النيجر بين التأهب لتدخل عسكري والبحث عن حلول دبلوماسية

اختلاف المقاربات بين واشنطن وباريس

مسيرة لأنصار المجلس العسكري في نيامي (أ.ف.ب)
مسيرة لأنصار المجلس العسكري في نيامي (أ.ف.ب)
TT

النيجر بين التأهب لتدخل عسكري والبحث عن حلول دبلوماسية

مسيرة لأنصار المجلس العسكري في نيامي (أ.ف.ب)
مسيرة لأنصار المجلس العسكري في نيامي (أ.ف.ب)

من بين كل الدول الغربية المعنية بالتطورات الجارية في النيجر منذ الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم صبيحة يوم 26 يوليو (تموز) الماضي، تبدو فرنسا الأكثر تشدداً في التنديد بالانقلابيين، وتقف داعمة للمجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) لدفعها إلى اعتماد الخيار العسكري كأحد الخيارات المطروحة لتحرير بازوم وإعادته إلى السلطة واستعادة الانتظام الدستوري.

برز ذلك بوضوح كبير في البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الفرنسية، ليل الخميس إلى الجمعة، عقب المقررات التي صدرت عن قادة «إيكواس» في قمتهم الثانية الخميس في أبوجا، عاصمة نيجيريا. وجاء في الفقرة الأخيرة من البيان المذكور أن فرنسا «تؤكد دعمها الكامل لمجمل القرارات التي تم تبنيها بمناسبة القمة الاستثنائية لرؤساء دول وحكومات (إيكواس)».

ومن بين القرارات، «تفعيل القوة الاحتياطية» للمجموعة الأفريقية التي من شأنها التدخل في النيجر ضد المجلس العسكري، ما يمكن اعتباره نقطة البداية للعملية العسكرية، مع تفضيل القادة الأفارقة التوصل إلى «حل دبلوماسي». ويأتي في هذا السياق الاجتماع الذي سيعقد السبت في أكرا، عاصمة غانا، لقادة أركان جيوش «إيكواس» بعد قرار قادة المجموعة تفعيل قوة الاحتياط التابعة له. وهذه العناصر كلها تشي بالتوجه نحو حل عسكري إذا باءت جهود الوساطة بالفشل.

تفاوت أميركي - فرنسي

بيد أن هناك عاملاً لا يمكن تجاهله، يتمثّل بالموقف الأميركي وما تريده واشنطن، كما يتبدّى من خلال تصريحات وزير الخارجية أنتوني بلينكن. ويرى مراقبون أن المقاربة الأميركية تبدو متراجعة عن توجهات السياسة الفرنسية «الهجومية» إلى حد بعيد، علماً أن الطرفين و«إيكواس» أيضاً، والأسرة الدولية بشكل عام، يريدون الأمر نفسه، أي فشل الانقلاب والعودة إلى النظام الدستوري.

رئيس نيجيريا يتحدث مع مفوض «إيكواس» خلال قمة المجموعة في أبوجا الخميس (أ.ف.ب)

فقد أعلن بلينكن أن «(إيكواس) المنظمة التي تضم دول غرب أفريقيا تلعب دوراً أساسياً من خلال تأكيدها العودة إلى الانتظام الدستوري، ونحن ندعم ريادتها والعمل الذي تقوم به في هذا المجال». ووضّح بيان لاحق صدر باسمه عن وزارة الخارجية، جاء فيه أن الولايات المتحدة «تقدر عزم (إيكواس) على استكشاف الخيارات المختلفة من أجل (العثور على) حل سلمي للأزمة النيجرية». ويفهم من كلام بلينكن أن واشنطن تريد حلاً سلمياً، وأنها تستبعد من خياراتها الحلول العسكرية.

وحتى اليوم، لم تستخدم واشنطن عبارة «انقلاب عسكري» في توصيف ما حصل في النيجر. لأن معنى ذلك، وفق القانون الأميركي، القطع الفوري للمساعدات الأميركية للنيجر.

كذلك، فإن واشنطن كانت الدولة الغربية الوحيدة التي أرسلت مسؤولة دبلوماسية كبيرة إلى النيجر للتفاوض مع الانقلابيين. وبعكس فرنسا، فإن المجلس العسكري الذي تسلّم السلطة لم يطلب من الولايات المتحدة الأميركية سحب قواتها العسكرية من النيجر، التي تقدّر بـ1100 رجل، يشغلون أساساً قاعدة جوية، شمال النيجر، تنطلق منها المسيرات الأميركية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا لجمع المعلومات واستهداف المجموعات الإرهابية.

وفيما المظاهرات والتجمعات التي تحصل في نيامي تندد بالحضور الفرنسي، وتدعو إلى خروج القوات الفرنسية من البلاد، كما سعى المتظاهرون لاقتحام السفارة الفرنسية، لم تستهدف المصالح الأميركية، ولم تسمع أصوات تطالب بخروج القوات الأميركية.

اختلاف أوروبي - أوروبي

واضح اليوم أن واشنطن التي تكرر تمسّكها بالعودة إلى الانتظام الدستوري، وتطالب بالإفراج عن الرئيس بازوم، لا تريد حلاً عسكرياً، بينما باريس لا تستبعده، ولا ترى غضاضة في اللجوء إليه إذا فشلت المقاربات الأخرى. واللافت أن باريس على فراق في مقاربتها للحلول مع دولتين أوروبيتين لهما أيضاً حضور عسكري في النيجر، هما ألمانيا وإيطاليا، وكلتاهما تدعوان إلى الابتعاد عن الحلول العسكرية.

وآخر ما استجد في هذا السياق، تصريحات لوزيرة التنمية الألمانية سيفينا شولتسه التي نقلت بعضها وكالة الأنباء الألمانية، وأكدت فيها أنها ما زالت ترى «إمكان وجود حلول سلمية إذا تمت ممارسة ضغوط كبيرة حقاً» على المجلس العسكري. ودعت الوزيرة الألمانية الأسرة الدولية إلى دعم هذا التوجه، حيث إن الضغوط المكثفة الاقتصادية والتجارية والمالية على قادة الانقلاب كالتي فرضتها دول «إيكواس» من شأنها أن تحملهم على التراجع. وفي ما يبدو أنه تشجيع للقادة الأفارقة لتفضيل الحل السلمي، أعربت الوزيرة الألمانية عن «سعادتها» كون اجتماع القادة الأفارقة ما زال يركز على الحلول السلمية في بلد ومنطقة بالغة الفقر، وبالتالي ليست بحاجة لحروب إضافية غير مضمونة النتائج.

نقاشات حادّة

ثمّة معلومات متداولة في باريس عن نقاشات حادة داخل مجموعة «إيكواس» بين أعضاء يدفعون بشدة نحو التدخل العسكري، كرئيس ساحل العاج وآخرين مترددين يريدون مزيداً من الوقت للتحقق من إمكانية العثور على مخارج سلمية. واللافت، وفق هذه المعلومات، تغير لهجة بولا تينوبو، الرئيس النيجيري الذي يرأس «المجموعة الاقتصادية»، بين لحظة وصوله إلى مقر المؤتمرات في أبوجا، وعقب انتهاء أعمال القمة.

ففي البداية، أعلن تينوبو أنه «من الجوهري أن نعطي الأولوية للمفاوضات الدبلوماسية، وأن يكون الحوار أساس مقاربتنا» للتعاطي مع الانقلاب في النيجر. أما بعد انتهاء القمة، فأعرب عن أمله بالوصول إلى «حل سلمي»، إلا أنه أردف أن اللجوء إلى القوة «ليس مستبعداً»، عادّاً إياه «خياراً أخيراً».

من جهته، بدا الحسن وتارا مستعجلاً للتدخل العسكري، إذ أكد أن بلاده مستعدة لتوفير ما بين 850 إلى 1100 رجل للعملية العسكرية، وأن القادة الأفارقة «أعطوا تعليمات لبدء عملية تفعيل القوة الاحتياطية في أقرب الآجال». وأضاف: «نحن عازمون على إعادة الرئيس بازوم لتسلم مهامه»، مذكّراً بأن «إيكواس» تدخّلت سابقاً في ليبيريا وسيراليون وغامبيا وغينيا بيساو. ويفهم من روح تصريحه أنه لا شيء يمنعها من التدخل في النيجر، فيما تتكاثر التساؤلات والضغوط حول صحة بازوم وظروف اعتقاله مع عائلته إلى حد أن وتارا وصف احتجازه بـ«العمل الإرهابي».

وسيلة ضغط

ترى نياغاليه باغايوكو، الباحثة السياسية ورئيسة المعهد الأفريقي للدراسات الأمنية، كما نقلت عنها صحيفة «لو فيغارو»، أن مقاربة «إيكواس» «لا تخلو من المهارة إذ إنها تسعى، من جهة، لكسب الوقت من خلال تفضيل الحل السلمي. ومن جهة ثانية، تطلق التعبئة العسكرية. الأمر الذي يمكّنها من إلقاء مسؤولية فشل الخيار الدبلوماسي على عاتق الانقلابيين. أما إذا تم التوصل، بين الاستحقاقين، إلى حل سياسي فإنها ستظهر للرأي العام قدراتها الحقيقية التي مكنتها من الوصول إلى حل».

واللافت أن القادة الأفارقة لم يوجهوا إنذاراً للانقلابيين محدود المهلة زمنياً، كما فعلوا بعد اجتماعهم الأول في أبوجا. وتبيّن لاحقاً أنه لم يكن فاعلاً.

من هنا، رغم الحديث عن التدخل العسكري والتحضير له، فإن كثيرين يعدّونه «وسيلة ضغط» على الانقلابيين انطلاقاً من مبدأ أن تبعات الحرب ستكون وبالاً على منطقة الساحل. ويرى كثيرون أن الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية تعد سلاحاً فاعلاً، خصوصاً أن عقوبات «إيكواس» التي فرضت على النيجر لم يسبق فرض مثيل لها على أي من الدول التي عرفت انقلابات عسكرية، وقد بدأت نتائجها بالظهور تباعاً، مثل انقطاع التيار الكهربائي وإغلاق الحدود وغلاء الأسعار ووقف المعاملات المالية. والمتنفس الوحيد المتبقي للانقلابيين هو مالي وبوركينا فاسو، وكلتاهما تعاني من صعوبات اقتصادية جمة. يضاف إلى ذلك أن وقف المساعدات الفرنسية والأوروبية والدولية، سواء أكانت عسكرية أو تنموية أو لدعم ميزانية النيجر، يصبّ في الاتجاه نفسه، وسيكون من نتائجها إحداث شرخ مع المجلس العسكري في بلد يصيب الفقر المدقع، وفق إحصائيات البنك الدولي، أكثر من 10 ملايين نسمة من سكانه البالغ عددهم 25 مليوناً.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.