الولايات المتحدة تواجه إخفاقات مع انتشار الإرهاب في غرب أفريقيا

سحب ألف عسكري من النيجر وإغلاق قاعدة جوية بمنطقة الساحل

قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)
قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)
TT

الولايات المتحدة تواجه إخفاقات مع انتشار الإرهاب في غرب أفريقيا

قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)
قالت الولايات المتحدة إنها ستسحب ألف عسكري من النيجر وتغلق القاعدة الجوية هناك بحلول سبتمبر (نيويورك تايمز)

بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، سارعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات ومساعدات عسكرية إلى منطقة بغرب أفريقيا لمساعدة القوات الفرنسية هناك على وقف انتشار تنظيم «القاعدة» وغيره من الجماعات الإرهابية. وبعد مرور أكثر من عقد من الزمان، ومع إنفاق مئات الملايين من الدولارات الأميركية على المساعدات الأمنية، باءت جهود مكافحة الإرهاب في هذه المنطقة بالفشل إلى حد كبير.

أعلنت ولاءها لـ«القاعدة» و«داعش»

الجماعات التي أعلنت ولاءها لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» قد باتت آخذة في الصعود، وقد أطاحت الانقلابات العسكرية بالحكومات التي يقودها المدنيون في مالي وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر، وأمر القادة الجدد القوات الأميركية والفرنسية بالخروج من البلاد، حتى إنهم في بعض الحالات دعوا مرتزقة روساً ليحلوا مكانهم. ومع قيام الولايات المتحدة بسحب ألف فرد من أفرادها العسكريين من النيجر وإغلاق قاعدة جوية تبلغ قيمتها 110 ملايين دولار في منطقة الساحل هناك بحلول سبتمبر (أيلول)، يسعى المسؤولون الأميركيون جاهدين للعمل مع مجموعة جديدة من الدول في غرب أفريقيا الساحلية لمحاربة التمرد المتطرف العنيف الذي يعتقدون أنه يتوغل بشكل مطرد إلى الجنوب.

التدريبات التي تركز على اقتحام المباني وإنقاذ الرهائن لا تتماشى مع واقع المتمردين في منطقة الساحل (نيويورك تايمز)

وفي هذا السياق، يقول كريستوفر بي. ماير، وهو كبير مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لشؤون سياسة العمليات الخاصة، في مقابلة مع «نيويورك تايمز»: «بالطبع، هذا أمر محبط، إذ إن رغبتنا العامة في تعزيز الحكومات الديمقراطية والحكم السليم هناك لم تسر بشكل جيد». وأضاف ماير أن «الجيش الأميركي حقق نجاحاً أكبر في تدريب قوات مكافحة الإرهاب المحلية، وذلك على الرغم من أن بعضهم شارك في الانقلابات العسكرية الأخيرة»، وتابع: «أنه لأمر مخيب للآمال عندما نستثمر في تلك العلاقة، ثم يُطلب منا المغادرة». ويقول مسؤولون أميركيون إنهم باتوا يعيدون النظر في نهجهم في مكافحة التمرد المتجذر في المخاوف المحلية، وليس العالمية، مشيرين إلى أن التنافس على الأراضي والإقصاء من السياسة وغيرهما من المظالم المحلية الأخرى أدت إلى زيادة صفوف المتشددين، بشكل أكبر من مجرد الاقتناع بالآيديولوجيات المتطرفة. وبدلاً من الاعتماد على القواعد الكبيرة والوجود العسكري الدائم، يقول المسؤولون إن الاستراتيجية الأميركية هناك ستركز بشكل أكبر على المبادرات الممولة جيداً التي تشمل الأمن والحكم والتنمية، حيث سيتم دفع تكاليف تدريب الجنود، وكذلك مشاريع الجديدة الخاصة بالكهرباء أو المياه. وقد تمت تجربة هذا النوع من النهج الشامل من قبل وحقق نجاحاً محدوداً، ويقول مسؤولون أميركيون وإخصائيون مستقلون في غرب أفريقيا إن هذا النهج يواجه عقبات كبيرة الآن.

يرعى البنتاغون تدريب الجنود المحليين في أفريقيا على التعامل مع «سيناريوهات» مكافحة الإرهاب (نيويورك تايمز)

ويقول دبلوماسي أميركي في المنطقة إن حكومات غرب أفريقيا يجب أن تتحمل جانباً من اللوم، وذلك لأن بعض هؤلاء الشركاء كانوا مهتمين بالبقاء في السُلطة أكثر من اهتمامهم بمحاربة الإرهاب. وأضاف الدبلوماسي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لتقديم تقييم صريح للحلفاء: «صحيح أن الأمر لم ينجح، هذا أمر واضح، لكني لا أؤمن بأن كون هذه الفكرة التي نشرناها لم تنجح، فإن ذلك يعني أن ما جرى كان خطأنا».

ويقول البعض إن الأجانب لم يفهموا أبداً الصراع، إذ قال ديمبا كانتي، وهو محامي في إحدى الشركات في باماكو، عاصمة مالي: «لكي تكون قادراً على المساعدة، فإنه يتعين عليك أن تعرف جذور المشكلة بشكل حقيقي، فقد كانوا متمركزين في كل مكان تقريباً في الأراضي المالية، ويحصلون على رواتبهم، لكننا كنا لا نزال نواجه نفس المشاكل».

وقد تفوقت الصين على الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري ثنائي لأفريقيا منذ أكثر من عقد من الزمن، إذ ركزت استثماراتها إلى حد كبير على المعادن التي تلعب دوراً رئيسياً في اتجاه تحول الطاقة العالمي، كما أصبحت روسيا الشريك الأمني المفضل لعدد من الدول الأفريقية التي كانت ترحب في السابق بالمساعدة الأميركية، ما أدى إلى خلق ما يعدّه كثير من الخبراء منافسة على غرار الحرب الباردة.

قوات الأمن تحتفل بعد يوم واحد من الانقلاب العسكري في باماكو بمالي أغسطس 2020 (أ.ب)

مبعوث أميركي خاص

إلى منطقة الساحل

قال جيه. بيتر فام، وهو المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى منطقة الساحل، وهي المنطقة الشاسعة وشبه القاحلة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، التي تركزت فيها جهود الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب: «لقد قمنا بكثير من الأشياء الجيدة على المستوى التكتيكي، بما في ذلك تدريب القوات الخاصة، لكنها لم تكن مرتبطة باستراتيجية أكبر». وأشار فام إلى مشروع كهرباء أميركي طموح بقيمة 450 مليون دولار في بوركينا فاسو، الذي تم إيقافه مؤقتاً في عام 2022 بعد أن قام الجيش هناك بانقلاب، وقال: «نحن بحاجة إلى وجود استراتيجية متكاملة، وإلا فإننا سنكون كمَن يبني قلاعاً رملية على حافة الشاطئ».

لكن تطوير هذه الاستراتيجية سيكون صعباً، وذلك بالنظر إلى انشغال صانعي القرار في واشنطن بالأزمات المختلفة، خاصةً تلك الموجودة في قطاع غزة وأوكرانيا، وفي الوقت نفسه، تنتشر الجماعات التابعة لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في جميع أنحاء المنطقة، وفقاً لتقييمات الاستخبارات التابعة للأمم المتحدة والولايات المتحدة.

ويقول السيناتور كريس كونز، وهو عضو الحزب الديمقراطي عن ولاية ديلاوير والمتخصص في شؤون أفريقيا، في جلسة استماع الشهر الماضي: «ما يقلق نومي ليلاً هو عدد التنظيمات الإرهابية الأجنبية القوية جداً».

يرعى البنتاغون تدريب الجنود المحليين في أفريقيا على التعامل مع «سيناريوهات» مكافحة الإرهاب (نيويورك تايمز)

مالي... أزمة تتفاقم

كانت مالي أول دولة في منطقة الساحل يتزعزع استقرارها بسبب الجهاديين والمتمردين، وقد كان ذلك في أعقاب الحرب الأهلية في ليبيا، شمال شرقي البلاد في عام 2011، إذ عاد المتمردون الماليون المسلحون بشكل جيد، الذين كانوا يدافعون عن الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي إلى الوطن، بعدما قُتِل وبدأوا التمرد، وبدأت الجماعات الإسلاموية، بتشجيع من الفوضى، في الاستيلاء على المراكز الحضرية، مثل مدينة تمبكتو الصحراوية القديمة.

وتدخلت فرنسا عام 2013، وقامت بإخراج الجهاديين من المدن الشمالية، وعدّ كثير من الماليين أن هذه المهمة كانت ناجحة، ثم جاء تدخل أكبر بقيادة فرنسا، ما اجتذب دولاً أوروبية أخرى والولايات المتحدة، وامتد إلى الدول المجاورة لملاحقة الجهاديين.

وتفاقمت الأزمة، حتى مع قيام فرنسا بقتل مزيد من المقاتلين، وقامت الجماعات المسلحة بأعمال عنف في المناطق الريفية، ما تسبب في نزوح الملايين من ديارهم، وتحرك آلاف من أفراد القوات الأجنبية في مركبات مكيفة الهواء عبر منطقة الساحل، في محاولة للقضاء على قادة الإرهابيين، لكن هذه المنطقة لم تصبح أكثر أماناً!

حكومات مسؤولة عن انعدام الأمن

اعترفت فرنسا والولايات المتحدة بأن الحكومات التي كانوا يتعاونون معها يُنظر إليها على نطاق واسع محلياً على أنها فاسدة ومسؤولة جزئياً عن انعدام الأمن، لكنهم عملوا معها بشكل وثيق على أي حال، وذلك بحسب ألكسندر ثورستون، وهو الباحث في شؤون الإسلام والسياسة الأفريقية بجامعة سينسيناتي. وأضاف ثورستون: «لكن هذا شكل غريب من أشكال التناقض التي وقعنا فيها، فكيف يمكن الاعتماد على الأشخاص الذين ترى أنهم هم سبب المشكلة؟».

ومع تزايد التمرد، بدأ الناس في إلقاء اللوم على القوات الأجنبية. وعندما سقطت الحكومات في المنطقة، واحدة تلو أخرى، على مدى السنوات الأربع الماضية، وجدت المجالس العسكرية الجديدة أنه من السهل استغلال الانتقادات الموجهة إلى شركائها العسكريين لتحقيق مكاسب سياسية، ثم قاموا بطرد القوات الأجنبية، وكذلك آلاف من أفراد قوات «الأمم المتحدة». وتقول أورنيلا مودران، وهي الباحثة والمستشارة السياسية المقيمة في جنيف، التي تركز على السياسة والأمن في غرب أفريقيا، إن الغرب يُنظر إليه منذ فترة طويلة على أنه يصدر مشكلاته الخاصة إلى منطقة الساحل، مشيرة إلى أنه في البداية كان مهووساً بقضية الهجرة، لكن الآن بات هناك إصرار غربي على قراءة كل شيء من خلال منظور روسيا. وأضافت مودران أنه يتعين على الولايات المتحدة التوقف عن التركيز على محاولة تقديم «عرض أفضل» من العرض الروسي.

لقد فشلت الجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا إلى حد كبير (نيويورك تايمز)

النيجر... الصعود والهبوط

كان ذلك في النيجر، تلك الدولة الفقيرة التي يبلغ عدد سكانها 25 مليون نسمة، والتي تبلغ مساحتها ضِعف مساحة ولاية تكساس الأميركية تقريباً، حيث قُتل 4 جنود أميركيين، إلى جانب 4 جنود نيجريين ومترجم، في كمين عام 2017. وبعد ذلك، بقيت قوات الكوماندوز الأميركية بعيدة عن الخطوط الأمامية، إذ عملت من مراكز القيادة لمساعدة الضباط النيجريين في التعامل مع الاستخبارات واللوجستيات والمدفعية وغيرها من جوانب العمليات الكبيرة. وتمكنت قوات مكافحة الإرهاب المحلية التي تم تدريبها من قبل الولايات المتحدة وفرنسا من تقليص النشاط الإرهابي، وذلك باستخدام المعلومات الاستخبارية المستمدة من طائرات المراقبة من دون طيار «MQ-9 Reaper» التي كانت تحلق من القاعدة الجوية مترامية الأطراف في أغاديز، شمال البلاد.

ويقول محللون إن الهجمات الإرهابية ضد المدنيين انخفضت بنحو 50 في المائة عام 2023 مقارنةً بالعام السابق. وقال مسؤولون أميركيون إن قادة المجلس العسكري بدأوا يتجهون نحو روسيا من أجل الأمن، وإلى إيران من أجل صفقة محتملة بشأن احتياطيات اليورانيوم لديها. وقد احتج الدبلوماسيون والمسؤولون العسكريون الأميركيون هذا الربيع، وانتقدوا الحكومة العسكرية لفشلها في رسم مسار للعودة إلى الديمقراطية، واتهم المجلس العسكري الأميركيين بالتحدث معهم باستخفاف. وقال الجنرال الأميركي مايكل لانغلي، وهو رئيس قيادة البنتاغون في أفريقيا، في مقابلة مع الصحيفة: «كانت رسالة المجلس العسكري هي: لا نريد من أي شخص من الغرب أن يأتي إلى هنا ويخبرنا مع مَن يمكننا التعامل»، وأضاف: «أرى هذا الاتجاه في جميع أنحاء منطقة الساحل، لكن ردنا لا يزال كما هو، وهو أننا هنا للمساعدة». وقد أدى الانقلاب العسكري في النيجر إلى عكس النتيجة التي تم التوصل إليها بعد سنوات من الجهود الغربية لمكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا، وبالنسبة للمدنيين في منطقة الساحل، فقد أصبح الوضع الأمني أسوأ بشكل ملحوظ منذ استيلاء المجلس العسكري على السُلطة. ووفقاً لـ«الأمم المتحدة»، فقد تصاعدت وتيرة عمليات القتل غير القانوني والانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال بشكل حاد في الأشهر الأخيرة.

* «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يفتشون سيارة بموقع حادث بعد سماع دوي إطلاق نار بالقرب من مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول 7 أبريل 2026 (رويترز)

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

أعلنت وزارة الداخلية التركية، الاثنين، توقيف 90 شخصاً للاشتباه بارتباطهم بـ«داعش»، وذلك بعد أسبوعين من عملية إطلاق نار خارج القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شمال افريقيا اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)

أكبر حزب في تيغراي يعلن استعادة حكم المنطقة والسلام بشمال إثيوبيا في خطر

مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
TT

أكبر حزب في تيغراي يعلن استعادة حكم المنطقة والسلام بشمال إثيوبيا في خطر

مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)

قال الحزب السياسي الرئيسي في تيغراي إنه يستعيد السيطرة على حكومة المنطقة، مما يعني فعلياً إلغاء اتفاق السلام مع الحكومة الاتحادية الإثيوبية الذي أنهى أحد أكثر الصراعات دموية في القرن الحادي والعشرين.

وأصدرت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي هذا البيان في منشور على «فيسبوك»، أمس الأحد، متهمة الحكومة الاتحادية بانتهاك اتفاق بريتوريا، الذي أنهى الحرب التي استمرت عامين. وجاء في البيان أن الحكومة أثارت نزاعاً مسلحاً داخل تيغراي، وحجبت الأموال اللازمة لدفع رواتب الموظفين المدنيين في المنطقة، ومددت ولاية رئيس الإدارة المؤقتة دون استشارة الحزب. وأضاف البيان «إنها (الحكومة الاتحادية) في عجلة من أمرها لشن حرب دموية مرة أخرى».

نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي في 12 فبراير 2025 (أ.ب)

ودفع هذا الإعلان جيتاشو رضا، المتحدث السابق باسم الحزب ومستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، لأن يكتب على «إكس» أمس الأحد أن بيان الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي يشكل «رفضاً واضحاً» للوضع الذي أرسته اتفاقية بريتوريا بعد الحرب.

وقال جيتاشو، الذي شغل منصب رئيس الإدارة المؤقتة في تيغراي قبل خلافه مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإبعاده وتعيين آخر في المنصب في العام الماضي: «يجب على المجتمع الدولي... أن يتحرك لدرء خطر اندلاع صراع كارثي في منطقة لا تستطيع تحمله».

ولم ترد بيلين سيوم المتحدثة باسم رئيس الوزراء آبي أحمد على طلب للتعليق على مزاعم الجبهة.

ولم يتسن الاتصال بمسؤولي الجبهة على الفور للتعليق.

ويقدر باحثون أن الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 2020 و2022 بين القوات التي تقودها جبهة تحرير شعب تيغراي والجيش الإثيوبي أودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص جراء العنف المباشر وانهيار الرعاية الصحية والمجاعة. واندلعت الحرب بعد انهيار العلاقات بين جبهة تحرير شعب تيغراي، وهي حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي سيطر على السياسة الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، وآبي أحمد، الذي أنهى تعيينه رئيساً للوزراء في عام 2018 هيمنة الجبهة. انتهت الحرب في أواخر عام 2022 باتفاق بريتوريا، الذي توسط فيه الاتحاد الأفريقي، والذي دعا إلى تشكيل إدارة مؤقتة لتيغراي، يتم إنشاؤها من خلال الحوار بين الجانبين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في المنطقة حتى يمكن تنظيم انتخابات جديدة.

ورغم إحراز بعض التقدم في تنفيذ الاتفاق، فقد تعرضت عملية التنفيذ لضغوط في الأشهر الأخيرة، حيث اندلعت اشتباكات مسلحة منذ يناير (كانون الثاني) بين قوات الجبهة والجيش الاتحادي ومقاتلين موالين للحكومة. ورداً على انتهاكات مزعومة من جانب الحكومة، قالت الجبهة في بيانها إنها ستستعيد السلطة التنفيذية والتشريعية في تيغراي بدلاً من الإدارة المؤقتة، وستعزز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة والدول المجاورة. وكانت الحكومة الاتحادية قد أكدت في وقت سابق التزامها باتفاق بريتوريا واتهمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا في عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية من عام 1998 إلى عام 2000.

ولم تتمكن «رويترز» من التحقق بشكل مستقل من مزاعم الجبهة بشأن الانتهاكات المزعومة للاتفاق من قبل الحكومة.

ولم يتسن على الفور الحصول على تعليق من المتحدث باسم الاتحاد الأفريقي نور محمد بشأن قرار الجبهة استعادة الإدارة السابقة. ونفت الجبهة وإريتريا التعاون بينهما. وخاضت إريتريا، التي وقعت اتفاق سلام مع إثيوبيا في عام 2018، الحرب دعماً للجيش الإثيوبي خلال الحرب الأهلية في تيغراي. لكنها استاءت مؤخراً مما تعتبره تعليقات تهديدية من آبي أحمد، الذي يؤكد أن إثيوبيا الحبيسة لها حق في الوصول إلى البحر.


نيجيريا: «بوكو حرام» تهدد بإعدام مئات الرهائن

رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: «بوكو حرام» تهدد بإعدام مئات الرهائن

رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مختطفين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

هددت جماعة «بوكو حرام» الإرهابية بإعدام 416 رهينة تحتجزهم في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي نيجيريا، إذا لم تتم الاستجابة لمطالبها خلال 72 ساعة، وهو ما أثار موجة واسعة من الرعب في أوساط السكان المحليين، خصوصاً ذوي المختطفين.

وفي مقطع فيديو جرى تداوله، ونشرته صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية، حذّر متحدث ملثم باسم «بوكو حرام»، كان يتحدث بلغة الهوسا، من أن عدم الاستجابة لمطالب الجماعة خلال المهلة المحددة سيؤدي إلى قتل عدد كبير من المحتجزين، بمن فيهم نساء وأطفال.

وزعمت الجماعة أنها تحتجز 416 رهينة، مؤكدة ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة قبل انقضاء الوقت. وقال المتحدث في الفيديو: «نحن جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد. اليوم، الموافق 19 أبريل (نيسان) 2026، نوجه رسالة جديدة إلى تحالف شباب جنوب بورنو (BOSYA) وكذلك إلى الحكومة النيجيرية التي لا نعدّها حكومتنا».

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

أضاف المتحدث: «هذه رسالتنا الأولى والأخيرة؛ نمنحكم 72 ساعة، وإذا لم تلبّوا مطالبنا فسنقوم بتوزيع النساء والأطفال على مواقع مختلفة. جميعهم. أنتم اتخذتم قراركم، ونحن اتخذنا قرارنا. نأمركم، باسم الله، ألا تتجاوزوا المهلة المحددة».

وسبق أن أعلنت الجماعة أنها مستعدة للإفراج عن المختطفين مقابل مبلغ 5 مليارات نايرا نيجيرية، وهو ما يعادل أكثر من 3.7 مليون دولار أميركي، ولكن يبدو أن وساطات تقوم بها شخصيات محلية لم تفضِ إلى أي نتيجة.

ودعا «تحالف شباب جنوب بورنو» إلى تدخل عاجل من طرف السلطات عقب المهلة التي حددتها «بوكو حرام»، وذلك من أجل إنقاذ النساء والأطفال المختطفين من مجتمع نغوشي، في ولاية بورنو.

وفي بيان صحافي قال التحالف إنه تلقى معلومات تفيد بأن «بوكو حرام» أصدرت مهلة نهائية مدتها 72 ساعة تتعلق بالمختطفين، وأضاف: «وفقاً للمعلومات التي تم الحصول عليها خلال عملية الوساطة التي يقودها رئيس التحالف سامايلا إبراهيم كايغاما، تم إرسال فيديو تحذيري أخير بعد نقل المطالب، التي شملت طلب فدية قدرها 5 مليارات نايرا (3.7 مليون دولار) مقابل الإفراج عن النساء والأطفال المختطفين (...) مع توجيهات تتعلق بكيفية تنفيذ عملية الإفراج».

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية)

وشدد التحالف على أنه «نظراً إلى الطابع العاجل لهذه القضية الإنسانية، يجدد تحالف شباب جنوب بورنو نداءه إلى الرئيس بولا أحمد تينوبو، ونائب الرئيس كاشيم شتيما، وحاكم ولاية بورنو باباغانا أومارا زولوم، وجميع النيجيريين المعنيين والمحسنين، بمن في ذلك أليكو دانغوتي، وعبد الصمد ربيع، وغيرهما من المليارديرات الشماليين ذوي النوايا الحسنة».

وخلص التحالف إلى القول: «ندعو باحترام جميع الأطراف القادرة إلى التدخل العاجل واستخدام كل الوسائل القانونية المتاحة للمساعدة في تأمين حرية هؤلاء النساء والأطفال البالغ عددهم 416». ووصف التحالف ما يجري بأنه «أزمة إنسانية تتطلب تحركاً فورياً، وتعاطفاً، ووحدة في الصف»، وفق ما جاء في البيان.

وتُعدّ عمليات الخطف الجماعي والإفراج مقابل فدية واحدة من أهم روافد تمويل الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة في نيجيريا، رغم أن السلطات سنت قوانين تمنع دفع الفدية، وتنفي دوماً أن يكون لها أي دور في عمليات الدفع خلال الإفراج عن الرهائن المختطفين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».