واشنطن تطالب بإطلاق بازوم «فوراً» وبإعادة الديمقراطية في النيجر

إجلاء «جزئي» و«مؤقت» للسفارة الأميركية والحاكم العسكري يحذر من التدخل

الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ب)
الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ب)
TT

واشنطن تطالب بإطلاق بازوم «فوراً» وبإعادة الديمقراطية في النيجر

الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ب)
الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ب)

تعهد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الخميس، دعم الرئيس النيجري المعزول، محمد بازوم، لإعادة حكومته المنتخبة إلى الحكم، في ظل أمر من الولايات المتحدة بإجلاء جزئي لطاقم سفارتها في نيامي، بعد أسبوع من سيطرة العسكريين على مقاليد السلطة. بينما دعا الحاكم العسكري الجديد السكان إلى الاستعداد للدفاع عن البلاد إذا تعرضت لأي تدخل عسكري خارجي.

وعلى إثر اتصال أجراه مع الرئيس بازوم، المحاصر في القصر الرئاسي، كتب بلينكن في حسابه على تطبيق «إكس»، (تويتر سابقاً): «تحادثت مع الرئيس النيجري بازوم (الأربعاء) لأكرر أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة استعادة حكومة النيجر المنتخبة ديمقراطياً»، مضيفاً أن «سلامته وسلامة عائلته لها أهمية قصوى».

وتزامنت المحادثة الهاتفية بين بلينكن وبازوم مع الذكرى السنوية الثالثة والستين لاستقلال النيجر.

وقال الرئيس جو بايدن، في هذه المناسبة، إن هذه البلاد «تواجه تحدياً خطيراً لديمقراطيتها»، مضيفاً في بيان أنه «في هذه اللحظة الحرجة، تقف الولايات المتحدة إلى جانب شعب النيجر لتكريم شراكتنا الممتدة لعقود من الزمن والمتأصلة في القيم الديمقراطية المشتركة ودعم الحكم الذي يقوده المدنيون». ودعا إلى «الإطلاق الفوري للرئيس بازوم وعائلته، والحفاظ على الديمقراطية التي تحققت بشق الأنفس في النيجر».

وأفاد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، بأن تعهد بلينكن «يتفق مع موقف المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) والاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين». وشدد على أن «الولايات المتحدة ملتزمة إيجاد حل سلمي يضمن بقاء النيجر شريكاً قوياً في الأمن والتنمية في المنطقة».

علم روسي كبير خلال مظاهرة في نيامي الخميس (أ.ف.ب)

«فاغنر»

وفي رده على أسئلة الصحافيين، قال ميلر: «رأينا محاولة المجلس العسكري للسيطرة على البلاد (...) بذلنا قصارى جهدنا لعكس هذا الوضع»، مضيفاً أن بلينكن «يعمل مع القادة في المنطقة» بغية «عكس محاولة الاستيلاء على البلاد». وأكد أن إدارة الرئيس جو بايدن «لم تر أي مؤشرات حتى الآن (...) إلى طلب مساعدة (فاغنر)»، مجموعة المرتزقة الروسية الناشطة في عدد من الدول الأفريقية، مستدركاً أنه «لن يتفاجأ برؤية (فاغنر) تحاول استغلال هذا الوضع». ونبّه إلى أن «أي محاولة من القادة العسكريين في النيجر لجلب قوات (فاغنر) إلى النيجر ستكون علامة أخرى على أنهم لا يضعون مصالح الشعب النيجيري في صميم» تحركهم.

وفيما تجنب تسمية ما حصل في النيجر بأنه «انقلاب»، أكد أنه لا يوجد أي مؤشر إلى تهديدات تستهدف الأميركيين في النيجر أو المنشآت الأميركية مثل السفارة. وأضاف: «عموماً، لا يزال الوضع في نيامي هادئاً، لكنه يتغيّر».

ولدى الولايات المتحدة نحو 1000 جندي منتشرين في البلاد، في إطار عمليات مكافحة الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل.

* «مغادرة مؤقتة»

تزامن اتصال بلينكن الأخير ببازوم مع الدعوة التي وجّهتها وزارة الخارجية الأميركية بهدف «المغادرة المؤقتة» للموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد أسرهم من نيامي. وأعلنت وزارة الخارجية، في تحديث سفر حول النيجر، أنها أمرت «نتيجة لهذا التطوّر (...) بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين في السفارة» مع عائلاتهم.

زعيم الانقلابيين الجنرال عبد الرحمن تشياني في نيامي في 28 يوليو الماضي (رويترز)

وبصورة موازية، رفعت وزارة الخارجية الأميركية مستوى التحذير بالنسبة إلى النيجر من الدرجة الثالثة إلى الرابعة، ناصحة جميع مواطنيها بعدم السفر إلى هناك بسبب الوضع الأمني. وأوضحت أنها خفّضت النشاطات في السفارة، وأوقفت كل العمليات اليومية، مشددة على أنها لا يمكنها التدخل سوى في حال الطوارئ.

وبالفعل، استقل عدد من المواطنين الأميركيين، الأربعاء، رحلات إجلاء فرنسية وإيطالية من نيامي، لكن الولايات المتحدة لم تأمر بإجلاء شامل لمواطنيها.

وجاء في تحذير السفر أيضاً أن «الجماعات الإرهابية تواصل التخطيط لعمليات خطف وهجمات محتملة في النيجر»، وأن السفارة «لديها قدرة محدودة على تقديم خدمات الطوارئ للمواطنين الأميركيين في النيجر بسبب الخفض المؤقت في عدد موظفي السفارة».

ونصحت وزارة الخارجية رعاياها الباقين بـ«توخي الحذر الشديد في كل أنحاء البلاد»، و«الابتعاد عن الأنظار» و«وضع خطط إجلاء لا تعتمد على مساعدة الحكومة الأميركية».

* الحاكم العسكري

في غضون، وجّه قائد الحرس الرئاسي الجنرال عبد الرحمن تشياني الذي يتصدر العسكريين الذين استولوا على الحكم، خطاباً إلى مواطني الدولة، الواقعة في غرب أفريقيا، محذراً من التدخل الأجنبي ضد البلاد. وقال: «ندعو الشعب النيجري كلاً وموحداً إلى هزيمة كل أولئك الذين يريدون إلحاق معاناة لا توصف بسكاننا»، مندداً بـ«الذين يعملون بجد لزعزعة استقرار بلدنا».

مظاهرة في نيامي احتجاجاً على العقوبات التي فرضت على النيجر بعد الانقلاب، الخميس (إ.ب.أ)

كما وعد بتهيئة الظروف للانتقال السلمي إلى الانتخابات بعد إطاحة بازوم. وقال أيضاً إن النيجر «تواجه أوقاتاً صعبة في المستقبل»، وإن المواقف «العدائية والمتطرفة» لأولئك الذين يعارضون حكمه «لا تقدم أي قيمة مضافة». ووصف العقوبات التي فرضتها «إيكواس» بأنها «غير شرعية وغير عادلة وغير إنسانية وغير مسبوقة».

ويأتي خطابه هذا وسط تصاعد التوترات الإقليمية، إذ تهدد «إيكواس» باستخدام القوة العسكرية إذا لم يطلق بازوم من الإقامة الجبرية وإعادته بحلول 6 أغسطس (آب) الحالي.

وقد أدانت الدول الغربية الانقلاب بشدة، واعتبر كثير منها النيجر آخر شريك موثوق للغرب في جهود محاربة المتطرفين في منطقة الساحل بأفريقيا. وبالإضافة إلى الجنود الأميركيين، لدى فرنسا 1500 جندي في النيجر يقومون بعمليات مشتركة مع جيشها. وفي هذا الوقت، خرج مئات من أنصار المجلس العسكري في النيجر، الخميس، في مسيرة بالعاصمة نيامي للاحتجاج على عقوبات المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس).

وذكرت «رويترز» أن أحد المتظاهرين رفع لافتة عليها عبارة: «تحيا النيجر وروسيا ومالي وبوركينا. تسقط فرنسا و(إيكواس) والاتحاد الأوروبي». وقال متظاهر آخر، لم يذكر اسمه، لـ«رويترز»: «سنقوم بمظاهرة ضد جميع دول (إيكواس) وكل من يتخذون إجراءات غير إنسانية ولا تحظى بشعبية تجاه النيجر التي تسعى إلى تحرير نفسها من نير الاستعمار».

ومن المقرر أن يختتم كبار مسؤولي الدفاع في دول غرب أفريقيا مناقشاتهم في نيجيريا حول التدخل المحتمل في النيجر، ومع ذلك قالوا إن هذا سيكون الملاذ الأخير.

وعقد الاجتماع الذي استمر يومين بهدف وضع خطة لتدخل عسكري في نهاية المطاف لاستعادة النظام الدستوري، وفقاً لبيان صادر عن مجلس الأمن القومي لساحل العاج.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )
أفريقيا صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، حسب تقرير «وول ستريت جورنال»

إيلي يوسف (واشنطن)

مقتل «رجل موسكو» في جمهورية مالي


وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
TT

مقتل «رجل موسكو» في جمهورية مالي


وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

لقي وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، مصرعه في هجوم شنته «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، السبت، على العاصمة المالية باماكو.

ويشكّل مقتل كامارا (47 عاماً) ضربة موجعة للمجلس العسكري الحاكم في مالي، إذ يُعدّ أحد «الخمسة الكبار». كما يُعدّ العقل المدبر وراء استبدال الشراكة مع روسيا بالنفوذ الفرنسي، حيث تلقّى تدريباً عسكرياً متقدماً في روسيا قبل «انقلاب 2020» بوقت قصير، وعاد إلى مالي قبيل تنفيذ الانقلاب بأيام؛ مما أثار تكهّنات حينها بشأن دور روسي في التخطيط للتحرك.

وفي كيدال، شمال البلاد، أعلن المتمرّدون الطوارق، أمس، التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من المدينة التي قالوا إنهم صاروا يسيطرون عليها «بالكامل».


42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
TT

42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)

قُتل 42 شخصا على الأقل في اشتباكات بين جماعتين عرقيتين في شرق تشاد، وفق ما أعلن مسؤول حكومي الأحد.

وقال المسؤول الحكومي إن الاشتباكات التي وقعت السبت في غيريدا بإقليم وادي فيرا أجّجها نزاع حول بئر.

وتوجّه إلى المنطقة الأحد وزراء وكبار المسؤولين المحليين ورئيس أركان الجيش.

وقال نائب رئيس الوزراء المكلّف الإدارة الإقليمية واللامركزية ليمان محمد، في حديث للتلفزيون الرسمي «إن الوضع تحت السيطرة».

على مدى سنوات، شهد شرق تشاد نزاعات بين مزارعين ورعاة ماشية من البدو العرب، وتفاقمت التوترات بفعل النزوح الكثيف هربا من النزاع في السودان المجاور.

وتفيد تقديرات مجموعة الأزمات الدولية غير الحكومية، بأن النزاعات بين المزارعين والرعاة أوقعت أكثر من ألف قتيل وألفي جريح بين العامين 2021 و2024.


ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

احتفل المتمردون الطوارق، الأحد، بالعودة إلى مدينة كيدال، والسيطرة عليها «بالكامل»، وذلك بعد 3 سنوات من خروجهم منها على يد الجيش المالي المدعوم من روسيا. وتداول ناشطون من الطوارق مقاطع فيديو لانسحاب القوات الروسية من المدينة، وإنزال علم مالي ورفع علم «إقليم أزواد» بدلاً منه.

مدينة كيدال، التي يبلغ تعداد سكانها 55 ألف نسمة، ظلت عقوداً بؤرة الصراع المستمر بين سلطات باماكو والمتمردين الطوارق، وظلت السيطرة عليها عنوانَ النفوذ والسلطة في شمال مالي. فما قصة هذه المدينة النائية والنائمة في حضن الجبال بقلب الصحراء الكبرى؟

معقل التمرد

منذ استقلال دولة مالي عن فرنسا عام 1960، ومدينة كيدال تتأرجح بين السلطات المركزية في العاصمة باماكو التي تبعد أكثر من 1500 كيلومتر إلى الجنوب، ونفوذ حركات الطوارق المسلحة التي تسعى إلى الحصول على حكم ذاتي في إقليم أزواد بالشمال، الذي يمثل ثلثي مساحة مالي.

يقول الطوارق إن مدينة كيدال كانت مركزاً لمقاومة الاستعمار الفرنسي القادم من الجنوب، ويعتقدون أن تبعية كيدال لباماكو فكرة موروثة عن الاستعمار الفرنسي. وأعلنوا التمرد مباشرة بعد الاستقلال، ولكن الرئيس المالي آنذاك، موديبو كيتا، قضى على ثورتهم بعنف بدعم من الاتحاد السوفياتي.

رغم ذلك، فإن مدينة كيدال ظلّت ذات رمزية تاريخية كبيرة في قلوب الطوارق، حيث تعدّ بالنسبة إليهم «المركز الروحي والسياسي»، خصوصاً بالنسبة إلى قبائل إيفوغاس ذات الحضور القوي في منطقة الصحراء الكبرى، وصاحبة التأثير والنفوذ في شمال مالي.

ينحدر من مدينة كيدال ومن قبائل إيفوغاس أغلب قادة حركات التمرد. ومن أشهر هؤلاء؛ إياد أغ غالي، زعيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، التي ضربت السبت العاصمة باماكو ودبّرت عملية اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا.

المدينة المحصنة

توصف مدينة كيدال بأنها قلعة حصنتها الطبيعة، حيث تقعُ في قلب سلسلة جبال آدرار إيفوغاس؛ وذلك نسبة إلى القبيلة المعروفة، وقد منحتها هذه الجبال أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة في منطقة الصحراء الكبرى.

جعلت هذه التضاريس الوعرة من كيدال حصناً طبيعياً يصعب اختراقه عسكرياً، واستُخدمت لعقود قاعدةً خلفية للمقاتلين، ومخبأَ استراتيجياً للجماعات المسلحة بعيداً عن أعين الرقابة الجوية والبرية. كما تزيد قيمة المدينة عسكرياً بسبب وجود مطار عسكري فيها، بالإضافة إلى قربها من قاعدة «تيساليت» الاستراتيجية؛ مما يعني أن من يسيطر على كيدال فهو يسيطر على خطوط الإمداد الجوي والبري في شمال مالي، ويتحكم في الطريق المؤدية إلى الحدود مع الجزائر والنيجر.

رمزية السيادة

بدا رفع العلم المالي في كيدال رمزاً لاستعادة السيادة الكاملة، حيث ظلّت كيدال خارج سلطة الدولة المركزية لأكثر من عقد (2012 - 2023)، وعُدّت استعادتها من قبل الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 «انتصاراً تاريخياً» لسياسة المجلس العسكري الحاكم.

وخلال الفترة من 2012 حتى 2023، شكلت مدينة كيدال معقل «تنسيقية الحركات المسلحة المتمردة»، رغم وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والجيش الفرنسي، إلا إن الجيش المالي ظل غير مسموح له بدخولها؛ مما أسهم في تعثر تنفيذ «اتفاق المصالحة» الموقع في الجزائر عام 2015.

وظلت باماكو ترى في الوضع الخاص لمدينة كيدال حجر عثرة أمام تنفيذ الاتفاق؛ لأن الحكومة المالية ترى أن بقاء كيدال تحت سيطرة الحركات المسلحة هو «دولة داخل الدولة»؛ مما أدى في النهاية إلى انهيار الاتفاق رسمياً.

برميل بارود

تُلخّص كيدال كلّ تعقيدات مالي... فرغم أنها المعقل التاريخي والسياسي للمتمردين الطوارق، فإنها أيضاً كانت منطقة تداخل مع الحركات الإرهابية، حيث تعايشت فيها حركات متمردة «علمانية» وأخرى متطرفة مرتبطة بفكر «القاعدة»، خصوصاً حركة «أنصار الدين» التي تحوّلت فيما بعد إلى «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

وكان الموقف المعادي للسلطات المركزية في باماكو، هو المشترك ما بين هذه الجماعات المتناقضة، وفي بعض الأحيان لم يكن كافياً لتحقيق التعايش، فاندلعت مواجهات مسلحة في المدينة بين الطرفين، كشفت عن هشاشة التوازنات في المدينة.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز التوازنات القبلية والعرقية الحساسة في المدينة، حيث إن السيطرة عليها تتطلب تفاهماً مع زعماء القبائل المحليين، وأي محاولة لتغيير ديموغرافيتها أو فرض سلطة عسكرية خارجية تُقابل بمقاومة اجتماعية شرسة تتجاوز العمل العسكري. كل هذه التعقيدات تجعل من كيدال «برميل بارود» في منطقة مشتعلة. وما يزيد من تعقيد الوضع أنها تحولت نقطةَ عبور رئيسية لشبكات التهريب العابرة للصحراء، لينمو في المدينة اقتصاد التهريب والإرهاب والتنقيب عن الذهب، وهو اقتصاد لا يريد الفاعلون فيه أي نوع من الاستقرار أو السلطة المركزية.