريا لعام 2022 جميع القضايا العالقة، خصوصاً المتعلقة بالأراضي المتنازع عليها وترتيبات الأمن ومستقبل العلاقة بين الجبهة والحكومة الفيدرالية. ومع تجدد التوترات خلال 2026، تسارعت كرة اللهب وازداد خصوم آبي أحمد بهذا التحالف المسلح الذي انضمت له جبهة تيغراي.

أما في أوروميا، فقد استمر الصراع بين الحكومة وجيش تحرير أورومو، رغم أن الحركة كانت قد عادت إلى إثيوبيا بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة قبل أن تستأنف المواجهة المسلحة هي الأخرى.

وهذا التجمع الذي كان مستبعداً قبل سنوات في سيناريوهات آبي أحمد، بات واقعاً، لعدة أسباب وفق «كلني»، موضحاً أن اجتماع هذه القوى في تحالف واحد يعكس اتساع الفجوة بين الحكومة الفيدرالية وعدد من القوى الإقليمية المسلحة.

وما يجمع هذه القوى حالياً، وفق كلني، هو معارضة سياسات الحكومة المركزية، أكثر من تشاركهم في مشروع سياسي موحد.

وفي قراءاته للمشهد، يرى المحلل السياسي الإثيوبي زاهد زيدان، أن التطورات التي دفعت تلك القوى إلى التقارب ومحاولة التنسيق ضد حكومة آبي أحمد يعود إلى تعقيدات إقليمية ودعم خارجي، متمثلاً في الموقف الإريتري وحالة العداء السياسي ومطالب الاستحقاقات الإقليمية والتاريخية التي ترى هذه القوى أن الحكومة الفيدرالية قد همشتها. وذلك رغم الخلافات التاريخية الحادة بين هذه المكونات نفسها، حيث كانت قوات «الفانو» مساندة للجيش الفيدرالي في حربه ضد تيغراي قبل عامين.

صراع يتصاعد

ميدانياً، غداة سيطرة جبهة تيغراي على مطارات شمال البلاد، أعلن الجيش الإثيوبي، في بيان الخميس، مقتل 272 متمرداً في معارك بشمال البلاد، بينما وصل آبي أحمد إلى الجارة جيبوتي للإعلان مشروع مشترك يهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية، دون تعليق مباشر على الأحداث المتسارعة.

وعقب التصعيد، أعرب السفير الأميركي لدى إثيوبيا إيرفين ج. ماسينغا، الأربعاء، عن خيبة أمله من قرار قيادة «جبهة تحرير شعب تيغراي» شن هجوم واسع النطاق، وقال: «أشعر بخيبة أمل إزاء قرار قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي، التي فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها في وقت سابق من هذا العام، شنّ هجوم واسع النطاق اليوم. إن رفض الحوار الذي يرعاه الاتحاد الأفريقي بقيادة الرئيس أوباسانجو، والانخراط في قتال لا يمكن الفوز به، لا يخدم الشعب في شيء. وسيكون من الحكمة أن تتجنب الجماعات المسلحة الأخرى هذا المسار».

والأربعاء، انتزع المتمرّدون في تيغراي، أبرز عناصر التحالف المسلح الجديد، السيطرة على مطار ميكيلي عاصمة الإقليم من الشرطة الاتحادية. وعلقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى الإقليم بسبب «الوضع الراهن» بحسب ما أفادت مصادر أمنية ومحلية لوكالتي «رويترز» و«الصحافة الفرنسية»، الأربعاء.

وعن مستقبل تلك الجبهة التي خسرها آبي أحمد وسط المواجهات الدائرة حالياً، يعتقد كلني أن التحالف تحول مهم في المعارضة المسلحة لأنه يجمع قوى من تيغراي وأمهرة وأوروميا ومناطق أخرى ضمن إطار سياسي واحد، لكنه لا يعني بالضرورة أن هذه القوى أصبحت جبهة متماسكة. وأوضح أن الخلافات حول الأرض والهوية وشكل الدولة وتوزيع السلطة لا تزال قائمة، ولا سيما بين أمهرة وتيغراي، كما أن لكل حركة أجندتها المحلية وتاريخها المختلف مع الحكومة ومع القوى الأخرى.

لكن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، والحرب في السودان، والتنافس على النفوذ في منطقة البحر الأحمر كلها عوامل تجعل أي تصعيد داخل إثيوبيا ذا تداعيات تتجاوز حدودها، بحسب كلني، مؤكداً أن التحدي أمام حكومة آبي أحمد لا يتمثل فقط في مواجهة مجموعات مسلحة متفرقة، بل في احتمال تحول عدة صراعات محلية إلى إطار سياسي وعسكري مشترك.

غير أن زهدي زيدان يعتقد أن التحالف الحالي مرحلي ومؤقت «ستزداد فيه كلفة الخسائر البشرية وعدم تحقيق الاستقرار لحين انتهائه، في ظل عدم وجود أرضية سياسية أو عسكرية موحدة لبناء دولة»، لافتاً إلى رفض تكتلات رئيسية في العفر والبني شنقول الانضمام لهم بخلاف رفض الشارع الإثيوبي لهذا التحالف المسلح وإدراك أن هناك مخططات خارجية تحركه.