العملية العسكرية في النيجر «مؤجلة» بانتظار استنفاد المساعي الدبلوماسية

تقرير فرنسي: أنصار الرئيس بازوم طلبوا تدخل باريس لإعادته إلى السلطة

مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)
مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)
TT

العملية العسكرية في النيجر «مؤجلة» بانتظار استنفاد المساعي الدبلوماسية

مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)
مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)

يبدو الوضع في النيجر رهينة السباق بين المساعي السلمية من جهة، والتوجه إلى التصعيد العسكري من جهة أخرى، بانتظار معرفة نتائج زيارة البعثة الدبلوماسية التي أرسلتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) للتفاوض مع المجلس العسكري من أجل استعادة الانتظام الدستوري، والنتائج التي يمكن أن تفضي إليها جهود مبعوث الأمم المتحدة إلى غرب أفريقيا، ليوناردو دوس سانتوس سيماو، الذي التقى علي الأمين زين، رئيس الحكومة النيجري المعين (الجمعة).

وبمواجهة القرارات التي أفضت إليها اجتماعات أكرا، عاصمة غانا، طيلة يومين لقادة جيوش 11 دولة من المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا، من أصل 15 دولة عضو، التي بيّنت أن «إيكواس» تتحضر حقيقة للتدخل العسكري حال صدور الأوامر إليها من قادة المجموعة، فإن جبهة انقلابية مواجهة آخذة عملياً بالنشوء. ووفق ما أذاعه التلفزيون الرسمي النيجري (صباح السبت)، فإن اجتماعاً لقادة عسكريين لم يحدد رتبهم أو وظائفهم من النيجر ومالي وبوركينا فاسو عُقد في نيامي من أجل بلورة «استراتيجية دفاعية مشتركة» لمواجهة «إيكواس» في حال اختارت «تصعيد الحرب».

الملاذ الأخير

لا يُمثّل اجتماع نيامي مفاجأة، إذ إن باماكو وواغادوغو اللتين يحكمهما مجلسان عسكريان، كما الحال في النيجر منذ 26 يوليو (تموز) الماضي، سارعتا إلى الإعلان أن أي تدخل عسكري لمجموعة «إيكواس» سيعد بمثابة «إعلان حرب» عليهما، وبالتالي ستعمدان إلى الوقوف إلى جانب القوات النيجرية المسلحة.

وبحسب عبد الفتاح موسى، مفوض الشؤون السياسية والسلام والأمن في «إيكواس»، فإن أعضاء التكتل الذين حضروا اجتماعات أكرا كافة، مستعدون للمشاركة في العملية العسكرية، باستثناء الرأس الأخضر التي عارضتها. وفي أية حال، فإن «إيكواس» ما زالت تنظر إلى التدخل العسكري لإعادة الرئيس المخلوع محمد بازوم إلى السلطة على أنه «الملاذ الأخير».

وترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن التدخل المشار إليه، إن كان سيحصل، فإنه «لن يحل بين يوم وآخر، إذ يتعين التحضير له سياسياً وعسكرياً ولوجيستياً، ومعرفة الدول المستعدة للمشاركة فعلياً في عملية عسكرية معقدة، ونقل الوحدات العسكرية المشارِكة إلى قرب الحدود مع النيجر»، حيث إن نيجيريا وبينين هما الدولتان الوحيدتان، من بين الدول المستعدة للمشاركة، اللتان لديهما حدود مشتركة مع النيجر.

وتضيف هذه المصادر أنه يتعين مراقبة رد فعل الاتحاد الأفريقي الذي لم يعطِ الضوء الأخضر للتدخل العسكري. وفي الاجتماع الذي عقدته «لجنة الأمن والسلام» المنبثقة منه، برز انقسام واضح بين مَن يدعم العمل العسكري ومَن يعارضه، وكانت النتيجة أن أي بيان رسمي لم يصدر بنهاية اجتماع اللجنة الذي دام ما لا يقل عن 10 ساعات. وأشارت هذه المصادر إلى التناقض في كلام مفوض الشؤون السياسية والسلام والأمن، إذ إنّه يدعي، من جهة، أن القادة العسكريين «اتخذوا القرار بشأن اليوم المحدد للتدخل العسكري في النيجر» من غير الإعلان عنه، ومن جهة ثانية، يؤكد أن القوات المستعدة للانخراط في العملية العسكرية تنتظر الأوامر التي لم تصدر من قادة «إيكواس».

محاولة لتخفيف الضغوط

تريد «المجموعة الاقتصادية» تجنب «الانخراط في حوار لا نهاية له». إلا أنها في الوقت عينه لم تحدد مهلة زمنية أو تعطِ «إنذاراً» للانقلابيين للعودة إلى ثكناتهم بعد الإنذار الفاشل الذي وجهه القادة الأفارقة للمجلس العسكري، حيث أمهلوهم أسبوعاً واحداً، حتى نهاية الأول من أغسطس (آب)، قبل التدخل.

والحكمة في ذلك أن قادة «إيكواس» الراغبين في وضع حدّ لمسلسل الانقلابات العسكرية الذي ضرب 7 مرات بلدانهم خلال 3 سنوات فقط، يريدون المحافظة على هامش من المناورة، خصوصاً أن دولاً مؤثّرة جداً، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا والجزائر وتشاد وغيرها، تعارض بشدة اللجوء إلى القوة العسكرية وتريد استنفاد الوسائل الدبلوماسية قبل الوصل إلى «الملاذ الأخير».

ويسعى علي الأمين زين، رئيس الحكومة النيجري المعيّن الذي يتمتع بعلاقات واسعة باحترام داخلي وأفريقي ودولي نظراً للمناصب السابقة التي تبوأها، إلى التخفيف من الضغوط التي تتم ممارستها سياسياً واقتصادياً ومالياً وتجارياً على النيجر. ويتحرك الأخير على أكثر من مستوى، وأشار خلال الزيارة التي قام بها إلى نجامينا ولقائه الرئيس محمد إدريس ديبي إلى أن بلاده «تمر بمرحلة انتقالية»، أي سوف تعود لاحقاً إلى النظام الديمقراطي، ما يقوي التوجه إلى حل سلمي على مراحل. كذلك، ردّ رئيس الحكومة على المعلومات التي تتحدث عن تدهور صحة بازوم، مؤكداً أنه «لن يتعرض لسوء». وكانت ردة فعل أفريقية ودولية قد برزت في الأيام الأخيرة عقب شيوع معلومات تفيد بأن صحة بازوم «تدهورت» وأن ظروفه المعيشية قد تراجعت.

دور المبعوث الأممي

ثمة عامل إضافي برز في المعادلة الراهنة، وعنوانه الدور الذي يمكن أن يضطلع به المبعوث الأممي الذي التقى المجلس العسكري من أجل «مناقشة سبل عودة البلاد بأسرع ما يمكن إلى النظام الدستوري الطبيعي والقانوني أيضاً». وعبّر سيماو عن قناعته بأن أمراً مثل هذا «ممكن دائماً بالحوار». وحتى أيام قليلة، اكتفت الأمم المتحدة، على لسان أمينها العام أنطونيو غوتيريش، بالدعوة إلى العودة إلى الانتظام الدستوري والإعراب عن القلق على صحة بازوم. لذا، فإن مباشرة المبعوث الأممي وساطته من شأنها توفير مزيد من الوقت للجهود الدبلوماسية قبل رسو القرار على الخيار العسكري.

تصاعد العنف الإرهابي

ثمّة عامل مقلق عنوانه ازدياد الهجمات الإرهابية التي تضرب النيجر في الأسابيع الأخيرة، وأبرزها عمليتان؛ الأولى استهدفت قافلة عسكرية أوقعت 20 قتيلاً وعشرات الجرحى، والأخرى راح ضحيتها 28 مدنياً. وكلتا العمليتين حصلت فيما يسمى «المثلث الحدودي» بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، حيث تتركز بشكل خاص أنشطة تنظيمين إرهابيين هما «القاعدة» و«داعش».

ويعزى هذا التصعيد لتوقف التعاون بين الجيش النيجري والقوات الأجنبية الموجودة في النيجر، الفرنسية والأميركية والألمانية والإيطالية، ولقرار الانقلابيين سحب وحدات إلى العاصمة؛ لمواجهة تدخل عسكري محتمل من مجموعة «إيكواس». والتخوف الكبير مصدره احتمال أن تنجح التنظيمات الإرهابية في الاستفادة من الفراغ، وإقامة منطقة رمادية تمكّنها من التحرك بحرية وتوسيع أنشطتها.

تدخل فرنسي

أمس، كشفت صحيفة «لو موند» المستقلة في عددها الأخير معلومات جديدة، يفيد جانب منها، بأن عسكريين نيجيريين كانوا يحضّرون لعملية لتحرير بازوم. والجانب الآخر يفيد بأن شخصيات نيجرية رفيعة، من بينها وزير الخارجية حسومي مسعودو، ومسؤولون عسكريون كبار عقدوا سريعاً، بعد الانقلاب الذي حصل يوم 26 يوليو، لقاءات مع ضباط فرنسيين من القوة الفرنسية المرابطة في النيجر، التي يبلغ عددها 1500 رجل، وطلبوا منهم التدخل من أجل تحرير الرئيس المحتجز.

نيجريون يطالبون فرنسا بمغادرة بلادهم في مظاهرة بنيامي الأحد الماضي (أ.ب)

وأضافت الصحيفة أن الجانب الفرنسي أصرّ على الحصول على طلب مكتوب للتدخل. وتضيف معلومات الصحيفة أن طلباً رسمياً قُدم لفرنسا يجيز لها التدخل العسكري واستهداف القصر الرئاسي، حيث يُحتجز بازوم. كذلك تم تحرير نص آخر وقع نيابة عن رئيس أركان القوات المسلحة. وكشفت مصادر الصحيفة أن قوة فرنسية وصلت إلى موقع الاجتماع، وأن طوافات عدة كانت جاهزة للتدخل. وأكد العسكريون الفرنسيون أنهم «قادرون» على القيام بالعملية دون إلحاق الأذى بالرئيس المحتجز. إلا أن العملية لم تحصل لسببين: الأول أن بازوم نفسه رفضها. والثاني، التغير الذي حصل سريعاً في نيامي عندما التحقت القوات المسلحة بالانقلابيين واشتراط باريس أن تكون مهمة قوتها دعم ومساعدة قوة نيجرية وليس الانفراد بها. والخلاصة أن العملية لم تحصل، وأن نحو الشهر قد مضى على الانقلاب، وأن الانقلابيين ما زالوا يسيطرون على الوضع.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الصحة العالمية»: تفشي «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية هو الأسرع على الإطلاق

المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس خلال إحاطة صحافية في جنيف (أ.ب)
المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس خلال إحاطة صحافية في جنيف (أ.ب)
TT

«الصحة العالمية»: تفشي «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية هو الأسرع على الإطلاق

المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس خلال إحاطة صحافية في جنيف (أ.ب)
المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس خلال إحاطة صحافية في جنيف (أ.ب)

حذّرت منظمة الصحة العالمية، الخميس، من أن فيروس إيبولا ينتشر في جمهورية الكونغو الديمقراطية بوتيرة أسرع من أي تفش سابق للمرض الفتاك.

وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، لصحافيين، إن أكثر من ألفي إصابة، بينها 796 وفاة، تأكدت في البلاد منذ إعلان التفشي قبل شهرين، ما يجعله «ثالث أكبر تفش لإيبولا مسجّل حتى الآن».

وأشار إلى أن التفشي الكبير الذي شهدته جمهورية الكونغو الديمقراطية بين عامي 2018 و2020 استغرق أكثر من عشرة أشهر لبلوغ ألفي إصابة مؤكدة، محذراً من أن الفيروس ينتشر حالياً بسرعة غير مسبوقة.

وقال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «خلال الشهر الماضي، اتسع نطاق التفشي بوتيرة أسرع من أي تفش سابق».

وأُعلن التفشي السابع عشر لإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية في 15 مايو (أيار)، بعد تسجيل وفيات عدة في إيتوري، المقاطعة الغنية بالمعادن في شمال شرقي البلاد والتي تنشط فيها جماعات مسلحة.

وسُجلت إصابات بالفيروس الذي ينتقل عبر المخالطة الوثيقة وسوائل الجسم الملوثة، في خمس مقاطعات كونغولية، إضافة إلى أوغندا المجاورة.

وينجم التفشي الحالي عن نوع «بونديبوغيو» النادر من فيروس إيبولا، الذي لا يتوافر له لقاح أو علاج معتمد.

ورغم تكثيف الاستجابة للتفشي، حذّر تيدروس من أن «أكثر من 80 في المائة من الإصابات الجديدة تُكتشف لدى أشخاص غير مدرجين في قوائم المخالطين المعروفين، ما يدل على أن بعض سلاسل انتقال العدوى لا تزال غير مرصودة».

وأضاف أن «نحو ثلثي الوفيات تحدث داخل المجتمعات المحلية بين أشخاص لم يتلقوا أي رعاية في منشأة صحية».

وقال تيدروس إن أحد أبرز دواعي القلق يتمثل في «البيئة المعقدة التي يحدث فيها التفشي»، في ظل نزاع مسلح مستمر. وأشار إلى أن مركزاً للعلاج في بونيا، عاصمة إيتوري، «تعرض لهجوم»، الأربعاء.


«إيبولا» يتمدّد بوتيرة غير مسبوقة وسط قلق من تعذّر تتبّع سلاسل انتقاله

تدريبات طبية على مكافحة فيروس «إيبولا» في كينيا 10 يوليو (أ.ف.ب)
تدريبات طبية على مكافحة فيروس «إيبولا» في كينيا 10 يوليو (أ.ف.ب)
TT

«إيبولا» يتمدّد بوتيرة غير مسبوقة وسط قلق من تعذّر تتبّع سلاسل انتقاله

تدريبات طبية على مكافحة فيروس «إيبولا» في كينيا 10 يوليو (أ.ف.ب)
تدريبات طبية على مكافحة فيروس «إيبولا» في كينيا 10 يوليو (أ.ف.ب)

تجاوز عدد الإصابات المؤكدة بفيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية ألفي حالة، بينها 754 وفاة، منذ إعلان تفشّي الوباء في مايو (أيار) الماضي، في حين حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود» من أن المرض ينتشر «بوتيرة غير مسبوقة» وفي مناطق جديدة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المنظمة، الأربعاء، إن عدد الإصابات المؤكدة تضاعف ثلاث مرات في أقل من خمسة أسابيع، في حين ارتفع عدد الوفيات بأكثر من خمسة أضعاف، داعية إلى «تعزيز عاجل للاستجابة الطبية».

وأضافت أن التفشّي الحالي تجاوز بالفعل نصف إجمالي عدد الحالات التي سُجّلت خلال وباء «إيبولا» الذي شهدته الكونغو بين عامي 2018 و2020، رغم أن ذلك التفشّي استمر نحو عامين. ويُعدّ التفشّي الحالي في شرق الكونغو الأسرع نمواً في تاريخ أوبئة «إيبولا»، في حين تظهر تحديات جديدة بالتزامن مع بدء دراسات سريرية لعلاجات وإجراءات وقائية تشتد الحاجة إليها لمواجهة سلالة نادرة من الفيروس لا يتوافر لها حالياً لقاح أو علاج معتمد.

عاملون صحيون أضربوا عن العمل في مستشفى بونيا في الكونغو 15 يوليو (أ.ب)

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الحجم الفعلي للتفشّي الناجم عن فيروس «بونديبوغيو» قد يكون أكبر بما يتراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف من الأرقام الرسمية المعلنة. وتأكد ظهور الإصابات في خمس مقاطعات كونغولية، إضافة إلى أوغندا المجاورة، لكن أكثر من 90 في المائة من الحالات لا تزال تُسجَّل في مقاطعة إيتوري، بؤرة التفشّي في شمال شرق البلاد. ويُشتبه أيضاً في وصول الفيروس إلى مناطق إضافية، بينها محيط كيسانغاني، إحدى كبرى مدن الكونغو، في حين يكافح العاملون في الاستجابة لتحديد النطاق الحقيقي لانتشاره.

وقال مدير عمليات الطوارئ في منظمة الصحة العالمية، شيكوي إيخيخوازو، الثلاثاء، إن 80 في المائة من الإصابات الجديدة لم تكن مدرجة على قوائم المخالطين المعروفين، وإنها ظهرت ضمن «سلاسل انتقال مجهولة». وأعرب عن قلقه من أن عدداً كبيراً من الإصابات الجديدة اكتُشف لدى أشخاص توفوا قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى منشأة صحية، واصفاً التفشّي بأنه الأسرع انتشاراً خلال شهر واحد من بين جميع أوبئة «إيبولا» التي تعاملت معها المنظمة. ولا يزال منشأ التفشّي غير معروف.

سلالة نادرة بلا لقاح معتمد

يتسبب في التفشّي الحالي بأفريقيا فيروس «بونديبوغيو»، وهو نوع نادر من فيروسات «إيبولا» لا تتوافر لمواجهته حالياً لقاحات أو علاجات معتمدة.

مركز لعلاج مرضى فيروس «إيبولا» في الكونغو كما بدا 13 يوليو (إ.ب.أ)

ويُعدّ «إيبولا» مرضاً شديد العدوى، ويمكن أن ينتقل إلى البشر من الحيوانات البرية، ثم ينتشر بين السكان عبر الاتصال المباشر بسوائل الجسم، مثل الدم والقيء، أو عبر الأسطح والمواد الملوثة، مثل أغطية الأسرّة والملابس.

والمرض نادر، لكنه شديد الخطورة وغالباً ما يكون مميتاً. وتشمل أعراضه الحمى والقيء والإسهال وآلام العضلات، وفي بعض الحالات النزيف الداخلي والخارجي. وغالباً ما يبدأ التفشي في قرى نائية بوسط أفريقيا بالقرب من الغابات المطيرة.

وفرضت السلطات قيوداً على مراسم الجنازات التي يقوم خلالها أقارب المتوفين بغسل الجثمان وإعداده للدفن؛ ما أثار غضب بعض السكان وزاد صعوبة تطبيق إجراءات الوقاية.

منطقة مضطربة

أُعلن تفشّي الوباء رسمياً في 15 مايو (أيار)، بعد تسجيل وفيات عدة في مقاطعة إيتوري الغنية بالمعادن، حيث تنشط جماعات مسلحة ترتكب بانتظام هجمات ومجازر بحق السكان. وعاين صحافيو وكالة «أسوشييتد برس» آثار هجمات استهدفت مراكز صحية.

وينظر بعض السكان إلى العاملين القادمين من خارج المنطقة بعين الريبة، في حين تواجه فرق التوعية المجتمعية إساءات واتهامات بأن التفشّي مجرد خدعة، وأن الفيروس غير موجود.

أحد العاملين بالمجال الصحي يتابع مراسم دفن شخص تُوفي بعد إصابته بفيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويتركز جزء من التفشّي في مدينة غوما، وهي مدينة كبرى ومركز للعمليات الإنسانية، سيطر عليها قبل أكثر من عام متمردون تدعمهم رواندا المجاورة؛ ما يزيد تعقيد جهود الاستجابة.

وتواجه جهود السيطرة على الوباء تحدياً إضافياً بعد إضرابات نفّذها عاملون لم يتقاضوا أجورهم في مركزين صحيين يقعان في قلب منطقة التفشّي.

وقد تشعل هذه التحركات احتجاجات مماثلة في إقليم ناءٍ يعاني أصلاً ضعفاً شديداً في البنية التحتية ونقص الكوادر والمعدات الطبية، فضلاً عن تهديدات الجماعات المسلحة وانتشار المعلومات المضللة.

وأغلق موظفون، الاثنين، مركزاً للعلاج في مقاطعة إيتوري ومنعوا الدخول إليه. وشمل المضربون علماء أوبئة ومحققين في الإصابات وسائقين وحفّاري قبور.

ووافق العاملون لاحقاً على استئناف مهامهم، شرط أن تدفع لهم الحكومة مستحقاتهم خلال 72 ساعة.

وبدأ إضراب آخر، الأربعاء، في مستشفى بونيا العام، حيث أقام العاملون حواجز عند المدخل. ومن شأن اتساع الإضرابات لتشمل مزيداً من المنشآت الصحية المنهكة وغير المجهزة أن يوجه ضربة خطيرة إلى جهود احتواء الفيروس. وقال مسؤولون كونغوليون إنهم يجرون محادثات للتوصل إلى حل.

تجارب علاجية ووقائية

تأتي الإضرابات في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع بدء تجارب سريرية لتقييم علاج قد يساعد في مواجهة سلالة «بونديبوغيو».

وبدأ باحثون في وقت سابق من الشهر الحالي دراسة علاجين محتملين للمرض، وشرعوا في تسجيل المشاركين فيها. العلاج الأول هو «ريمديسيفير» الذي تنتجه شركة «غيلياد ساينسز»، وهو مضاد فيروسات واسع المفعول معتمد لعلاج مرض «كوفيد -19»، وأظهرت اختبارات مخبرية مؤشرات أولية إلى احتمال فاعليته ضد فيروس «بونديبوغيو».

أما العلاج الآخر، فهو عقار «MBP134» التجريبي الذي تطوره شركة «ماب بيوفارماسيوتيكال»، ويتكون من أجسام مضادة صُممت لاستهداف أنواع عدة من فيروسات «إيبولا»، بينها «بونديبوغيو»، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وقالت منظمة الصحة العالمية إنه سيجري توزيع المرضى عشوائياً لتلقي أفضل معايير الرعاية المتاحة، إلى جانب استخدام «ريمديسيفير» أو «MBP134»، أو العلاجين معاً، أو من دون أي منهما. وحذّرت المنظمة من أن تحديد فاعلية العلاجين قد يستغرق أشهراً، وربما يتطلب مشاركة ما يصل إلى ألف شخص.

وتُجرى الدراسة حالياً في مركز واحد لعلاج «إيبولا» في مقاطعة إيتوري، وهو ليس المركز الذي شهد الإضراب. ويعتزم المسؤولون توسيعها لتشمل مواقع أخرى متى أصبحت الظروف الأمنية والصحية ملائمة.

وفي مسار بحثي موازٍ، أعلنت منظمة الصحة العالمية بدء تجربة سريرية، الثلاثاء، تحمل اسم «EBO-PEP»، لتقييم فاعلية الوقاية الدوائية بعد التعرّض للفيروس باستخدام مضاد الفيروسات التجريبي «أوبيلديسيفير». وتشمل الدراسة أشخاصاً خالطوا حالات مؤكدة من الإصابة بفيروس «بونديبوغيو»، ويُعطى الدواء لهم عن طريق الفم في محاولة لمنع تطور العدوى بعد التعرض للفيروس.

وطورت شركة «غيلياد ساينسز» الأميركية العقار التجريبي، الذي أظهر فاعلية في دراسات ما قبل التجارب السريرية ضد فيروسات تنتمي إلى عائلة «الفيلوفيروس»، المسببة للحمّى النزفية.

لكن منظمة الصحة العالمية شددت على أن نتائج هذه التجارب لن تكون فورية، في وقت يواصل فيه الفيروس الانتشار بسرعة تفوق قدرة فرق الاستجابة على تحديد المخالطين وعزل المصابين وقطع سلاسل انتقال العدوى.


«أطباء بلا حدود» تدعو لتوسيع نطاق الاستجابة لـ«إيبولا»

مركز لعلاج مرضى فيروس «إيبولا» في الكونغو (إ.ب.أ)
مركز لعلاج مرضى فيروس «إيبولا» في الكونغو (إ.ب.أ)
TT

«أطباء بلا حدود» تدعو لتوسيع نطاق الاستجابة لـ«إيبولا»

مركز لعلاج مرضى فيروس «إيبولا» في الكونغو (إ.ب.أ)
مركز لعلاج مرضى فيروس «إيبولا» في الكونغو (إ.ب.أ)

حذَّرت منظمة «أطباء بلا حدود» اليوم (الأربعاء) من أن فيروس «إيبولا» ينتشر في جمهورية الكونغو الديمقراطية بوتيرة تفوق الجهود المبذولة لاحتوائه، ودعت إلى توسيع عاجل لنطاق إجراءات الاحتواء والرعاية.

وأظهرت بيانات رسمية أن عدد الإصابات المؤكدة بالفيروس ارتفع إلى ثلاثة أمثاله في غضون أقل من 5 أسابيع إلى 1926 حالة، منها 702 حالة وفاة، حتى يوم الأحد.

وتقول منظمة «أطباء بلا حدود» إن ذلك يجعله ثالث أكبر تفشٍّ للفيروس وأسرعه انتشاراً على الإطلاق.

وتدير المنظمة 7 مراكز لعلاج الفيروس، وما يزيد على 15 وحدة عزل في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

أحد العاملين بالقطاع الصحي مرتدياً مُعدات الوقاية الشخصية يبدأ عمليات التنظيف والتعقيم بمركز روانبارا لعلاج إيبولا بمدينة بونيا شرق جمهورية الكونغو (أ.ف.ب)

وينتشر الفيروس الذي يسبب الوفاة أحياناً من خلال الاتصال المباشر بسوائل أجسام أشخاص أو حيوانات مصابة به، ويسبب أعراضاً تشمل ارتفاع درجة حرارة الجسم والقيء والنزيف الداخلي والخارجي. ويُعزَى هذا الوباء تحديداً إلى سلالة «بونديبوجيو» من الفيروس.

وقالت تريش نيوبورت، مديرة برنامج الطوارئ في منظمة «أطباء بلا حدود»: «كل تأخير يكلف أرواحاً. ما زلنا نسابق الزمن لملاحقة تفشي الفيروس بدلاً من أن نسبقه»، داعية إلى إجراء مزيد من التنسيق على المستوى الدولي للنهوض برعاية مصابي الفيروس.

وأثارت المنظمة مخاوف إزاء انتشار «إيبولا»، في وقت تعاني فيه مجتمعات خارج المناطق الحضرية من نقص الدعم ووصول محدود للرعاية الطبية ونظام مراقبة مستنزف.

وذكرت المنظمة الأسبوع الماضي أن تفشي المرض لا يزال في مرحلة توسع، وعزَت ذلك إلى أسباب منها حركة السكان وتأخر العلاج.

وقال مسؤول بالبيت الأبيض إن الإدارة الأميركية بصدد منع الرعايا الأميركيين في الكونغو من العودة إلى بلدهم على متن رحلات تجارية.