انقلابيو النيجر يغلقون المجال الجوي مع انتهاء مهلة «إيكواس»

أعضاء المجلس العسكري الذي نفذ انقلاباً في النيجر يشاركون في مسيرة تأييد باستاد في العاصمة نيامي (رويترز)
أعضاء المجلس العسكري الذي نفذ انقلاباً في النيجر يشاركون في مسيرة تأييد باستاد في العاصمة نيامي (رويترز)
TT

انقلابيو النيجر يغلقون المجال الجوي مع انتهاء مهلة «إيكواس»

أعضاء المجلس العسكري الذي نفذ انقلاباً في النيجر يشاركون في مسيرة تأييد باستاد في العاصمة نيامي (رويترز)
أعضاء المجلس العسكري الذي نفذ انقلاباً في النيجر يشاركون في مسيرة تأييد باستاد في العاصمة نيامي (رويترز)

أعلن قادة الانقلاب في النيجر أمس الأحد، إغلاق المجال الجوي للبلاد فيما انتهت المهلة التي حددتها لهم الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) لتسليم السلطة أو مواجهة تدخل عسكري، بحسب ما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.

وكانت «إيكواس» أمهلت العسكريين في 30 يوليو (تموز) أسبوعاً لإعادة الرئيس المخلوع محمد بازوم إلى منصبه.

ومع انتهاء المهلة منتصف ليل الأحد/ الاثنين (23:00 ت غ)، لم يبد الانقلابيون الذين تولوا السلطة في 26 يوليو حتى الآن أي نية في التراجع. وجاء في بيان للعسكريين أنه «في مواجهة التهديد بالتدخل الذي بدأت تتّضح معالمه انطلاقاً من استعدادات البلدان المجاورة، أغلق المجال الجوي للنيجر اعتباراً من اليوم الأحد (...) أمام جميع الطائرات وحتى إشعار آخر».

وأضاف البيان أن أي محاولة لخرق المجال الجوي ستواجه «برد قوي وفوري».

وفي بيان منفصل، قال: «المجلس الوطني لحماية الوطن» الحاكم الآن، الذي يضم العسكريين الذين استولوا على السلطة، إن «انتشاراً مسبقاً استعداداً للتدخل جرى في بلدين في وسط أفريقيا»، من دون تحديد هذين البلدين. وحذر البيان أن «أي دولة مشاركة ستعدُّ طرفاً في القتال».

وفي وقت مبكر الاثنين لم تكن هناك أي طائرات تحلق في أجواء النيجر، وفقاً لموقع «فلايت رادار 24» لتتبع الرحلات الجوية.

وكان نحو 30 ألفاً من مؤيدي الانقلاب احتشدوا في العاصمة نيامي الأحد في عرض قوة قبل ساعات من انتهاء المهلة ملوحين بأعلام النيجر وروسيا وبوركينا فاسو، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وردد شاب: «اليوم هو يوم استقلالنا الحقيقي»، فيما هتف الحشد: «تسقط فرنسا، تسقط إيكواس».

ووصل أعضاء من «المجلس الوطني لحماية الوطن» إلى الملعب في قافلة سيارات رباعية الدفع واستقبلهم الحشد بحرارة.

الآلاف من أنصار المجلس العسكري الذي نفذ انقلاباً في النيجر يحضرون فعالية للتأييد في استاد بالعاصمة نيامي (رويترز)

وتحدث الجنرال محمد تومبا، الرجل الثالث في المجلس العسكري، أمام الحشد للتنديد «بمن يتربصون في الظل» والذين «يخططون لتخريب مسيرة النيجر إلى الأمام»، مضيفاً: «نحن على علم بخطتهم الميكيافيلية»، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ورسم قادة جيوش «إيكواس» الجمعة الخطوط العريضة لخطة «تدخل عسكري محتمل» بعد اجتماع ليومين في العاصمة النيجيرية أبوجا، وقد أبدت بعض دول المجموعة مثل السنغال وكوت ديفوار استعدادها للمشاركة في التدخل.

وأدان جميع شركاء النيجر الغربيين والأفارقة الانقلاب، لكن العسكريين الانقلابيين تلقوا دعماً من نظرائهم في مالي وبوركينا فاسو الذين وصلوا أيضاً إلى السلطة من خلال انقلابين في عامي 2020 و2022، وقد عدَّت باماكو وواغادوغو أن أي تدخل في النيجر سيكون بمثابة «إعلان الحرب» عليهما.

هذا وأعلنت فرنسا تعليق مساعداتها التنموية وتلك المتعلقة بدعم الميزانية المخصصة لبوركينا فاسو، وفق ما أفادت وزارة الخارجية الأحد.

يثير احتمال التدخل عسكرياً مخاوف وانتقادات إقليمية. وبرزت انتقادات في نيجيريا التي تتولى حالياً رئاسة «إيكواس» وتعد من أبرز أركانها. وتتشارك الدولة التي يبلغ تعدادها السكاني 215 مليون نسمة، حدوداً بطول 1500 كيلومتر النيجر.

وحضّ سياسيون كبار في نيجيريا الرئيس بولا تينوبو على إعادة النظر في التهديد بالتدخل عسكرياً.

ودعا مجلس الشيوخ النيجيري رئيس جمهورية نيجيريا الاتحادية بصفته رئيساً للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) إلى تشجيع القادة الآخرين في المجموعة على تعزيز الخيارات السياسية والدبلوماسية.

ونصح أعضاء في مجلس الشيوخ من ولايات في شمال نيجيريا التي تتشارك سبع منها حدوداً مع النيجر، بعدم التدخل قبل استنفاد جميع الخيارات الأخرى.

ووفق دستور البلاد، لا يمكن للقوات النيجيرية المشاركة في عمليات خارج الحدود من دون مصادقة مجلس الشيوخ، باستثناء حالات «التهديد الداهم أو الخطر على الأمن القومي».

وكان تينوبو حضّ هذا الأسبوع على إيجاد «حلّ شامل وودّي للوضع في النيجر».

كذلك، حذّرت الجزائر من أي تدخل عسكري في جارتها الجنوبية الشرقية التي تتشارك معها حدوداً بطول ألف كلم.

وقال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقابلة تلفزيونية مساء السبت: «نرفض رفضاً تاماً وقطعياً التدخل العسكري في النيجر»، مضيفاً: «ما يحدث في النيجر تهديد مباشر للجزائر».

وشدد على أن «التدخل العسكري لا يحل أي مشكلة بل يؤزم الأمور. الجزائر لن تستعمل القوة مع جيرانها»، متسائلاً: «ما الوضع اليوم في الدول التي شهدت تدخلاً عسكرياً؟»، في إشارة إلى دول عدة في المنطقة تتقدمها ليبيا وسوريا.

وقد تعهد الانقلابيون في نيامي هذا الأسبوع «برد فوري» على «أي عدوان».

من جهة أخرى، شددت مجموعة من الباحثين المتخصصين بشؤون الساحل على ضرورة «الحيلولة دون السيناريو الكارثي لاندلاع حرب في النيجر»، في رسالة نشروها السبت في صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية.

وأضاف الباحثون أن هذه الحرب «لن يخرج منها سوى منتصر وحيد: الحركات (الجهادية) التي تبني منذ أعوام توسعها الميداني على حساب انهيار الدول».

في الأثناء، أجْلَت عدة دول أوروبية مئات من رعاياها في الأيام الأخيرة من النيجر.

فبعد فرنسا وإسبانيا، أعلنت وزارة الدفاع الإيطالية الأحد مغادرة 65 عسكرياً النيجر في طائرة هبطت في روما مساء السبت. وأشارت الوزارة إلى برنامج لتنظيم رحلات أخرى.

تطالب «إيكواس» والدول الغربية بالعودة إلى النظام الدستوري والإفراج عن الرئيس بازوم المحتجز منذ انقلاب 26 يوليو (تموز).

مساء الأحد قال رئيس كوت ديفوار الحسن وتارا: «ندين محاولة الانقلاب في النيجر التي تشكّل تهديداً خطراً للسلم والأمن في المنطقة».

وشدد على «ضرورة» أن «يستعاد النظام الدستوري» وأن «يُسمح للرئيس بازوم المنتخب ديمقراطياً بأن يمارس مهامه بحرية».

وأكدت الخارجية الفرنسية السبت دعمها «بحزم وتصميم» لجهود «إيكواس» ضد الانقلاب ورأت أن «مستقبل النيجر واستقرار المنطقة بأكملها على المحك».

وقد أعلن الانقلابيون في النيجر إلغاء اتفاقيات التعاون العسكري والأمني مع باريس التي تنشر 1500 عسكري في النيجر. ورأت فرنسا أن القرار باطل لافتقار أصحابه للشرعية.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
TT

تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)

التاريخ يعيد نفسه في مالي. فقبل 14 عاماً، تمكن تنظيم «النصرة» الإرهابي المسلح التابع لـ«القاعدة» من السيطرة على شمال البلاد وكانت فصائله تتجه جنوباً لمحاصرة العاصمة باماكو، وهو ما يحصل اليوم، حيث التنظيم نفسه و«جبهة تحرير أزواد» المنبثقة عن أتنية «الطوارق» والساعية للانفصال عن السلطة المركزية، اقتربا من باماكو التي يسعيان لفرض الحصار عليها؛ تمهيداً لاقتحامها وتشديد الخناق على حكومة رئيس المجلس العسكري الجنرال أسيمي غويتا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري المالي في الكرملين 23 يونيو الماضي (رويترز)

الأربعاء، أكد محمد المولود رمضان، الناطق باسم «جبهة أزواد»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس أن «النظام سيسقط عاجلاً أم آجلاً». ووفق قراءته، فإن النظام القائم منذ الانقلابين العسكريين في عامي 2020 و2021 «لن يقوى على الصمود».

لكن ثمة فارقاً بين ما حصل سابقاً وما يحصل راهناً. فقبل 13 عاماً، طلب رئيس مالي، وقتها، من فرنسا التدخل لمنع المسلحين من السيطرة على باماكو، وجاءت استجابة الرئيس فرنسوا هولند سريعاً جداً؛ إذ عجَّل بإرسال قوة مسلحة سميت «سرفال» نجحت في وقف تقدم المهاجمين نحو العاصمة، ثم استعادت المدن الشمالية الواحدة تلو الأخرى. وفي عام 2014، تحولت «سرفال» إلى قوة «برخان» التي بقيت عاملة في مالي لمحاربة المسلحين والإرهابيين من كل نوع، وقد فاق عديدها خمسة آلاف رجل مدعومين بقوة جوية ومعدات قتالية ثقيلة.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

إلا أن التعبئة السياسية ضد الوجود الفرنسي التي أطلقها الانقلابيون أفضت، في نهاية المطاف إلى انسحاب القوة الفرنسية من مالي عام 2022، ولاحقاً من النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، أي من كل ما يسمى «بلدان الساحل». واستبدل الانقلابيون قوة أخرى روسية بالقوة الفرنسية وصلت إلى باماكو تحت مسمى «فاغنر» وتغير اسمها لاحقاً، بعد مقتل قائدها أفغيني بريغوجين، في حادث سقوط طائرته في رحلتها من موسكو إلى سان بطرسبرغ، صيف عام 2023 إلى «أفريكا كوربس».

انسحاب روسي

ومع تسارع الأحداث، أعلن المتمردون الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً: «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس». وأضاف: «ليس لدينا مشكلة خاصة مع روسيا، ولا مع أي دولة أخرى. مشكلتنا تكمن مع النظام الحاكم في باماكو». وقال إن المتمردين ينظرون سلباً إلى التدخل الروسي. وأضاف أن الروس «دعموا من ارتكبوا جرائم خطيرة ومجازر، دمّروا مدناً وقرى ودمروا مراكز صحية ومدارس ومصادر مياه».

في هذه الصورة غير المؤرخة التي قدّمها الجيش الفرنسي مرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وأكدت وزارة الدفاع الروسية هذا الأسبوع أن مقاتلي «فيلق أفريقيا» المُرسلين لدعم المجلس العسكري في مالي، أُجبروا على الانسحاب من كيدال. وقال رمضان إن الروس طلبوا ممراً آمناً للانسحاب. وأضاف أن «الروس وجدوا أنفسهم في خطر. لم يكن هناك مخرج... محاصرين من جميع الجهات، طلبوا منا إيجاد حل». وتابع: «عندما أدركوا أنهم لا يستطيعون الصمود أمام قواتنا وقوتنا النارية، طلبوا الانسحاب». وأكد أن المتمردين يعتزمون الآن السيطرة على غاو وتمبكتو وميناكا عقب السيطرة على كيدال.

إحراج فرنسي

أما اليوم، فإن باريس تراقب عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة التي كانت، خلال عقود، الأقرب إليها. فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج. ولعل ما يبرز الإحراج الفرنسي أن باريس انتظرت ثلاثة أيام قبل أن تعلق على سيطرة مقاتلي «جبهة أزواد» والإرهابيين يوم 25 الحالي على مدينتي كيدال وغاو الاستراتيجيتين، وعلى مناطق واسعة شمال البلاد، وحتى الاقتراب من باماكو ومن مطارها. ولم يأت التعليق في بيان رسمي أو في تصريح وزاري، بل جاء على لسان دبلوماسي أفاد بأن باريس «قلقة» من التطورات الجارية في مالي، وأنها تدين بأشد العبارات «أعمال العنف المرتكبة بحق المدنيين»، وتعرب عن «تضامنها مع الشعب المالي».

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

وأخيراً، أعرب الدبلوماسي المذكور عن رغبة فرنسا في «إرساء سلام واستقرار دائمين في مالي» من غير الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى الحكومة أو المجلس العسكري. وفي السياق عينه، ذكر المصدر الدبلوماسي أن الحكومة «تولي اهتماماً أيضاً بأمن رعاياها» الموجودين في مالي وتدعوهم إلى توخي أقصى درجات الحذر.

والأربعاء، دعت فرنسا رعاياها إلى مغادرة البلاد «في ​أقرب وقت ممكن» عقب التطورات الميدانية المقلقة حتى داخل باماكو. وبانتظار مغادرتهم مالي، دعتهم إلى البقاء ⁠في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم.

ويقيم في مالي، وفق الخارجية الفرنسية، 4198 شخصاً، حسب أرقام العام الماضي. ولا تزال السفارة الفرنسية في باماكو مفتوحة، والمرجح جداً أن تعمد باريس إلى تقليص أعداد العاملين فيها بسبب تردي الأوضاع الأمنية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

حقيقة الأمر أن باريس تستشعر العجز إزاء التطورات الجارية في باماكو؛ إذ إن وسائل التأثير المتوافرة لديها ضئيلة للغاية، لا، بل إنها تكاد تكون معدومة. ومنذ البداية نبَّهت فرنسا من أن ميليشيا «فاغنر» التي نشرت ما يزيد على 2000 عنصر لن تتمكن من الوقوف بوجه الحركات المسلحة والانفصالية، بل إن مهمتها الحقيقية هي حماية النظام وليس المواطنين. وثمة من يرى اليوم في باريس أن ما يحصل حالياً كان مرتقباً، وأن رحيل «أفريكا كوربس» لن يتأخر. ونقلت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الثلاثاء عن دبلوماسي آخر قوله إن «الهجمات غير المسبوقة تعني فشل القوات المالية وحليفتها الميليشيا الروسية» في السيطرة على الوضع، وفي حال تواصل هجومهم من الشمال إلى الجنوب فهذا يعني «العودة إلى سيناريو عام 2013».

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

البحث عن وسائل جديدة

رغم طلاقهما، نجح الجانبان، المالي والفرنسي، بعد مرحلة التوتر الكبرى بينهما التي رافقت وتبعت خروج القوة الفرنسية، في التفاهم على الحد الأدنى من العلاقات «المعقولة». وبرز ذلك من خلال السماح لفريق من المخابرات الفرنسية بالبقاء في باماكو من ضمن أطر السفارة الفرنسية. وحصلت باماكو على الشيء نفسه في سفارتها بباريس. وتفيد مصادر واسعة الإطلاع في باريس بأن التعاون «المخابراتي» بين الطرفين كان «جيداً» لحاجة كل منهما إلى الآخر.

وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو 28 فبراير 2024 (رويترز)

بيد أن العلاقات تدهورت مجدداً العام الماضي بعد أن ألقت السلطات المالية القبض على عميل للمخابرات الخارجية الفرنسية، اسمه «يان ف» بتهمة المشاركة في محاولة انقلابية لإسقاط الجنرال أسيمي غويتا والتآمر على أمن البلاد مع ضباط ماليين، الأمر الذي نفته باريس بقوة. وبطبيعة الحال، ألقي العميل المشار إليه في السجن ورفضت باماكو طلب باريس المتكرر بالسماح له بالعودة إلى فرنسا. وحاولت باريس الاستعانة بوسطاء للضغط على باماكو ومن بينهم المغرب. إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل، وتحدثت مصادر عدّة عن تضارب في المواقف لجهة تحديد خط الواجب اتباعه في العلاقات مع مالي.

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

هكذا، تجد فرنسا نفسها اليوم في وضع غير مريح: فهي من جهة لا تستطيع غض النظر عن تطورات الوضع في مالي؛ نظراً لتأثيراته على بلدان الساحل الأخرى وعلى المصالح الفرنسية المباشرة إنْ الأمنية أو الاقتصادية. ذلك أن سيطرة المسلحين على هذا البلد الذي تحيط به سبعة بلدان (موريتانيا، والسنغال، وغينيا، وساحل العاج، وبوركينا فاسو والنيجر، وخصوصاً الجزائر) قد تتحول قنبلة متفجرة في حال سيطر عليه المسلحون الساعون لتوسيع تأثيرهم في منطقة الساحل وأبعد منها، أي في منطقة لباريس مصالح وشراكات كبرى فيها. ومن جهة ثانية، تبحث باريس عن «أدوات» تمكّنها من التأثير على مجرى الأحداث وهي تعي أن الأدوات السابقة التي استخدمتها مراراً من خلال التدخل المباشر لم تعد فاعلة، في حين أطراف أخرى إقليمية مثل الجزائر أو دولية مثل الولايات، المتحدة روسيا والصين حاضرة وجاهزة لملء الفراغ الذي خلفته فرنسا وراءها.


نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قس واختطاف مصلين في هجوم على كنيسة

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)

اقتحم مسلحون مجهولون كنيسة في ولاية إيكيتي، جنوب نيجيريا، وقتلوا القس قبل أن يقتادوا عدداً من المصلين إلى مكان مجهول، وفق ما أكدت مصادر محلية، واعترفت به في وقت لاحق مصادر في الشرطة.

الهجوم وقع في بلدة إيدا أونيو إيكيتي، حين كان السكان يقيمون قُداساً مفتوحاً في ساحة الكنيسة، مساء الثلاثاء، قبل أن يقتحمه المسلحون، ثم يطلقون النار بشكل مباشر على القس، حين كان يقود التجمع الديني.

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وقالت تقارير إعلامية محلية إن المهاجمين اجتاحوا ساحة التجمع الواقعة بضواحي البلدة بأعداد كبيرة، حيث فتحوا النار على القس وأردوه قتيلاً على الفور، ثم اقتادوا مجموعة من المصلين نحو الغابات المجاورة للبلدة.

وأضافت تقارير صحيفة «فانغارد» نقلاً عن مصادر محلية أن «المهاجمين المدججين بالسلاح استمروا في عمليتهم لعدة دقائق قبل أن يقتادوا ضحاياهم إلى الغابات»، وقال شهود نجوا من الهجوم: «كان من بين المختطفين كبار سن، وأطفال، اقتادهم المسلحون نحو الغابة، لقد دخلوا البلدة بأعداد كبيرة، ومدججين بالسلاح».

وقالت الصحيفة إنها حاولت التواصل مع الشرطة المحلية بخصوص الموضوع، ولكن «كل المحاولات باءت بالفشل، حيث لم يرد المسؤول الإعلامي للقيادة، صنداي أبوتو، على المكالمات، والرسائل المرسلة إليه»، حتى صباح الأربعاء.

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

وتحدثت تقارير عديدة عن «حالة من الارتباك والذعر تنتشر بين سكان البلدة»، وقال أحد السكان لصحيفة محلية: «إنه أمر مرعب ومفاجئ، اقتحموا البلدة بأعداد كبيرة، وأطلقوا النار على الناس بشكل عشوائي، قتلوا القس، واقتادوا الآخرين نحو الغابة، كان من بينهم كبار سن، وأطفال».

وفي تعليق على التطورات، أكد مسؤول حكومي رفيع وعضو في اللجنة الأمنية بالولاية وقوع الهجوم، متحدثاً شريطة عدم كشف اسمه لكونه غير مخول بالتصريح الرسمي، وقال إن الأجهزة الأمنية قد انتشرت بالفعل في المنطقة، وهي تقتفي أثر المهاجمين، معرباً عن ثقته في إنقاذ الضحايا دون أذى.

وقال المسؤول: «نعم، تم اختطاف بعض المصلين في إيدا أونيو اليوم (الثلاثاء)، والأجهزة الأمنية تتابع الأمر. لقد نشرت الحكومة قوات أمنية في المنطقة، وهي تطارد المهاجمين حالياً»، دون أن يعطي أي تفاصيل حول عدد المختطفين.

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

يثير استهداف الكنائس في الهجمات الإرهابية، واختطاف المسيحيين حساسية كبيرة في نيجيريا، خاصة بعد اتهامات الرئيس الأميركي دونالد ترمب سلطات نيجيريا بالتقاعس عن حماية المسيحيين الذين يتعرضون لما قال إنها «إبادة جماعية».

وترفض سلطات نيجيريا هذه الاتهامات، وتقول إن الصراع في نيجيريا لا يحمل أي طابع ديني، مشيرة إلى أن إرهابيي «بوكو حرام» و«داعش في غرب أفريقيا»، وشبكات الجريمة المنظمة، يستهدفون الشعب النيجيري دون أي تمييز بين دين، أو عرق.

وأكدت الحكومة النيجيرية في أكثر من مرة أن المسلمين يمثلون ضحايا رئيسين للهجمات الإرهابية في مختلف مناطق نيجيريا، وخاصة في الشمال الشرقي، حيث توجد بؤرة الإرهاب.

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو في 12 أبريل (أ.ب)

تعد نيجيريا، أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، مسرحاً لتعقيدات ديموغرافية ودينية فريدة؛ حيث ينقسم سكانها البالغ عددهم أكثر من ربع مليار نسمة بشكل شبه متساوٍ بين الشمال ذي الغالبية المسلمة والجنوب ذي الغالبية المسيحية.

ولا يقتصر الصراع في نيجيريا على البعد الديني البحت، بل يتداخل بعمق مع الهويات العرقية، حيث يهيمن عرق «الهوسا-فولاني» في الشمال، و«الإيغبو» و«اليوروبا» في الجنوب، والجنوب الغربي.

هذا التباين جعل القضايا الأمنية، مثل تمرد «بوكو حرام» في الشمال الشرقي أو نزاعات الرعاة والمزارعين في الحزام الأوسط، تتخذ أبعاداً طائفية وعرقية تزيد من حدة الاستقطاب الوطني.

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

في غضون ذلك، يعد «الحزام الأوسط» في نيجيريا بؤرة ساخنة للنزاعات العرقية-الدينية، حيث تتصادم مصالح الرعاة، وغالبيتهم من عرقية الفولاني المسلمة، مع المزارعين، وغالبيتهم من الجماعات العرقية المسيحية، حول الموارد الطبيعية، والأراضي، والمياه.

ومع تفاقم ظاهرة التغير المناخي، وزحف التصحر في الشمال، اندفع الرعاة نحو الجنوب، مما أدى إلى موجات عنف متبادلة، وتصاعدت أكثر خلال العقد الأخير، ولكنها بدأت تأخذ أبعاداً سياسية، وأمنية.


المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
TT

المتمردون الطوارق يطالبون روسيا بالانسحاب من مالي

عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)
عناصر من الجيش المالي خلال دوريات قرب أماكن تنتشر بها جماعات متطرفة جنوب البلاد (رويترز)

قال متحدث باسم المتمردين الطوارق الأربعاء، إنّ المجلس العسكري الحاكم في مالي «سيسقط عاجلاً أم آجلاً» في مواجهة الهجوم الذي ينفذه انفصاليو الطوارق من «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن محمد المولود قوله أثناء زيارة إلى باريس، «سيسقط النظام عاجلاً أم آجلا. سيسقط، فليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد لاستعادة أراضي أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم الآخرين (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) على باماكو ومدن أخرى». أضاف «لن يتمكّنوا من الصمود».

وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب روسيا بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس».

إلى ذلك، حثت فرنسا رعاياها في مالي على مغادرة البلاد «في أقرب وقت ممكن» عقب الهجمات المنسقة التي وقعت مطلع الأسبوع، بما في ذلك في العاصمة باماكو.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية إن الوضع الأمني لا يزال متقلباً، وإنه ينبغي على المواطنين الفرنسيين البقاء في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم، إلى أن يغادروا البلاد.

جندي مالي في أثناء جلسة تدريب على مدفع «هاوتزر» في معسكر سيفاري بمنطقة موبتي (رويترز)

وأوصى تحديث الوزارة بشأن نصائح السفر إلى البلد الواقع في غرب أفريقيا بعدم زيارة مالي.

وهاجم متمردو الطوارق و جماعة تابعة لتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا» القاعدة العسكرية الرئيسية في مالي والمنطقة القريبة من مطار باماكو في الهجمات التي وقعت يوم السبت، كما طردت القوات الروسية التي تدعم القوات الحكومية من بلدة كيدال الاستراتيجية في الشمال.

وتوعد زعيم الحكومة العسكرية في مالي أمس الثلاثاء «بتحييد» المسؤولين عن ذلك.