قتيلان في مظاهرات رافضة لحل حزب معارض بالسنغال

طريق سونكو نحو رئاسة البلاد أصبحت شبه مستحيلة

زعيم المعارضة السنغالي عثمان سونكو يخاطب الصحافيين بعد إطلاق سراحه من حجز الشرطة في دكار (السنغال) (رويترز)
زعيم المعارضة السنغالي عثمان سونكو يخاطب الصحافيين بعد إطلاق سراحه من حجز الشرطة في دكار (السنغال) (رويترز)
TT

قتيلان في مظاهرات رافضة لحل حزب معارض بالسنغال

زعيم المعارضة السنغالي عثمان سونكو يخاطب الصحافيين بعد إطلاق سراحه من حجز الشرطة في دكار (السنغال) (رويترز)
زعيم المعارضة السنغالي عثمان سونكو يخاطب الصحافيين بعد إطلاق سراحه من حجز الشرطة في دكار (السنغال) (رويترز)

سقط قتيلان على الأقل في مظاهرات غاضبة خرجت أمس (الاثنين)، في مدينة زيغنشور جنوب السنغال، احتجاجاً على حل السلطات لحزب «باستيف» الذي يرأسه المعارض عثمان سونكو، الموجود قيد التوقيف بأمر من العدالة بعد توجيه 7 تهم إليه؛ منها «الدعوة إلى التمرد والتآمر».

امرأة تغطي وجهها بعد أن أطلق رجال الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق حشد من المتظاهرين بعد اعتقال زعيم المعارضة عثمان سونكو في دكار (رويترز)

وأكدت وزارة الداخلية السنغالية سقوط القتيلين، خلال مظاهرات اندلعت في المدينة التي يتولى سونكو رئاسة مجلسها البلدي، ويمثلها في البرلمان السنغالي، وهي مسقط رأسه ومركز ثقله الانتخابي.

ولكن مدينة زيغنشور لها خصوصيتها الثقافية والسياسية والاجتماعية، فهي عاصمة إقليم كازامانص، الذي سبق أن اندلع فيه تمرد مسلح قبل عدة عقود، يدعو إلى استقلاله عن السنغال، ولا يزال ذلك الإحساس بالخصوصية موجوداً لدى سكان الإقليم ذي الأغلبية المسيحية.

وبدأت المظاهرات زوال أمس، حين قام شبان غاضبون بإغلاق الطرق الرئيسية في المدينة، وإضرام النيران في أغصان أشجار وأطر سيارات، قبل أن يبدأ الأمن تفريق المحتجين، ليسقط قتيلان و3 جرحى، فيما كان هنالك 6 معتقلين خضعوا للتحقيق، حسب مصادر أمنية.

رجال الشرطة يزيلون كشكاً أسقطه المتظاهرون لإغلاق الطريق بعد اعتقال زعيم المعارضة عثمان سونكو في دكار (رويترز)

وزارة الداخلية السنغالية أصدرت بياناً يتحدث عن مظاهرات زيغنشور، ودعت فيه المواطنين إلى «التزام الهدوء»، ولكنها في الوقت ذاته أكدت أن الجهات الأمنية «اتخذت كل الإجراءات الضرورية للحفاظ على السلام والطمأنينة في البلاد».

ضابط شرطة يحتجز متظاهراً خلال اشتباكات مع أنصار زعيم المعارضة السنغالي عثمان سونكو بعد اعتقال سونكو في دكار (السنغال) (رويترز)

وتعيش السنغال واحدة من أكثر فتراتها السياسية اضطراباً، وهي البلد المعروف باستقراره السياسي، ونموذجه الديمقراطي الناجح في منطقة غرب أفريقيا المضطربة دوماً، فالسنغال لم تشهد أي انقلاب عسكري منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1960، على خلاف ما اشتهرت به دول الجوار من عنف سياسي.

ولعل ذروة الاضطراب السياسي الذي تعرفه السنغال، كانت نهاية مايو (أيار) ومطلع يونيو (حزيران) الماضيين، حين حكم على عثمان سونكو بالسجن عامين نافذين في قضية «فضيحة جنسية»، لتندلع مظاهرات غاضبة سقط فيها 16 قتيلاً على الأقل، حسب حصيلة الحكومة، ونحو 30 قتيلاً، حسب حصيلة غير رسمية.

سونكو البالغ من العمر 49 عاماً، يرأس حزب «الوطنيون من أجل العمل والأخلاق والأخوة»، المعروف في السنغال اختصاراً باسم «باستيف»، وهو حزب يحمل خطاباً مناهضاً لفرنسا والغرب، ويقال إن له ميولاً وارتباطات بحركة الإخوان المسلمين، ويحظى بشعبية واسعة في أوساط الشباب الجامعي، وداخل الأحياء الشعبية الفقيرة.

وسبق أن ترشح سونكو للانتخابات الرئاسية الماضية (2019)، وينوي الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة (2024)، ويقدم نفسه على أنه «زعيم المعارضة» في السنغال، ولكنه كثيراً ما يدلي بتصريحات حادة تصل في بعض الأحيان إلى التهديد باستخدام العنف ضد الدولة.

ومع أن سونكو لا يزال شاباً بالمقارنة مع بقية الشخصيات التي تتصدر المشهد السياسي في السنغال، فإن أنصاره يقدمونه على أنه الوحيد القادر على الفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة، خصوصاً أن الرئيس الحالي ماكي صال لن يكون مرشحاً لها، إلا أن على سونكو قبل ذلك أن يحل مشاكله مع العدالة السنغالية.

ورغم أنه استأنف الحكم الصادر في حقه بالسجن النافذ عامين في قضية اتهامه بالتحرش والاغتصاب، بدأت قضية ثانية يوم الجمعة الماضي، حين أوقفته العدالة ووجهت له 7 تهم خطيرة تتعلق جميعها بالتآمر لزعزعة الأمن والدعوة إلى التمرد، على خلفية تورط أنصار حزبه في أحداث العنف قبل شهرين، وقد أمر القضاء أمس (الاثنين)، بإحالته إلى السجن، ليكتب سونكو تعليقاً على ذلك: «لقد تم احتجازي ظلماً الآن».

وأضاف سونكو موجهاً الكلام إلى أنصاره: «إذا تخلى الشعب السنغالي الذي طالما قاتلت من أجله، وقرر تركي بين يدي نظام ماكي صال، فسأخضع كما الحال دوماً للإرادة الإلهية».

في غضون ذلك، أعلنت الداخلية السنغالية أمس (الاثنين)، حل حزب «باستيف» بموجب مرسوم صادر عن رئيس الجمهورية. وجاء في بيان صادر عن وزير الداخلية أن الحزب سبق أن دعا «من خلال قادته وأجهزته، بشكل متكرر إلى التمرد، وهو الأمر الذي كانت له عواقب وخيمة، بما في ذلك، خسائر عديدة في الأرواح، وعدد كبير من الإصابات، فضلاً عن أعمال نهب وسلب للممتلكات العامة والخاصة».

وربطت الداخلية السنغالية حزب «باستيف» بما قالت إنها «الاضطرابات الخطيرة التي مست النظام العام، والتي تم تسجيلها خلال الأسبوع الأول من يونيو 2023، بعد تلك المسجلة في شهر مارس (آذار) 2021»، وذلك في إشارة إلى المظاهرات وأعمال الشغب التي تحدث حين تستدعي العدالة رئيس الحزب.

وقالت الداخلية إن «هذه الأحداث تشكل انتهاكاً خطيراً وثابتاً لالتزامات الأحزاب السياسية»، مشيرة إلى أنها «وفقاً لمقتضيات الدستور، تم حل حزب (باستيف)»، وبناء على ذلك، فإن «ممتلكات الحزب ستتم تصفيتها وفقاً للمقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل».

وأثار سجن سونكو وحل حزبه السياسي ردود فعل عديدة؛ كان من أبرزها بيان صادر عن حركة «أف 24» المعارضة، نددت فيه بالإجراءات ورفضتها، واصفة ما يتعرض له سونكو بأنه «استهداف مستمر منذ عدة أشهر».

وقالت الحركة التي تضم عدة تشكيلات سياسية، إنها تندد بكل الإجراءات «التعسفية» المتخذة من طرف السلطات، خصوصاً «قطع الإنترنت عن الهاتف الجوال، وتقييد حركة الأفراد ومنع المظاهرات»، ودعت إلى «الإفراج الفوري» عن عثمان سونكو وجميع المعتقلين السياسيين.

من جهة أخرى، أصدر حزب «باستيف» بياناً حول قرار السلطات بحله، أعلن فيه أنه سيسلك «الطرق القانونية» لإرغام السلطات على التراجع عن قرار حله، وقال المكتب الوطني للحزب في بيان أمس (الاثنين): «الحزب حتى الآن لم يتسلم أي إشعار بحله، وحين يصل إلينا الإشعار سنحاربه عبر الطرق الشرعية والقانونية، لأن هذا المرسوم فاقد للشرعية بشكل فج».

ومن الواضح أن طريق عثمان سونكو نحو رئاسة السنغال أصبحت صعبة، فمع أنه يواجه مشاكل مع العدالة تكفي لمنعه من الترشح للانتخابات المرتقبة بشهر فبراير (شباط) من العام المقبل (2024)، إلا أن حزبه السياسي أيضاً أصبح ممنوعاً من العمل.


مقالات ذات صلة

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

أفريقيا أشخاص خلف شريط مسرح الجريمة في موقع غارة جوية أميركية شمال غربي جابو بنيجيريا يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025 (أ.ب)

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة ومسؤول محلي ينفي حصول أي هجوم على كنيستين معنيتين بولاية كادونا

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نيجيريا: القضاء على عشرات الإرهابيين بقصف جوي

نفذ سلاح الجو النيجيري ضربات جوية ضد معاقل تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 إرهابياً.

الشيخ محمد (نواكشوط)
آسيا سيارات تمر إلى جاني المبنى الذي استهدفه التفجير في كابل (أ.ف.ب)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن تفجير استهدف فندقاً في كابل وأوقع 7 قتلى

أعلن تنظيم «داعش»، الإثنين، مسؤوليته عن هجوم على مطعم ‌يديره صينيون ‌في ‌فندق ⁠بالعاصمة ​الأفغانية ‌كابل، أسفر عن مقتل 7 أشخاص على الأقلّ.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
أفريقيا رئيس بوركينا فاسو إلى جانب جنود ومتطوعين (إعلام محلي)

بوركينا فاسو: مقتل 7 جنود في هجومين نفذهما «تنظيم القاعدة»

أعلن «تنظيم القاعدة» مسؤوليته عن مقتل 7 من جنود جيش بوركينا فاسو وميليشيات مُوالية له بشمال البلد الواقع غرب أفريقيا

الشيخ محمد (نواكشوط)

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
TT

الشرطة النيجيرية تنفي اختطاف 163 مسيحياً من قبل عصابات مسلحة

نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)
نيجيريون يستعدون لدفن القتلى الذين سقطوا خلال هجوم مسلحين على قرية كاسوان داجي بولاية النيجر - 4 يناير 2026 (رويترز)

نفت الشرطة والسلطات المحلية في ولاية كادونا، شمال نيجيريا، الأنباء المتداولة حول اختطاف 163 مسيحياً في هجوم على كنائس بقرى نائية، وهو ما أكدته مصادر محلية، وجاء في تقرير أمني صادر عن الأمم المتحدة قالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إنها اطلعت عليه. وقال مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، إن البلاغات التي تحدثت عن اختطاف مصلّين مسيحيين أثناء قداس في كاجورو: «محض أكاذيب صادرة عن مروجي الشائعات الذين يسعون لإشاعة الفوضى».

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

رواية محلية

نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة، أن عصابات مسلحة هاجمت الأحد الماضي، كنيستين، واختطفت أكثر من 160 مصلّياً في قرية نائية بولاية كادونا. وقال رئيس جمعية المسيحيين في ولايات شمال نيجيريا الـ19 وإقليم العاصمة الفيدرالية، القس جون جوزيف هاياب، إن مجموعة من «الإرهابيين» اختطفت 163 مصلّياً في كورمين والي، بمنطقة الحكم المحلي كاجورو في ولاية كادونا.

وقال هاياب في تصريحات صحافية، الأحد، إنه تلقّى اتصالاً من رئيس جمعية المسيحيين في المنطقة المتضررة، أفاد فيه بأن مصلّين اختُطفوا أثناء قدّاس الأحد، وبحسب رواية القس هاياب، فقد «اقتحم المهاجمون الكنائس أثناء الصلوات، وأغلقوا الأبواب، وأجبروا المصلّين على التوجه نحو الأدغال».

وأشار القس إلى أن «8 من المختطفين تمكنوا لاحقاً من الفرار، غير أن 163 مصلّياً ظلّوا، حتى يوم الاثنين، في قبضة الخاطفين»، وختم بالقول: «لقد جرت بالفعل تعبئة القوات الأمنية. ونحن نثمّن جهودها ونشجعها على بذل كل ما في وسعها لإنقاذ إخوتنا وأخواتنا سالمين وفي أسرع وقت ممكن».

شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع بعد يوم من انفجار هزّ المسجد عقب صلاة العشاء قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو بنيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

نفي رسمي

الرواية الصادرة عن السكان المحليين نفتها مصادر أمنية ورسمية، حيث وقف مفوض شرطة ولاية كادونا، الحاج محمد ربيع، أمام الصحافيين عقب اجتماع لمجلس أمن الولاية عُقد الاثنين، وتحدّى أيّ شخص أن يقدّم قائمة بأسماء الضحايا المزعومين.

وحذر مفوض الشرطة مروجي الشائعات من الاستمرار في محاولة ما سماه «زعزعة السلم» في كادونا، ملوّحاً بتطبيق أقصى العقوبات القانونية بحق «تجّار الأكاذيب».

من جهته، قال رئيس الحكومة المحلية في كاجورو، داودا ماداكي، إنه حين سمع خبر الهجوم «عبّأ الشرطة وسائر قوات الأمن، وتوجّه إلى المنطقة المعنية، ليتبيّن لاحقاً أنه لم يقع أي هجوم»، واصفاً ما تم تداوله بأنه «شائعة».

عناصر من الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقال: «توجّهنا إلى الكنيسة التي قيل إن الاختطاف المزعوم وقع فيها، ولم نجد أي دليل على وقوع أي هجوم. واستجوبتُ زعيم القرية، ماي دان زاريا، فأكد أنه لم يحدث أي هجوم من هذا النوع».

وأضاف: «كما اتصلتُ بمسؤول الشباب في المنطقة، برنارد بونا، الذي كان قد أدلى بتصريحات للصحافيين المرافقين لي، فأكد بدوره أن شيئاً من ذلك لم يحدث»، وخلص رئيس الحكومة المحلية إلى القول: «لذلك أتحدى أيّ شخص أن يسمّي الأشخاص الذين قيل إنهم اختُطفوا. وأنا أنتظر هذه القائمة منذ وقت طويل ولم يتقدّم بها أحد حتى الآن».

من جانبه، قال مفوض الأمن وشؤون الداخلية، سلي شعيبو، إن رئيس جمعية المسيحيين في نيجيريا وعدداً من القادة الدينيين الآخرين، تواصلوا مع سكان المنطقة التي قيل إن الاختطاف وقع فيها، وأوضح أن هؤلاء القادة «خلصوا إلى أن ما جرى تداوله علناً غير صحيح تماماً».

وأمام النفي الرسمي للاختطاف، قال الزعيم التقليدي إتيشاكّو دانعزومي، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «الوحيدين الذين ينكرون اختطاف أهلنا هم السياسيون»، وأضاف: «لدينا الآن 166 شخصاً في قبضة الخاطفين»، معرباً عن أسفه لأن قريته تعيش تحت تهديد المسلحين.

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

وتابع: «هذا أثّر في أنشطتنا الزراعية، إذ ننتج غذاءً أقل مما كنا عليه سابقاً. (...) لم نكن نشكو للسلطات من عمليات الاختطاف في منطقتنا، لأننا كنا نُسهم في دفع فِدى تحرير المخطوفين. أحياناً كان يُختطف ما يصل إلى 20 شخصاً، ولم نكن نشتكي، بل كنا نتعامل مع الأمر بأنفسنا». وختم دانعزومي: «هذه المرة لجأنا إلى السلطات، لأن عدد المختطفين تجاوز قدرتنا على التعامل مع الوضع»، وفق تعبيره.

تجارة رائجة

تشهد ولايات شمال غربي نيجيريا، ومن بينها كادونا، تصاعداً في هجمات تشنها جماعات مسلحة تتمركز في جيوب نائية، وتستهدف قرى ومدارس ودور عبادة بعمليات خطف جماعي مقابل طلبات فدية.

ورغم أن دفع الفِدى محظور قانوناً، فإن الاختطاف أصبح «تجارة منظّمة ومربحة» درّت نحو 1.66 مليون دولار بين يوليو (تموز) 2024، ويونيو (حزيران) 2025، وفق تقرير لشركة «SBM إنتليجنس» الاستشارية ومقرها لاغوس، العاصمة الاقتصادية لنيجيريا.

وهزّت موجة جديدة من الاختطافات البلاد بعمق، بما في ذلك اختطاف أكثر من 300 تلميذ ومعلم من مدرسة كاثوليكية بوسط البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أُفرج عنهم لاحقاً، وذلك في بلد منقسم تقريباً بالتساوي بين شمال ذي غالبية مسلمة وجنوب ذي غالبية مسيحية.

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

ورداً على ذلك، أعلن الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو، أواخر نوفمبر الماضي، حالة طوارئ وطنية، وأطلق عملية تجنيد واسعة في صفوف الشرطة لمواجهة انعدام الأمن الذي ينهش البلاد، وقد دفعت هذه الأوضاع الحكومة الأميركية إلى تنفيذ ضربات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو، حيث اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جماعات مسلحة نيجيرية باضطهاد المسيحيين، واعتبر أنهم ضحايا «إبادة جماعية».

غير أن الحكومة النيجيرية ومحللين مستقلين يرفضون توصيف ما يجري بأنه اضطهاد ديني، وهو طرح طالما تبناه تيار اليمين المسيحي في الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك انفصاليون نيجيريون لا يزال لهم قدر من النفوذ في واشنطن.


خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطف 160 مسيحياً على الأقل في هجوم استهدف كنيستين شمال نيجيريا

أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد عناصر رجال الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

اختٌطف أكثر من 160 شخصاً خلال هجوم شنته عصابات مسلحة، الأحد، على كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال نيجيريا، على ما أفاد رجل دين مسيحي وتقرير أمني للأمم المتحدة اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وتشهد نيجيريا، الدولة الأكثر تعداداً بالسكان في أفريقيا، تصاعداً في عمليات الاختطاف الجماعي منذ نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما دفع الحكومة الأميركية إلى شن غارات عسكرية يوم عيد الميلاد في ولاية سوكوتو في شمال غربي البلاد. واتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجماعات المسلحة النيجيرية باضطهاد المسيحيين، واصفاً إياهم بضحايا «إبادة جماعية».

وقال رئيس الرابطة المسيحية في شمال نيجيريا الأب جوزيف هياب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «وصل المهاجمون بأعداد كبيرة، وأغلقوا مداخل الكنيستين، وأجبروا المصلين على الخروج إلى الأدغال».


شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

شكوك حول التزام «إم 23» بمسار السلام في شرق الكونغو

عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)
عناصر من جيش الكونغو الديمقراطية في لوبيرو بمقاطعة شمال كيفو (رويترز)

فتح انسحاب حركة التمرد «إم 23» من مدينة أوفيرا، الواقعة شرق الكونغو الديمقراطية، والتي سيطرت عليها قبل نحو شهر، تساؤلات حول جدية مسار السلام المبرم أخيراً مع حكومة كينشاسا، بعد عام لم تفلح خلاله اتفاقات التهدئة المبرمة في الدوحة وواشنطن من منع عودة نيران المواجهات.

فرغم ذلك الانسحاب، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا يمنع الشكوك حول التزام حركة التمرد بمسار السلام، خاصة أنها لا تزال تسيطر على مدينتين منذ 2025، ولم تنخرط بجدية في تنفيذ اتفاقات التهدئة التي شهدها العام الماضي».

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، تصاعدت حدتها بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «إم 23»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته، بعد فترة وجيزة من إبرام الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام برعاية الولايات المتحدة.

انسحاب

وبعد نحو شهر، دخل مسلّحون موالون للحكومة مدينة أوفيرا الاستراتيجية في شرق الكونغو الديمقراطية بعد انسحاب قوّات «إم 23»، بعد يومين من إعلان الحركة المتمردة سحب آخر قواتها لتصبح المدينة «تحت مسؤولية المجتمع الدولي بالكامل»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر محلية، الأحد، دون أن توضح سبب الانسحاب.

غير أن الحركة بقيت متمركزة في مرتفعات أوفيرا «لتوجيه أسلحتهم على المدينة، فضلاً عن البلدات المحيطة بها»، حسب الوكالة.

ويرى المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أنه «تتزايد الشكوك حول التزام الحركة بمسار السلام؛ لأن انسحابها من مدينة أوفيرا ينظر إليه على أنه خطوة تكتيكية أكثر منه تحولاً حقيقياً نحو التهدئة، خاصة مع استمرار سيطرتها على مدينتين أخريين، واحتفاظها بنفوذ عسكري في محيط المناطق التي أعلنت الانسحاب منها».

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يضعف الثقة في نوايا الحركة، ويعزز الاعتقاد بأنها تستخدم الانسحابات الجزئية لتحسين موقعها التفاوضي، أو إعادة تنظيم صفوفها بدلاً من الالتزام بوقف شامل لإطلاق النار، وفق تقدير عيسى.

ونبّه عسى إلى أن تكرار الخروقات الأمنية، وغياب آليات تحقق مستقلة، واستمرار الاتهامات بوجود دعم خارجي، كلها عوامل تجعل مسار السلام هشاً، وتدفع الأطراف المحلية والدولية إلى التشكيك في جدية الحركة، وقدرتها أو رغبتها في الالتزام بتسوية سلمية دائمة.

وجاءت تلك المتغيرات في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «إم 23» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولا تلوح في الأفق مساعٍ جديدة لإحياء مسار السلام؛ لذا يجب الحذر المشوب بالأمل أكثر من التفاؤل الكامل، وفق ما يرى المحلل التشادي، موضحاً أن انسحاب الحركة من أوفيرا، رغم محدوديته، قد يفتح نافذة صغيرة لإعادة تنشيط محادثات السلام؛ لأنه يوفر إشارة سياسية يمكن للوسطاء البناء عليها، ويخفف مؤقتاً من الضغط العسكري. لكن في المقابل، استمرار سيطرة الحركة على مدينتين أخريين، وغموض نواياها الميدانية، وغياب ضمانات واضحة للتنفيذ، يجعل الجمود مرشحاً للاستمرار ما لم تترجم الإشارات السياسية إلى خطوات عملية قابلة للتحقق، حسب عيسى.

والواقع يشير إلى أن أي مرحلة جديدة من محادثات السلام ستظل هشة، وقد تتحول إلى مجرد إدارة للأزمة لا حل لها، إلى أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية وفق عيسى، تتمثل في التزام ميداني واضح بوقف القتال، وضغط إقليمي ودولي فعال ومتوازن على جميع الأطراف، وآلية رقابة تضمن أن الانسحابات ليست مؤقتة أو شكلية.

ودون ذلك، سيبقى الجمود قائماً، لا كفشل كامل لمسار السلام، وإنما تعليق مؤقت له بانتظار تغيير حقيقي في ميزان الإرادة السياسية على الأرض، وفق تقدير عيسى.