انقلابيو النيجر يوجهون رسالة تهدئة إلى باريس

عبر إخلاء سبيل ستيفان جوليان بعد احتجازه خمسة أيام

نيجريون يطالبون فرنسا بمغادرة بلادهم في مظاهرة بنيامي في 30 يوليو (أ.ب)
نيجريون يطالبون فرنسا بمغادرة بلادهم في مظاهرة بنيامي في 30 يوليو (أ.ب)
TT

انقلابيو النيجر يوجهون رسالة تهدئة إلى باريس

نيجريون يطالبون فرنسا بمغادرة بلادهم في مظاهرة بنيامي في 30 يوليو (أ.ب)
نيجريون يطالبون فرنسا بمغادرة بلادهم في مظاهرة بنيامي في 30 يوليو (أ.ب)

منذ يوم 26 يوليو (تموز) حين أطاح الانقلاب العسكري الرئيس النيجري محمد بازوم، انزلقت العلاقات الفرنسية - النيجرية إلى مسالك وعرة، وتوتّرت الأوضاع بين باريس ونيامي، وتكاثرت الاتهامات المتبادلة.

ومنذ ذاك التاريخ، تعاقبت الأزمات حيث رفضت فرنسا الأمر الواقع الجديد وبقيت متمسكة بالرئيس المعزول بعدّه ممثل الشرعية والمنتخب ديمقراطيا. في المقابل، لم يتأخر الانقلابيون في المطالبة برحيل القوات الفرنسية «1500 رجل» المرابطة في البلاد وطرد السفير الفرنسي سيلفان إيتيه، فضلا عن تأجيج الشارع والدفع إلى مظاهرات واعتصامات إن كان أمام السفارة الفرنسية أو قريبا من القاعدة العسكرية الفرنسية الرئيسية في النيجر القائمة قرب المطار الدولي في نيامي. وما برحت باريس تلتزم سياسة متشددة رافضة الخضوع لمطالب الانقلابيين، وتعبر عن دعمها لقرارات المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا «إيكواس» التي لم تتخل عن الخيار العسكري لإعادة الانتظام الدستوري إلى النيجر.

قضية الفرنسي المحتجز

وإذا كانت التوقعات تذهب في اتجاه مزيد من التصعيد بين العاصمتين لتمسك كل طرف بمواقفه، فإن عنصرا «إيجابيا» استجد مساء الأربعاء وكشفت عنه وزارة الخارجية الفرنسية صباح الخميس، ويتناول الإفراج عن المواطن الفرنسي ستيفان جوليان بعد احتجازه منذ يوم الجمعة الماضي. وسارعت الخارجية الفرنسية صباح الخميس إلى إصدار بيان من سطر ونصف جاء فيه ما يلي: «إن فرنسا تعبر عن ارتياحها لإطلاق سراح ستيفان جوليان، مستشار الفرنسيين في الخارج، الذي حصل في النيجر في 13 سبتمبر (أيلول)».

عناصر أمن خلال تظاهرة خارج القاعدة الجوية الفرنسية بنيامي في 3 سبتمبر (أ.ف.ب)

بداية تنبغي الإشارة إلى أن جوليان ليس دبلوماسيا وليس موظفا رسميا ويقوم عمله على تمثيل مصالح الفرنسيين في النيجر لدى السفارة والقنصليات الفرنسية. وجوليان المقيم في النيجر منذ 18 عاما، رفض الاستجابة لدعوات السفارة والخارجية الفرنسيتين للرحيل عن النيجر عقب الانقلاب؛ حيث كانت باريس أول من سارع لترحيل رعاياها من هذا البلد.

ويمتلك جوليان شركة تجارية تعمل في قطاع الاستيراد والتصدير. وتعود مشكلته مع الأمن النيجري إلى يوم الجمعة 8 سبتمبر (أيلول)؛ حيث طلب منه موظفون في السفارة الفرنسية في نيامي مساعدته لإخراج حوائجهم من السفارة التي يفرض عليها الأمن النيجري رقابة مشددة حيث يفتش كل ما يدخل إليها ويخرج منها. ولدى تفتيش الشاحنة الصغيرة التي دخلت حرم السفارة لنقل الحوائج، تم العثور على ثياب عسكرية عائدة لقوات بوركينا فاسو. ونتيجة ذلك، ألقي القبض على جوليان وعلى ثلاثة من موظفيه ونقل المواطن الفرنسي إلى السجن. وتبين لاحقا أن الثياب العسكرية عائدة لملحق لعسكري سبق له أن شغل منصب ملحق عسكري في واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو.

«لفتة» نيجرية

يوم الثلاثاء، قالت الخارجية الفرنسية إنها «تتابع من قرب» وضع جوليان الذي قبضت عليه قوات الأمن النيجرية وتدعو إلى «الإفراج الفوري عنه»، مضيفة أن السفارة في نيامي «معبأة كليا» لتوفير الحماية القنصلية للمواطن الفرنسي. ورفضت الخارجية توضيح ظروف اعتقاله. وقالت كاترين كولونا، وزيرة الخارجية، في مؤتمرها الصحافي المشترك مع نظيرها المصري سامح شكري في القاهرة، إن باريس «اعترضت» على الأسباب التي قدمتها نيامي حول أسباب اعتقال جوليان لأنها ليست صحيحة. وأضافت كولونا أن هذا السبب هو ما دفع النيجر لإطلاق سراحه.

لافتة تقول «وداعاً فرنسا» خلال مظاهرة في نيامي (رويترز)

وبالتوازي، وصف الوزير المفوض للتجارة الخارجية أوليفيه بيشت ما حصل بأنه «نهاية سعيدة» لسرعة الإفراج عن المقبوض عليه. وفي الحالتين، حرص المسؤولون الفرنسيون على عدم إضفاء أي بعد سياسي على هذه الواقعة التي يمكن النظر إليها على أنها «لفتة» نيجرية لباريس، وهي الأولى من نوعها منذ أسابيع.

وكان بإمكان سلطات النيجر أن تبقي المواطن الفرنسي في السجن، وأن توجه إليه اتهامات متعددة الأشكال والأنواع لإبقائه في السجن، وأن تساوم على إطلاق سراحه وأن تطالب بمقابل.

بيد أن أمرا كهذا لم يحصل، ما دفع مصدرا سياسيا فرنسيا إلى اعتبار أن المجلس العسكري برئاسة الجنرال عبد الرحمن تياني، مهندس الانقلاب، أراد توجيه رسالة إلى السلطات الفرنسية أو حتى إطلاق حوار معها. والحال أن شيئا كهذا غير متوافر في الوقت الحاضر، إذ إن المجلس العسكري ووزارة الخارجية النيجرية يرفضان التعاطي مع السفير سيلفان إيتيه الذي سحبت منه صفته الرسمية وكل ما يتصل بها من ميزات، وهو يعد حاليا مواطنا فرنسيا عاديا يتعين عليه الخروج من البلاد. ثم إن باريس ما زالت تعد محمد بازوم الرئيس الشرعي وترفض التعامل مع غيره، وترهن بقاء قواتها من عدمه بما يريده الأخير.

إلا أن اتصالات بين العسكريين من الجانبين حصلت بداية الشهر الحالي حول إمكانية خروج جزء من القوة الفرنسية المرابطة في النيجر، استتباعا لقيام المجلس العسكري بنقض جميع الاتفاقات الأمنية والدفاعية القائمة بين الطرفين. وأعطت نيامي مهلة شهر للقوة الفرنسية للرحيل. إلا أن الرئيس إيمانويل ماكرون أكد مؤخرا أن بلاده «لن تخضع» لطلب الانقلابيين، لأن بازوم لم يقدم استقالته وما زال الرئيس الشرعي من جهة، ولأنها لا تعترف بشرعية من تسلم السلطة عن طريق الانقلاب.

مأزق باريس

أصبح واضحا أن باريس موجودة في مأزق قد يطول. فهي من جهة لا تريد أن تخسر موطئ قدم في منطقة الساحل بعد أن اضطرت، بفعل الانقلابات العسكرية، للخروج من مالي ثم من بوركينا فاسو. وبالمقابل، سيكون من الصعب عليها المحافظة على مواقعها بسبب الرفض الرسمي لبقائها، وخصوصا بسبب العداء الشعبي الذي تؤججه الدعاية المعادية لها التي تغذيها الوسائل الإعلامية والجمعيات القريبة من روسيا. وباريس تعاني من العزلة الدبلوماسية والسياسية، فلا مواقفها المتشددة تلقى تأييدا داخل الاتحاد الأوروبي أو في الولايات المتحدة، ولا يمكنها المراهنة على التدخل العسكري لقوة من «إيكواس» بعد أن برز تراجع رغبة نيجيريا، البلد الأقوى والأكثر تأثيرا، في استمرار السير بالحل العسكري. وسبق للرئيس بولا تيبونو أن اقترح مرحلة انتقالية من تسعة أشهر مطورا بذلك مقترحا تقدمت به الجزائر التي تعارض بقوة الخيار العسكري وتعده مصدر تهديد لها ولكل المنطقة.

أنصار المجلس العسكري يتظاهرون خارج مقر القاعدة العسكرية الفرنسية بنيامي في 2 سبتمبر (أ.ف.ب)

من هنا، قد يكون الإفراج عن المواطن الفرنسي خطوة صغيرة يعود من خلالها التواصل السياسي والدبلوماسي بين الدولة المستعمرة «فرنسا» والمستعمرة سابقا «النيجر»، بحثا عن ترتيبات تحفظ ماء الوجه للأولى في إطار حل ثنائي أو أفريقي، مقابل ضمانات من السلطة العسكرية النيجرية بتسليم مقاليد السلطة للمدنيين بعد فترة انتقالية تقصر أو تطول، على غرار ما حصل سابقا مع الانقلابيين في مالي وبوركينا فاسو أو منذ أيام مع انقلابيي الغابون.

ولعل إحدى علامات «التطبيع» في التعامل مع النظام الجديد في نيامي أن الجيش الأميركي الذي يملك ثلاث قواعد عسكرية في النيجر، أبرزها قرب مدينة أغاديز «وسط البلاد»، استأنف تحليق طائراته المسيرة المسخرة لمراقبة التنظيمات الإرهابية وملاحقتها بعد توقف مؤقت بدأ مباشرة عقب الانقلاب. ومصدر الخبر الذي عمم الأربعاء الجنرال جيمس هيكر القائد الأعلى للقوات الجوية الأميركية في أوروبا وأفريقيا. وتدافع واشنطن عن الحل السياسي - الدبلوماسي الذي تعده الوحيد الممكن بخلاف باريس التي تتهم مصادرها الطرف الأميركي بالتخلي عن مساندة فرنسا وانعدام التضامن معها.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.