الرئيس الفرنسي يدافع عن سياسة بلاده في منطقة الساحل

التزم خطاً متشدداً حيال النيجر وأكد أن لا تجاوب مع «سلطة انقلابية غير شرعية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث أمام سفراء بلاده في قصر الإليزيه اليوم الاثنين (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث أمام سفراء بلاده في قصر الإليزيه اليوم الاثنين (رويترز)
TT

الرئيس الفرنسي يدافع عن سياسة بلاده في منطقة الساحل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث أمام سفراء بلاده في قصر الإليزيه اليوم الاثنين (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث أمام سفراء بلاده في قصر الإليزيه اليوم الاثنين (رويترز)

خلال خطابه الذي استغرق قرابة ساعتين، بمناسبة افتتاح المؤتمر السنوي لسفراء فرنسا عبر العالم، لم تظهر معالم الغضب على الرئيس إيمانويل ماكرون إلا عندما تناول ملف النيجر. عندها ترك النص المكتوب واسترسل في شرح سياسة بلاده، ليؤكد صواب الأسس التي قامت عليها وصواب الاستمرار بها، وللرد على كل الانتقادات التي وجهت لها، بما في ذلك من داخل فرنسا.

وفيما تزداد التوترات بين باريس ونيامي؛ إن بسبب سحب اعتماد السفير الفرنسي وطلب مغادرته في مهلة لا تزيد على 48 ساعة انتهت أمس الأحد، أو بسبب قرب انتهاء المهلة المعطاة لباريس (3 سبتمبر / أيلول) لسحب قوتها العسكرية المرابطة في النيجر، بعد أن عمدت سلطة الأمر الواقع الجديدة إلى نقض الاتفاقات الأمنية والدفاعية المبرمة مع فرنسا، جاء كلام ماكرون حازماً وحاسماً لجهة التشدد في التعامل مع المجلس العسكري، وتأكيد أن باريس لن تعترف بشرعيته وأنها ترفض كل طلباته.

ولم يتردد ماكرون في انتقاد الدول التي تدعو إلى التهدئة واتباع خط آخر إزاء الانقلابيين، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تدعو إلى حل سياسي ترى فيه الطريق الوحيدة للتعامل مع أزمة النيجر والعودة إلى الانتظام الدستوري. والرسالة التي أراد ماكرون إيصالها إلى من يهمهم الأمر في فرنسا والنيجر، والآخرين، يمكن تلخيصها في 3 عناصر: لا لاستدعاء السفير الفرنسي تحت الضغط، ولا للاعتراف بشرعية الانقلابيين وبكل ما يصدر عنهم، والاستمرار في دعم جهود «إيكواس» الدبلوماسية والعمل العسكري عندما تقرره وعلى أساس «تشاركي».

وبكلام أوضح في ما خص العنصر الأخير، يُفهم من كلام ماكرون أن باريس جاهزة لدعم التدخل العسكري الذي تحضّر له «إيكواس»، إذا فشلت الجهود الدبلوماسية والسياسية، ولكن باريس لن تتدخل أحادياً بل على أساس «تشاركي»، أي إلى جانب القوات الأفريقية.

رجلا شرطة أمام السفارة الفرنسية في نيامي اليوم الاثنين (أ.ف.ب)

بيد أن دفاع ماكرون عن سياسة بلاده والرد على الانتقادات الموجهة إليها في الداخل والخارج، ودفاعه الأقوى تركز على الرئيس المخلوع محمد بازوم الذي كال له المديح والثناء. وقال: «بازوم رئيس انتخب ديمقراطياً وهو يتحدر من أقلية إثنية وعمد إلى القيام بإصلاحات شجاعة في كل الميادين وكان نشطاً في كل المحافل الدولية، وهو رهينة انقلابيين منذ شهر». وأضاف: «لدينا رجل عصامي وشجاع لأنه يرفض الاستقالة رغم المخاطر المحدقة به وبعائلته»، متسائلاً عما إذا كانت السياسة الجيدة هي التخلي عن رئيس مثله، ورد على التساؤل بتأكيد أن «سياستنا هي السياسة الصحيحة وهي مبنية على شجاعة الرئيس بازوم، وعلى التزامات سفيرنا الذي سيبقى هناك رغم كل الضغوط، ورغم كل التصريحات الصادرة عن سلطات غير شرعية».

ورداً على اتهامات وادعاءات الانقلابيين التي ترى في فرنسا «عدو النيجر»، أكد ماكرون أن مشكلة النيجر الحقيقية هي مشكلة «انقلابيين يعرّضون مواطنيهم للمخاطر لأنهم يتخلون عن محاربة الإرهاب، ولأنهم بصدد التخلي عن سياسة كانت جيدة بالنسبة إليهم على الصعيد الاقتصادي، ما سيفضي إلى خسارة كل مصادر التمويل الدولي التي كانت ستتيح لهم الخروج من حالة الفقر. هذه هي الحقيقة». وخلص ماكرون قائلاً: «علينا الاستمرار بخطنا المتشدد والواضح والرافض الاعتراف بالانقلابيين ودعم رئيس غير مستقيل والوقوف إلى جانبه ودعم الجهود الدبلوماسية ودعم العمل العسكري للمجموعة الاقتصادية عندما تقرر السير به وذلك في إطار تشاركي».

مؤيدون للانقلاب العسكري يرفعون صورة زعيم الانقلابيين الجنرال عبد الرحمن تياني خلال احتجاج أمام قواعد عسكرية فرنسية في نيامي يوم الأحد (أ.ف.ب)

وفي دفاعه عن سياسة بلاده، تساءل ماكرون عما كانت ستؤول إليه صورة منطقة الساحل لو لم تتدخل القوات الفرنسية منذ عام 2013 في مالي، من خلال ما سمي «عملية سيرفال» التي تحوّل اسمها لاحقاً إلى «عملية برخان». وقال الرئيس الفرنسي: «لو لم نتدخل ولو لم نفقد عسكريينا في ساحة القتال بأفريقيا، لو لم تحصل سيرفال وبرخان، لما كنا اليوم نتحدث عن مالي وبوركينا فاسو والنيجر كدول قائمة في حدودها الراهنة».

وحرص على الإشارة إلى أن كل العمليات العسكرية التي قامت بها فرنسا قامت على أساس «شرعي»، إذ جاءت بناء على طلب رسمي من الدول المعنية ذات السيادة أو بطلب من «إيكواس».

ونبه الرئيس الفرنسي دول المنطقة ودعاها إلى اعتماد سياسة «مسؤولة» (أي متشددة)، مؤكداً أنه «إذا تخلت (إيكواس) عن الرئيس بازوم فهذا معناه أن كل رؤساء دول المنطقة سيعون عندها المصير الذي ينتظرهم، لأن الضعف الذي أظهرناه إزاء الانقلابات السابقة غذّى عدوى الانقلابات في منطقة الساحل»، في إشارة إلى 3 انقلابات عسكرية حصلت في غينيا ومالي وبوركينا فاسو، وما زال من قام بها في السلطة.

وحقيقة الأمر أن القارة الأفريقية تحولت إلى «قارة الانقلابات»، إذ إنها عرفت، منذ عام 1950، ما لا يقل عن 108 انقلابات؛ منها 8 في النيجر وحدها، نجح منها 5 وفشل 3. وبدا أن ماكرون يريد تنبيه القادة الأفارقة بدءاً من منطقة الساحل، إلى خطورة غض النظر عن الانقلاب الأخير في نيامي بعدما بدأ القائمون به في تثبيت أقدامهم بالسلطة، وقاموا بتعيين حكومة مدنية برئاسة شخصية تتمتع بالخبرة والاحترام، وأخذوا يتحدثون على استعدادهم لإعادة السلطة إلى المدنيين بعد 3 سنوات. يأتي ذلك في وقت تزداد فيه الأصوات التي ترفض الحل العسكري، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فيما الاتحاد الأفريقي منقسم على نفسه، وكذلك المجوعة الاقتصادية، فضلاً عن روسيا والصين وألمانيا وإيطاليا والجزائر وبلدان كثيرة أخرى.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال إلقاء كلمته في قصر الإليزيه اليوم الاثنين (رويترز)

ورغم تمسكه بسياسة فرنسا وبصواب الأسس التي قامت عليها حتى اليوم، فإن ماكرون يرى أنه يتعين عليها أن تتعدل وتتغير. وفيما يشبه الاعتراف بأخطاء حصلت، رأى أن أي عملية عسكرية لمحاربة الإرهاب «لا يتعين أن تستمر طويلاً»، وذلك لعدة أسباب؛ أولها أن «الحضور العسكري الدائم يستغل من قبل أعدائنا في حربهم الإعلامية ضدنا. وثانيها أن طبيعة الأزمة تتغير. وثالثها أن الرد الأساسي على الأزمات يجب أن يكون سياسياً، إذ إن الرد العسكري لا يمكن أن يكون بديلاً عن الحل السياسي، وهذا من واجب الدول نفسها، وفرنسا لا يمكنها أن تحل محل الدول الأفريقية». وخلاصة المراجعة الرئاسية أن حضور فرنسا العسكري (في المستقبل)، يجب أن يكون على أساس «شراكة مطلوبة من الأفارقة أنفسهم» بخصوص كل ميادين التعاون من التدريب والتجهيز والحضور.

وفي أي حال، فإن الخطوة الأولى بالنسبة للرئيس الفرنسي تكمن في التخلي عن التعامل «الأبوي» مع الأفارقة، بل التعامل على قدم المساواة. لكن أمراً كهذا يصعب التوصل إليه بعد ممارسات زادت على 60 عاماً (مرحلة ما بعد استقلال الدول الأفريقية التي كانت سابقاً مستعمرات فرنسية).

وإذا كان خطاب ماكرون واضحاً في تشدده، فإنه يتعين على الحكومة الفرنسية، تحت إشرافه، اتخاذ قرارات قد تكون صعبة في الساعات والأيام القليلة المقبلة إذا زادت الأوضاع سوءاً في العلاقة ما بين باريس ونيامي. وواضح اليوم أن مسألتي طرد السفير سيلفان أيتيه وترحيل القوة الفرنسية ستتفاقمان نظراً للتهييج الدعائي والشعبي من جهة، والرفض الفرنسي القطعي في الاستجابة لطلبات من سلطات غير شرعية من جهة أخرى. ولا شيء يضمن اليوم عدم حصول أحداث دامية قرب السفارة الفرنسية أو في موقع تمركز القوة الفرنسية بالشق العسكري من مطار العاصمة، وعندها يمكن أن تخرج الأمور عن السيطرة بينما كان التسابق قائماً بين الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها عدة أطراف، واحتمال اللجوء إلى الخيار العسكري. ويرى بعض المحللين أنه يمكن المراهنة على انشقاقات داخل صفوف الجيش النيجري في حال حصول تدخل عسكري، خصوصاً أن الجيش لم يكن المحفز على الانقلاب، بل التحق بالانقلابيين من أجل «تجنب حرب أهلية».


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) play-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
TT

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)

نفت الشرطة والسلطات المحلية في ولاية كادونا، شمال نيجيريا، الأنباء المتداولة حول اختطاف 163 مسيحياً في هجوم على كنائس بقرى نائية، وهو ما أكدته مصادر محلية، وجاء في تقرير أمني صادر عن الأمم المتحدة قالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إنها اطلعت عليه. وقال مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، إن البلاغات التي تحدثت عن اختطاف مصلّين مسيحيين أثناء قداس في كاجورو: «محض أكاذيب صادرة عن مروجي الشائعات الذين يسعون لإشاعة الفوضى».

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

رواية محلية

نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة، أن عصابات مسلحة هاجمت الأحد الماضي، كنيستين، واختطفت أكثر من 160 مصلّياً في قرية نائية بولاية كادونا. وقال رئيس جمعية المسيحيين في ولايات شمال نيجيريا الـ19 وإقليم العاصمة الفيدرالية، القس جون جوزيف هاياب، إن مجموعة من «الإرهابيين» اختطفت 163 مصلّياً في كورمين والي، بمنطقة الحكم المحلي كاجورو في ولاية كادونا.

وقال هاياب في تصريحات صحافية، الأحد، إنه تلقّى اتصالاً من رئيس جمعية المسيحيين في المنطقة المتضررة، أفاد فيه بأن مصلّين اختُطفوا أثناء قدّاس الأحد، وبحسب رواية القس هاياب، فقد «اقتحم المهاجمون الكنائس أثناء الصلوات، وأغلقوا الأبواب، وأجبروا المصلّين على التوجه نحو الأدغال».

وأشار القس إلى أن «8 من المختطفين تمكنوا لاحقاً من الفرار، غير أن 163 مصلّياً ظلّوا، حتى يوم الاثنين، في قبضة الخاطفين»، وختم بالقول: «لقد جرت بالفعل تعبئة القوات الأمنية. ونحن نثمّن جهودها ونشجعها على بذل كل ما في وسعها لإنقاذ إخوتنا وأخواتنا سالمين وفي أسرع وقت ممكن».

شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نفي رسمي

الرواية الصادرة عن السكان المحليين نفتها مصادر أمنية ورسمية، حيث وقف مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، أمام الصحافيين عقب اجتماع لمجلس أمن الولاية عُقد الاثنين، وتحدّى أيّ شخص أن يقدّم قائمة بأسماء الضحايا المزعومين.

وحذر مفوض الشرطة مروجي الشائعات من الاستمرار في محاولة ما سماه «زعزعة السلم» في كادونا، ملوّحاً بتطبيق أقصى العقوبات القانونية بحق «تجّار الأكاذيب».

من جهته، قال رئيس الحكومة المحلية في كاجورو، داودا ماداكي، إنه حين سمع خبر الهجوم «عبّأ الشرطة وسائر قوات الأمن، وتوجّه إلى المنطقة المعنية، ليتبيّن لاحقاً أنه لم يقع أي هجوم»، واصفاً ما تم تداوله بأنه «شائعة».

عناصر من الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال: «توجّهنا إلى الكنيسة التي قيل إن الاختطاف المزعوم وقع فيها، ولم نجد أي دليل على وقوع أي هجوم. واستجوبتُ زعيم القرية، ماي دان زاريا، فأكد أنه لم يحدث أي هجوم من هذا النوع».

وأضاف: «كما اتصلتُ بمسؤول الشباب في المنطقة، برنارد بونا، الذي كان قد أدلى بتصريحات للصحافيين المرافقين لي، فأكد بدوره أن شيئاً من ذلك لم يحدث»، وخلص رئيس الحكومة المحلية إلى القول: «لذلك أتحدى أيّ شخص أن يسمّي الأشخاص الذين قيل إنهم اختُطفوا. وأنا أنتظر هذه القائمة منذ وقت طويل ولم يتقدّم بها أحد حتى الآن».

من جانبه، قال مفوض الأمن وشؤون الداخلية، سلي شعيبو، إن رئيس جمعية المسيحيين في نيجيريا وعدداً من القادة الدينيين الآخرين، تواصلوا مع سكان المنطقة التي قيل إن الاختطاف وقع فيها، وأوضح أن هؤلاء القادة «خلصوا إلى أن ما جرى تداوله علناً غير صحيح تماماً».

وأمام النفي الرسمي للاختطاف، قال الزعيم التقليدي إتيشاكّو دانعزومي، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوحيدين الذين ينكرون اختطاف أهلنا هم السياسيون»، وأضاف: «لدينا الآن 166 شخصاً في قبضة الخاطفين»، معرباً عن أسفه لأن قريته تعيش تحت تهديد المسلحين.

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وتابع: «هذا أثّر في أنشطتنا الزراعية، إذ ننتج غذاءً أقل مما كنا عليه سابقاً. (...) لم نكن نشكو للسلطات من عمليات الاختطاف في منطقتنا، لأننا كنا نُسهم في دفع فِدى تحرير المخطوفين. أحياناً كان يُختطف ما يصل إلى 20 شخصاً، ولم نكن نشتكي، بل كنا نتعامل مع الأمر بأنفسنا». وختم دانعزومي: «هذه المرة لجأنا إلى السلطات، لأن عدد المختطفين تجاوز قدرتنا على التعامل مع الوضع»، وفق تعبيره.

تجارة رائجة

تشهد ولايات شمال غربي نيجيريا، ومن بينها كادونا، تصاعداً في هجمات تشنها جماعات مسلحة تتمركز في جيوب نائية، وتستهدف قرى ومدارس ودور عبادة بعمليات خطف جماعي مقابل طلبات فدية.

ورغم أن دفع الفِدى محظور قانوناً، فإن الاختطاف أصبح «تجارة منظّمة ومربحة» درّت نحو 1.66 مليون دولار بين يوليو (تموز) 2024، ويونيو (حزيران) 2025، وفق تقرير لشركة «SBM إنتليجنس» الاستشارية ومقرها لاغوس، العاصمة الاقتصادية لنيجيريا.

وهزّت موجة جديدة من الاختطافات البلاد بعمق، بما في ذلك اختطاف أكثر من 300 تلميذ ومعلم من مدرسة كاثوليكية بوسط البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أُفرج عنهم لاحقاً، وذلك في بلد منقسم تقريباً بالتساوي بين شمال ذي غالبية مسلمة وجنوب ذي غالبية مسيحية.

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

ورداً على ذلك، أعلن الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، أواخر نوفمبر الماضي، حالة طوارئ وطنية، وأطلق عملية تجنيد واسعة في صفوف الشرطة لمواجهة انعدام الأمن الذي ينهش البلاد، وقد دفعت هذه الأوضاع الحكومة الأميركية إلى تنفيذ ضربات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جماعات مسلحة نيجيرية باضطهاد المسيحيين، واعتبر أنهم ضحايا «إبادة جماعية».

غير أن الحكومة النيجيرية ومحللين مستقلين يرفضون توصيف ما يجري بأنه اضطهاد ديني، وهو طرح طالما تبناه تيار اليمين المسيحي في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك انفصاليون نيجيريون لا يزال لهم قدر من النفوذ في واشنطن.


خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».


شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً مع حكومة كينشاسا، بعد عام لم تفلح خلاله اتفاقات التهدئة المبرمة في الدوحة وواشنطن من منع عودة نيران المواجهات.

فرغم ذلك الانسحاب، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمنع الشكوك حول التزام حركة التمرد بمسار السلام، خاصة أنها لا تزال تسيطر على مدينتين منذ 2025، ولم تنخرط بجدية في تنفيذ اتفاقات التهدئة التي شهدها العام الماضي».

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، تصاعدت حدتها بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «إم 23»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته، بعد فترة وجيزة من إبرام الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

انسحاب

وبعد نحو شهر، دخل مسلّحون موالون للحكومة مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية بعد انسحاب قوّات «إم 23»، بعد يومين من إعلان الحركة المتمردة سحب آخر قواتها لتصبح المدينة «تحت مسؤولية المجتمع الدولي بالكامل»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر محلية، الأحد، دون أن توضح سبب الانسحاب.

غير أن الحركة بقيت متمركزة في مرتفعات أوفيرا «لتوجيه أسلحتهم على المدينة، فضلاً عن البلدات المحيطة بها»، حسب الوكالة.

ويرى المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه «تتزايد الشكوك حول التزام الحركة بمسار السلام؛ لأن انسحابها من مدينة أوفيرا ينظر إليه على أنه خطوة تكتيكية أكثر منه تحولاً حقيقياً نحو التهدئة، خاصة مع استمرار سيطرتها على مدينتين أخريين، واحتفاظها بنفوذ عسكري في محيط المناطق التي أعلنت الانسحاب منها».

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف الثقة في نوايا الحركة، ويعزز الاعتقاد بأنها تستخدم الانسحابات الجزئية لتحسين موقعها التفاوضي، أو إعادة تنظيم صفوفها بدلاً من الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وفق تقدير عيسى.

ونبّه عسى إلى أن تكرار الخروقات الأمنية، وغياب آليات تحقق مستقلة، واستمرار الاتهامات بوجود دعم خارجي، كلها عوامل تجعل مسار السلام هشاً، وتدفع الأطراف المحلية والدولية إلى التشكيك في جدية الحركة، وقدرتها أو رغبتها في الالتزام بتسوية سلمية دائمة.

وجاءت تلك المتغيرات في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «إم 23» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولا تلوح في الأفق مساعٍ جديدة لإحياء مسار السلام؛ لذا يجب الحذر المشوب بالأمل أكثر من التفاؤل الكامل، وفق ما يرى المحلل التشادي، موضحاً أن انسحاب الحركة من أوفيرا، رغم محدوديته، قد يفتح نافذة صغيرة لإعادة تنشيط محادثات السلام؛ لأنه يوفر إشارة سياسية يمكن للوسطاء البناء عليها، ويخفف مؤقتاً من الضغط العسكري. لكن في المقابل، استمرار سيطرة الحركة على مدينتين أخريين، وغموض نواياها الميدانية، وغياب ضمانات واضحة للتنفيذ، يجعل الجمود مرشحاً للاستمرار ما لم تترجم الإشارات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتحقق، حسب عيسى.

والواقع يشير إلى أن أي مرحلة جديدة من محادثات السلام ستظل هشة، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حل لها، إلى أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية وفق عيسى، تتمثل في التزام ميداني واضح بوقف القتال، وضغط إقليمي ودولي فعال ومتوازن على جميع الأطراف، وآلية رقابة تضمن أن الانسحابات ليست مؤقتة أو شكلية.

ودون ذلك، سيبقى الجمود قائماً، لا كفشل كامل لمسار السلام، وإنما تعليق مؤقت له بانتظار تغيير حقيقي في ميزان الإرادة السياسية على الأرض، وفق تقدير عيسى.